السودان .. من الغلو الخُليفي إلى الدولة الاسلامية في مصر والسودان (دامس)
السبت 26 يوليو 2014

 

محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة: ظل السودان عبر تاريخه الطويل مشتهراً بالتسامح وخالياً نسبياً من حوادث الغلو والعنف ذات الطابع الديني وسفك الدماء، كما أن معظم الحوادث التي وقعت بالبلاد في فترات ومراحل متتالية تبين أن لها امتدادات وارتباطات إقليمية ودولية، وأن الشأن المحلي الديني عبر هذه الوقائع ظل موصولا بالبعد الخارجي.

ويرى كثير من المراقبين للشأن السوداني أن بوادر ظهور الغلو في السودان تزامنت مع مرحلة نهاية الجهاد الأفغاني، ومثّل دخول أسامة بن لادن ومعه بعض مجاهدي الأفغان العرب سبباً في علو موجة العنف، حيث فتح السودان أبوابه آنذاك لكل هؤلاء وغيرهم، بجانب تداعيات حرب الخليج الثانية، ورجوع كثير من الأسر السودانية لبلدهم السودان بعد نهاية رحلة اغترابهم بدول المهجر، خاصة من دولتي الإمارات العربية المتحدة والسعودية، فبعض هذه الأسر كانت ذات خلفية وجذور دينية أقرب لمنهج الحركة الإسلامية السودانية الرافضة لمبدأ التدخل الخارجي والأجنبي بالخليج العربي، فكلّفها هذا الموقف ثمنا باهظا تمثّل في إبعاد وترحيل تلك الأسر للسودان بصورة نهائية، حيث أصبح بعض طلابها فيما بعد رصيدا جماهيريا لتيار العنف لاحقا، وكان يطلق عليهم (طلاب الشهادة العربية)، بجانب قرار إبعاد وترحيل دعاة سودانيين غير مرغوب في وجودهم بتلك الدول.

بدأت الظاهرة التكفيرية في السودان تطلّ هنا وهناك، لكنها لم تكن ذات أثر فاعل على ساحة العمل الدعوي، فكان التكفير يظهر بلونية هتافية كلامية كعنف (لفظي) ينتهي بانتهاء المؤثر، لكن لم يدر بخلد هؤلاء مستقبلا أن العنف اللفظي سينتقل ويتطور لفقه قاتل، يكون فيه العنف والقتل وسيلة لحسم الصراعات بين المتنازعين، وتصويب أنواع الأسلحة كافة إلى صدور الأبرياء والعزل والمدنيين.

سنتتبع من خلال هذه الدراسة مسار تيار الغلو في السودان تاريخياً، كما سنوضح أبرز رموزه، وبعضاً من رؤاه الفكرية والتنظيمية، وسرداً لأبرز جرائمه العنيفة في السودان، وصولاً الى سيناريوهات مستقبله، وإمكانية وفرص قيام تنظيمات مؤثرة له، مثل ما أطلق عليه أخيراً الدولة الإسلامية في مصر والسودان (دامس).

تاريخ الغلو في السودان:

أول ظهور حديث لفكر التكفير في الساحة السودانية الحديثة كان على يد رجل يدعى أبو الحسن علي السماني في حقبة السبعينات من القرن الماضي، الذي ألف وطبع كتابا جامعاً لمعتقدات مجموعته، والتى كانت قريبة جدا من أفكار جماعة التكفير والهجرة المصرية، وقد أسماه (أصنام وعاكفون)، إلا أن الرجل سرعان ما تراجع عن أفكاره التكفيرية، وأخرج كتابا آخر أطلق عليه (التحذير من مجازفة التكفير)، أوضح فيه أن التكفير والتفكير ضدان لا يجتمعان.

ومثّلت فترة الثمانينيات عهداً لانتعاش الفكر التكفيري، حيث بدأوا في التمدد أفقيا ورأسيا، فكونوا خلايا ومجموعات تكفيرية، ظهرت في تشكيلات ومجموعات صغيرة في مناطق متفرقة بالبلاد مثل منطقة (أبوقوتة) بولاية الجزيرة بوسط السودان ومنطقة (الفاو) بولاية القضارف بشرق السودان، ومناطق الدمازين وما حولها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، ثم ظهر أفراد في مدن الدويم وكوستي بولاية النيل الأبيض بوسط السودان، كما ظهر بعض التكفيريين في العاصمة الخرطوم، واستوطن بعضهم في أحياء أم درمان (الفتيحاب – أم بدة – الثورات) والكلاكلات، كما ظهروا في الولاية الشمالية في بعض قرى ديار المحس.

وحتى ذلك الحين خلت الساحة السودانية من أعمال القتل أو العنف الجسدي والتصفيات وثقافة الاغتيال، رغم قربها من مصر، وكان تيار الغلو السوداني يعتمد على الجلوس في الحلقات العلمية للنقاش، واشتهروا كذلك بإقامة المناظرات لإظهار صحة حجتهم، والانتصار لوجهة نظرهم، ونشر أفكارهم في الساحات العامة أو في مواقع تجمعاتهم الخاصة بهم.

يعزي بعض المراقبين تزايد تيار الغلو في السودان إلى جملة من العوامل والظروف، ساهمت في ارتفاع وتيرته، منها: انتشار وتمدد المذهب الشيعي وتزايد النفوذ الإيراني بالخليج العربي، ومحاولات إيران المستميتة لتصدير فكرها المذهبي لخارج بلدها خاصة للسودان، والذى ينظر إليه كدولة مقر ومعبر للفكر الشيعي، ثم تغلغله في بعض المناطق بالبلاد، ووجود علاقات إستراتيجية قوية ظهرت بين السودان وإيران في شكل أقرب للمحور، بجانب وجود علاقة أخرى بين السودان وحزب الله اللبناني، وانتشار المراكز الثقافية والمؤسسات الإيرانية الموزعة بدقة وعناية فائقة في عدد من المواقع بالعاصمة الخرطوم.

كما ساهمت مشاركة كثير من السودانيين في الجهاد الأفغاني في وجود أرضية للفكر الجهادي، بجانب توجُّه بعضهم للقتال في البلقان والبوسنة والهرسك لاحقاً، ثم بعد تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، ومشاركة عناصر سودانية في الحروب التي قادتها حركة الجهاد الإسلامي الإريتري وحركة الشباب المجاهدين بالصومال.

كما هيأت أزمة دارفور (2003م) واتفاقية سلام نيفاشا الخاصة بالجنوب (2005م) ظروفاً مواتية لتمكين تيار العنف من الإعلان عن نفسه عبر عمليات تلت تدفق المنظمات والقوات الأجنبية لدارفور وجنوب كردفان والجنوب السوداني، وتزايد الدور الغربي واهتمامه بمجريات الأحداث المتسارعة بالسودان، وقدوم بعض الجيوش التابعة للأمم المتحدة بالبلاد فظهرت فتاوى في اتجاهين:

* الأولى: تتعلق بتطورات الأوضاع في السودان بعد مشاركة الحركة الشعبية في الحكومة المركزية بالخرطوم بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل ومشاركة الحركة الشعبية الجنوبية ذات الخلفيات النصرانية في الحكم، فصدرت فتوى تكفّر من انضم للحركة الشعبية، ثم تلى ذلك تكفير المنتمين لقطاع الشمال التابع للحركة الشعبية.

* الثانية: تتعلق بالوضع في دارفور، حيث صدرت فتوى تكفّر وتحرّم من يقوم بتأجير منزله أو داره للمنظمات الأجنبية في الخرطوم ودارفور، خاصة بعد ارتفاع إيجارات المباني وأسعار العقارات، حيث تدفع المنظمات استحقاقاتها المادية بالعملة الأجنبية (الدولار)، فحظرت بعض الجماعات هذه المعاملة، واعتبرتها تدخل في دائرة التحريم، ذلك لأنَّ كثيرين من مواطني مدن دارفور مثل: نيالا – الفاشر – الجنينة وزالنجي قاموا بتأجير منازلهم للمنظمات الأجنبية، فصدرت فتوى تُحرِّم ذلك وتُكفِّر من يؤجر داره لتكون مقراً لهذه المنظمات.

تبع ذلك ما تردد عن تنامي نشاط النصارى والمبشرين بالديانة المسيحية في مناطق دارفور، فهذه التطورات أسهمت بشكل مباشر في اتجاه تطوير تيار العنف لأدواتهم، وسعيه لإيجاد وسائل تكافئ التمدد الغربي بالسودان في مستوياته المدنية والعسكرية.

ملامح فكر الغلو في السودان وأبرز قادته:

اشتهرت المجموعات التى تعتنق فكر الغلو بأنها لا تصلي في المساجد التي تعتبرها (مساجد ضرار) بنيت من مال الزور والسحت والربا، وتقيم صلاة الجماعة بين أفرادها، كما أنهم يرفضون أن يتقدمهم في الصلاة (كافر) أو (منافق معلوم النفاق) أو (زنديق) بحسب رؤيتهم. فالأصل عندهم اعتزال الناس ومجتمعاتهم وهجر الشرك وأهله كنوع من أبواب (الولاء والبراء)، ويعتمدون في منهجهم على قاعدتين في التكفير: (من لم يحكم بما أنزل الله) و (عبادة غير الله)، فالأولى تمثل شرك الحاكمية، والثانية تعكس شرك العقيدة ( قولي وعملي).

ظهر ذلك جليا في البدايات الأولى لدخول جماعة التكفير والهجرة في عام 1967م ومن بين قادتها المشهورين (معروف عدلان – الطاهر شبشة – عبد الله ودعشانا – إبراهيم محمد إبراهيم العجان – المهندس علي محمد الحسن – إدريس الوسيلة – علي عدلان – محمد عثمان الباشا- محمد النور – الطاهر خوجلي – سعيد نصر وغيرهم).

ثم تطور ذلك الفكر، وبدأ التكفير يأخذ عدة أشكال مع ظهور التحديات السياسية بالبلاد ونتيجة للتقلبات التي مرّ بها السودان خلال العشرين عاما الماضية على نحو يهدد الأمن والسلام الاجتماعي بشكل لافت للأنظار، ولم يَسلم من تداعياتها حتى من هم في الصف الإسلامي، فضلا عن القوى العلمانية، ونتج ذلك لاختلاط التكفير الوافد مع تكفيريي الداخل، نتج عن ذلك التكفير المصحوب بالعنف، فتم تكفير الدكتور حسن الترابي والصحفي محمد طه محمد أحمد، وطالبوا بإنزال حكم الردة عليهما عبر المحاكم رغم عدم اعترافهم بالتحاكم إليها، ثم تكفير الحزب الشيوعي والإلحاح بحلّه وحظر نشاطه باعتبار أن قادته ملاحدة، ثم أخيرا تكفير الإمام الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس حزب الأمة القومي والمطالبة باستتابته.

تطلق بعض مجموعات التكفيريين على نفسها اسم جماعة المسلمين، ومن أبرز مؤسساتها منظمة الكوثر الخيرية، التي يقودها الصادق حسن عثمان (أبو الدرداء)، ، والذى يرى أن التكفير بالنسبة لهم حكم شرعي، وفقا لقواعد ظاهرة ومعلومة، فعندهم (من لم يُكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر)، وأنهم متفقون في إطلاق أحكام التكفير على الحكام والمجتمع والأفراد، فالشيوعيون عندهم (كفار)، وكذا البعثيون، وكل العلمانيين واليساريين، بل ذهبوا لأبعد من ذلك فكفروا حتى الإخوان المسلمين، والحركة الإسلامية، وعندهم أن أنصار السنة أشد كفرا من الشيوعيين، كما يكفّرون عددا من رموز المجتمع السوداني مثل د. حسن الترابي والصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني، حيث يرون أن هؤلاء ارتضوا الارتباط بالأمم المتحدة التي هي بديل الخلافة الراشدة، وتقدموا لطلب العضوية فيها واحتكموا للقوانين الدولية، وشرّعوا شرعا دون شرع الله تعالى، فهم موغلون في الكفر.

وأبو الدرداء اشتهر بالبيان الذي أصدره لإهدار دم عدد من الكتاب والصحفيين والسياسيين السودانيين في عام 2005م في مقدمتهم الدكتور فاروق كدودة، والكاتب الصحفي الحاج وراق، ووكيل نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة مولانا محمد فريد، والقاضي مولانا محمد سر الختم غرباوي، ورجل الأعمال القبطي إيلي حداد والكاتب الطاهر حسن التوم.

ومن أبرز رموزهم كذلك إبراهيم محمد إبراهيم الشهير بإبراهيم العجّان، ومعروف عدلان وهو أمير التكفيريين الحالي بولاية الجزيرة، وشقيقه علي عدلان، وهما اللذان اعتزلا وكفرا أهالي قريتهما التي تسمي (الشيخ معروف) بمنطقة أبوقوته بالجزيرة، وقاما بتشييد مسجد بعيد عن القرية يمارسان فيه الشعائر الدينية، بحجة أن مسجد القرية هو مسجد ضرار.

وبحسب بعض قادتهم فإنهم يهدفون لإقامة دولة إسلامية في السودان ليست ذات طابع ديمقراطي أو ديكتاتوري، ولا تنبني على المواطنة وإنما على العقيدة الإسلامية، سيقومون فيها بهدم الكنائس والقباب والأضرحة والخمارات وبيوت الدعارة والسفارات، كما أنهم يهدفون لطرد الكفار من الأمريكان والألمان والبريطانيين وغيرهم، أما فيما يتعلق بالكفار السودانيين فيتوجب عليهم دفع الجزية، وفيما يتعلق بالنصارى فلهم خيار من ثلاثة: الإسلام، أو الجزية بموجب الشروط العمرية حيث لن يرفع كتاب ولا صليب، وسيحلق لهم ليميزوا عن المسلمين.

ومن طليعة الشيوخ الذين اشتهروا حديثاً وينسبون لهذا الفكر، والذين شكَّلوا مرجعية ورمزية له (أبو أسامة) الشيخ مساعد بشير السديرة، و(أبو البخاري) سعيد نصر، و(أبو عبد الله) صادق عبد الله عبد الرحمن ولثلاثتهم معاهد شرعية يلتحق بها شبابهم وطلابهم، وقد اكتسب الشيخ مساعد السديرة شهرة وجاذبية خاصة بعد توقيفه في مطار القاهرة بعد اختتامه لرحلة علاجية هناك في عام 2009م، واعتقل لقرابة شهرين، كما تعرض لعمليات تعذيب، ليخرج الرجل بعدها بطلاً في نظر محبيه ومريديه، الذين يقدرون بالمئات حسب مراقبين داخل وخارج العاصمة الخرطوم، بل وحتى خارج السودان، لكون الرجل يعتبر من أهل الباع الكبير في مجال الحديث وعلم الرواية والإسناد وله إجازات معتمدة ومعتبرة.

أبرز جرائم وتهديدات تيار الغلو بالسودان:

1- حادثة أبوقوتة:

قائد هذه الحادثة هو معروف عدلان وهو أمير التكفيريين بولاية الجزيرة، وشقيقه علي عدلان، اللذان سبق الحديث عنهما قبل قليل.

وقد وقعت أحداث قرية الشيخ معروف في أغسطس 1988م بأحد مساجد القرية بين الخلية التكفيرية التي يتزعمها (علي عدلان) وشقيقه (معروف)، حيث هاجما أهل المنطقة وشيوخ الصوفية ولم يسلم من الهجوم حتى شيخ القرية الذي يتبع للطريقة السمانية، فحدث هجوم وصدام عنيف بالأسلحة البيضاء، واشتباك أدى لمقتل مؤذن مسجد القرية بعد طعنه بسيف وجرح 2 من المصلين، وتمت محاكمة التكفيريين بالسجن لمدة 10 سنوات.

2- حادثة كمبو عشرة:

      نفذ هذه الحادثة عدد من الشباب أطلقوا على أنفسهم اسم (الجبهة الإسلامية المسلحة) في نهاية العام 1993، بمنطقة كمبو عشرة جوار مدينة ود مدني بوسط السودان، وقد سارت هذه المجموعة التى يربو عددها على العشرين فردا، معظمهم من الطلاب، على الأقدام من الخرطوم حتى ود مدني التى تبعد عن الخرطوم أكثر من 200 كلم، وقد كفّر هؤلاء الشباب الذين كانوا معهم، وقرروا التوجه إلى أي مكان، يقيمون فيه وهجر الكفر والشرك، فتحركوا بأرجلهم حتى وصلوا لولاية الجزيرة، ومنطقة (كمبو عشرة)، وكان أحدهم يحمل بندقية، بينما كان بعضهم يرى أن حمل البندقية نفسها حرام، لأنه لا يجوز ضرب النار على الأحياء، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.

وقد استضاف سكان منطقة (كمبو عشرة) هؤلاء الشباب والصبيان، والغريب أنهم بدأوا في دعوة الأهالي للانضمام إليهم وقبول أفكارهم، بعدها أبلغ بعضهم السلطات بود مدني، فجاءت قوة من الشرطة، حاصرت المنطقة، وأمرت هؤلاء الشباب بضرورة الاستماع والانصياع لهم والاستجابة لتعليماتهم، ولكن هؤلاء الشباب يعتقدون أن طاعة الشرطة كفر، ولا يمكن الاستجابة لأوامر العسكر لأنهم طاغوت، فحدث اشتباك بينهم وبين وقوات الشرطة، التي تم زيادة عدد أفرادها بقوة إضافية، فقتل أغلب الشباب، وجرح عدد من عناصر الشرطة وبعض أهالي المنطقة. وقد تحفظ جهاز الأمن على الشباب الذين نجوا من الحادثة، وعقد لهم برنامج توعية وجلسات بينهم وبعض الشيوخ لمناقشتهم في أفكارهم، وتم إطلاق سراحهم تدريجيا.

3- حادثة مسجد الثورة بأم درمان:

من أشهر وأهم جرائم تيار الغلو في السودان المجزرة الدموية التى ارتكبها هؤلاء في 4 فبراير من عام 1994م حيث قتلوا المصلين في صلاة الجمعة بمسجد (أنصار السنة) بمنطقة الثورة/ الحارة الأولي بمدينة أم درمان، ونفذ ذلك الهجوم المسلح أحد معاوني أسامة بن لادن، ويدعى محمد عبد الله عبد الرحمن الخليفي (ليبي الجنسية) مع ثلاثة آخرين، حيث أوقع الهجوم 16 قتيلاً، وجرح ما يزيد عن الثلاثين مصلياً، وكانت الحادثة هي الأولي من نوعها ذات طابع يحمل جينات غلو ديني، ومنذ ذلك التاريخ بدأ سجل السودان والمشهد الديني والخارطة الدعوية فيه تعاني من ممارسات وأعمال عنيفة يقوم بها هؤلاء.

وقائد الهجوم الخليفي هو أحد أفراد طاقم التأمين والحراسة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وعاونه ثلاثة آخرون هم: عبدالباقي يوسف، وياسر محمد علي اللذان قتلا خلال المواجهة مع الشرطة بعد الهجوم، وثالثهما هو محمد الماحي الذي حُكم عليه بالسجن المؤبّد، بينما جرح الخليفي الذي تمّ الحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت، وشُنق بسجن كوبر بالخرطوم.

وكشفت التحريات آنذاك وجود بودرة (تي إن تي) في حوزة المعتدين، ومواد لتصنيع قنابل يدوية حارقة، مما عضد دعوى علاقة المهاجمين وارتباطهم مع أسامة بن لادن، لأن شركة الهجرة التى يملكها بن لادن بالسودان كانت المنشأة الوحيدة التي تعمل في رصف الطرق، وتلجأ لاستخدام مادة (تي إن تي) لتفجير الصخور وتفتيت الجبال في عملها بطريق التحدي (الخرطوم – شندي - عطبرة)، وكان غالبية من يعملون في الطريق من الأفغان العرب.

4- حادثة مسجد الجرّافة بأم درمان:

تعد حادثة إطلاق النار على المصلين بمسجد أبي بكر الصديق بحي الجرّافة شمالي مدينة أم درمان، والتى كانت بتاريخ 9 ديسمبر 2000م، أثناء أدائهم لصلاة التراويح، أكبر حوادث العنف والغلو، حيث قتل فيها (24) مواطناً، من بينهم أطفال، وجرح ما يزيد عن الأربعين، وتم قتل منفذ العملية وهو عباس الباقر خلال تبادل إطلاق النار بينه وقوات الشرطة، بعد أن رفض الاستسلام للقوة المكلفة بالقبض عليه.

عمل عباس الباقر من قبل في صفوف الدفاع الشعبي، وشارك في العمليات العسكرية بجنوب السودان، وشارك في كتائب تحرير منطقة كبويتا بشرق الاستوائية بجنوب السودان، ومنها سافر إلى ليبيا، ثم عاد للسودان، واستقر بمدينة ودمدني بوسط السودان، وتم اعتقاله على خلفية تحرشه ببعض قيادات جماعة أنصار السنة هناك وتهديده لهم بالقتل، وتم التحفظ عليه من قبل الشرطة باعتباره شخصية تمارس نشاطاً هداماً ومدمراً، وبعد ترحيله من مدينة ودمدني للخرطوم؛ تمّ إطلاق سراحه بعد أن تخلى عن جماعة التكفير والهجرة، وكان يسكن مع شقيقه إسماعيل في منزل يجاور المسجد الذي حدثت فيه المجزرة.

ورجح البعض آنذاك أن الحادث لم ينفذه عباس الباقر بمفرده وذلك لكثرة القتلى والجرحى، وظهر في وقت لاحق احتمال أن يكون معه معاونون ساعدوه في ارتكاب المجزرة، بعد أن رجح أحد رجال الشرطة الذين تعاملوا مع الحادث - وقتها - بأن الجناة أكثر من ثلاثة يرتدون جلابيب بيضاء عليها سترات واقية من الرصاص، غير أن الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة اللواء عثمان يعقوب أرجع الأمر إلى أنَّ الجاني استخدم التكتيك العسكري، وغيّر من موقعه أكثر من مرة أثناء إطلاق النيران، كما أنه استبدل خزانة مدفعه الرشاش أكثر من مرة، وقال إمام المسجد الشيخ بشير إبراهيم محيي الدين إن الجاني سبق وأن كفّر في خطبته الحكومة، فتم اعتقاله وحبسه، ثم الإفراج عنه بعد كتابة تعهُّد، وقد رفضت أسرة عباس الباقر استلام جثمانه لعدم رضاها عن توجهات ابنها التكفيرية وسلوكه العنيف ونشاطه الهدام.

5- حادثة تفجيرات خلية السلمة 2007م:

في أغسطس 2007 تم اكتشاف خلية تكفيرية مكونة من شباب اتصلوا بأناس داخل وخارج السودان، وبدأوا في صناعة العبوات الناسفة لاستخدامها في مرحلة معينة ضد مقار الأمم المتحدة وسفارات بعض الدول الأجنبية والأوروبية وأمريكا، أما سبب اكتشاف الخلية فهو عملية انفجار غير مقصودة لأسطوانة حديدية معبأة بالبارود وجاهزة للانفجار، كانت بحوزة الخلية بالمنزل الذى كان يأويهم بضاحية السلمة جنوب الخرطوم، مما أحبط المخطط وتم كشف المجموعة واعتقالها.

وحسب التحريات كانت الخلية تنوي تنفيذ عدد من الأعمال الانتقامية والاعتداء على منشآت تابعة للأمم المتحدة، ومواقع بعض المنظمات الأجنبية وسفارات الدول الغربية، وكانت تستهدف كذلك قادة سياسيين ومقار بعض البعثات الدبلوماسية ومواقع حيوية تتبع للمنظمات الأجنبية، وقد ضبطت بحوزة الخلية متفجرات وعبوات ناسفة جاهزة للاستعمال، وتركيبات كيميائية مكونة من مواد قابلة للاشتعال من بودرة (تي إن تي) ومسحوق النتروجلسرين، وحوض من مواد يتم تحضيرها لتكون متفجرات تستخدم لهذه العمليات العسكرية، وقاد تلك الخلية د. أسامة أحمد عبد السلام الذى يحمل الدكتوراة في الكيمياء، وقد تراوح عدد أفراد خلية السلمة ما بين (25 ـ 35) عنصرًا، حيث هرب عدد منهم بعد الانفجار، وقبضت الشرطة التي طوقت موقع الانفجار على الموجودين من أفراد المجموعة.

6- تنظيم القاعدة في بلاد النيلين:

وفي أكتوبر 2008 هدد بيان "تم توزيعه في نطاق محدود" على شبكة الإنترنت من قبل تنظيم يحمل اسم "القاعدة في بلاد النيلين"، "باستهداف الأمريكيين في الأراضي السودانية"، وهو ما حدا بالولايات المتحدة إلى تحذير رعاياها من السفر إلى السودان، والمقيمين فيه من التحرك وسط العاصمة وفي مناطق بعينها، وقالت رسالة على موقع السفارة الأمريكية على شبكة الإنترنت: إن جماعة "القاعدة في بلاد النيلين" تبنت في بيانها اغتيال مسؤول المعونة الأمريكي جون غرانفيل وسائقه.

وفي فبراير من عام 2012 كشف الرئيس السوداني عمر البشير عن أن الحكومة نجحت فى تفكيك تنظيم ديني نشأ باسم "القاعدة في بلاد النيلين"، وأضاف في حديث تلفزيوني أن السلطات اكتشفت مجموعة تكفيرية من الشباب تمت تغذيتهم بالفكر العنيف، وتدريبهم في العراق والصومال ليكونوا نواة لتنظيم "القاعدة في بلاد النيلين"، مبيناً أن السلطات علمت أنهم بدأوا في تصنيع متفجرات وصواريخ باسم "الظواهري"، وأن الرئيس البشير والنائب الأول علي عثمان محمد طه، ومدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق أول صلاح قوش من الشخصيات المستهدفة من هذا التنظيم.

7- اغتيال جون غرانفيل وسائقه السوداني عام 2008م:

اغتالت مجموعة من التكفيريين أثناء احتفالات رأس السنة عام 2008، الدبلوماسي الأمريكي والموظف بوكالة المعونة الأمريكية جون غرانفيل وسائقه السوداني عبدالرحمن عباس، بعد خروجه من أحد الاحتفالات، وهما يستقلان سيارتهما، بحي الرياض عند تقاطع شارع الشهيد عبيد ختم، مع شارع البروفيسور عبد الله الطيب. وذلك برصاص أربعة من المهاجمين.

وبعد مطاردات ألقت الشرطة القبض على المجموعة، وتم إيداعهم سجن كوبر بالخرطوم، ومن ثم تم الحكم عليهم بالإعدام, حيث تمكنوا بعد ذلك من الفرار من السجن، عشية مباراة قمة بين الهلال والمريخ العام 2010م، بطريقة دراماتيكية، وقد تمكنت الشرطة من القبض على أحدهم بعد ذلك وهو عبد الرؤوف أبوزيد محمد حمزة، وقيل إن مهند عثمان يوسف أحد أفراد المجموعة لقي حتفه بالصومال.

 وقال أفراد تلك المجموعة بعد القبض عليهم إنهم خرجوا في تلك الليلة فقط يبحثون عن الكفار في شوارع الخرطوم، وعندما عثروا على الدبلوماسي وسائقه أطلقوا عليهما النار من بنادقهم دون أن يدروا من هم الذين بداخل السيارة، ولكنهم عرفوا فقط أنهم "خواجات كفار".

8- خلية الدندر:

كشفت السلطات الأمنية السودانية عن وجود خلية جهادية بمنطقة السبيرة داخل حظيرة الدندر في الحدود بين ولايتي سنار والقضارف، وتضم الخلية أكثر من 60 شابا تقوم بالتدريب العسكري، والإعداد للهجرة للقتال في بعض البلدان التي يدور فيها قتال له تداعيات ومضاعفات ذات أبعاد إقليمية ودولية مثل الصراع والمعارك الدائرة في الصومال ومالي وسوريا والعراق، وأطلقت المجموعة على نفسها اسم (رجال حول الرسول).

 وقد هاجمت السلطات الأمنية معسكر المجموعة، حيث دارت معركة قالت بعض المصادر إنها استمرت من الثانية عشرة ظهراً وحتى الثامنة مساء، وأسفرت عن سقوط 25 من أفراد المجموعة بين قتيل وجريح وأسير،  بينما قتل 2 وأصيب 4 من السلطات الأمنية.

ووجد مع المجموعة بعد انجلاء المعركة متفجرات وعبوات ناسفة وأسلحة أوتوماتيكية رشاشة وأخرى ثقيلة، بجانب قنابل وأجهزة كمبيوتر ولاب توب، تستخدم لغرض التواصل مع خلايا عسكرية جهادية خارج البلاد، وقد حصلت المجموعة على السلاح بعد مهاجمتها لمعسكر (قلقو) لقوات الحياة البرية داخل حظيرة الدندر، حيث طردت المجموعة الحراس الموجودين، واستولت على العديد من الأسلحة بينها مدفع قرنوف، استخدم في تدمير برج تابع لإحدى شركات الاتصال، ولم تجد تلك المجموعة مقاومة تذكر إذ جرت العادة إخلاء المعسكر من معظم القوات خلال فترة الخريف.

ولم يظهر من أسماء المعتقلين الذين يزيدون عن الأربعين، إلا قلة قليلة برز منها العقل المدبِّر للخلية الدكتور أسامة أحمد عبد السلام والذى كان موقوفاً في أحداث السلمة، ويسكن حي الرياض شرق الخرطوم، وأحد ضحايا المواجهة المسلحة بين القوات الحكومية والمجموعة المتطرفة ويسمى محمد الحسن مبارك من أبناء الثورة، وآخر يدعى عمر عبد الله من أبناء شندي ويسكن حي الحاج يوسف بالخرطوم، وعمرو السوداني وهو صهر الشيخ أبي عبد الله صادق عبد الله عبد الرحمن.

9- أهل الصيحة:

آخر تقليعات الفكر التكفيري إقدام مجموعة من التكفيريين على بيع منازلهم وعقاراتهم بالخرطوم وهجر العاصمة القومية، بل وهاجر بعضهم للأراضي المقدسة للاستقرار بالحرمين الشريفين، حيث يرون أن ظهور علامات وأمارات الساعة الكبرى بات وشيكاً، بعد ظهور كل علاماتها الصغرى، ويعتقد هؤلاء أن القيامة لم يتبق لها إلا ظهور الدابة والمسيح الدجال والنفخ في الصور، وأطلقوا على جماعتهم اسم (أهل الصيحة) بسبب قرب الصيحة والنفخ في الصور، وهم الآن في مرحلة ترقب لهذه الصيحة، فهجروا الخرطوم واستقر المقام ببعضهم في بادية البطانة وكردفان.

كما يرى هؤلاء أن النفخة ستبدأ من الخرطوم نتيجة لـ (ظهور الفساد في البر والبحر)، ففي الوقت الذي يتكاثر المواطنون بزحفهم نحو الخرطوم بدأت هذه الجماعات في هجرة عكسية من الخرطوم إلى الأقاليم، باعتبار أن الناس لا محالة (هالكون) وأن الأفضل لهم أن تقوم الساعة وتقبض أرواحهم في البادية، بعيدا عن مواطن الفساد.

دامس بين الحقيقة والخيال:

دامس هو اسم لتنظيم جهادى جديد انتشر خلال الأيام القليلة الماضية، مثيرا أسئلة عديدة عن ماهيته ومموليه والداعمين له ومعناه اللغوي، ولم يتفق المراقبون حتى الآن على معنى الاسم، هل هو: "الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي" أو "الدولة الإسلامية في مصر والسودان"؟.

وظهر اسم (دامس) في بعض التقارير المصرية التى أشارت لتشكيل تنظيم إرهابي جديد يتولى منطقة وادي النيل «مصر والسودان»، وقالت تلك المصادر إن تقارير استخبارية حذرت من تصاعد حركة التجمعات الإرهابية سواء على الحدود المصرية، أو في المناطق الملاصقة للحدود الجزائرية الجنوبية والتونسية، وباتجاه ليبيا والسودان، وأن هناك أجهزة استخبارات أجنبية تقف وراء تأسيس وتمويل تنظيم إرهابي يستهدف مصر، يحمل اسم «دامس»، وهو الملف الذي حمله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الجزائر والسودان، لبحث سبل التنسيق والتعاون الأمني لإجهاض تحركات تلك التنظيمات.

وقالت مصادر أمنية مصرية إن الأجهزة السيادية قدرت عدد المسلحين في تنظيم «دامس» بنحو أربعة آلاف عنصر سيعملون لشن هجمات في مصر والسودان، وكشفت المصادر عن وجود عدد من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في مصر والسودان "دامس" على الحدود المصرية السودانية، وأن هذه العناصر قد تتحرك إلى داخل مصر والسودان، استجابة للتهديدات التي أعلنها المتحدث باسم تنظيم "داعش" بالدخول إلى الدول الجنوبية كمصر والسودان، واستهداف المسيحيين والعلمانيين وقتل رجال الجيش.

وقال اللواء أحمد خيرت الخبير الأمني إن تنظيم "دامس" يسعى للسيطرة على مصر والسودان وإقامة دولة إسلامية، وقال حمدي العومي، القيادي الجهادي بالجماعة الإسلامية إن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية بمصر والسودان "دامس" تابعون لتنظيم القاعدة، وإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تولت عملية تدريبهم وتمويلهم، وغالبيتهم مكثوا فترات طويلة داخل السجون الأمريكية، كالجهادي "إبراهيم البكري" والجهادي " العناني أبو محمد" الذين خرجوا من السجون الأمريكية في مطلع عام 2006.

ويرى العومي أن أمريكا وإسرائيل تمول تلك التنظيمات الإرهابية لضرب الدول العربية وتفتيتها وإحداث صراعات وحروب أهلية، وضرب الجيوش العربية كما حدث مع الجيش العراقي والجيش السوري، وبالتالي فلم يتبق أمامهم سوى الجيش المصري.. وأضاف «العومي»: الشواهد أمامنا تقول إن أمريكا وإسرائيل تسيطران على دولة جنوب السودان، لذا كان من السهل جدا لهم تدشين تنظيم الدولة الإسلامية في مصر والسودان، أو ما يسمى بـ «دامس».

وبحسب مراقبين فإن ما يقال عن تنظيم دولة الإسلام في مصر والسودان (دامس) هو مجرد كلمة نحتتها مخابرات دولة ما بغرض تجميع معلومات، أو بغرض إرباك قواعد الجهاديين، أو لأسباب أخرى، بينما يرى آخرون أن فكرة "افتتاح" فرع لـ "داعش" في المغرب العربي، قابلة للتجسيد بالنظر إلى وجود مقاتلين لتنظيم داعش من دول تونس والمغرب والجزائر وليبيا، فضلاً عن انتشار تنظيم داعش على مواقع التواصل الاجتماعي كـ "علامة" تجد شعبية كبيرة لدى المتأثرين بأفكار الغلو، خصوصاً لدى فئة الشباب والمراهقين، وهي الفئة التي تستعمل بإفراط مواقع التواصل الاجتماعي، كما رصدت بعض الجهات الأمنية في منطقة المغرب العربي حركة ذهاب وعودة لعدد من المسلحين الذين توجهوا للقتال في سوريا والعراق، بدافع الجهاد، فوجدوا أنفسهم في قبضة تنظيم "داعش".

كما لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي من تنظيم داعش في المواقع الجهادية التابعة له عن تدشين ذراع مغاربية له، كما لا يوجد في موقعي تويتر وفيسبوك أي إشارات من التنظيم على ميلاد تنظيم "دامس".

وعن علاقة السودانيين بتنظيم (داعش) الأم لـ (دامس)، تشير بعض المعلومات عن علاقات بين عدد من الشباب السوداني وتنظيم داعش، حيث قتل الشاب السوداني مازن محمد عبد اللطيف (19) عاماً ، وكنيته أبو البراء المهاجر إثر سقوط مقذوفة على مجموعة كان يقودها لاقتحام معسكر تابع لجيش نوري المالكي في العراق، حيث لقي مازن مصرعه متأثرا بجراحه في حي الأندلس بمدينة الرمادي بالعراق في مايو 2014م.

ويروي صدام يوسف (أبو يوسف السوداني) الذي يقاتل الآن ضمن جنود تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش) تفاصيل مقتل المنشد أبي البراء المهاجر مازن محمد عبد اللطيف، مشيرا إلى أن الشاب الذي ولد في 7 – 5- 1995م وقتل في يوم 7- 5- 2014م كان أميرا لسرية كاملة، وقد ولد بحي الثورة بأم درمان، ودرس في جامعة العلوم والتقانة، وسافر في العام 2013م متسللا لسوريا، وتلقى مازن تدريبات عسكرية وجرعات قتالية عالية مكنته من خوض عدد من المعارك الحربية تحت لواء تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، ومكث داخل معسكرات المجاهدين في سوريا قرابة عام شارك في العديد من التحركات والعمليات، ثم انتقل للقتال إلى العراق، قبيل مقتله في الغارة المذكورة. ويعد مازن أصغر أمير عسكري يقود سرية كاملة لمواجهة جيش حكومي منظم بالعراق، بجانب أن الشاب القتيل كان منشداً وقام بإصدار تسجيل صوتي ضم عدداً من قصائد الملاحم من بينها (تقدم أخيّ) و(أماه لو أبصرتنا).

كما أن مازن هو شقيق كل من (مؤيد محمد عبد اللطيف) و(منتصر محمد عبد اللطيف) عضوي خلية الدندر، التي تم تفكيكها في نوفمبر من عام 2012م، وتزخر صفحة مازن عبد اللطيف على فيس بوك، التي تحمل اسماً حركياً مستعاراً وهو كنية (أبو البراء المهاجر)؛ بالعديد من المشاركات والمداخلات المهتمة بالجهاد وقتال الكفار ومواجهة الشيعة وقوات حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني وجيش المالكي، وكان يخصص غالبية كتاباته عن قضية الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش) ويدافع عنها حتى فارق الحياة، ويضع شعار الدولة الإسلامية كخلفية في صفحته الشخصية.

وقد أوردت مصادر جهادية من قبل نبأ مقتل أبي حمزة القناص الذي سافر متسللاً من السودان عن طريق سيناء حتى وصل للعراق وتدرب على فنون القتال، مستفيداً من دورات الألغام والقنص حتى سُمي بـ (أبي حمزة القناص)، وشارك في عدد من المعارك في العراق في مناطق (الرمانة – الربط – الكرابلة – حصيبة)، وقتل في معركة القائم ضد القوات الأمريكية ودفن في مقبرة البوحردان بالقرب من القائم بالعراق.

يعزي بعض المراقبين ما ورد على لسان جهات محسوبة على المخابرات المصرية حول تنظيم "دامس" أنها متأثرة بما يحدث في العالم الإسلامي، ومصر تعتبر نفسها مهددة بالجهاديين، فهي تجاور غزة وكذلك ليبيا وغير بعيدة عن العراق وسوريا، ورغم أن السودان سبق أن احتضن تنظيمات جهادية كان الجانب الإعلامي فيها أكبر من الوجود التنظيمي الفعلي، مثل تنظيم القاعدة في أرض النيلين والخلايا التي تنشط بين الحين والآخر، مثل خلية الدندر وغيرها.

ويستبعد هؤلاء المراقبون أن يكون هنالك تنسيق بين التنظيمات الجهادية في السودان ومصر، فالحدود بين البلدين صحراوية مكشوفة، يمكن مراقبتها على عكس الحدود بين العراق وسوريا، ويرون أن ما تثيره المخابرات المصرية في هذا التوقيت هو تخوف واستباق، لأنها تعتقد أن يكون هنالك تنسيق بين تنظيم الإخوان المسلمين المنحل في مصر، مع تنظيم الإخوان الحاكم في السودان، لذلك فهم يتخوفون أن يكون السودان محطة انطلاقة للإخوان تهدد أمن واستقرار مصر.

ولم يستبعد آخرون أن يظهر تنظيم جهادي مشترك بين مصر وليبيا، فالجماعات الإسلامية تنشط في الشرق الليبي، ويمكن أن تنسق مع الجماعات الإسلامية في سيناء وغرب مصر بشكل ما، فيما يرى آخرون أن توقيت الكشف عن تنظيم (دامس) المشترك بين مصر والسودان، الهدف منه إيصال رسالة قوية للحكومة السودانية لتساهلها الذي تبديه مع الجهاديين، وضرورة إبدائها بعض الحسم والقوة تجاه هذه التنظيمات.

مراجع:

1- الهادي محمد الأمين، الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع الديني في السودان وتأثيراته على البلدان الإفريقية، مقال موجو على الرابط:

http://www.sudaneseonline.com/board/7/msg/1391550066.html

2- دامس في وادي النيل، مقال منشور بتاريخ: الاثنين، 07/7/2014م، على موقع جريدة العرب اليوم الإلكترونية:  http://alarabalyawm.net.

3- حوار مع محمود عبد الجبار رئيس تنظيم اتحاد قوى المسلمين (أقم)، موجود على الرابط: http://www.hurriyatsudan.com/?p=7800. .

4- جمال الشريف، السلفية في السودان: انقسام بين التسليم والصدام، تقرير لمركز الجزيرة للدراسات، موجود على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/reports/2012/06/201261893435505791.htm .

5-  محمد عبد العزيز، السلفية الجهادية في السودان.. هل خرجت القاعدة إلى الشارع؟، صحيفة  السوداني، الخرطوم، بتاريخ: 09 - 10 – 2012م.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق