مشكلات المرأة المسلمة .. مقاربة واقعية (2) عمل المرأة .. ضوابط وقضايا
السبت 26 يوليو 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

إن من المستجدات التي عاشتها المرأة في العصر الحديث قضية العمل، فعلى الرغم من أنه على مدار التاريخ كان هناك عدد من النساء انخرطن في سوق العمل بدءا من الإماء اللاتي كن يقمن بكثير من المهام بدون أجر في ظل الفلسفة الطبقية التي كانت تسود العالم القديم، مرورا بالنساء الفلاحات اللاتي كنّ العصب الأساسي في عملية الإنتاج الزراعي خاصة في المواسم التي تحتاج للأيدي العاملة الكثيفة كما في موسم الحصاد مثلا بالإضافة لمهن أخرى عملت فيها النساء كمهنة القابلة والمرضعة، وعملت نساء أخريات في مجال التجارة كأم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها فكانت تدير أعمالها عبر عمال وسطاء لها. وبعض النساء عملن في التجارة بأنفسهن خاصة في الأوساط النسائية لبيع المنتجات الخاصة بالسيدات كما أن الكثيرات عملن أعمالاً اقتصادية بالغة الأهمية وإن لم تكن مأجورة كصناعة الخبز وحياكة الملابس وتربية الطيور وغير ذلك من أعمال اقتصادية غير مباشرة.

لكن ما طرأ على قضية عمل المرأة في العصر الحديث غير ذلك كله فهو من المستجدات التي طرأت على حياة المرأة وعلى نمط الحياة في المجتمع ككل وكان لها ولا شك إيجابيات كما كان لها سلبيات عانت منها المرأة العاملة كثيرا بحيث أننا لا يمكن لنا أن نتحدث عن المشكلات الواقعية التي تعيشها المرأة المسلمة ونتجاهل المشكلات المترتبة على عمل المرأة .

هل هو حتمية؟

السؤال الذي لا يمكن للباحث أن يتجاهله حول قضية عمل المرأة هو هل هذا العمل حتمية من حتميات العصر الحديث بحيث لا يمكن أن ترفضه المرأة أو تتجاهله؟

وإلى أي مدى يستطيع الواقع فرض قضاياه؟ بمعنى أن هناك سؤالا فلسفيا بالغ الأهمية ألا وهو هل يجب أن يفرض الواقع مشكلاته أم أنه ينبغي تغيير الواقع واختيار المشكلات التي يجب علينا مواجهتها، وهو ليس سؤالا عبثيا أو مجرد قضية من قضايا الترف الفكري وإنما هو سؤال سيتبع الإجابة عليه الكثير من القضايا البالغة الأهمية لأمتنا الإسلامية، فهل نحن استدرجنا وفرض علينا نمط الواقع الغربي بمشكلاته؟ أم التطور الطبيعي أدى لهذا الواقع الذي ينبغي التعامل معه كما هو لتقريبه من فكرنا الإسلامي؟

ولو عدنا لاسئلة الواقع فعلينا أن نسأل أنفسنا عن الفوائد التي تجنيها المرأة من عملها المأجور هل هي أكثر بكثير من المشكلات التي قد تترتب عليه؟

وهل من الممكن استثمار فوائد العمل وتجنب مشكلاته؟ هذه التساؤلات وغيرها هي موضوع هذا المقال.

واقعية الرؤية

لابد للباحث في قضايا المرأة أن ينظر لواقع المرأة كما هو في الحقيقة وليس كما يتمنى هو أن يراه ولا كما كان في فترة تاريخية سابقة، هذه الواقعية هي ما نفهمه من تدبر الذكر الحكيم حيث تعامل القرآن مع الواقع المعقد الذي نزل فيه حيث سادت الطبقية وكان العبيد أحد أركان النظام الاجتماعي في المجتمع فلم يتم إلغاء الرق بصورة فورية وإنما ضيقت منابعه وتشعبت الصور التي تدعو لتحرير هؤلاء العبيد، وواجه مشكلة الخمر حيث تم تحريمه على ثلاث مراحل مراعاة للواقع البشري وأبعاده، وهكذا ينبغي النظر للواقع البشري الذي تعيشه المرأة المسلمة في اللحظة الراهنة من حيث صعوبة الزواج، وتعقد الحياة وغلاء المعيشة، وافتقاد العائلة الممتدة وتخلي الكثير من الأزواج والإخوة عن القيام بمهامهم وواجبهم نحو النساء ومن ثم أصبحت حاجة الكثير من النساء إلى العمل حاجة ملحة.

خرجت النساء الغربيات للعمل في المصانع نتيجة الحرب العالمية التي أزهقت أرواح ملايين الرجال وكانت المصانع في ذلك الوقت بحاجة للأيدي العاملة الكثيفة، نعم هذه حقيقة تاريخية ولكن التوقف لديها طويلا لن يغير الحقيقة الواقعية أن هناك ملايين النساء المسلمات قد انخرطن بالفعل في سوق العمل وفي مختلف المهن وأن هناك ملايين أخريات يبحثن عن فرصة عمل.

بيئة العمل

هذه هي الإشكالية الأولى التي تقابلها المرأة المسلمة عندما تخرج للعمل، التواجد في بيئة فيها مخالفات شرعية بدءا من المواصلات المزدحمة وحتى التواجد في بيئة مختلطة وعلاقات مفتوحة وتفشي الفساد بصور متنوعة في الوسط المحيط.

وفي بعض المجتمعات يتم التضييق على من ترتدي الحجاب الشرعي ويصل الأمر للإيقاف عن العمل في بعض الأحيان وهي مشكلة فادحة خاصة عندما تكون المرأة في حاجة ماسة لهذا العمل.

ولمواجهة هذه المشكلة ينبغي على المرأة السير في ثلاث طرق متكاملة:

الأولى: ترك العمل في حال استحالة الالتزام بالأحكام الشرعية (إنك لن تدع شيئًا لله - عز وجل - إلا بدّلك الله به ما هو خير لك منه) رواه أحمد.

الثانية: بذل الجهد للتوفيق بين العمل وبين الأحكام الشرعية مع تحمل الأعباء المترتبة على هذا التوفيق، كما فعلت ابنتا شعيب عندما اضطرتا للعمل في وسط لا يعمل فيه إلا الرجال فانتحيتا جانبا حتى ينتهي الجميع وتحملتا أن تكونا الأخيرتين في مقابل عدم الزحام والاختلاط كمن تسير مدة طويلة حتى لا تركب وسيلة مواصلات مزدحمة ومن تتحمل بعض التأخير في الترقيات من رؤساء العمل لأنها محجبة وملتزمة.

الثالثة: المطالبة بالتشريع والتقنين لإصلاح هذه الأحوال المعوجة وهذا ما ينبغي على المنظمات النسائية الإسلامية والتيار الإسلامي عموما أن يتبناه فإذا كان عمل المرأة ضرورة من ضرورات العصر الحديث فعلينا أن نجعله وفقا للأحكام التي جاء بها الشرع فنيسر للنساء وسائل مواصلات يتمتعن فيها بالخصوصية ـ

مشروع عربات السيدات في مترو القاهرة قدم حلا لملايين النساء العاملات، وينبغي تمكين النساء من ارتداء الزي الشرعي بحيث تكون الكفاءة وحدها هي المعيار عند العمل ومن يمتنع عن ذلك يحال للجهات القضائية كما لا بد من من مشروعات دعوية تحذر من الاختلاط في بيئة العمل، فكثير من مشكلات بيئة العمل ناتجة من الأفراد العاملين أنفسهم ومن عدم تمثلهم بالقيم الإسلامية الفاضلة.

الزوجة والراتب

من أكبر المشكلات الواقعية التي تواجه الزوجة العاملة مشكلة الراتب الخاص بها، فمن المعلوم أن كثيرا من الرجال ونتيجة للظروف المعيشية يبحثون عن الزوجة الموظفة ذات الراتب الخاص وهي من المشكلات التي عمت بها البلوى فالبعض يريد الحصول على راتب الزوجة في بداية كل شهر وترك مصروف صغير لها لحاجتها اليومية والبعض يترك بنودا معينة من الميزانية كي تغطيها الزوجة براتبها.

بعض النساء ينفقن طوعا وبعضهن قهرا وقسرا، وأخريات يتشبثن بكامل راتبهن ويرفضن أن ينفقن منه أي شيء على اعتبار أن النفقة هي واجب شرعي على الرجل.

فهل راتب الزوجة ذمة مالية خاصة بها على الزوج ألا يطالب بشيء منه أم أن هذا الراتب أو جزءا منه هو تعويض للرجل باعتباره يفتقد بعض الأمور بسبب غياب زوجته خارج المنزل للعمل وكيف يمكن لأصحاب الرؤية الإسلامية أن يقدموا حلا شرعيا يراعي الواقع الاجتماعي الذي قد تصل الخلافات فيه إلى حد الطلاق بسبب هذا المستجد، أعني راتب الزوجة.

في رأيي أنه على أصحاب المشروع الإسلامي أن يمهدوا لعلاج هذه القضية بوضعها في إطار القضية الأكبر والأهم ألا وهي المنظومة القيمية الإسلامية التي اهتزت بشدة، فلدينا قيمة الاعتدال في النفقة (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء: 29)، ولدينا قيمة كراهية الإسراف والتبذير (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: 27).

هذه القيم لا بد أن يعاد تفعيلها لأنه في حالة اللهاث المادي المحموم الذي تعيشه كثير من الأسر تتحول الكثير من الكماليات إلى ضروريات وتلعب منظومات خبيثة لاستشراء حمى الاستهلاك والتطلع لدى قطاعات متزايدة من الأسر المسلمة حيث يتم الإمعان في إشعارهم بالفقر، ويفرض عليهم نموذج للحياة العصرية المرفهة بحيث يظلون طيلة حياتهم يسعون للحاق بها ومن هنا تنطلق بوابة الشرور والأطماع.

فعندما يعاد تفعيل قيمة القناعة لدى الرجل لن يتطلع بتطفل للمال الخاص بزوجته وعندما تعود قيمة القناعة لدى المرأة لن تطالب الرجل بما هو فوق طاقته وهذه نقطة مبدئية ضرورية لحل الصراع، أولاً.

النقطة الثانية أن الزوجة العاملة التي يتسبب عملها في نقص ما أو خلل ما في تنظيم شئون الأسرة أو البيت فعليها يقع عبء إصلاح هذا الخلل كمصروفات الحضانة أو شراء بعض الوجبات الجاهزة في بعض الأوقات أو شراء أجهزة مساعدة لها أو دفع أجر عاملة منزلية تساعدها ونحو ذلك من أمور ترتبت على عملها بينما تبقى النفقات الأصلية مسئولية الزوج.

النقطة الثالثة هي ما يمكن أن نطلق عليه قاعدة الإحسان بين الزوجين ولو تحدثت تحديدا عن راتب الزوجة فإنه من الإحسان أن تتنازل عن جزء منه لتدبير أمور المعيشة عن رضى وطيب نفس فعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها كان يذكر أنها واسته بمالها، فمن الكرم والإحسان أن تواسي الزوجة زوجها ببعض المال لتطيب حياتهما.

الأمومة المنتهكة

لعل أكبر مشكلة تواجهها المرأة العاملة هي تعارض عملها مع مشاعرها الفطرية في البقاء قرب أطفالها الصغار، وما أقسى مشهد الأم العاملة التي تخرج في ساعات الصباح الباكر وقد اشتد الصقيع وهي تحمل رضيعا صغيرا لديه بضعة شهور لتودعه دار الحضانة ومعه زجاجة الحليب، موقف يتكرر كثيرا جدا للأسف وما ذلك إلا لأنهم لا يمنحونها أكثر من ثلاثة شهور لرعاية الرضيع.

 بعض النساء تعمل بنظام العقد المؤقت فليس من حقها الحصول على إجازة دون راتب وبعضهن يعملن في القطاع الخاص الذي لا يتعامل برحمة مع الأمهات وبعضهن يخشين أن تضيع عليهن العلاوة والترقية وبعضهن لديهن أقساط شهرية عليهن الاستمرار في العمل لدفعها كل هذه أعذار معتبرة ولكن، وعلى الرغم من ذلك كله ما أقسى مشهد الرضيع الوحيد في دار الحضانة وقد فقد أمه وهل تغني زجاجة الحليب عنها؟!

بعض النساء يأخذن أطفالا رضعا للعمل خاصة في حال كون الأم تعمل كمعلمة للأطفال وتعيش أوقاتا كارثية فلا هي تستطيع منح الرضيع حقه ولا تؤدي عملها بشكل مرض وهي في حال من الضغط النفسي والجسدي الرهيب.

هذه المسألة لا تصلح لها أنصاف الحلول فالطفولة البريئة منتهكة بشكل فادح ومشاعر الأمومة هي الأخرى منتهكة ومحطمة، وإذا كان عمل المرأة مباحا فإن لذلك شروطا حتى لا ينتقل لدائرة الكراهة أو التحريم، يأتي على رأس هذه الشروط ألا تهدر المرأة أمانتها المسئولة عنها وعلى رأسها أمانة الطفل الذي هو بحاجة لتفرغ أمه له لمدة عام على أقل تقدير حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجأ إقامة الحد على الغامدية حتى جاءت بطفلها يمشي وفي يده كسرة خبز يأكلها وإلا فثلاث سنوات هي الحد المناسب للطفل للالتحاق بدار الحضانة.

لا بد للأم من أن تفقه أولوياتها جيدا وتعي مسئوليتها التي سيحاسبها عليها المولى عز وجل (والمرأة راعية على بيت زوجها وولده) متفق عليه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق