الخوارج وصفاتهم في السنة النبوية
الأربعاء 27 أغسطس 2014

د. عصر النصر- باحث أردني

 

فهذه مقدمات أُمهد بها للكلام عن الخوارج، من خلال بيان صفاتهم الواردة في السنة وأثرها في واقع الأمة، ومدى وجودها في الغلاة المعاصرين.

·       المقدمة الأولى: ضعف الكلام في نزعة الغلو المعاصرة :

يعدُّ علمُ الفرقِ والمقالات من العلوم  المهمة[1]، وهو من العلوم الحافظة لحوزة الدين من خلال رصد أهمِّ المقالات المخالفة لمقالة أهل السنة ومنهجهم، وقد ورد في كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ذكرُ عددٍ من المقالات الواردة عن اليهود والنصارى والمشركين، لمعرفتها والتحذير منها[2].

يعدُّ غيابُ العلمِ و ضعفُه من أهمِّ الأسباب في قلة الكلام في نزعة الغلو المعاصرة، حيث غاب العلم الكاشف، قال ابن تيمية رحمه الله : " وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدع"[3], وهذه قاعدة مطّردة فحيث يغيب العلم يغيب -ولا بد- أثره، وكان ممّا غاب عن الناس هي تلك الحدود المميزة للفِرَقِ و وأصحابها والمقالات ونشأتها وتطورها، وقد تعزز هذا الأمر عندما تلبس الغلاة بلباس السنة، واستخدموا مصطلحاتهم كالجهاد والبيعة والإمارة, وقد وجد من العوامل المؤسسة ما سهّل قبولَ هذه المصطلحات ذاتِ الأبعاد الفكرية المنحرفة-عند أصحابها- التي تخفى على كثير من الناس .

المقدمة الثانية: عوامل نشأة البدع :

مثلت النوازل الكبرى في تاريخ الأمة نقطة تحول على كل المستويات المعبرة عن كيان الأمة والمجتمع المعبر عن وجودها وتصورها لمفاهيم الدين وحقائقه، على أن هذه النوازل تمثلُ بيئةً مناسبة لنشوء البدع وظهورها، من خلال توفر عاملين اثنين:

الأول : الاختلاف العام؛ حيث يعد من أعظم المؤثرات على نظام المجتمع الديني والاجتماعي، ولا شك أن النفس في مثل هذا الظرف تكون أكثر قبولا للتغيير مما لو كانت في اطمئنان وسكون، حيث يتسبب مثل هذا الاختلاف بإخراج الناس من نظامهم الديني والاجتماعي من غير مراعاة لما استقر في نفوسهم وجرى عليه عملهم، وهذا بدوره يسبب ضعفا في الإيمان بضعف أسبابه، ويورث الجدل.

 

الثاني: السمت السياسي أو النظام السياسي، حيث يعد الخلاف فيه من أرفع أنواع الخلاف، وأكثرها أثرا على الواقع، ويعظم هذا الأمر بسبب الوشيجة العميقة بين النظام السياسي في الأمة وبين باب الأسماء والأحكام والإمامة، فقد كان أول خلاف ظهر في الأمة هو هذا النوع من الخلاف على يد الخوارج والشيعة، حيث يستدعي مثل هذا الخلاف من  صاحبه التمهيد لغايته من خلال إطلاق الأسماء وما يترتب عليها من أحكام؛ كالكافر والمنافق، وقد تميز هذا النوع من الخلاف بنوع من المفاصلة والحدة تبعا لطبيعة الأصل لذي ينطلق منه.

·       المقدمة الثالثة : البعد التاريخي لظهور الخوارج :

من المهمات في دراسة الفرق والمقالات؛ التفريق بين "الفرقة" و"الفكرة"، فالفكرة تسبق نشأة الفرقة، كما أن الفرقة تمرُّ بعدة مراحل حتى تصل إلى مرحلة الصناعة، من خلال ظهور منهج ضابط للأفكار والأفراد.

مثلُ حديث ذي الخويصرة بما حمله من إعراض ومقابلة للشرع؛ الفكرةَ الأولى في نشأة نزعة الخروج، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أَوليِّةِ هذا الفكر بقوله :" يخرج من ضئضئ هذا .."

وقد ظهر أثر هذه الفكرة بصورة واضحة في الفتنة التي آلت إلى نوع تفرق بين الصحابة رضي الله عنهم, ومقتل أمير المؤمنين و وبعد ذلك الاقتتال بين معسكري الشام والعراق حيث ظهرت على إِثرِ ذلك طائفةُ الخوارج، ومن هنا انتقلت نزعة الخروج إلى مرحلة جديدة حيث تمثلت بأفكار تداولها أصحابها، كتكفير المخالف، وكتكفير الحاكم بغير ما ـنزل الله بما لا يوجب التكفير، كما وجد بينهم الدعوة إلى الاعتزال والبيعة .

إلا أن السمة المميزة لهم هي عدم اتفاقهم على كل ما يقولونه, فالأمر يعود إلى كل أمير ومن تبعه منهم، وأما مرحلة الصناعة فكانت متأخرة حيث تأثرت الخوارج بالفرق الكلامية كالمعتزلة .

·       المقدمة الرابعة : ما هو المعتبر في التصنيف و الإلحاق بنزعة الخوارج ؟!

من الأخطاء الشائعة في مسألة الإلحاق والتصنيف بالنسبة لفرقة الخوارج، الاقتصار على إلحاق القائل بتكفير مرتكب الكبيرة على اعتبار أنها الصفة الأبرز لدى الخوارج وهذا الأمر تعوزه الدقة حيث تعد فكرة تكفير مرتكب الكبيرة في التصنيف الموضوعي للفرق فكرة متأخرة الظهور ظهرت بعد سنوات من اقتتال الصحابة رضي الله عنهم حيث انتشر الجدل بين الناس في حكم المقتتلين، فظهرت لدينا فكرتان متقابلتان، فكرة ترجئ أمرهم إلى الله، وأخرى تتطلب الحكم عليهم، وقد دل على هذا أثر الرجل الذي دخل على الحسن البصري في مجلس فسأله عن مرتكب الكبيرة، فلم يكن الأمر يختص بالخوارج بل وافقهم كثير من أهل البدع.

أما الخوارج فأصل فكرهم الغلو في الدين, ومن أهم مظاهره تعظيم أعمال الظاهر وجعلها مناط الحكم دون الالتفات للباطن وقد دل على هذا حديث ذي الخويصرة المتقدم، ومن مظاهر تعظيم الظاهر تكفير أصحاب الذنوب، ومفارقة الجماعة والخروج عليهم بالسيف وعقد الولاء و البراء على جماعتهم دون جماعة الناس.

·       شرح صفات الخوارج الواردة في السنة :

قال الإمام أحمد رحمه الله: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه"، وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يبين حالهم ويكشف باطلهم، وسأبين هذه الصفات على النحو الآتي:

أولًا : صفات تتعلق بزمن الخروج وحاله:

قوله: " يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ" وفي حديث آخر: " سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ "وفي حديث: " حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ ".

من تأمل في هذه الأحاديث رأى أنها تدل على ظهور هؤلاء القوم ابتدءً, وأن ظهورهم متكرر من خلال التعبير بالفعل المضارع "يأتي, سيكون" والتعبير بحادث متأخر "كخروج المسيح الدجال "

كما دلت الأحاديث على أن خروجهم مرتبط بقلة العلم وانتشار الجهل وضعف الإيمان، ويدل على هذا تقييد الخروج بأخر الزمان حيث يأتي عادةً للتعبير عن الفتن، ولذلك قال في الحديث الآخر "اختلاف وفرقة" والفتن والفرقة والاختلاف لا تكون إلا عند انتشار الجهل وقلة العلم وضعف الإيمان.

ثانيا: صفات تتعلق بذواتهم:

1- قوله :" حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ"، "يَنْشَأُ نَشْءٌ"، "سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ":

جعل الله في هذا الخلق لكل شيء قدراً ، كما جعل لكل عُمرٍ أحكاما تتعلق به، والأصل في هذا أن العقل الذي انعم الله به على الإنسان شرط في صحة التكليف ولزومه ومناطه المعتبر، فَرَفَعَ الشرعُ القلم عن الصغير حتى يبلغ, وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، كما جعل العجماء جُبَار.

إن المتأمل في الصفات المتقدمة يرى أنها من اظهر الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الخطأ، لما تقتضيه من قلة الممارسة وضعف العلم، وخفة الطبع، وعند النظر في عموم السلوك الذي يظهر عند الإنسان تجد أن مرده إلى هذه الصفات أو ما يقابلها, فكما أن الحلم والأناة يدلان على رجاحة العقل وزكاء الطبع، كذلك الصخب في الأسواق يدل على غلظة الطباع وقسوة القلب، على أن الشرع لم يمنع الصغير والسفيه من سائر العمل، وإنما أجاز له التصرف بما يليق بحاله كشراء الصغير ما يصلح له مما هو ليس خارج عن قدرته, ومن هنا يتبن لنا نهي الشارع أخذ العلم عن الأصاغر على قول من فسّره بصغر السّن، وهو قول وجيه.

إن من أعظم ما تقتضيه هذه الصفات هو الاعتداد بالنفس والاستعلاء على الغير فيميل صاحبها إلى شيء من التميز بالملبس والصورة الظاهرة، ومن هنا ورد كثير من الأحاديث الدالة على اتصافهم بالحلق والتسبيد، وقد عرف عنهم لبس الخشن والزهد في الدنيا، ومحل الذم هنا التدين بما لم يرد به الشرع واتخاذ هذا عادة يتميز بها أصحابها من دون الناس.

2- قوله: " يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ", "قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ"،" لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا", "يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ":

لا يستقيم للإنسان اعتقاد ولا يصح منه قول إلا إذا صح قصده ومتابعته، فإن مدار الأعمال كلها متوقف على صحة القصد والاتباع، ولما كان حال هؤلاء أنهم حدثاء أسنان, وسفهاء أحلام, لا يرفعون بأحدٍ رأسا، فلا يأخذون بقول عالم ولا يعتبرون بمرجعية، كان استدلالهم مشبعا بأهواء أنفسهم، فهم يقرؤون القرآن إلا أنهم لا ينتفعون به، وهذا دليل على عدم توفيقهم وقلة فقههم.

إن من أعظم ما ينمِّي العلم ويصححه؛ التسليمَ للشرع تسليما مطلقا والسيرَ فيه سير السابقين الأولين الذين شهد الله لهم بالخير ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذين هم أعمق الأمة علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيهم صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، وإن الخسران كل الخسران في معارضة الشرع وترك الأخذ عن السابقين الأولين وهذه من صفات القوم حيث سَنَّ لهم مُقَدَّمَهم ذو الخويصرة معارضة الشرع، ثم ما لبثوا أن ردوا على الصحابة رضي الله عنهم عِلمَهم واعتَّدُوا بخطرات عقولهم القاصرة، حتى شهد التاريخ على جمعهم بالجهالة والضلال فلا يعرف فيهم عالم، ولا كتاب يرجعون إليه، بل حرموا التقليد وأمروا بالاجتهاد غير المنضبط.

إن من أعظم ما تدل عليه هذه الصفات التي توسطت أحاديث الخوارج هو نزع الرهبة من مواجهتهم ورد كيدهم وباطلهم حتى لا يغترَّ الناس بظاهرهم وما معهم من القرآن .

3- قوله: " يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ" :

إن من أقدار الله الجارية في الأمة الاختلاف بين أبنائها، حيث جعل بأسهم بينهم شديدا، ويزداد هذا الأمر ويعظم أثره إذا عظم الدافع له كطلب إمارة أو مال، وقد تقدم معنا أنّ من أعظم أنواع الاختلاف وأكثرها أثرا الاختلافَ ذا الطابع السياسي لما يقتضيه من اقتتال وتناف، إن من مقاصد الشرع العظيمة جمعَ الناس وائتلافهم، لذلك شرعت كثير من العبادات لهذا المقصد كالجُمَعِ والجماعات وغيرها، ومن هنا كان ائتلاف الناس ومخالطتهم والصبر على أذاهم من علامات الإيمان، وإنما أجاز الشرع الانفراد عند فساد الزمان وعدم قدرة الفرد على الإصلاح فأجاز له البعد -والحالة هذه- على أن الخطأ في تقدير هذا الأمر يعود على صاحبه ومجتمعه بأبشع الآثار حيث يدعو صاحبه إلى العزلة المطوية على اتهام الآخرين بالتقصير ما يستدعي إرغامهم على التغير الذي ينشأ عنه الصراع .

من دوافع الصراع داخل الصف المسلم هو نظر كل فرقة على أنها الممثلة لحقيقة الإسلام ، ويزداد هذا الأثر عند الفرق ذات الطابع السياسي كالخوارج والشيعة، وقد تقدم هذا إلا أن الإشارة هنا إلى نظرة هذه الفرق لعموم الأمة إذا لم يحصل إتباع لهما، فيكون رفع السيف وسفك الدم الذي حرمه الله, فيقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان.

ثالثًا : صفات تتعلق بالتعامل معهم :

1- قوله: " يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ "

يعد الغلو سببا من أسباب الخروج عن الدين، وقد نص على هذا جمع من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[4]، ومن هنا اختلف أهل العلم في تكفير الخوارج على قولين, والصحيح عدم كفرهم[5], وعليه جماهير أهل العلم وهو محل اتفاق بين الصحابة, مع اتفاقهم على قتالهم، إن من علامات صحة الإيمان حُسنَ السلوك واستقامة العمل؛ ذلك أن الإيمان إذا رسخ في القلب ظهر أثره على الجوارح والعكس كذلك، فانَّ الصَّخَبَ في الأسواق وغلظ الطباع علامات على فساد القلب وشدة ضعف الإيمان بما يستوجب أن يكون صاحبه من شر الخلق وأصحاب النار، ويوضحه الآتي :

2- قوله: " هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ ".

عظَّمَ الشرعُ أمر الدماء، ورتب على منتهك حرمتها أشدَّ العقوبات الرادعة والزاجرة, وما أجاز قتل المعصوم -لمن يجوز له قتله- إلا بأسباب توجب ذلك كالقصاص أو الزنا في إحصان ونحو ذلك.

يعدُّ خلقُ الإنسان في الدنيا ووجوده فيها مرادا لله تعالى، كما في قوله تعالى :" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" (البقرة:30)، وقوله: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات:56), فإن مما تظهر به صفات الله وأسماؤه هو هذا الخلق، فعلمنا بذلك سعة رحمته وشدة عقوبته وغضبه ورضاه ورزقه ومكره إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال، فوجود الإنسان إذن مراد له سبحانه، ومن هنا كان من أعظم الذنوب وأوجبها لغضب الله إفناء الإنسان وتعطيل وجوده حيث يعد اعتداء على حق الله سبحانه.

تقدم معنا أن من خصائص الفرق الإسلامية انكفاءها إلى داخل الأمة، وتطلّب المكانة - لا سيما إذا كان الطابع السياسي هو المحفز الأكبر- فهنا يعمل السيف وينتشر القتل، وهي بهذا تعطل الأمة عن دورها وتضعف شوكتها وتقوي عدوها، فتعطل سوق الجهاد وتضعف بيضة الأمة، ومن كان هذا فعله، مع مخالفته لإرادة الله كان جزاؤه القتل بل والإقصاء حتى لا يبقى لصاحب هذه النزعة وجود إلا ما يجريه الله من قدر، وهذا المراد من قتل "عاد وثمود" فلا يبقى من أصحابها باقية.

 



[1] - ينظر لهذا : مقدمة في علم الفرق والمقالات, أ.د محمد بن خليفة التميمي.

[2] - ينظر الشهرستاني, الملل والنحل.

[3] - مجموع الفتاوى \104

[4] - مجموع الفتاوى 3\283

[5] - النبوات 1\572 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق