سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وثلاثون - شوال - 1435 هـ
الوجه الآخر - 9 - نعيم قاسم
السبت 26 يوليو 2014

 سلسلة تتناول شخصيات شيعية معاصرة الْتبست حقيقتها على أهل السنة، فتكشف عن المجهول من معتقدها وفكرها، ونظرتها إلى السنة وأهلها.

9- نعيم قاسم

إعداد: هيثم الكسواني - كاتب أردني

خاص بالراصد

يعتبر الشيخ نعيم قاسم الرجل الثاني في حزب الله اللبناني، فهو يتولى منصب نائب الأمين العام منذ فترة ليست بالقليلة، لذلك فإن منهج الحزب وسياساته تشكل معيارا مهما للحكم على قاسم، ودراسة شخصيته التي استفادت من الشعبية الجارفة التي حظي بها حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله في وقت من الأوقات، حتى اندلاع الثورة السورية في بداية عام 2011م، والتي نزعت عن الحزب وقياداته ورقة التوت التي كانوا يستترون بها.

وإضافة إلى موقفه من الثورة السورية، نتناول في هذا المقال موقف قاسم من ولاية الفقيه، وتبعيته لإيران وقائدها، وموقفه من مخالفيه من السنة والشيعة، ونظرته إلى التراث الشيعي، والتاريخ الإسلامي.

أولاً: حياته ونشأته

ولد نعيم قاسم في قرية كفر فيلا، في النبطية، في جنوب لبنان سنة 1953م، وأتم دراسته الجامعية في الكيمياء من الجامعة اللبنانية، وبالتزامن مع ذلك درس العلوم الدينية على يد عدد من شيوخ الشيعة في لبنان، وهو أحد الذين ساهموا في تأسيس حركة المحرومين بقيادة موسى الصدر (قبل أن تتطور لتصبح حركة أمل)، وكذلك أحد المؤسسين لحزب الله، ويتولى فيه منصب نائب الأمين العام منذ سنة 1991م.

صدر له عدد من المؤلفات، منها: عاشوراء مدد وحياة، معالم للحياة من نهج الأمير عليه السلام، شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين، حزب الله: المنهج التجربة المستقبل، الإمام الخميني الأصالة والتجديد، المهدي المخلّص، مجتمع المقاومة، وغير ذلك([1]).

ثانيا: تبعيته لإيران وقائدها

إن الأمر الأول الذي يوضح تبعية نعيم قاسم لإيران هو أنه الرجل الثاني في حزب يدين بالطاعة المطلقة لإيران وقائدها باعتباره الولي الفقيه وولي أمر المسلمين الواجب اتّباعه خلال غيبة الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) حسب المعتقد الشيعي، وكما نصّ عليه أول بيان صدر عن حزب الله في فبراير/ شباط 1985م، وجاء فيه: "إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزيّة في العالم ... نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني -دام ظلّه- مفجّر ثورة المسلمين، وباعث نهضتهم المجيدة..."([2]).

وقاسم نفسه تحدث عن دور إيران في تأسيس حزب الله، فقال: "... نجحت الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام الخميني (قده) سنة 1979 فاستقطبت المؤمنين ... لم يكن الارتباط بالثورة موجوداً قبل ذلك ... ناقش الإسلاميون داخل أطرهم ومع بعضهم البعض كيفية النهوض ومواكبة متطلبات المرحلة في لبنان والاستفادة من التجربة والإشعاع الإيراني ... فقوي الاهتمام بضرورة تشكيل إسلامي موحد ... من أجل تحقيق هذه الأهداف تابع ممثلون عن المجموعات الإسلامية الرئيسة مناقشة أفكار عديدة حول رؤيتهم للعمل الإسلامي في لبنان، تمت صياغتها في ورقة نهائية ثم انتدبوا تسعة أفراد كممثلين عنهم ... ثم رفعوا هذه الوثيقة للإمام الخميني (قده) فوافق عليها فاكتسبت شرعية تبني الولي الفقيه لها، عندها قررت المجموعات الإسلامية الموافقة على الوثيقة حلّ تشكيلاتها التنظيمية القائمة وأنشئ تشكيل واحد جديد سمي لاحقاً باسم حزب الله".

والأمر الثاني أن اعتقاد قاسم بولاية الفقيه لا يختلف عن اعتقاد حزبه، إذ يرى أن سلطة الفقيه الإيراني على المسلمين هي سلطة مطلقة، بما في ذلك إعلان الجهاد، الأمر الذي يضع شكوكا كبيرة حول المقاومة التي طالما تباهى بها الحزب، وقرار الحرب والسلم، لارتباطها بالأجندة الإيرانية والولي الفقيه، ففيما يتعلق بالمقاومة، التي يسميها: الجهاد الدفاعي، يؤكد أنها لابد أن تحظى بموافقة الولي الفقيه ... ويقول: "لكن قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه، الذي يشخص الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي، والذي يحدد قواعد المواجهة وضوابطها، فمسؤولية الدماء عظيمة، ولا يمكن زج المقاتلين في أي معركة دون الاستناد إلى ما ينسجم مع وجوب الجهاد فيها وما يحقق أهدافها.

وقد يختلف رأي بعض الفقهاء عن رأي الولي الفقيه، لكن رأيه ملزم لهم فهو المتصدي والمبايع من قبل الناس.." ([3]).

ومن جهة ثالثة، لا يكلّ نعيم قاسم من الثناء على إيران وثورتها وقائدها، ففي كلمة له على سبيل المثال بمؤتمر الصحوة الإسلامية الذي انعقد في طهران في 11/3/2014 اعتبر أن الصحوة الإسلامية انطلقت بشكل فعال مع الخميني وثورته وأنها هي التي أحيت الدين مجددا وأعادت الناس إلى الدين وإلى رسول الله.

موقفه من الثورة السورية

شكلت الثورة السورية ورقة التوت التي طالما تستر بها حزب الله، فالسلاح الذي طالما أعلن الحزب أنه لمقاومة إسرائيل، يُوجه إلى الشعب السوري الثائر بوجه الأسرة الأسدية والنظام العلوي النصيري المستبد، إذ بعد فترة من الإنكار لأي دور للحزب في قمع الثورة السورية عاد الحزب للإعتراف - بعد تزايد الأدلة على تورّطه- بالمشاركة في الحرب إلى جانب النظام، والسبب في ذلك معروف وهو إنقاذ الهلال الشيعي الذي كاد يتهاوى تحت ضربات الثوار.

وقد أشار الشيخ محمد الجوزو مفتي جبل لبنان إلى شيء من عنجهية قاسم في التعامل مع الهيئات السنية ودار الإفتاء، فعندما سئل في مقابلة صحفية (الرأي -  28/1/2007) عن تدخله وهو رجل دين في الأمور السياسية، واعتراضه المتكرر على حزب الله، تحدث بشيء من الأسى عمّا يلاقيه من حزب الله وقائديْه حسن نصر الله ونعيم قاسم، فقال: "رجال الدين أليسوا بشرا؟ أليسوا مواطنين؟ أليس من حقهم أن يمارسوا أبسط أمور الديموقراطية؟ حسن نصر الله يعمل الآن رئيسا لميليشيا وأنا لا أسميه زعيم حزب، لأن حسن نصر الله تحوّل من زعيم يريد محاربة إسرائيل إلى رئيس ميليشيا يحارب شعب لبنان ويحاول أن يدمر لبنان... وإذا لم أتكلم أنا، فمن الذي سيتكلم؟ هل نسكت جميعا ونترك حسن نصر الله و(نائبه) نعيم قاسم الذي ينط (يقفز) من خلف المنابر ويهدد... جميعهم يتحدثون بلغة فوقية وإملائية ... هل هذا كلام يجوز؟

ذهب غازي كنعان ورستم غزالة وجاء حسن نصر الله ونعيم قاسم ليمليا علينا ما يريدان؟ نحن لسنا عبيدا على الإطلاق، نحن أحرار وسندافع عن حرية اللبناني وكرامته".

 موقفه من مخالفيه

اتسم نعيم قاسم بالحدّة مع مخالفيه، ولعلّ ذلك بسبب القوة التي يمتلكها حزب الله في لبنان، والغريب أن هذه الحدّة واللغة الإقصائية قد شملت الشيعة أيضا، ممّن لا يتفقون مع منهج حزب الله، فعلى سبيل المثال شنّ قاسم (والحزب) حملة عنيفة على مقلدي المرجع الشيعي اللبناني محمد حسين فضل الله، وعلى مؤسساتهم ومنابرهم الإعلامية، رغم أن فضل الله كان يُعتبر الأب الروحي لحزب الله، لا لشيء إلاّ لمخالفة فضل الله ومقلديه لمنهج حزب الله، وتشكيكهم ببعض العقائد الإمامية، وانتقادهم لبعض الانحرافات والغلو في الوسط الشيعي.

وقد ذكرت تقارير صحفية أن نعيم قاسم طلب بحدّة من علي فضل الله، النجل الأكبر لمحمد حسين فضل الله والمسؤول عن إدارة المؤسسات التابعة للمرجعية، وقف بعض البرامج في تلفزيون الإيمان وإذاعة البشائر التابعين لفضل الله، لأن أحد المتحدثين فيهما (ياسر عودة) خالف ما عليه حزب الله فيما يتعلق بالولاية التكوينية للأئمة، وكذلك فيما يتعلق بموضوع التربة الحسينية التي يستخدمها الشيعة في الصلاة معتقدين بقدسيتها، حيث قال عودة (وقبله فضل الله) إنها ليست من أرض الأئمة، بل هي صناعة الصين ومستوردة منها.

وإضافة لذلك فإن نعيم قاسم وجّه تهديدات لوفد التقاه يمثل مقلدي فضل الله قائلاً: (اللي كان مغطيكم - أي يحميكم ويقصد محمد حسين فضل الله- راح) (أي مات)([4]).

أما ما يتعلق بمخالفيه من السنة، فيكفي للتدليل على ذلك بإفشال حزب الله لكل حكومة لبنانية لا تأتمر بأمره، أو تعارض إيران، وعندما اجتاح الحزب بيروت في أيار/ مايو 2008م، ووجّه سلاحه إلى معارضيه من اللبنانيين، وأدى ذلك إلى مقتل أكثر من 65 شخصا، واعتدى على المؤسسات التابعة لخصمه (السني) سعد الحريري، اعتبر قاسم في لقاء تلفزيوني معه أن الاجتياح كان من أجل وأد الفتنة التي كان يعتزم الحريري وتيار المستقبل إثارتها في لبنان.

 موقفه من التراث الشيعي

لا نجد لنعيم قاسم جهدا يذكر في الدعوة لتنقية التشيع مما فيه من انحراف وغلو كي تصبح الطريق ممهدة للتقريب بين السنة والشيعة، وتحقيق الوحدة الإسلامية التي طالما تغنى بها قاسم وحزب الله، بل على العكس من ذلك، فهو يرى أن الوحدة أمر معقد، وأن الخلافات يعود عمرها إلى مئات السنين، ما يوحي بعدم رغبته بإجراء مراجعات صريحة للتراث الشيعي وأوجه الإنحراف فيه، كما في قوله: "فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلوا اختياركم من مجموع المذاهب لإيجاد توليفة فقهية بينها فتكونوا بذلك قد تصديتم لمنهج عملي في الوحدة بين المسلمين؟

نقول: أمنيتنا الكبرى أن نكون في هذا الموقع الذي يوحّد بين المسلمين لكنه أمر معقد لم يتمكن الفقهاء من حلّه خلال مئات السنين ويتطلب لجاناً علمائية متخصصة تجرى أبحاثاً موضوعية وجريئة لمناقشة القضايا كافة وليس معلوماً إذا كان بإمكانها الوصول إلى نتيجة"([5]).

موقفه من التاريخ الإسلامي

يرى قاسم أن بدء المسلمين مواجهة الآخرين والدخول في أراضيهم لاعتبارات ليس لها علاقة باسترداد أرض أو التصدي لعدوان، وهو ما يسميه "الجهاد الابتدائي"، مرتبط فقط بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام المعصوم([6])، وهذا الرأي يجعل قاسم يسقط كل الفتوحات التي قام بها المسلمون على مدى قرون بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، زمن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين، أو من خلال الدول والممالك الإسلامية التي قامت في ظلهم.

ولا غرابة في رأي قاسم هذا، إذ أنه ينسجم مع الفكر الشيعي الذي لا يعترف بأي دولة سوى دولة الإمام المعصوم، أو من ينوب عنه (الولي الفقيه)، ويعتبر الدول السنية طاغوتية وباطلة.

 

 



[1] - الموقع الرسمي لنعيم قاسم على شبكة الإنترنت.

[2] -  علي حسين باكير، حزب الله تحت المجهر: رؤية شمولية مغايرة للعلاقة مع إسرائيل وإيران، شبكة الراصد الإلكترونية، ص 19.

[3] - نعيم قاسم، حزب الله المنهج التجربة المستقبل، دار الهادي، بيروت، ط 1، 2002، ص 50 وما بعدها.

[4] - مجلة الشراع اللبنانية، العدد 118.

[5] - حزب الله المنهج التجربة المستقبل، ص 40.

[6] - حزب الله المنهج التجربة المستقبل، ص 50 وما بعدها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق