ثورة العرب السُنّة في العراق
السبت 28 يونيو 2014

 

 صباح العجاج – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

كان يوم 9 حزيران 2014 يومًا جديدًا في تاريخ العرب السُنّة في العراق، يوم أن هبت ثورة عارمة منطلقها من مدينة الموصل، وبعد معارك صاعقة لساعات أسفرت عن هزيمة الجيش العراقي (الشيعي) واستسلامه بالكامل برغم أنه جيش قوامه بين 30-40 ألف جندي شيعي مع قياداته، وبقي الكل في العراق وخارجه في حالة صدمة وذهول، مما يجري في العراق؟ لقد تحررت الموصل بأيام ثم انطلق الثوار في محافظات أخرى يحققون نصرا تلو الآخر، وحكومة المالكي الشيعية مذهولة وفي صدمة كبيرة.

ما دعا المرجع الأعلى لشيعة العراق علي السيستاني الشيعة للجهاد (الكفائي) وتطوع آلاف الشيعة للنجدة من الكارثة التي حلت بهم. ولبس أصحاب العمائم الشيعية اللباس العسكري، وتدخلت إيران وأطلقت تصريحات وأرسلت بعض القادة العسكريين للعراق، وأصبح جميع العالم في صدمة مما حدث في بلاد الرافدين.

يصعب التحليل الدقيق لما جرى بالتفصيل، ولكن الهدف هو بيان تسلسل الأحداث حتى نكوّن صورة حقيقية عن الوضع، فالأخبار أوردت أن مئات من تنظيم داعش، هجموا على الجيش الشيعي (جيش المالكي) في الموصل فانهزم عشرات الآلاف قيادة وجنودا، وكبرت الكرة في الجانب السني، فسارع الثوار المسلحون من المقاومة الإسلامية والوطنية القديمة للمشاركة في الأحداث، وظهرت قوى عسكرية للعشائر، وقوى بعثية، وقيادات من الجيش العراقي السابق بلغ عددها أكثر من (18) مكونا سنيا، كلهم يقاتل في ميادين مختلفة، مما جعل الثورة تكبر وتمتد للمحافظات السنية الست (نينوى- صلاح الدين – كركوك – الأنبار – ديالى- بغداد).

إن هذه الثورة لم تأتِ من فراغ، بل إن أهل السنة خزنوا الظلم الذي وقع عليهم طيلة (11) عاما، ومنذ أربع سنين حاولوا تصويب وضعهم ورفع الحيف والظلم عنهم عبر القنوات السياسية، حيث تجمع أهل السنة في الانتخابات البرلمانية خلف (القائمة العراقية) بزعامة إياد علاوى، وحصلت على أكبر عدد من النواب (91 نائباً) وأصبحت تستحق قيادة العراق وحكمه، ولكن الشيعة العراقيين وإيران وأمريكا احتالوا عليها وأزاحوها وسلموا الحكم لقائمة نوري المالكي.

ولما تواصلت السياسات الجائرة والطائفية ضد السنة، قام السنة بالاحتجاج السلمي والذي عرف بالحراك السلمي السني سنة 2012، واستمر سنة كاملة ولكن ازداد اضطهاد أهل السنة وقتلهم، وازداد عدد المعتقلين منهم!!

 ثم في سنة 2013 هجم المالكي عسكريا على الأنبار محطما ساحات الحراك والتظاهر، وقصف مدن الفلوجة وهَجّر أكثر من نصف مليون شخص، وقتل واعتقل أهل السنة في محيط بغداد السُني. ويئس أهل السنة من كل حل، خاصة وأن ممثلي السنة في اللعبة السياسية مجموعة من الفاسدين؛ سواء كانوا (إسلاميين أو علمانيين أو غير ذلك)، لا همّ لهم إلا الجري خلف المناصب والمال، وأصبح أهل السنة في يأس تام من هذا الوضع الظالم، والمستقبل المظلم، هذا على الصعيد الداخلي.  

أما على الصعيد الإقليمي: فإيران تتغول وتتعاون مع روسيا والصين في سوريا وغيرها وتهدد الدول العربية وتنجح بعد مجيء روحاني للرئاسة في تقليل الضغط الغربي والأمريكي عليها، وتجلس معهم لترتيب صفقة مجهولة في المنطقة.

وأيضا صعّدت إيران من نشاط أذرعها المختلفة في الإقليم: حزب الله، والحوثيين، وشيعة البحرين، والمتشيعين والشيعة اللبنانيين في أفريقيا حيث وسعت نشاطهم ونفوذهم.

وفي خضم قلق الدول العربية وخاصة الخليجية من الاتفاق الأمريكي الإيراني، وتأثيره على مستقبلها، فتحت جبهة صراع سني سني على مستوى الأنظمة والشعوب بين جماعة الإخوان والسعودية والإمارات بسبب أحداث مصر بعد الانقلاب على الرئيس المصري مرسي، وانتخاب السيسي رئيسا جديدا لمصر.

وعلى مستوى الدول السنية فقطر وتركيا تصطفان مع الإخوان، ودول خليجية أخرى مع الانقلاب في مصر، وتختلف مواقفهم من الثورة السورية، وإيران هي المستفيد من هذه الخلافات والصراعات السنية.

وعلى الصعيد الدولي: حيث صعد نجم روسيا بعد ثورة سوريا من جديد إلى السطح، وعادت الحرب الباردة بين القطبين الروسي والصيني، وأمريكا، صراع في جنوب السودان وفي كرواتيا وفي روسيا، واليوم في العراق، لكن كلا من روسيا وأمريكا لا تفرط في مناطق نفوذهما؛ وأي تجاوز هو تعدٍّ يستفز الآخر، وهذا الذي حصل في سوريا والعراق؛ فسوريا منطقة نفوذ روسي وإيراني ولهذا تشاركتا للدفاع عنها، والعراق منطقة نفوذ أمريكي منذ احتلاله سنة 2003.
 واليوم أصبحت روسيا وإيران وسوريا على خط واحد ويراد إدخال العراق في نفوذهم، ولذلك تحرك المالكي قبل أشهر لتسهيل تدخلهم في العراق مستغلا انشغال الأمريكان، حيث تمّ بناء محطات للمخابرات الروسية (كي جي بي) في العراق. وهذا ما أشار إليه الدكتور إياد علاوي في تصريحه: قائلا: (والآن تحاول روسيا دعم الوضع في العراق، حتى يمتد هذا الشريط من شبه جزيرة القرم وصولاً إلى البحر المتوسط،)([1]).
هذه الأوضاع مجتمعة مع عوامل أخرى، بلورت وضعا جديدا ساهمت فيه عدة عوامل داخلية من العراق:
·        تكون مجموعات مسلحة في الأنبار ضد حكومة المالكي وتتواجد قياداتها في كردستان منذ أشهر.
·        تحركات أمنية بين أمريكا ودول الجوار، لم تعرف مغزاها مستغلين قضية وجود معارضين لهيمنة المالكي ودكتاتوريته حتى على شركائه في الدولة من الأكراد والشيعة (الائتلاف الوطني) فضلا عن السنة.
هذه العوامل أفرزت هذه الثورة المفاجئة، والتي لا تزال مليئة بالأسرار الغامضة، ومن ملامح تلك الأسرار:
- السلوك الإنساني غير المعهود مع الناس الذي مارسه من حملوا شعارات داعش، والاهتمام بالمعارك فقط، والأسلحة الحديثة التي كانت بحوزتهم.
- تصريحات المالكي بالخيانة لمن كانت موجهة؟
أسئلة تحتاج إلى أجوبة لكنّنا لم نعثر عليها إلى الآن، وقد تمر سنوات ولا جواب إلا في كواليس الدول.
كانت هناك شرارة حركت وأشعلت جميع السنة وهي هزيمة جيش المالكي الشيعي في الموصل، وبعدها انتشرت الثورة في كل مكان في المحافظات الست، وتحققت نجاحات جيدة للسنة، وأحست إيران بأن البساط بدأ يسحب من تحتها في العراق، فأرسلت من أول يوم قائد فيلق القدس قاسم سليماني للعراق لإيجاد حل لهذا المأزق الجديد بعد سوريا، وتوجه إلى النجف ليضغط على السيستاني ولم يغادر إلى أن صدرت الفتوى بالجهاد الكفائي، ونادى المالكي الشيعة بحمل السلاح وتكوين الميليشيات، وأرسلت إيران خبراء حرب كما فعلت في سوريا. وبدأ القصف الانتقامي للناس وخطف الناس في بغداد وقتل السجناء داخل السجون، كما حصل في بعقوبة وتلّعفر وفي طريق بابل. وعادت الميلشيات الشيعية ترهب الناس في بغداد تخطف وتقتل على الهوية.
ولكن الإعلام الشيعي العراقي والإيراني وأيضا الإعلام العلماني الدولي والعربي، صبغ على الثورة صبغة داعش والقاعدة، ولكن السؤال ما هو حجم داعش في الثورة وبين فصائل الثوار، وما هي حقيقتها في العراق.
والجواب: إن داعش موجودة في الثورة ولكنها فصيل من مجموعة فصائل تصل إلى 18 فصيلا إسلاميا وعشائريا، بل تعد فصيلا صغيرا.
 
الوضع الميداني بعد مرور نصف شهر على الثورة:
كونت الثورة مجلس عسكريا ليحافظ على مسارها ويحقق أهدافها، وقد صرح المجلس العسكري للثورة وشخصيات عدة أنّ بغداد هي الهدف الحقيقي للثورة وهذا يعني أنهم يريدون تغيير الحكم، وفعلا على أرض الواقع كلما اقتربت المعارك من بغداد كانت معارك صعبة وشرسة، لذلك سلك جيش المالكي تكتيك الجيش السوري بفتح جبهات متعددة لتشتيت جهد المقاومة عن بغداد، فبتوجيه ودعم إيرانيين فتح جيش المالكي معارك بعيدة عن بغداد، مثل معركة في منطقة تلعفر([2]) في محافظة نينوى، حيث تم إنزال جوي فيها، لكنه بعدة عدة أيام انهزم قائدها (أبو الوليد) قائد قوات الذيب وكان المالكي معولا عليه كثيرا لفعل شيء وفتح ثغرة تعيد للجيش المنهار معنوياته، لكنه هرب إلى منطقة كردية، وسيطر الثوار على مدينة تلعفر بالكامل، وعلى مطارها.
وفتح جيش المالكي معركة في منطقة القائم الحدودية مع سوريا، وبعد حرب بين الثوار والجيش الشيعي وعصائب أهل الحق بمساندة صحوات الأنبار، تمكن الثوار من هزيمة الجميع وتمت السيطرة على المعبر مما أغاظ ذلك سوريا فقصفت المدينة.
كما شهدت ديالى معارك شرسة، وهي محافظة صعبة؛ لأنها محافظة سنية محاذية لإيران، وكانت إيران تخطط لتغيير ديمغرافيتها، وأن تخرجها من معادلة المحافظات السنية.
وفي محافظة صلاح الدين وبعد معركة شرسة حول السيطرة على مصفاة بيجي استسلمت قوات المالكي وتم أسر قناصة إيرانيين، وانتقاما من أهالي مدينة بيجي قصفت المروحيات المدنيين ومساجد أهل السنة، بعد أن فقد المالكي أكبر مصفاة نفط في العراق ألا وهي مصفى بيجي.
إيران كانت حاضرة منذ اليوم الأول لمساعدة المالكي وتجهيزه بالطائرات والخبراء، لكن تقاريرها الميدانية تبين أن الجيش العراقي لا معنويات ولا قدرة لديه بعكس الثوار السنة.
قام جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بزيارة العراق؛ وطلب من المالكي الرحيل، وزار كردستان، وعندها أعلن أقليم كردستان أنه يريد استفتاء الشعب الكردي على الانفصال وتقرير مصير بقاء الكرد مع العراق، كل هذا بعد أن سيطر الكرد على مدينة كركوك النفطية.
تزامن ذلك مع تصريحات لمسؤولين أمريكان بأن العراقيين وحدهم من يقرر شكل العراق، في إشارة إلى الأقاليم الثلاثة المقترحة السنية، والشيعية، والكردية.
موقف الكرد:
كان موقف الأكراد مشرفا هذه المرة، صحيح أنهم كسبوا أشياء عديدة وسيطروا على أراضٍ عربية عديدة وسيطروا على نفط كركوك، لكن هذا قد يقبل في هذه المرحلة لحين ما يقف السنة على أرجلهم بعد ما أصابهم خلال عشر سنوات.
موقف مسعود برزاني رئيس الأقليم كان جيدا ومساعدا منذ اللحظة الأولى، وكان آخر تصريح لنجيرفان برزاني رئيس حكومة أقليم كردستان أنه يقف مع العرب السنة.
في الختام الثوار يحققون مكاسب يوما بعد يوم ويقتربون وفق خطة مدروسة من بغداد، لكن السؤال: هل تدعهم أمريكا أو إيران يحققون ذلك؟ سؤال سيجيب عليه الثوار عمليا في أرض المعركة.


[1] - http://www.al-watnia.com/#!-/c1z92/hwp9hste1

[2] - هي قضاء تابع لمحافظة نينوى، فيه تركمان شيعة وقد كثر فيها التشيع بسب إقامة الخميني فيها في الستينيات حيث بذر بذرته الخبيثة فيها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق