مؤتمر عمّان لقوى الثورة السنية
السبت 26 يوليو 2014

 

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

بتاريخ 16 تموز 2014م عقد في العاصمة الأردنية عمّان ملتقى أو مؤتمر دعيت إليه القوى السنية العراقية، وحضره أكثر من 300 شخصية من شتى الأطياف والمشارب، الغرض منه دعم الثورة وتكوين معارضة عراقية سنية، وعقد المؤتمر ليومين أحدهما تحضيري تشاوري والآخر ختامي، وما يميز هذا المؤتمر عن غيره أنه حضره من كان يرفض الحضور من قبل في أي مؤتمر، ومن كان يرفض أن يلتقي بالآخر، وهذا بحد ذاته يعد نجاحا للمؤتمر، ويحسب للقائمين عليه.

والشيء الجديد في المؤتمر: أنه عقد في دولة عربية فقد كانت المؤتمرات من قبل تعقد في تركيا أو دول أوروبية؛ فالدول العربية ابتعدت منذ احتلال العراق سنة 2003 عن القضية العراقية وبعضها مع الأسف استجاب للمحتل الأمريكي في مطالبه.

المؤتمر كان مؤتمرا سنيا، فالمدعوون كأفراد كلّهم كانوا من العرب السنة ورفضت اللجنة المنسقة حضور أي شخص غير سني([1])، والهيئات والتيارات من جميع التوجهات التي شاركت فيه هي مكونات وجهات سُنية فقط، وغاية المؤتمر رعاية الثورة في العراق وهي ثورة سُنية.

الخطوة الجديدة التي حدثت في المؤتمر أن هناك قوى سنية كانت ترفض كل طرح ومقترح يقدم من غيرها، لكنها بدلت موقفها، وقبل أيام من انعقاد المؤتمر أشادت بفكرة اللقاء والتشاور، بل بعضها تبنى المؤتمر كما كتب ذلك الدكتور محمد بشار الفيضي ممثل هيئة علماء المسلمين.

الحضور البعثي كان متميزا، فلأول مرة يُدعى حزب البعث رسميا إلى مؤتمر سياسي بخصوص العراق منذ سقوط نظام حزب البعث، وأكثر ممثليه قدم من خارج الأردن وليس من داخله.

أما فصائل المقاومة الإسلامية فقد حضر جلّها وحضرت شخصيات لم يسبق لها المشاركة العلنية لأنها تفضل أن تعمل من وراء الستار، كل هذا يؤكد أنه كان مؤتمرا غير عادي.

المؤتمر كان مفتوحا لكل الشخصيات والهيئات السنية باستثناء:

السياسيين السنة الحاليين ممن شارك في العملية السياسية الحالية، والصحوات (وأكثرهم شيوخ عشائر)، وبعض الأثرياء وتجار المال السنة، وفي اليوم الأول تم إخراج بعض من حضر المؤتمر من هذه الأصناف.

كان أكبر أهداف المؤتمر هو دعم الثورة العراقية، وتحديد الموقف من العملية السياسية العراقية الحالية في العراق، وكان يراد للمؤتمر أن يخلص إلى تشكيل معارضة عراقية ضد الحكم القائم في العراق، ولكن تم ترحيل البت في ذلك إلى مؤتمر آخر أوسع يعقد فيما بعد.

أما التنديد بسياسات المالكي والطائفية والاحتلال الإيرانى للعراق فكان واضحا من خلال الكلمات التي ألقيت.

اليوم التحضيري للمؤتمر:

شارك في اليوم التحضيري ممثلون عن كل التوجهات المشاركة، وألقيت كلمات وخطب، وكعادة حزب البعث فقد توزع البعثيون تحت عدة مسميات كي يبدو حجمهم كبيرا وتمثيلهم واسعا.

أعطيت الكلمة الأولى للدكتور الشيخ عبد الملك السعدي، وأستهلها بكلام عن الخميني وتصدير الثورة، ومحاولة السيطرة على العراق، وأن ما حصل اليوم هو جزء من هذا المخطط، لكن أخوه عبد الحكيم السعدي عقّب عليه بكلمة أساء لنفسه وللمؤتمر، قال فيها: إنه يرفض ذكر كلمة السُنّة وأنه إذا ذكر في المؤتمر السنة فإنه سينسحب ويعود إلى تركيا، وهو رغم كونه محسوبا على علماء العراق بخلفيته الصوفية، إلا أنه يعتبر أيضاً ممثلا لحزب البعث وفكره!!

وتوالت عدة كلمات تعتبر الثورة ثورة عراقية لكل العراقيين وليس للسنة وأنها ستحرر العراق كله، وذلك من شخصيات ذات توجهات بعثية وقومية وبعض العسكريين وممثلي العشائر ومقربين وأعضاء في هيئة علماء المسلمين.

بينما كانت كلمات ممثلي المقاومة العراقية، وجلهم أصحاب توجهات إسلامية سلفية، وكلمات الحراك الشعبي (الإخوان المسلمين) والحراك السني (توجه سلفي) كلمات تشيد بالثورة السنية والمحافظات الثائرة الست (وهي محافظات سنية) وأن الثورة تريد حقوق أهل السنة.

هذا التباين في التوجهات هو صراع قديم بين توجهات الحكومة البعثية السابقة وتوابعها ويضاف لها هيئة علماء المسلمين، وتوجه إسلامي سني تمثله الفصائل الإسلامية بشقيها السلفي والإخوان، أما النخب الفردية فهي موزعة بين الجهتين.

لكن الذين حضروا اتفقوا في المشاورات الجانبية قبيل المؤتمر أن تؤجل جميع المسائل الخلافية لمرحلة قادمة، وعلى رأسها مسألة الإقليم السني، وتم التوافق على رفض العملية السياسية الحالية وليس الولاية الثالثة للمالكي فحسب، وعلى توصيف الذي يجري في العراق بأنه ثورة ضد الاحتلال الإيراني، وإلى عدم التعرض لذكر داعش، وإلى رفض تشكيل صحوات جديدة، في رسالة للعالم بأن السنة يرفضون أن يكونوا قوة لضرب داعش كما حصل في سوريا، دون أن يكون هناك حل لقضيتهم الأساسية.

وأهم منذ ذلك توافق الجميع أنه لابد من نجاح المؤتمر لأن الحاضنة الأردنية يجب أن تستمر، وضمان إستمراريتها هو نجاح المؤتمر أو الملتقى الأول.

طموحات متباينة:

وبينما يطمح حزب البعث وهيئة علماء المسلمين والتابعون لهما إلى تحرير العراق بالكامل وأنه هو المطلوب، دون مراعاة للمنطقة التي يتواجد أكثرهم بها وهي إقليم كردستان، وأن الكرد حكومة وشعبا يرفضون أن يتخلوا عن الإقليم وهو يكاد يكون قرارا لا رجعة فيه عندهم ... يطمح فريق آخر إلى تحرير بغداد أو إسقاط الحكومة والوصول إلى توافق مع الشيعة للعيش المشترك وفق معادلة جديدة وحكومة جديدة بين المكونات الثلاثة الأساسية في العراق (السنة والشيعة والكرد).

هذا التباين بدا واضحا من خلال الكلمات المطروحة، وفي كواليس اللجنة التي شُكلت لصياغة البيان الختامي للمؤتمر، حيث كاد هذا التباين يفشل المؤتمر، بسبب إصرار هيئة العلماء وممثلها د. بشار الفيضي ود. مثنى حارث الضاري، وممثل جيش الطريقة النقشبندية (ممثل مقاومة حزب البعث) على عدم ذكر كلمة (السنة) ومعاناتهم وما تعرضوا له وبين ذكر المحافظات الست الثائرة، وكون العراق كله ثائرا في البيان، وبين ممثل الفصائل الدكتور أحمد الدباش الذي كان يصر على ذكرها.

وانتهى الأمر إلى حالة توافقية غريبة؛ فقد قرئ البيان في المؤتمر دون ذكر السنة بدون حضور وسائل الإعلام، وأعيدت قراءته أمام وسائل الإعلام بذكر السنة ومعاناتهم! وهذا يؤكد الانطباع عن اختلاف المناهج السنية لرؤية المعضلة العراقية.

المؤتمر نجح بنتائجه العامة وحقق هدفه وهو جمع فرقاء السنة المختلفين والمتنازعين، على قواسم مشتركة فضفاضة في خطوة تمهيدية للتحضير لمؤتمر آخر أكثر شمولا، والذي نتأمل أن تصدر من خلاله قرارات عملية لتفرز حالة أشد تطورا من اللقاء والمؤتمر الأول.

 



[1] - تجاوزا حضرت بعض الشخصيات الشيعية تحت غطاء حزب البعث وبعض المراسلين الإعلاميين.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق