فاتحة القول\العدد مائة وخمسة وثلاثون - رمضان - 1435 هـ
رسالة إلى شباب أهل السنة: تجنبوا تكرار أخطاء الماضي
السبت 28 يونيو 2014

 تعيش الأمة في هذه المرحلة أوقاتا عصيبة من جهة ما تتعرض له من فتن وابتلاءات ومصائب من أعدائها في الداخل والخارج، فاليهود ماضون في عدوانهم للاستيلاء على المسجد الأقصى وإزالته بالكلية وحرمان المسلمين منه، وأمريكا وروسيا تحتلان الكثير من بلاد الإسلام، وإن كان الروس أكثر وحشية وهمجية وولغا في الدماء والأعراض، والبوذيون يشنون حروب إبادة بحق المسلمين في بورما والهند وسريلانكا، وفي الصين المسلمون يسامون الضيم، وإيران والشيعة من كل حدب وصوب يتقاطرون لحرب أهل السنة في سوريا والعراق، الذين يرفضون الغزو الإيراني والشيعي، وفي أفريقيا عصابات النصارى تفتك بالأبرياء في أفريقيا الوسطي، ودول الربيع العربي تتعرض لموجة ممتدة من الثورات المضادة نشرت الفساد والقتل والفوضى.

وعلى الجهة المقابلة هناك منح ربانية وعطايا إلهية لهذه الأمة، تتمثل في إقبال المسلمين على دينهم وانتشار شعائر ومظاهر الإسلام، وكثرة الدعاة والمؤسسات الإسلامية، وانتشار روح الجهاد ضد العدوان على المسلمين، والإقبال على تعلم الدين، وتزايد أعداد الداخلين في الإسلام من كل الأديان والملل.

ومن هنا فإن الواجب على الشباب المسلم اليوم، وهم الغالبية العظمى من تعداد المسلمين والإسلاميين، المحافظة على الإنجازات التي تحققت، ورعايتها وتنميتها، حتى تتمكن الأمة من تجاوز محنتها في طريقها إلى المجد والسؤدد كما وعدها ربها ونبيها، (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [التوبة، 33]، وفي الحديث (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).

والحفاظ على المكتسبات لا يتحقق إلا إذا تجنب الشباب تكرار أخطاء الماضي، والتي عطلت مسيرة النهضة سنين عديدة، والداعي لهذه الرسالة هو تكرار فئات من الشباب نفس الأخطاء السابقة التي وقعت في مسيرة الدعوة والصحوة الإسلامية دون اعتبار واتعاظ، وهو بحد ذاته مخالفة شرعية لتحذير النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين".  

واليوم يجب على الشباب -إضافة لتعلم العلم الشرعي الصحيح- دراسة تجارب العمل الإسلامي الماضية والاستفادة من دروسها، وإذا كان أعداؤنا يعتمدون على تراث كبير من الدراسات الاستشراقية مكنتهم من فهمنا ومعرفة مكامن ضعفنا فتسللوا منها، ولا يزالون يهتمون بدراسة واقعنا حتى تستمر سيطرتهم على بلادنا ومقدراتنا، فإن من تضييع الأمانة والتفريط في إعداد القوة الزهد في معرفة تاريخنا الإصلاحي والدعوي والسياسي والجهادي، مما يضيف لنا خبرات وحلول ويكون لنا ملكة اجتهادية سليمة لهذه النوازل.

ولعل من أكبر الأخطاء الواقعة في البعد عن دراسة التجارب السابقة، سيطرة مقولة خاطئة على تفكير كثير من الشباب وهي "الإخوان الجماعة الأم"، مما طمس تجارب أقدم وأنضج وأكبر، كان الأستاذ حسن البنا نفسه من ثمراتها، وأي دارس للمجلات القديمة في مصر والشام والعراق والجزائر وغيرها، كالفتح والمنار والبصائر والمقتبس، سيجد كنوزا من التنظير السياسي والجهادي والدعوي ومئات التجارب الناضجة للعمل الإسلامي، التي لو اطلع عليها الشباب اليوم، لوفّروا على أنفسهم وأمتهم دماء وأنفسا عزيزة وأوقاتا وجهودا عظيمة، ولاختصروا المراحل، بدلا من الطريقة الفاشلة في التعلم من خلال التجربة وتعلم الصواب والخطأ منها، والتي فوق تضييعها للجهود والوقوع في كوارث، لا يستفيد منها إلا من جربها، وهكذا تبقى الجهود الفاشلة تتكرر دون استفادة من السابقين، بسبب المنهج السقيم في التعلم من التجربة الذاتية فحسب، وهو عين ما حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين".

ومن أمثلة تكرار التجارب الخاطئة التي تلوح في الأفق:

1- الاغترار والانخداع بحزب البعث العراقي، حيث أصبح بعض الشباب يمجد رموز البعث السابقين! فبرغم تطور البعث العراقي نوعا ما وفقدانه لشخصية ديكتاتورية، إلا أنه حزب علماني لا يهتم لتطبيق الشريعة، والدين الذي يفضله هو الدين بالصبغة الصوفية.

نعم نتحالف ونتعاون معه في إسقاط نظام المالكي الطائفي، لكن لا بد أن نكون معه شركاء بنفس القدر من القوة والحضور، وإلا سيكون مصير ثورة سنة العراق كمصير الثورات ضد المستعمر في القرن الماضي، حيث قام بها الشعب المسلم، وقطف ثمرتها العلمانيون، وأبلغ مثال على ذلك الثورة الجزائرية ضد فرنسا، التي قدمت مليون شهيد، ثم حكم الاشتراكيون الذين وضعوا الشيخ البشير الإبراهيمي زعيم جمعية العلماء المسلمين في الجزائر والتي كانت مخزن الثورة في الإقامة الجبرية حتى مات!!

2- بقاء بعض الشباب يجرى خلف رايات (داعش) في كل بلد، وذلك انبهارا منه بالبطولة والشجاعة والتي تتناقلها مقاطع اليوتيوب فقط، ولا أثر لها على الواقع والأرض، وساهم في هذا تأخر كثير من العلماء والدعاة من التحذير من ضلال داعش، حتى استفحل شره وزاد أذاه للناس.

وهذا التأخر في نقد داعش ناتج من رؤية خاطئة تجاه أخطاء وانحراف تنظيم القاعدة كأصلٍ لداعش بكونه تنظيما يجابه أمريكا وبعض الأنظمة، فليس الآن وقت نقده! حتى زاد الغلو في التكفير عندهم والتساهل في قتل المسلمين، فلما وصل التكفير والقتل لبعض فصائل الثوار، استفاق هؤلاء العلماء والدعاة، ولكن كانت داعش قد تم اختراقها من قبل مخابرات سوريا وإيران بشكل مخيف، وكانت دعايتها خدعت آلاف الشباب.

وعليه يجب المسارعة بكشف حقيقة ضلال داعش في سوريا والعراق على الصعيدين الفكري والمنهجي، وعلى صعيد الواقع الخياني للثورتين السورية والعراقية.

3- في دول الربيع العربي هناك حالة غريبة من تكرار تجارب فاشلة على غرار تحالف الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر سنة 1952، والتي قامت على الشراكة بين الطرفين، وانتهت بزج الإخوان في السجون، كما هو الحال اليوم في مصر!

وقد كان بالإمكان تجاوز الوصول لمرحلة الانقلاب الكامل والإقصاء، لو تم الاستفادة من تجربة أربكان – أردغان لعلاج هذا الواقع الانقلابى، فهل لو صعّد أربكان رفضه للإقصاء سنة 1997، هل كان يمكن لأردغان المشاركة في الانتخابات والفوز فيها وتغيير أحوال البلاد؟

4- استمرار رفض بعض الشباب للمشاركة السياسية، برغم أن تاريخ مشاركة الإسلاميين والسلفيين لها قديم، فرشيد رضا كان يرأس البرلمان السوري سنة 1918، وفي السودان كان لمقربين من جماعة أنصار السنة المحمدية مشاركة في مجلس السيادة على السودان سنة 1965، وفي عام 1975 كان الشيخ إحسان إلهي ظهير عضوا بالبرلمان الباكستاني ممثلا لجماعة أهل الحديث، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق منذ منتصف الثمانينات وهو يؤصل للمشاركة السياسية.

واليوم تجد من الشباب من لا يزالون في المربع الأول وهو رفض المشاركة، وبعضهم يشارك بانتخاب أحسن الموجود، ولا يقدم هو المرشح الجيد، وبعضهم كسر الحواجز وشارك على عجلة فوقع في أخطاء وزلات.

والواجب المشاركة السياسية مع التعلم من تجارب السابقين وعدم التعجل حتى نتجنب الزلل بالإفراط أو التفريط.

5- التغافل عمدا عن تصحيح أخطائنا وقصورنا، بحجة أننا في معركة مع الخصم، والعجيب وحتى عندما لا توجد معركة لا يتم ذلك أيضاً!!

للأسف أن مما يعيق تمدد العمل الإسلامي اليوم في جزء كبير منه، هو تراكم المشاكل والأخطاء الذاتية في شرايين العمل الإسلامي نفسه، حتى أصبح حالة مصغرة أحيانا من حالة الترهل والفشل والفساد التي تعاني منها الأنظمة التي ننتقدها ونعارضها.

ومن ذلك تقديم الولاء على الكفاءة، وعدم تقديم حلول والاكتفاء بالنقد، العجز عن إيجاد نموذج لما ندعو إليه.

6- عودة قطاع من الشباب للتعاون / التحالف مع إيران وحزب الله برغم جرائمهما المتواصلة في سوريا والعراق وغيرهما، بحجة البحث عن سند ودعم لقضية فلسطين! وقدر رأينا خيانتهما لفلسطين وكل قضايا الأمة.

ولا أدرى كيف يرتجى من هؤلاء دعم، وهم يقتلون الفلسطينيين في العراق وسوريا ولبنان، والأخطر من هذا كيف نطلب عون الله عز وجل لفلسطين ونحن نخذل إخواننا الفلسطينيين -هناك - والعراقيين والسوريين واللبنانيين !!

هذه أخطاء إذا تجنبها الشباب، فيرتجى أن يمن الله عز وجل علينا برحمته ونعمته فنرى تقدما وازدهارا ونصرا قريبا بإذن الله.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق