شيعة مصر والدولة الجديدة.. ماذا يجري على أرض النيل؟
السبت 28 يونيو 2014

 

 أسامة الهتيميكاتب مصرى

 

 

خاص بالراصد

ثمة اتفاق بين جميع الفرقاء السياسيين في مصر على أن التقارب السياسي النسبي الذي أحدثه الرئيس المصري المعزول الدكتور محمد مرسي فترة ولايته "يونيو 2012 – يونيو 2013م" مع الدولة الإيرانية كان أحد أهم الأسباب الرئيسية التي زادت من حالة الاحتقان الشعبي ضده ذلك أن هذا التقارب جاء بالمخالفة للتوجه العام للجماهير التي تتحفظ على الكثير من سلوك الدولة الإيرانية الشيعية في المنطقة فضلا عن اصطدام ذلك مع التخوفات والهواجس التي لم يفتأ يبديها التيار السلفي - بمختلف مكوناته - والذي كان أحد أهم الفصائل التي دعمت وصول الدكتور مرسي للحكم وهو ما دفع الكثير من أبناءه إلى الاصطفاف مع الرافضين لاستمرار الدكتور مرسي من العلمانيين والليبراليين واليساريين والمطالبة بإزاحته خشية أن تستمر هذه السياسات التقاربية الأمر الذي يفضي في نهاية الأمر إلى تسهيل مهمة إيران وتحقيق هدفها المتمثل في تشيع المصريين.

ولقد وصل حد رفض أنصار التيار السلفي في مصر لخطوات هذا التقارب إلى أن هدد بعضهم السلطات المصرية زمن الدكتور مرسي بمحاصرة المطارات المصرية في حال تم تنفيذ الاتفاقية المصرية – الإيرانية التي بموجبها يتم فتح باب السياحة للإيرانيين في مصر وهو ما أسفر عن تراجع السلطات المصرية عن تطبيق هذه الاتفاقية ومن ثم تم إرجاء دخول هؤلاء السياح.

كما شملت أشكال هذا الاحتجاج إقامة العديد من الفاعليات والتظاهرات المناهضة للاتفاقية صاحبتها حملة إعلامية استهدفت ترهيب الإخوان المسلمين من الاستمرار في نهج التقارب كونه لا يصب إلا في صالح الدولة الإيرانية التي تتبنى مشاريع خاصة تتعلق بإفساد عقيدة أهل السنة وعليه فقد رفضت هذه الحملات بل ولم تلتفت مطلقا للذرائع والمبررات التي سيقت في هذا الاتجاه والتي مفادها أن ذلك إنما يهدف إلى جذب السائحين الإيرانيين لتنشيط السياحة المصرية التي تعرضت للكثير منم التحديات والمعوقات منذ وقعت أحداث ثورة 25 يناير 2011م.

في هذا الإطار فقد تصور الكثيرون وبعيدا عن تقييم موقف حزب النور – ذو المرجعية السلفية – سلبا أو إيجابا من أحداث 3 يونيو 2013 م أن أي نظام سياسي مصري جديد سيأتي عقب نظام الدكتور مرسي سيعمل حتما وبشكل ملحوظ على إسترضاء التوجهات العامة لحزب النور أحد ممثلي التيار السلفي في مصر والذي كان وجوده ذو أهمية خاصة ليتمكن القائمون على 3 يونيو من شرعنة مسلكهم السياسي تصوروا أن أقل القليل الذي يجب أن يحصلوا عليه هو أن تتحقق لهم حالة الطمأنينة والتهدئة إزاء مخاوفهم من الانفتاح على الدولة الإيرانية الشيعية وهو الأمر الذي لم يحدث بكل أسف حيث أثبتت الأحداث اللاحقة أن التطورات وإن لم تمض على نفس النحو السابق زمن الرئيس الدكتور مرسي إلا أن النتيجة النهائية كانت تصب في نفس الاتجاه وربما بشكل أسوأ خاصة وأن المسألة أخذت بعدا آخرا تمثل في أن العلاقات المصرية – الإيرانية اُتخذت في بعض الأوقات كورقة ضغط على القوى الغربية لإجبارها على دعم وتأييد ما يجري في مصر بل إن علاقة السلطات المصرية بالنشطاء الشيعة سارت مسارا مختلفا عما كانت عليه سواء زمن مرسي أو حتى زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك فتصدر بعضهم المشهد السياسي وتم الترويج له باعتبار أن الشيعة المصريين الناقمين على مرسي كانوا أحد المكونات الفاعلة للتمهيد وصنع أحداث 3 يونيو وهو ما دفعهم إلى الإعلاء من شأن مطالبهم السياسية لدرجة لم يكن يتخيلها المتابعون قبيل وقت قليل من أحداث 3 يونيو.

ويكفينا في هذا الصدد أن نشير إلى ثلاثة مظاهر ربما تكشف بجلاء عن حقيقة الموقف من المسألة الشيعية في ظل النظام المصري الجديد والتي يجب أن تؤخذ بعين الجدية من قبل المتابعين لهذ المسألة كونها تعطي إشارات ودلالات بالغة الخطورة.

ففي الثاني من شهر يونيو 2014 م أعلنت مصادر مسئولة بمطار القاهرة عن أنه تم السماح بدخول نحو 88 شيعيًا هنديًا من طائفة البهرة قدموا عن طريق الأردن لزيارة العتبات المقدسة بالنسبة للشيعة في مصر وأن هؤلاء الشيعة الهنود قد وصلوا على مجموعتين ضمت الأولى 45 شخص فيما ضمت الثانية 43 شخص وتم تجميعهما في موكب سياحي.

وأوضحت هذه المصادر – وفق ما نقلت العديد من الصحف المصرية -  أن الفوج السياحي توجه إلى أحد فنادق منطقة الحسين بالقاهرة بإشراف شركة سياحة مصرية تنظم برنامجهم السياحي لزيارة العتبات المقدسة لدى الشيعة وهى "مساجد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وبعض المساجد والمقامات الأخرى مثل مقام "زين العابدين" و"أم كلثوم بنت القاسم" بمناطق الشافعي والسيدة عائشة والسيدة نفيسة والأماكن السياحية والأثرية في القاهرة".

عند هذا الحد ينتهي الخبر الذي تناقلته كما أشرنا العديد من وسائل الإعلام غير أن هذه الوسائل الإعلامية لم تجب على التساؤل الرئيس الذي يطرح نفسه لدى كل قارئ للخبر والذي يتركز حول ماهية السبب الذي يدفع السلطات المصرية للسماح لمثل هؤلاء الشيعة بدخول البلاد للقيام برحلات سياحية وسط تحذيرات شديدة من قبل المعنيين والمتخصصين من أن مثل هذه الرحلات يمكن أن يكون تهديدا حقيقيا للأمن المجتمعي المصري الذي مازال يعيش حالة من الفوضى الأمنية تسهل عملية اختراقه على مختلف المستويات؟ ثم إذا ما كانت الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدها الشارع المصري ضد اتفاقية السماح للإيرانيين بالسياحة في مصر تستند بالأساس إلى كون أن هؤلاء السائحين ينتمون للمذهب الشيعي فلماذا تم تجاوز هذا السبب الرئيسي ويتم السماح للشيعة الهنود بدخول البلاد رغم أن المعلوم يقينا لدى الجميع أن ولاء أغلبية الشيعة في كل بلدان العالم إلى طهران؟

الحقيقة أن الأمر يحتاج إلى كثير من التفسير الذي لا يفي به ما حاول أن يسوقه وزير السياحة المصري هشام زعزوع والذي كان قد استبق هذا الحدث بالحديث في شهر مارس الماضي عن أن مصر وفي إطار محاولات دفع انحسار حركة السياحة الوافدة إليها من الدول الأوروبية تسعى للاتجاه إلى الشرق لجذب سائحي الهند.

وقال زعزوع عقب لقاء مع رئيس اتحاد شركات السياحة الهندية محمد إقبال ملا إن مصر تستهدف جذب مليون سائح هندي خلال 3 سنوات فيما توقع المسؤول الهندي أن يبلغ حجم السياحة الخارجية لبلاده نحو 50 مليون سائح للمقاصد المختلفة بحلول عام 2020.

وهنا يجدر بنا أن نؤكد أن مسألة فتح باب السياحة للهنود ليست محل نقاشنا بالمرة لكن الذي يثير الاهتمام هو أن المعني بالسياحة الهندية إلى مصر هم شيعة الهند الذين يستهدفون بالأساس زيارة المساجد التي تمارس فيها طقوس طائفة البهرة وهي الطائفة التي يعود أصلها – وفق المصادر العلمية – إلى الفاطميين الشيعة الذين كانوا في مصر إبان العصر الفاطمي حيث هاجر الكثيرون منهم بعد انتهاء العصر الفاطمي من بلد إلى أخر حتى انتهى بهم المقام إلى جنوب الهند.

أما الحدث الثاني وربما كان الأبرز خلال الأسابيع الماضية هو ما أثير حول القارئ المصري المعروف الدكتور أحمد نعينع والذي تم التعارف عليه في الأوساط المصرية على أنه كان القارئ الخاص لاحتفالات الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وعليه فقد كان يتوقع الجميع أن يتم إقصاءه تماما من الاحتفالات العامة بعد ثورة يناير وهو ما لم يحدث حيث فؤجئ الجميع بأن الرئاسة المصرية الجديدة بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي قد استعانت بالدكتور نعينع مجددا ليكون القارئ في احتفالات تنصيبه رئيسا.

وعلى الرغم من أن الاستعانة بنعينع المعروف بعلاقاته بالنظام المصري الأسبق كفيلة بالفعل بأن تثير موجة من الاستياء إلا أن ذلك لم يكن فقط هو الدافع لهذا الاستياء فقد كان هناك ما هو أشد وطأة ومثير للحيرة والتساؤل ذلك أن وزارة الأوقاف المصرية قد قررت التحقيق مع 4 من مشاهير مقرئي القرآن الكريم بينهم الدكتور نعينع والشيخ طه محمد النعماني والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد لسفرهم إلى إيران والعراق دون إذن من الوزارة وكذلك لرفعهم الأذان الشيعي.

وكشف مصدر مسؤول في الوزارة أن الشيخ محمد محمود الطبلاوي نقيب القراء قرر إثر اجتماعه مع وزير الأوقاف محمد مختار جمعة إحالة المقرئين الأربعة الذين سافروا إلى إيران والعراق دون تصريح إلى التحقيق مع إبلاغ الجهات الرسمية المعنية بذلك حفاظا على الأمن القومي المصري ووحدة النسيج المجتمعي.

وقد أسفر التحقيق عن فصل القراء الأربعة من نقابة القراء فيما أكدت النقابة أنها بصدد مخاطبة الإذاعة والتليفزيون بقرارها لاتخاذ موقف مع هؤلاء القراء ووقف الاستعانة بهم فى الاحتفالات الرسمية والمناسبات الدينية وهو ما لم يحدث أيضا فكان ما كان بشأن نيعينع وحفل التنصيب.

وبالطبع وأمام هذا الموقف المخجل اضطرت وزارة الأوقاف إلى أن تعلن أنها لا تستطيع منع القارئ أحمد نعينع من تلاوة القرآن في الاحتفالات الرسمية وغيرها فيما أكدت مصادر الوزارة لبعض الصحف المصرية أن إدارة المراسم برئاسة الجمهورية هي من تولت التنسيق مع القارئ دون التنسيق مع الوزارة.

لكن يبدو أن تصريحات الأوقاف ليست إلا محاولة لحفظ ماء وجهها إذ هي نفسها لم تستطع أن تتخذ موقفا واضحا أمام العديد من المظاهر الأخرى التي تسير في نفس الاتجاه فقد تناولت وسائل الإعلام وقبل نشر حادثة المقرئين المصريين صورا تكشف عن مشاركة الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وهو يتوسط الشيعة في مسجد "فاضل" بمدينة 6 أكتوبر خلال الاحتفال بالسنة الهجرية على أنغام الموسيقى داخل المسجد.

بل وفي نفس السياق فإن الوزراة ورغم إعلانها التحقيق مع المقرئين الأربعة لم تعلن عن موقفها بشأن نحو 46 مقرئا وداعيا آخرين أكد علاء السعيد مؤسس "ائتلاف الدفاع عن آل البيت والصحب" أن الائتلاف يمتلك لهم تسجيلات تكشف عن قيامهم برفع الآذان الشيعي فى دول خارج مصر وبالتحديد إيران والعراق.

وهنا يطرح سؤال جديد نفسه .. لماذا أصرت الرئاسة المصرية على اختيار الدكتور نعينع ليقرأ القرآن في حفل التنصيب رغم أن هناك العشرات بل المئات من القارئين الذين لم يتورطوا فيما تورط فيه نعينع وكان سببا لإحالته للتحقيق وفصله من نقابة القراء؟.

ويأتي الحدث الثالث تأكيدا جديدا على مدى التوغل الإيراني في مصر وأن إيران لم تغب مطلقا عن المشهد السياسي في البلاد حيث التقى المشير السيسي وبعد تنصيبه رئيسا بعدد من قيادات وممثلي الشيعة في مصر من بينهم "إسلام الرضوى" المتحدث باسم "شباب الشيعة في مصر" و"الطاهر الهاشمى" رئيس منظمة اتحاد "آل البيت" و"أحمد النفيس" الكاتب الشيعى المعروف وعدد من أذرع التشيع في مصر.

كما تأتي دعوة الرئيس المصري المعين عدلي منصور للرئيس الإيراني حسن روحاني لحضور حفل تنصيب السيسي رئيساً لمصر في حين تم استبعاد بلدان سنية تأكيد على إشارة قوية على أن واقع العلاقة المصرية – الإيرانية ليس كما يبدو في الظاهر وأن هناك الكثير والكثير في كواليس هذه العلاقة لا يكشفه مجرد قول بعض المحللين بأنه عندما بنى الطرف التركي عداءً مع مصر بعد 3 يوليو توجهت مصر توجهاً نسبياً حثيثاً نحو اللاعب الايراني كبديل للاعب التركي في المعادلة الاقليمية لمواجهة النفوذ "الإسرائيلي" المتنامي في المنطقة بعد عام 48 فمثل ذلك كان يمكن قبوله لو أن توترا شهدته العلاقة المصرية – "الإسرائيلية" وهو ما لم يحدث حتى الآن بل كان العكس هو الحادث.

وبالطبع فقد كان لمثل هذه السياسات انعكاس على أرض الواقع حيث تجاوز سقف طموح الهيئات الشيعية المصرية بعد 3 يونيو عما قبلها فأصبحت تطالب بالتعيين في البرلمان وبإنشاء أحزاب سياسية على خلفية شيعية ورفع الحظر عن السياحة الدينية الشيعية للعتبات المقدسة في مصر بل إن أحدهم ويدعى بهاء أنور محمد والذي يقدم نفسه كمتحدث رسمي باسم الشيعة المصريين يهدد بالتصعيد الدولي كإجراء إذا لم يستجب السيسي لمطالبهم وأهمها الحماية من الاعتداء عليهم وأنه يعتزم تقديم مجموعة من التقارير الى المنظمات الدولية متضمنة التصريحات الصحافية والإعلامية في وسائل الإعلام المختلفة والتي تثبت التحريض المستمر ضد الشيعة في مصر فيما كشف الطاهر الهاشمي نقيب الأشراف بمحافظة البحيرة وعضو المجلس العالمي عن عزم وجهاء شيعة مصر تكوين تجمع ديني سياسي سيعلن قريباً لعرضه على الدولة المصرية "الجديدة" لتعترف به وبحقوقهم في ممارسه الشعائر مشيراً إلى أن عدد الشيعة في مصر تخطى مليون شخص.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق