القضية السُنيّة في فكر التوجهات السُنيّة العراقية
السبت 26 يوليو 2014

 

 عبد العزيز بن صالح المحمود-  كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

مدخل:

في  19 من شهر رمضان سنة 1435هـ، الموافق 16 تموز 2014م انتهى ملتقى في العاصمة الأردنية عمّان حول ثورة أهل السنة في العراق، متبنيا الثورة الجارية بالعراق ضد الحكومة الصفوية الشيعية، وقد كنتُ متابعا لهذا المؤتمر وتفاصيله من خلال أخوة كثر شاركوا فيه، ولا أريد الدخول في تفاصيل المؤتمر، ولكن الذي يهمني هو: أين كان موضع القضية السُنية في عقول المجتمعين، علما أن الحضور مثّل كل ألوان  الطيف السُني في العراق تقريبا.

المؤتمر أو الملتقى لم يحضره غير السُنة. هكذا كانت الدعوات بداية، وإن سرّب حزب البعث العربي العراقي بعض الشخصيات الشيعية البعثية في آخر جلسة ممن يقيم في عمان (الأردن). لذلك كان المناقشون في الجلسة التحضيرية كلّهم من العرب السُنّة.

الحضور جاء من المناطق السنية من المحافظات الست (بغداد – نينوى – الأنبار- صلاح الدين- ديالى – كركوك) وبعض سنة المناطق الجنوبية والوسطى.

أما تركيبتهم وانتماءاتهم فيمكن تقسيمها إلى:

- التوجهات الإسلامية: التيار السلفي، جماعة الإخوان المسلمين، التيار الصوفي، التيار العلمائي.

- التيار العلماني: حزب البعث، ونخب علمانية مستقلة، ووطنية وقومية وناصرية، وربما عدد قليل من الليبراليين بحكم أن الوجود الليبرالي في العراق ضعيف.

- المقاومة العراقية: غلب عليها التيار السلفي، وقليل تابع للبعث، وآخر تابع لهيئة علماء المسلمين.

- ممثلي العشائر: الذين توزعوا بين التيار الوطني والبعثي والقومي.

- العسكريين (الجيش السابق): وتوزّعوا بين البعثية والقومية والوطنية وقليل منهم إسلامي.

كان هناك صراع واضح بين التوجه الذي يتبنى الحل من خلال رؤية سنية وبين التيار الوطني القومي، الذي يفضل حلا شموليا للقضية العراقية ببعد علماني، علما أن الجميع اتفقوا على عدم الكلام في قضية الإقليم السني.

توزع التوجهات العراقية حول القضية السنية ومبرراته:

- تيار يعتبر قضية العراق الحالية هي وطن سُلب واحتل من قبل الأمريكان ومن ثم الإيرانيين، ومن قبل حكومة تتبع لإيران، وأن الحل الوطني يجب أن يكون الحل الوحيد ولا تذكر القضية السُنيّة لا من قريب ولا من بعيد، ويعتقدون أن ذكر القضية السنية ومعاناة السُنّة هو دعوة مبطنة للفيدرالية أو الإقليم، وأن الدعوة إلى الإقليم دعوة لتقسيم العراق، واستجابة للمخططات الغربية ودعوة بايدن، هذا هو دافع ومنطلق الرافضين للكلام عن معاناة السنة والتوجه الطائفي ضدهم.

كما أن رفضهم ازداد عندما تبنى هذا الطرح الحزب الإسلامي، الممثل السياسي في العراق لجماعة الإخوان المسلمين العراقية، وهذا التوجه يعتبر الحزب الإسلامي جزءا من المخطط الغربي في تثبيت الاحتلال والسعي للتقسيم، ويعتبرون أن الحزب ساهم بذلك منذ سنة 2002 في مؤتمر لندن عندما وقّع رئيسه إياد السامرائي مع المعارضة الكردية والعراقية على الموافقة على غزو العراق من قبل أمريكا وبريطانيا، وأنهم ساهموا بعد ذلك في قبول المحاصصة السياسية المفروضة منذ تأسيس الدولة العراقية الجديدة وإعطاء العرب السنة 5 حصص من 25 حصة للعراق، وقد استلم الحزب الإسلامي تلك الحصة من خلال أمينه العام الدكتور محسن عبد الحميد.

ولذلك فهم يخوّنون جماعة الإخوان بعامة والحزب الإسلامي ويعتقدون أنهم ينفذون الأجندة الغربية في العراق بقبول فكرة الإقليم تمهيدا للتقسيم.

ويتبنى هذا الرأي؛ كل من التوجهات التالية:

1-              حزب البعث العربي الاشتراكي (علماني).

2-              هيئة علماء المسلمين (وطني إسلامى).

3-              مجموعة من العلماء من أمثال آل السعدي([1]) وعلى رأسهم الدكتور عبد الملك السعدي، وهو توجه (مذهبي) صوفي، لهم صلة قوية بحزب البعث لليوم، ولهم مكانة في محافظة الأنبار.

4-              فصائل مسلحة تابعة لحزب البعث، مثل جيش الطريقة النقشبندية.

5-              فصائل مسلحة مثل كتائب ثورة العشرين التابعة لهيئة علماء المسلمين.

6-              بعض الفصائل الصغيرة المناطقية التي لها صلة بالهيئة دعما ماليا، أو من حزب البعث.

7-              التوجهات الناصرية القومية، وهي قد بالغت في رفض الهوية السنية لدرجة تأييد إيران وحزب الله (خارج العراق) أما عراقيا فتعتبر الخطر الأمريكي والكردي أخطر من الإيراني والشيعي. وهذه لا تملك على الأرض أي وجود مسلح.

8-              بعض التوجهات العشائرية؛ وهي إما كونها تابعة للتوجهات السابقة، أو لأنها ترى أن العراق العربي متكون من عشائر وهي منقسمة شيعيا وسنيا، وأن العشائرية هي التي توحّد النسيج العراقي، الذي مزقته التوجهات الدينية، فهي توجه يشبه التوجه الوطني.

9-              نخب وتوجهات وطنية وعلمانية أو ليبرالية تنظر إلى الدين نظرة دونية أو نظرة جزئية، أو على أنه مخرب للنسيج المجتمعي.

وتحاول كثير من هذه التوجهات تفسير جرائم إيران والشيعة باعتبار أنه توجه صفوي وإيراني قومي، وليس توجها مذهبيا (شيعيا) ويبررون ذلك بأن العراق عاش أكثر من ألف سنة وفيه شيعة ولم يحصل ما حصل اليوم من اقتتال، وأن العراق الجديد الذي تأسس سنة 1921م لم يحصل فيه اقتتال سني شيعي إلا بعد أن دخل الاستعمار إلى البلد سنة 2003 وأوجد هذا الشرخ المجتمعي في العراق.

- وتيار يتبنى القضية السنية ويدافع عنها، وهؤلاء يرون أن العراق بلد سني منذ أربعة عشر قرنا، وأن كل الدول التي عرفها العراق الإسلامي هي دول سنية، واستطاعوا أن يتعايشوا مع الشيعة بسبب حسن قيادة السنة للبلاد وعدم شعورهم بالنقص بالأقلية أو الدونية أو المظلومية، وكانوا يقودون البلاد ويمنعون أي ظهور للطائفية بشكلها الحالي ويطفئون أي نار للفتنة بين السنة والشيعة.

وحتى بعد تشكيل العراق سنة 1921 حكم السنة ومنعوا ظهور الطائفية وأن الوطن لم يتماسك إلا بوجودهم وهيمنتهم على الحكم وقيادته له، بعكس الحال حين سيطر الشيعة.

كما يرون أيضا أن الوطنية الحقّة تحتاج إلى انتماء تاريخي عميق للبلد وهذا متوفر عند السنة وحدهم، وغير متوفر عند الشيعة؛ فالسنة بناة العراق منذ أن بنيت الكوفة والبصرة في عهد الخليفة الراشد عمر، وواسط على يد الحجاج (الأمويين)، وبغداد على يد أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد، والمتعصم الذي بنى سامراء (العباسيين)، وكل مدن العراق وتاريخه، وثلاثة من علماء المذاهب السنية (أبو حنيفة – الشافعي- أحمد بن حنبل) هم من العراق.

ومدن العراق، حتى الجنوبية، بناها السنة، فالناصرية بناها ناصر السعدون، والعراق بعد سنة 1921 بناه الهاشميون وقيادات عراقية سنية لغاية 2003.

ولا يمتلك الشيعي أي رصيد في هذا البلد سوى قبور أئمة المذهب الذين هم أصلا أئمة معتبرون عند السنة أيضا، ولكن ماذا بنوا في العراق؟ حضاريا؟ أين هي بقايا تاريخهم سوى مشاركتهم ومساعدتهم للمحتل في سقوط بغداد على يد المغول سنة 656هـ، ومساعدتهم الدولة الصفوية مرتين (القرن العاشر للهجرة)، وخياناتهم سنة 2003م بمساعدة الأمريكان والإيرانيين.

فالوطنية الحقة يمتلكها أهل السنة، نعم يمكن أن يشارك في ذلك شرفاء من الشيعة والعشائر ولكن تحت قيادة سنية.

ولذلك لا يستطيع أي حاكم شيعي أن يحكم العراق ولا يخربه؛ لأنه ينطلق من نظرة دونية وشعور بالنقص وروح الانتقام، وهذا ما لا يملكه السني الذي يشعر بأنه سليل حضارة عميقة، وأن الشعور الأبوي بحماية كل أبناء البلاد يتوفر لديه، وأنه إذا ظلم أو همش فإنه يكون عادلا في ظلمه إذ يساوي بين الجميع!

وقد أدرك هذا كثير من البعثيين وأفراد هيئة علماء المسلمين؛ ويعترفون بهذا في مجالسهم الخاصة، فرئيس الهيئة الدكتور الشيخ حارث الضاري مثلا قال مرارا في مجالسه الخاصة: "قيادة العراق لا تصلح إلا للسنة"، لكنه في تنظيره العلني وظهوره الإعلامي يكابر، وصدق الله العظيم القائل: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ).

وهذا التيار يضم في صفوفه:

1-              التوجهات السلفية بجميع اختلافاتها.

2-              بعض عناصر الإخوان المسلمين.

3-              بعض الصوفية.

4-              بعض رموز العشائر.

5-              أكثر التوجهات المقاتلة والمجاهدة.

6-              نخب فكرية وقومية وعسكرية.

7-              أغلب العوام في الشارع السني يحملون هذا الهمّ.

 

الواقع اليوم وبعد ما حصل في 2003:

بعد الاحتلال غُيرت المعادلة من قبل المحتل، وأُقصي السنة عن دفة الحكم، وتتابعت ثلاث حكومات شيعية، واليوم ستحل الرابعة، وقد أذلت السنة وقتلتهم وعملت على تغيير ديمغرافية العراق والتخطيط لتشييعه بالكامل، وغيرت المناهج، وهيمنت على مفاصل الحياة المدنية والعسكرية؛ ولأول مرة يطلب سنة العراق أن يكونوا إقليمًا سنيًا كي يتخلصوا من الحكم الشيعي لظلمه، وحتى هذا رفض الشيعة منحهم إياه، بعد أن كان السنة لغاية سنة 2008 يرفضون رفضا قاطعا ذلك ويعيبون على الدستور العراقي احتواءه على فكرة الأقاليم.

وحصل لأول مرة تحت قيادة الحكم الشيعي المدعوم من إيران شرخ اجتماعي عراقي لا يمكن أن يرتق بسهولة، فالشارع الشيعي -خلال السنين العشر الماضية- تم تعبئته من قبل المرجعيات والقيادات الشيعية الدينية والسياسية طائفيا ضد السُنّة، ومارسوا ضد السنة أشد أنواع التنكيل من قتل واغتصاب وتهجير، والظلم والإقصاء والإذلال، ولم يعد المجتمع الشيعي في الجنوب والوسط يقبل الحكم السني بأي شكل من الأشكال، وتولد شعور سني كبير بالظلم أدى إلى ثورة عارمة.

وأصبح التعايش الآن في ظل هذا الظرف صعبا وشبه مستحيل. حتى لو عاد السنة لقيادة الحكم من جديد فسيثور الشيعة من جهة أخرى للحصول على مجتمع مستقل، أو خصوصية شيعية.

لذلك فمحاولة تشبيه الوضع بعد 2003 بما قبله أمر صعب بسبب سياسة إيران والأحزاب الشيعية الدينية، ومع الدعم الأمريكي والغربي والصهيوني للطائفية لتدمير المجتمع المسلم في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

لذلك تعد فكرة وطروحات الهيئة وحزب البعث وغيرهم خيالية غير حقيقية وغير قابلة للتطبيق إلا بالشروط الآتية:

1-              أنه لا توجد إيران (الجمهورية الإسلامية).

2-              ولا توجد رغبة غربية وصهيونية بتدمير العراق بالطائفية.

3-              أن يتنازل جزء من المجتمع السني، وهم الأكراد، عن إقليمهم ليعود العراق مثلما كان قبل 1991م([2])، وهذا أمر يرفضه الأكراد مجتمعا وحكومة.

4-              أن نتخلص من كل الأحزاب الشيعية الدينية ونغير المراجع الشيعة من إيرانيين إلى عرب.

وهذا شيء مستحيل ضمن الوقت المنظور وشروط تعجيزية خيالية غير واقعية، ومع هذا لا يزال أصحاب هذه  التوجهات يحلمون بحصولها حاليا.

لقد عملت إيران في أواخر عهد الدولة العثمانية على تشييع جنوب العراق في غفلة من الدولة العثمانية، وقد فصّلت ذلك في كتابي (جهود علماء العراق في الرد على الشيعة)([3])، وعندما سقطت الدولة العثمانية وتكوّن العراق الجديد عمل الشيعة على  إظهار مظلوميتهم لسنين مطالبين بوضع خاص لهم، لكن التوجهات الوطنية والقومية تجاوزت المشكلة وتصورت أنّ فكرها قادر على حل ذلك، لكن ما حصل بعد الاحتلال نسف كل هذه النظريات، فقد أصبح المجتمع الشيعي يؤمن بخصوصيته في مناهجه ودينه ومراجعه، بل تطور ذلك إلى الرغبة في حكم العراق وتشييعه وتغيير ديمغرافيته.

ولذلك فالتفكير في عودة العراق لما قبل 2003م أمر مستحيل وفق الظروف الدولية والإقليمية، ولابد من حل يحفظ وحدة العراق؛ أي حل ضمن قوانين إدارية دقيقة تحفظ لكل جهة خصوصياتها كمرحلة مؤقتة لفك الاشتباك بين المكونات لتجاوز المرحلة الحالية.

الثورية ستقسم العراق:

إن أصحاب الحلول الثورية الساعين لإسقاط العملية السياسية الحالية والوصول لبغداد بعد ثورة 9 حزيران، وبدء عملية سياسية جديدة، سيجعلون الجانب الشيعي وبدعم من إيران يشعل ثورة وانتفاضة مضادة وتحركا معاكسا، ربما يكون عسكريا، والأكراد لن يقبلوا بأي وضع ينزع منهم ما كسبوه من الإقليم، مما سيدخل العراق في دوامة جديدة؛ كما لن يقبل لا الشيعة ولا الأكراد بعودة التيار الوطني البعثي أو القومي من جديد، وستتولد حركات مقاومة عنيفة ودموية، وسيدفع العالم للتدخل من جديد بالعراق وربما إلى تقسيم العراق إلى دول كردية وسنية وشيعية.

لذلك أحلام البعث والهيئة وبعض العمائم السنية هي في حقيقتها من يدعم مشروع التقسيم، رغم رفضه له في الظاهر.

الحل لهذه المعضلة:

إن الحل السني الحقيقي اليوم يتمثل في أنّ لكل مكون تاريخه ومناهجه ودينه ورموزه، ولابد من حلول إدارية ذكية تحل المشلكة وترضي كل الأطراف، هذا ما طرحه أصحاب المشروع السني في المؤتمر، وخلاصته بقاء العراق موحدا غير مقسم، لكن الأخذ بعين الاعتبار أن لكل مكون خصوصيته، ويتفق على طريقة إدارية لذلك، مع إجراء تعداد سكاني لمعرفة حقيقة حجم كل مكون.

أما الشعارات الوطنية والعنتريات والهتافات فتزيد نار العراق حطبا من حيث شعر التيار الوطني أو القومي أو الهيئة أو العلمائية أو من حيث لا يشعرون.

 



[1] - عائلة أصلها من مدينة سامراء هاجرت إلى مدينة الأنبار (الرمادي) واستقرت بها وهم أخوة أكثرهم طلبة علم وأساتذة شريعة وعلماء، برزوا في ثمانينات القرن الماضي وكانت لهم صلة وطيدة بحزب البعث العربي إبان حكمه، منهم عبد الملك السعدي، وإخوانه: عبد الحكيم، وعبد الرزاق، وعبد العليم وغيرهم. وهم شافعية المذهب، كانت لهم مدارس دينية ودعم قوي من قبل حكومة البعث.

[2] - لم أقل في 2003 لأن الأكراد انفصلوا فعليا بإقليم منذ الحظر الجوي بعد دخول العراق للكويت سنة 1990.

[3] - نشر في سبعة مقالات في هذه المجلة الغراء.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق