مشكلات المرأة المسلمة ..مقاربة واقعية (1)
السبت 28 يونيو 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

 

خاص بالراصد

هل آن الأوان أن نتعرف على المشكلات التي تعانيها المرأة المسلمة بصورة واقعية وحقيقية كما تحسها وتستشعرها المرأة ذاتها أو كما يعبر عنها واقعها المتخم بالمشكلات التي لا يلتفت لها أحد إلا لماما.

ثمة مشكلتان كبيرتان تواجه الباحث في شئون المرأة المسلمة، تأتي المشكلة الأبرز من التيار النسوي بمدارسه المتعددة والذي يفرض المشكلات فرضا على المرأة المسلمة والأمثلة أكثر من أن تحصى كقضيتهم الكبرى تمكين المرأة وما يتفرع عنها من قضايا هامشية يتم فرضها كأولوية قصوى.      

أما المشكلة الثانية فتأتي من الإسلاميين أنفسهم والذين يكتفون بتقديم الأطروحة كما جاء بها القرآن والسنة ويلتزمون الصمت تجاه الواقع وممارساته.

وهذه المقالة موجهة للإسلاميين فالحوار الموجه للتيار النسوي غير ذي جدوى لأن القوم لا يمتلكون رأيا خاصا بهم وإنما هم نقَلة لما تجود به قريحة المفكرين الغربيين حتى أن بعض العبارات تنقل نصا وتترجم ترجمة حرفية.

الإسلاميون فقط هم من يمتلك مشروعا خاصا، له ملامحه الواضحة النابعة من الكتاب المعجز الخاتم ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت توضيحا وشرحا وتفصيلا لما جاء به القرآن.

لكن الذي ينقصهم حقيقةً هو تنزيل الفكر على الواقع المعاش بتعقيداته ومشكلاته وتداخل معطياته، والخطوة الأولى حتى يستطيع المشروع الإسلامي تحقيق أهدافه هي التعرف على المشكلات الحقيقية الواقعية للمرأة المسلمة في اللحظة الراهنة وهو موضوع هذه الدراسة:

لاشك أن المراة المسلمة في بلدان العالم الإسلامي المختلفة لديها مشكلات فمشكلات المرأة المسلمة في بلدان الخليج تختلف نوعا ما عن مشكلات المرأة المصرية التي ولا شك تختلف عن مشكلات المرأة المسلمة في بلاد المغرب والتي قد تختلف جذريا عن مشكلات المرأة المسلمة في أفغانستان وجميعها تختلف عن مشكلات المرأة المسلمة في بلاد المهجر وسيكون من التبسيط المخل وضع قائمة واحدة ونقول هذه أهم المشكلات الحقيقية للمرأة المسلمة ولكننا سنجتهد لوضع ملامح أساسية للمشكلات التي تعانيها وتشترك فيها المرأة المسلمة عامة أو في معظم المجتمعات.

التعليم والوعي

ليس من المبالغة في شيء أن نقول إن أبرز مشكلات المرأة المسلمة هي مشكلتها مع التعليم فأمة (اقرأ) كلها تعاني مشكلة كبيرة جدا اسمها التعليم،وأزمة المرأة فيه أكبر وأضخم، فعلى الرغم من الأحاديث المستفيضة التي تحث المسلم على العلم والتي يدخل فيها النساء لأنه ليس هناك قرينة تخصص الخطاب للذكور وعلى الرغم من مدح النبي صلى الله عليه وسلم للشفاء لأنها علّمت أم المؤمنين حفصة الكتابة، على الرغم من ذلك ضحى المسلمون طويلا بتعليم المرأة([1])، وعلى الرغم من أن الأغلبية من النساء الشابات الآن قد تجاوزن مرحلة الأمية الأبجدية بل حصلن على شهادات، وعلى الرغم من أجيالا كثيرة من النساء قد تجاوزن مرحلة الأمية الأبجدية بل إن الكثيرات جدا قد وصلن لمرحلة التعليم الجامعي إلا أن مستوى الوعي لم يتقدم كثيرا .

التعليم الذي يصقل العقل ويجعل من الإنسان إنسانا تحرم منه ملايين النساء ففي المنطقة العربية تصل نسبة الأمية إلى حوالي 50 % في أوساط النساء، وتصل في بعض البلدان إلى 65 %  فإذا نظرنا لنوعية التعليم نفسه الذي تتلقاه النساء سنجد أنه ذو نوعية رديئة على أكثر من مستوى:

- فالتعليم الذي يتلقاه الجنسان في الأغلبية الساحقة من بلادنا يوصف بأنه متخلف من حيث المناهج والمعامل والتقنيات وتدريب المعلمين وتعليم لا ينفق عليه من ميزانية الدول إلا الفتات ومن ثم لم نستطع تجاوز الفجوة بيننا وبين الدول الغربية أو تقريبها إن لم يكن العكس فهي في اتساع دائم.

- منهج التربية الإسلامية ضحل للغاية ولا يحقق الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية، وبالنسبة للفتاة المسلمة لا يتضمن المنهج المعلومات الأساسية المتعلقة بأحكام الطهارة والصلاة وما يتعلق بفقه المرأة المسلمة.

-  مضمون العلوم الاجتماعية مرتبط بالرؤية الغربية ولا يقدم رؤية خاصة ولا يمنح الطلاب القدرة على تنمية  الحاسة النقدية ولا يرفع من مستوى الوعي لديهم.

- التعليم الذي تتلقاه الفتاة في بلادنا لا يتضمن أي قدر من توجيه الفتاة للقيام بدورها الطبيعي والفطري كزوجة وأم فحتى رواد تحرير المرأة من آباء المدرسة النسوية كقاسم أمين أفردوا جزءا من كتاباتهم عن الفوائد التي تعود على الأسرة التي تتلقى الأم فيها التعليم وخص بالذكر تعلم مبادىء الصحة والتغذية  وأصول تربية الطفل.  

أما عندما تم التوجه للتوسع في تعليم الفتيات ضرب بهذا الكلام عرض الحائط وتم الاكتفاء بحصة هزيلة اختيارية اسمها الاقتصاد المنزلي لا تدخل في مجموع الدرجات ولا تؤهل الفتاة أن تكون زوجة وأما وربة منزل.

الفتاة المسلمة بجانب دراستها للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية بحاجة ماسة لمقرر دراسي يشبع جانب الطالبة الأنثى ولا يجعلها تستشعر الحرج والتناقض بين طبيعتها العاطفية والعقلية وهذا ما يجعلها تعيش حياة نفسية متوترة دون أن يشعر بها أحد ولا تجرؤ على البوح بما تعانيه وسأضرب أمثلة للتوضيح:

- الفتاة المسلمة تصل لمرحلة البلوغ وهي لم تتعلم من خلال درس الدين أو حتى الأحياء ما هذا البلوغ، بل ويمنع الخجل الكثير من الأمهات من التحدث مع بناتهن بهذا الشأن قبل الوصول له بفترة كافية.

- الفتاة المسلمة تصل لمرحلة البلوغ وتؤثر هرموناتها الجديدة على حالتها النفسية والجسدية دون أن تجد من يعلمها شيئا عن هذه المشاعر، فتنخرط بعض الفتيات في علاقات عاطفية مع الشباب، وتنخرط أخريات في أحلام يقظة عاطفية، وتتورط أخريات في علاقات مشبوهة، وتصمد أغلبية الفتيات مع ممارسة حالة من الضغط الشديد على النفس، ولا تجرؤ الأغلبية الساحقة من الفتيات على البوح بما يختلج في أنفسهن، ويرفضن في العلن فكرة الزواج لأنهن لا زلن صغيرات وهذا ما يريد المجتمع أن يسمعه منهن.

ولا يتم تقديم أي حل توافقي بين الزواج والدراسة بينما تعيش الفتاة الغربية حياتها الجنسية والعاطفية بحرية ودون تعارض مع استكمال تعليمها لأقصى حد وهذا يقودنا للمشكلة الثانية التي تعيشها المرأة المسلمة ألا وهي تأخر سن الزواج، تلك الظاهرة التي ارتبطت بحصول المرأة على قدر من التعليم العالي.

تأخر سن الزواج

وهذه هي أكبر مشكلة حياتية تعيشها النساء ولا تدرك قسوتها إلا من مرت بها فالزواج بالنسبة للمرأة ليس مجرد جزء من الحياة كما يتم الترويج لذلك إنما هو عصب الحياة الأساسي بالنسبة لها ومن لا تدرك ذلك من النسويات فهو لمرض أصاب فطرتها. ولو تحدثنا بلهجة علمية فإن من يجيب عن هذا السؤال هو النساء أنفسهن ممن حرمن من نعمة الزواج فقط. كل المطلوب أن تكون الإجابة صادقة وبعيدا عن بعض الحيل النفسية التي يلجأ لها البعض للتخفيف من وقع المشكلة النفسية.

وعلينا في هذا الصدد أن نوضح أن ثمة فارقا كبيرا وشاسعا بين النساء اللاتي تأخرن في الزواج بالنسبة لنظرتهن للزواج وبين النساء المتزوجات اللاتي يعانين من مشاكل في حياتهن الزوجية ورأيهن في الزواج ولا بد من وضع هذا المتغير في الاعتبار ونحن نتحدث عن أهمية قضية الزواج بالنسبة للمرأة.

الزواج بالنسبة للمرأة يشمل عدة موضوعات بالغة الأهمية:

- الإشباع العاطفي فالمرأة ومنذ نعومة أظافرها تتطلع لرجل يشبع مشاعرها النفسية والعاطفية.  

- الإشباع الجنسي الذي هو غريزة أساسية في البشر وذلك بطريقة شرعية، ومن الجدير بالذكر أن هناك علاقة جدلية وثيقة بين الإشباع العاطفي والإشباع الجنسي.

-  إشباع الجانب الاجتماعي المتمثل في تكوين أسرة.

- إشباع أقوى غريزة تمتلكها الأنثى ألا وهي غريزة الأمومة.

وتأخر الزواج يؤجل هذه الحاجات الفطرية الأساسية مما ينجم عنه صراع داخلي يزداد كلما كانت الحاجة أقوى للإشباع ويزداد كلما طالت مدة الانتظار والتأخير.

النسويات العربيات لا يحفلن مطلقا بهذه المشاعر الأساسية لدى النساء ويضغطن لمزيد من تأخير سن الزواج بدعوى المزيد من النضج الجسدي والنفسي ومن أجل إتمام مراحل أعلى من التعليم، ولاقت دعوتهن هذه الكثير من القبول المجتمعي وصيغت في قوالب درامية شيقة حتى تصل لأكبر قاعدة جماهيرية ممكنة.

صيغت هذه الدعوى بمشاعر مزيفة تزعم الشفقة على المرأة ومستقبلها، لذلك تمت الإطاحة بمشاعرها الفطرية الأساسية! ويا لها من دعوى قلبت الأمور رأسا على عقب، فمن يسعى لإشباع حاجات المرأة الحقيقية ظلامي يعادي النساء ومن يضغط عليها ويلجئها للكبت والإنكار مدافع رحيم بالنساء.

أما المجتمع الأوربي والغربي بوجه عام، فهناك استثناءات بسيطة، فيرفض فلسفة الكبت ويمنح المراهق والمراهقة الحق في إقامة العلاقة الجنسية ويوفر لهما وسائل الصحة الإنجابية ووسائل منع الحمل المتنوعة وهي الفكرة الحقيقية التي لم تستطع النسويات حتى الآن أن يكشفن عنها رغم تضمنها لأدبياتهن المشهورة فاستبدلنها بالتسامي والاستعلاء الذي تئن تحت وطأته ملايين النساء (في مصر وحدها أكثر من 8 ملايين فتاة متأخرة في الزواج).

إن الزواج المبكر قيمة كبيرة جاء بها الإسلام ليسود العفاف المجتمع الإسلامي وهو السبيل الوحيد لإشباع الغريزة في الإسلام.

الزواج المبكر حث عليه الإسلام للذكور والإناث جميعا فخاطب الذكور قائلا: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج)([2])، وتحدث لأولياء الفتاة ألا يبخلوا عليها حتى تتزوج سريعا (لو كان أسامة جارية لحليتها ولكسوتها حتى أنفقها)([3]).

بين الزواج والتعليم

هل ثمة تعارض بين أهم مشكلتين تعاني منهما المرأة المسلمة: التعليم الذي يؤهلها كإنسان كرمه رب العالمين وأسجد له الملائكة وميزه بالعلم،والزواج الذي تهفو له قلوب الفتيات وتقر به أعينهن وتتزين به نفوسهن ومشاعرهن.

لقد أصبح التعليم الحديث معقدا لدرجة أنه بحاجة لعدد طويل من السنوات وعدد طويل من ساعات الدراسة خاصة بالنسبة للعلوم ذات الطابع العملي، ونحن كإسلاميين لا يمكننا البتة أن نقف بالطموح العلمي للفتاة المسلمة عند حد معين ونقول لها: اكتفِ بهذا القدر وإلا عدنا القهقرى لعصور الانحطاط الحضاري ولو بصورة تدريجية ولا يمكننا أن نقول إن على الفتاة الاكتفاء بدراسة مبادىء العلوم ثم لا شيء بعد ذلك فنحن الآن في عصر العلم وعلى كل فرد في حضارتنا سواء كان ذكرا أو أنثى أن يرتقي في العلم لأقصى درجة تؤهله لها قدراته ولكن لماذا نفترض أن ثمة تناقضا بين التعليم وبين الزواج وما الذي يمنع الفتاة المسلمة من أن تجمع بين الاثنين كما جمعت الفتاة الغربية بين التعليم وبين إقامة علاقة خارج إطار الزواج.

ربما يكون الرد على ذلك أن الزواج مسئولية كبيرة والتزامات منزلية والتزامات نحو الزوج ووجود أبناء بحاجة لكثير من الوقت والجهد وهو ما يتناقض مع فرص التعليم وهذه الشبهات من الممكن الرد عليها بإيجاز في النقاط التالية:

- هناك حالات كثيرة جدا من النساء نجحن في عملية الجمع هذه ووصلن لدرجة الدكتوراه في تخصصات علمية نادرة وجمعن بين مسئولية البيت والزوج والأطفال.

- من الممكن الاتفاق مع الزوج على تأجيل فكرة الإنجاب لعدد من السنوات بحيث نستخدم قاعدة أقل الضررين فكما أن النسل مقصد شرعي فإن العفاف مقصد شرعي أكثر أهمية.

- كان العرب قديما يستخدمون حاضنة للطفل لرعايته.

وفي العصر الحديث هناك مراكز متخصصة قد تساعد الأم الصغيرة في القيام بمهامها أو قد تساعدها الأم أو أم الزوج وفقا للظروف الموضوعية لكل حالة على حدة.

- يرى كثير من الفقهاء أن خدمة المنزل ليست مسئولية الزوجة بينما يرى جميع الفقهاء أن مساعدة الزوجة خلق كريم واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في خدمة أهله على الرغم من أنهن لم يكن لهن عمل خاص أومسئولية تعليمية محددة فالرجل الذي يتزوج بفتاة لا زالت في طور الدراسة عليه مسئولية نحو البيت بخلاف من يتزوج بأخرى قد أنهت تعليمها وهذه أمور لابد أن تكون واضحة ومعلومة منذ البداية ولا بأس باشتراطها في عقد الزواج حفظا لحق الفتاة في التعليم.

- الاكتفاء بعقد الزواج  لعدد من السنوات قبل تأسيس منزل الزوجية وما يرتبط به من أعباء مادية على الشاب ومسئوليات بيتية على الفتاة (عقد دون دخول شرعي) خاصة لشاب وفتاة في طور الدراسة أو شاب في مرحلة تكوين نفسه ماديا وفتاة في طور الدراسة قد يكون حلا عمليا لكثير من المشكلات التي يعانيها المجتمع إذا تم تفهم أولياء الأمور للأبعاد النفسية والجسمية التي يعيشها أبناؤهم، فبدلا من العلاقات المحرمة التي يطلقون عليها حب وصداقة و... تكون علاقة شرعية علنية في النور تحقق الإشباع العاطفي وبعض الإشباع الجنسي للشاب والفتاة ويمثل سياج حماية للمجتمع ضد الرذيلة والانحراف.



[1] - لمزيد من التفصيل يرجى الاطلاع على المقال التالي لكاتبة هذه السطور:

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6614

[2] - رواه البخاري.

[3] - رواه أحمد وصححه الألباني.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق