القاعدة تتجه إلى إفريقيا الوسطى
الجمعة 30 مايو 2014

 

 محمد خليفة صديق -  كاتب سوداني

 

 

 

خاص بالراصد

مقدمة: إفريقيا الوسطى دولة إفريقية مغلقة أي بلا سواحل، حيث يبعد أقرب ساحل منها نحو ألف كيلو متر، وهو الساحل الشرقي في الكاميرون، وتقع في قلب القارة السمراء كما هو واضح من اسمها، تحدُّها دولة تشاد من الشمال، والسودان من الشمال الشرقي، ودولة جنوب السودان - المنفصلة قريباً عن السودان - من الشرق، ودولتا الكونغو الديمقراطية والكونغو من الجنوب، ودولة الكاميرون من الغرب، مساحتها تربو على 622.984 كيلو متراً مربعاً، فيما يبلغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة موزعين على خارطة دينية، تنقسم إلى:

1 - مسلمين: نحو 35 في المائة (ثلث السكان)، ويتركزون في شمال البلاد بالقرب من الحدود مع تشاد، وقد بالغ البعض حتى أوصل نسبتهم من 50 إلى 60 في المائة من إجمالي عدد السكان.

2 - نصارى: 50 في المائة، نصفهم من البروتستانت والنصف الآخر من الكاثوليك.

3 - والبقية ديانات إفريقية تقليدية.

أبرز الملاحظات على المجتمع في إفريقيا الوسطى تميزه بالتنوع العرقي واللساني؛ حيث يتكوّن من ثمانين مجموعة عرقية يتواصل كلٌ منها بلسانها الخاص. ومن أكبر التجمعات العرقية في البلاد جماعات البايا والياكوما والباندا والمبكا والمبوم والماندجيا والفولا، إضافة إلى تجمعات أوروبية أخرى تنحدر من أصول فرنسية في الأغلب. كما يجمع بين سكانها عنصران زنجيان رئيسان، هما: البانتو والزنوج السودانيون؛ فمن البانتو: الماندا واليايا في غرب البلاد، والباندا والسر في الوسط والشرق، والأزندي والأوبنجي في الجنوب، ومن الزنوج السودانيين: القبائل التي تعيش في الشمال والشرق، وأما الجماعات المستعربة فتعيش في الشمال والشمال الشرقي، وهناك تداخل قبلي بين إفريقيا الوسطى والسودان ممثلة في قبيلة السلامات وقبائل أخرى صغيرة، ومن البربر جماعات البيل والبورورو الذين يسكنون المرتفعات غربي البلاد.

وينتشر الإسلام بين الجماعات المستعربة والبيل والبورورو من البربر، إضافة للجماعات القاطنة في منطقتي الشرق والوسط، فيما يكسب الإسلام كل يوم أنصاراً جدداً بين الجماعات الوثنية والنصارى.

إلا أنه من الملاحظ أن العديد من الجماعات التنصيرية تنشط داخل البلاد، منها: جماعات لوثرية، ومعمدانية، وكاثوليكية، ومنصرون تابعون لكنائس النعمة الإخوانية، وآخرون من شهود يهوه. ويأتي هؤلاء المنصرون غالباً من فرنسا - التي برز دورها جلياً في أزمة البلاد الحالية - والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وإيطاليا، إلا أن هناك جماعات تنصيرية تتسرّب إلى الداخل من نيجيريا وجمهورية الكونغو ودول إفريقية أخرى، حيث النشاط التنصيري المحموم في عدد من دول الجوار، لا سيما أن الحدود الشرقية المتاخمة لحدود دولة جنوب السودان التي تعاني اضطراباً؛ بها نشاط تنصيري، لكن منطقة بحر الغزال بجنوب السودان المتاخمة لإفريقيا الوسطى بها وجود إسلامي مقدر سيما في مدن واو وأويل، وسط قبائل الفرتيت ودينكا أقار وغيرها.

تاريخ الإسلام في إفريقيا الوسطى:

وقد دخل الإسلام إلى إفريقيا الوسطى في القرن الخامس الهجري، وذلك عن طريق التأثر بالممالك الإسلامية المجاورة لها، مثل مملكة (كانم) التي قامت في شمال شرقي بحيرة تشاد، والتي وصلت إلى حالة من الازدهار والنهضة في ذلك القرن، فنشرت الإسلام في الأطراف الشمالية لإفريقيا الوسطى، ثم أخذ الإسلام بالانتشار فيها عن طريق كل من مملكة (برنو) الإسلامية - التي قامت في غربي بحيرة تشاد، ومملكة (باجرمي) - الواقعة في جنوب مملكة (كانم) -. ويعود الفضل إلى ملوك الباجرمي في بسط نفوذ الإسلام إلى مناطق الزنوج في إفريقيا الوسطى. أما النواحي الشرقية من إفريقيا الوسطى فدخلها الإسلام من جهة دارفور وكردفان وبحر الغزال بالسودان وجنوب السودان، حيث انتشر الإسلام بين أوساط جماعات اللاندا والزاندي والجماعات السودانية التي تعيش في شرقي البلاد، فيما ظل الإسلام يتمدد وينتشر بين الجماعات الوثنية بصورة جعلت منه الديانة الثانية بعد النصرانية.

ويعود الفضل لفرض السكينة على بحيرة تشاد؛ وتأسيس دولة كانم التى نشرت الإسلام ووقفت أمام الفرنسيين 7 أعوام حتى 1900م للقائد السوداني المسلم رابح فضل الله، وهو من قواد الزبير باشا رحمة، وانضم اليه في عام 1871م، ولمواهبه الحربية سلمه الزبير قيادة الجيش، وفي 1884م توسعت مملكة رابح وبلغت 150 ألف كم، وتضم 5 ملايين مسلم (تضم الآن أجزاء من إفريقيا الوسطى والكاميرون والنيجر ونيجيريا وتشاد).

في 1890م التقى رابح فضل الله بقوات بول كرامبل الفرنسية التي كانت تستكشف أفريقيا الوسطى، وهزمه وقُتل كرامبل؛ واستولى رابح على معداته، وشجعه ذلك على الاتجاه غربا لنشر الإسلام في القبائل الوثنية، واتخذ من الشريعة الإسلامية أساس الحكم والقرآن دستوراً وأحيى السنة وأمات البدعة فاستتب الأمن، وأحبه الناس، وحاولت أوروبا استمالته فأصر على أنه لا علاقة بمن قاتلوهم في الدين إلا الجهاد، فخططت فرنسا لضم المنطقة والقضاء على رابح، وكانت دولة رابح العقبة الأولى أمام توسعات إنجلترا في نيجيريا، وفرنسا في وسط إفريقيا فكان القضاء عليه من أسس الإستراتيجية الأوربية آنذاك.

ومن المعارك المهمة لرابح فضل الله ضد فرنسا معركة تجباو، التى هَزم فيها رابح القوات الفرنسية وأبادها وقتل القائد الفرنسي بريتونيه، وكان من نتائج تلك المعركة أن انضم الكثير ممن كانوا يوالون فرنسا لجيش رابح، وصمم على إثرها إميل جنتل رئيس البعثة الفرنسية لأفريقيا الوسطى على الانتقام لكرامة فرنسا، فتقدمت فرنسا للمنطقة مجددا في 1898م، للانتقام من رابح، وأصدر جنتل أوامره إلى الكابتن دوبيلو بالتقدم بثلاث فرق للقضاء على رابح، وفي 28 أكتوبر 1899م بدأت المعركة وسقط عدد كبير من الفرنسيين وحدثت خسائر فادحة في الفرقتين اللتين بدأتا المعركة التي استمرت 8 ساعات، وفقد الفرنسيون عددا من أكفأ الضباط، وجرح روبيلو جرحا خطيرا، وانسحب القائد الفرنسي.

ثم أصدرت فرنسا أوامرها إلى قواتها الأخرى في الجزائر بقيادة الضابط لامي بالتقدم نحو بحيرة تشاد؛ والانضمام إلى جنتل، وجمعت فرنسا قواتها في 3 حملات ضد رابح في أواخر أبريل 1900م، وتحركت الحملة الأولى من وسط أفريقيا، والثانية بقيادة جنتل من جنوب تشاد، ثم الثالثة بقيادة لامي في 22/4/1900م، وكانت المعركة الأخيرة بقيادة لامي صمدت فيها القوات الإسلامية بقيادة رابح فضل الله، ونجحت في تحطيم الموجة الأولى من الهجوم، وحدثت خسائر فادحة في قوات فرنسا، لكن الفرنسيين عاودوا الهجوم واستولوا على حصن رابح، وحول الفرنسيون المدن إلى نيران وقتلوا الأطفال والشيوخ والنساء واندفع المسلمون بالسلاح الأبيض وبالأيدي العارية في كل شارع ومنزل، وواجهوا الجموع الفرنسية بشجاعة وإقدام.

أما رابح فبرغم ما أحاط بقواته لم يفقد الثقة بالله، ورفض الاستسلام فأعاد تنظيم ما بقي من قواته وعاود الهجوم على الحصن؛ الذي احتله الفرنسيون، واستطاع أن يقتل القائد الفرنسي لامي بطلقة في صدره، ثم استشهد في 12/4/1900م، وحين جيء برأس رابح إلى القائد جنتل انحنى أمام الرأس التي دوخت الفرنسيين، وقال إنه كان يود لو حماه من الموت لأنه يكنّ له كل احترام، وقد سجل تاريخ رابح ودولته ومعاركه مع فرنسا في تقارير رسمية محفوظة في دور الوثائق الأوربية والفرنسية.

ويرجع البعض حقد فرنسا الكبير على المسلمين في وسط إفريقيا لما ألحقه رابح فضل الله بقواتها قبل قرن من الزمان، مما جعلها تتخذ ذلك الموقف المخزي من مذابح ممنهجة ضد المسلمين هناك، بل لعبت دور المسهل والحامي للمليشيات المسيحية في قتلها البربري للمسلمين والتمثيل بهم وتهجيرهم من ديارهم.

كيف وصلت الأوضاع إلى هذه النقطة؟

يُعد رئيس إفريقيا الوسطى الأسبق فرانسو بوزيزي مفتاحاً لفهم طبيعة أبعاد ما يحدث في إفريقيا الوسطى، فبوزيزي كان رئيساً مسيحياً موالياً لفرنسا شأن من سبقه، وقد سبق له أن حصل على اللجوء السياسي لفرنسا مرتين: الأولى في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، والأخرى في بداية التسعينيات، وقد استشرى الفساد في عهده، حيث كان حريصاً كل الحرص على تأمين نفسه من حمى الانقلابات الإفريقية، واعتمد في ذلك على ما لديه من خبرة عسكرية، مهملاً شؤون الدولة، ومتعمداً إضعاف جيش بلاده، إضافة إلى أنه سيطر على مناجم اليورانيوم والماس، ووزع ثروات البلاد على الحلفاء الفرنسيين والغربيين في الخارج كسباً لودهم وجلباً لدعمهم ضد المعارضة المسلحة المتمثلة في تحالف مقاتلي سيليكا التي بدأت تقوى ويشتد عودها في ذلك التوقيت، أما القشة التي قصمت ظهر البعير فتمثلت في انهيار اتفاق تقاسم السلطة الذي أُبرم في يناير من العام 2013م والذي أفشله بوزيزي، حيث كان يقضي بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ودمج عناصر التحالف في الجيش الوطني للدولة، وهو ما انتهكه بوزيزي ولم ينفذه.

ويتكوّن تحالف سيليكا من خمس مجموعات من الفصائل المقاتلة المعارضة للرئيس بوزيزي، يقدر عددها بنحو 25 ألف مقاتل، منحدرين من الديانتين الإسلامية والنصرانية، كما تتوزع جنسياتهم ما بين الإفريقيين الأوسطيين والسودانيين والتشاديين، ولا يعرف عنهم انتماؤهم لجماعات إسلامية جهادية كما تشيع عنهم فرنسا أو يشاع عنهم في التقارير الغربية، وكان يقود التحالف ميشيل جوتوديا، الذي نجح في العام 2013م في قيادة تحالف سيليكا (الذي أنشأه في العام 2005م) للإطاحة ببوزيزي وتوليه سدة الحكم بعدما سيطرت قوات التحالف على القصر الرئاسي في شهر مارس وفرار بوزيزي إلى الكاميرون، إثر أشهُر من القتال بين التحالف وبين الميليشيا النصرانية الموالية لبوزيزي والمسماة (أنتى بالاكا) أو (مناهضي السواطير).

وفي سبتمبر 2013م أعلن جوتوديا رسمياً حلَّ تحالف "سيليكا"، واتخذ خطوات جادة لدمج مقاتلي التحالف في الجيش، فيما بقيت بعض قوات التحالف محتفظة بقياداتها وبتماسكها. وفي ديسمبر من العام نفسه نزعت القوات الفرنسية - بالتعاون مع القوات الإفريقية الموجودة في البلاد - أسلحة أكثر من سبعة آلاف من مقاتلي التحالف ووضعتهم في ثكنات مختلفة بالعاصمة، وهو ما أشعل الأجواء من جديد، حيث كان ينظر المسلمون إلى تلك القوات على أنها حماية لهم من اعتداءات الميليشيات النصرانية، فخرج المسلمون في احتجاجات بشوارع العاصمة منددين بالانحياز الفرنسي ضدهم لحساب مناهضي بالاكا، في مظاهر أشبه ما تكون بالثورة الشعبية، وأقاموا الحواجز بالحجارة وإطارات السيارات احتجاجاً على انتشار القوات الفرنسية التي وصفوها بالمحتلة.

وكان من نتيجة ذلك أن استنجد بوزيزي بالفرنسيين والأمريكيين للتصدي لقوات التحالف، إلا أن الأمر جوبه بالرفض الفرنسي الصريح، وأكد الرئيس فرنسوا هولاند أنه لن يتم استخدام الجنود الفرنسيين المتمركزين في البلاد للدفاع عن حكومة بوزيزي. ويبدو أن التقارب الاقتصادي الذي أجراه بوزيزي بين بلاده والصين والولايات المتحدة الأمريكية على حساب فرنسا، ومحاولاته تغيير حرسه الموالين لفرنسا بآخرين من جنوب إفريقيا؛ كان أحد أسباب تخلي فرنسا عنه في هذا الموقف.

إلا أن خروج الأمر عن أيدي فرنسا وسقوط البلاد في يد جوتوديا وتحالف سيليكا ذى الأغلبية الإسلامية صدم فرنسا، فأشعلت نار الفتنة بين المسلمين والنصارى، تلك النار التي لم يكن يعرفها تاريخ هذا المجتمع المسالم، فتحركت لدعم وتشجيع مناهضي السواطير للتحرك ضد المسلمين بهذه الصورة الفجة والدموية، وسحب سلاح سيليكا؛ الأمر الذي أضعف من قدرتهم أمام الميليشيا النصرانية، إضافة إلى الدفع بـ 400 جندي فرنسي جدد ليصل عدد جنودها هناك إلى ألفي جندي، ورغم هذا العدد الهائل فإن المنظمات الدولية تتهم قوات حفظ السلام بالتقاعس عن أداء مهامها في تأمين المسلمين وحمايتهم، بل عدم كسر هيمنة الميليشيات النصرانية التي تهاجم المسلمين يومياً.

وبالنظر إلى حجم المجازر اليومية التي تلحق بالمسلمين وقتل الآلاف منهم حتى الآن، وبالنظر إلى دمويتها وبشاعتها، واستهدافها للمساجد ودور العبادة الإسلامية فقط، وفرار عشرات الآلاف من المسلمين إلى دول الجوار هرباً من مجازر الميليشيات النصرانية؛ تظهر طبيعة الصراع الديني في المشهد؛ فالمطامع الاقتصادية والمادية التي تحرّك الغرب في كثير من مؤامراته، كانت تصحبها على المدى التاريخي مطامع أخرى دينية منذ الحروب الصليبية على الشرق، وانتهاءً بالأوضاع الحالية في بلاد الإسلام، والصراعان لا يتجزآن، بل ربما يفوق العداء الديني والثارات التي يحتجزها الغرب في صدره أيَّ عداء آخر، فالفتوحات الإسلامية التي طالت قلب أوروبا حتى وصلت إلى فرنسا نفسها وإلى أبواب باريس، هذه الفتوحات لم ينسها الغرب، بل كانت حاضرة في ذهنه يوماً بعد يوم، بدءاً بطرد المسلمين من الأندلس، مروراً بالحرب على العراق وأفغانستان، وانتهاءً بالوضع في مالي وإفريقيا الوسطى وغيرهما، فقد كان الصليب حاضراً ومهيمناً ومسيطراً.

الرؤية الغربية لصراع إفريقيا الوسطى:

هذا يجيبنا عنه معهد جيتستون (Gatestone Institute) الذي يتخذ من مدينة نيويورك مقراً له، ويرأسه جون بولتون الممثلُ الدائم الأسبق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وقد نشر هذا المعهد في الثالث من فبراير من العام الحالي 2014م مقالاً بعنوان "جمهورية إفريقيا الوسطى وتوغل الإسلام جنوباً"؛ لكاتبه لورنس فرانكلين وهو كاثوليكيٌّ إيرلندي وعقيد سابق عمل من قبل بالملحقية العسكرية الأمريكية في إسرائيل، وكان مسؤولاً عن الشؤون الإيرانية في وزارة الدفاع الأمريكية في عهد الرئيس بوش الأب، كما أنه باحث دكتوراه في الدراسات الآسيوية.  

يصف فرانكلين في بداية مقاله دوافع الخلاف في إفريقيا الوسطى والأطراف المتنازعة وردود الأفعال، فيقول: "عندما قام ثوار سيليكا المسلمون في جمهورية إفريقيا الوسطى باقتحام الجنوب لانتزاع العاصمة بانغي، وخلعوا الرئيس فرنسوا بوزيزيه في شهر مارس من عام 2013؛ لم تلقَ الحادثة كبير عناية في الإعلام الغربي. لكن الجانب الذي لا يريد الإعلام أن يراه هو أن هجوم تحالف سيليكا يخدم بلا قصد هجمة واسعة من قبل متطرفين مسلمين لتوسيع دائرة النفوذ الإسلامي إلى قلب دول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى".

فالنزاع وفقاً للكاتب ليس إلا محاولة من قبل جماعات إسلامية متطرفة لفتح البلاد غير المسلمة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى؛ فانتزاع السلطة من قبل تحالف سيليكا المسلم – إذا ما دُرس في سياقه التاريخي – يؤكد النشاط المستمر للتنافس الشامل في إفريقيا بين حملات التنصير والإسلام الجهادي.

ثم يستمر الكاتب ليقدم لنا خلفية تاريخية عن أسباب توقف الفتوحات الإسلامية في وسط إفريقيا، وكيف أن الطبيعة الجغرافية حالت دون اكتساحها من قبل الفاتحين كما حصل لدول الشمال الإفريقي. كما أن الجماعات الإثنيَّة الإفريقية في الكونغو وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى قاومت الزحف القادم، لا سيما بعد أن تلقت الدعم من قبل الكنيسة الكاثوليكية في روما منذ القرن الخامس عشر.

ويرى الكاتب أن الإسلام هو محاولة لطمس الهوية الإفريقية لتحل محلها الهوية الإسلامية؛ لكن الذي أعاق الحماس المتجدد لنشر الإسلام في إفريقيا عاملان رئيسان: "أولهما: سرعة استعمار القارة الإفريقية من قبل القوى الإمبريالية الأوروبية المتنافسة. والعامل الآخَر: حقيقة أن حملة التنصير التي قادتها الفاتيكان في وسط وجنوب إفريقيا كانت أساساً متيناً لما بعدها".

ويخلص الكاتب الى أن الصراع الديني من أجل القارة الإفريقية مستمر، والتنافس على كسب المعتنِقين، والقتال من أجل الهيمنة الروحية؛ واضحٌ بشكل وحشي في بلدانٍ إفريقية عديدة".

القاعدة والدور المرتقب في إفريقيا الوسطى:

ظلت القاعدة بتنظيماتها المتعددة تتابع عن كثب التطورات في إفريقيا الوسطى، ومعلوم أن القاعدة يسيل لعابها في كل الدول التى يحدث بها تدخل أجنبي غربي، وليس ذلك على إطلاقه، فهي لم تتدخل في ليبيا أواخر عهد القذافي ولم يكن لها وجود في دارفور، وغير ذلك.

من أهم البيانات التى أصدرتها القاعدة بشأن إفريقيا الوسطى، بيانها الذى عنونت له بـ: (مأساة إفريقيا الوسطى .. بين مكر الصليبيين وخذلان المسلمين)؛ حيث وصفت ما يجرى هناك بأنه فاجعة من أبشع الفواجع، ومأساة جسيمة وحلقة جديدة من مسلسل الحرب الصليبية الحاقدة على الإسلام وأهله أينما كانوا،.. حلقة تُدار فصولها في قلب القارة الإفريقية، مجازر وحشية، وتهجير جماعي، وتطهير عرقي وطائفي ممنهج ومدروس، تمارسه الصليبية العالمية بأيدي محلية ودولية.

ووصف البيان ما جرى للمسلمين في إفريقيا الوسطى بأنه تطهير عرقي وطائفي بكل المقاييس، بل إنها ﺃﺳﺃ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗطهير ﻋﻗي ﺿد ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴ ﻓﻰ ﺗﺎﺭﻳﺦ البلاد، كما جاء في تقارير منظمة العفو الدولية.

ولفت البيان للدور الفرنسي القذر في تأجيج هذا الصراع وترجيحه لصالح نصارى المنطقة؛ حيث قامت فرنسا بشكل مدروس وسافر في ظل مخاوفها التاريخية من المد الإسلامي بتجريد المسلمين من سلاحهم، وفي المقابل دعم النصارى، ليخرج الصراع عن نمطه العرقي الشائع، وعن توازن كفّتيه، من مجرد مناوشات هنا وهناك، إلى حملة فرنكوصليبية حاقدة على الإسلام والمسلمين، مشيرا الى أن فرنسا الصليبية الاستعمارية الحاقدة، التي كانت عبر التاريخ ولا زالت تلعب دور الوصي على القارة الإفريقية، وتعامل دولها معاملتها لمستعمراتها القديمة، في استعباد العباد، وتأجيج الصراعات وإثارة النعرات ونهب الثروات، من أجل الحفاظ على مصالحها، وإشباع نزواتها الاستكبارية.

واستنكر بيان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي المجازر الوحشية ضد المسلمين وأدانها ورفضها، مشيرا الى أن قلوب المجاهدين مع مسلمي إفريقيا الوسطى تتألم لمصابهم وتتوق لنصرتهم بما تملك.. في المغرب الإسلامي، والصومال، والعراق، والشام، وأفغانستان، وفلسطين والشيشان، وقال البيان: "لستم ضعفاء.. فأنتم أبناء أمة مسلمة عزيزة أبيّة، خضعت وذلّت لها القياصرة والأكاسرة من الفرس والروم قديما، وسقت السمّ الزعاف للروس والأمريكان حديثا. ونقول لهم.. ثقوا ـ بإذن الله ـ بأن دماءكم لن تذهب هدرا، وبأننا سنبذل كل ما في وسعنا لنصرتكم، وللثأر من عصابات الشر والإجرام قتلةِ الأطفال والنساء والشيوخ.

وتلا هذا البيان، بيان آخر من تنظيم له صلة وثيقة بالقاعدة هو أنصار الشريعة بتونس، والذى عنون لبيان بـ (إفريقيا الوسطى .. تطهير باسم الصليب الذهبي).

يلاحظ أن لغة البيانين متقاربة، مما يشير للتقارب الفكري للتنظيمين، واحتوى البيانان على دعوة صريحة لمنازلة فرنسا وحلفائها على أرض إفريقيا الوسطى، واستهداف مصالحها وقتالها، مما قد يشير الى أن كثيرا ممن يحملون أفكار القاعدة سيحاولون عبور الحدود، وصولاً إلى إفريقيا الوسطى، ولعل القرب الجغرافي النسبي لهذا البلد من عدة بلاد بها وجود مقدر لتنظيم القاعدة يؤكد أن القاعدة جادة في التحرك إلى هناك، ولعل ذلك سيلحق ضرراً بليغاً بتنظيم (سيليكا) الذى يضم المسلمين هناك؛ إذا ماقرر تبني أطروحات القاعدة، ولعله ليس له سبيل غير ذلك، فلا توجد حتى الآن أي تحركات إسلامية جادة، غير الجهود الإغاثية المحدودة وبيانات الشجب والإدانة، وتعيين منظمة التعاون الإسلامي لمبعوث لها لإفريقيا الوسطى.

ويبدو أن القاعدة جادة في نقل عملياتها إلى إفريقيا الوسطى، فقد أكدت في بيانها أنها ستبذل كل ما في وسعها لنصرة المسلمين هناك، وستثأر من عصابات الشر والإجرام قتلة الأطفال والنساء والشيوخ، كما تريد القاعدة أن تشاركها شعوب إفريقيا حيث طالبها البيان بالثأر من فرنسا، وألا ينسوا ماضيها الاستعماري، ونهبها المتواصل لخيرات وثروات إفريقيا، وتلاعبها بأمن واستقرار شعوب القارة.

ويبدو أن القاعدة ستستمر في إستراتيجيتها في استهداف المصالح الغربية باعتبارها أهدافا سهلة، حيث دعت من خلال بيانها لاستهداف هذه المصالح الأوربية والفرنسية تحديداً المنتشرة في طول بلدان إفريقيا وعرضها، حيث يرى البيان أن فرنسا أحرص على مصالحها من دماء وأرواح مواطنيها فضلا عن أرواح غيرهم، ولكن الخبرة التاريخية لجهود القاعدة في القارة الأفريقية وغيرها أنها جهود مدمرة للواقع الإسلامي، حيث تفتح الباب واسعاً أمام التدخل الأجنبي بحجة مكافحة الإرهاب، وتصيب المجتمع والبيئة الإسلامية بالدمار تحت ذريعة تطهير الصف الإسلامي من المنافقين والمرتدين، وهو ما يساهم بقوة في تحقيق أهداف أعداء الإسلام في أفريقيا!!

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق