متشيعة الجزائر والجهر بالطائفية
الجمعة 30 مايو 2014

 

 بوزيدي يحيى

 

 

  لا يكاد يخبو موضوع التشيع في الجزائر حتى يطفو إلى السطح مرة أخرى ليتصدر المشهد، وتعود معه الكثير من الأسئلة حول الظاهرة من حيث الحجم والخطورة، والافتعال والحقيقة، وتورط طرف خارجي، وغيرها من الأسئلة، كان آخرها ما تداولته قبل فترة مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من أشرطة مصورة لمتشيعين جزائريين وهم يؤدون طقوسهم الدينية، في سابقة هي الأولى من نوعها، إذ يُشاهد لأول مرة متشيعون جزائريون وهم يلطمون ويرددون أدعية شيعية اعتدنا على مشاهدتها في الفضائيات فقط([1]).

ومن هول الصدمة بادر البعض لتكذيب وجود تلك الفيديوهات في الجزائر والظن أنها من دول الخليج. هذا الحدث المفاجئ والصادم للمجتمع الجزائري لا يمكن اعتباره سلوكا عفويا، ولا فرديا معزولا، أو أنه خالٍ من أي أهداف. فما الذي كان يهدف له متشيعة الجزائر من نشر مقاطع الفيديو تلك؟ وما الذي يمكن استخلاصه من مضمونها؟

السياق العام للحدث:

  يجدر في البداية الإشارة إلى السياق العام الذي جاء فيه نشر تلك الفيديوهات، حيث سيمكننا ذلك من معرفة الأهداف التي كان يرمي إليها الطرف الذي وقف وراءها. فظهورها تزامن مع فترة شكل فيها موضوع التشيع حدثا شبه مستمر، بداية بالكشف عن اختراق متشيعين للوفد الجزائري الذي زار الرئيس السوري بشار الأسد، رغم عدم تصريحهم بذلك، ونفى المسؤولون عن الوفد علمهم بمعتقدات وخلفيات أعضائه، وأيضا مشاركة المتشيع الصادق سلايمية في برنامج "هنا الجزائر" على قناة الشروق وتصريحه بجزء من معتقداته في مناظرة مع الشيخ عبد الفتاح حمداش، وبالتالي يكون أول متشيع جزائري يبرز إلى الواجهة في وسائل الإعلام الوطنية كصوت شيعي وإن لم يدّعِ تمثيلهم.

وكانت نفس الفضائية عرضت أيضا برنامجا عن التشيع في مدينة وهران التي خرجت منها الفيديوهات، بعدما أقدمت وزارة الشؤون الدينية على تحويل إمام مسجد من أحد الأحياء الراقية المعروف بتواجد متشيعين كثر فيه، حيث شن الإمام حملة على هؤلاء بعدما أصبح نشاطهم أكثر علنية، ثم الوقفة التضامنية من طرف حزب الصحوة السلفية غير المرخص له، ودعوة زعيمه الشيخ عبد الفتاح حمداش وزارة الشؤون الدينية التي هونت من هذا الخطر بالتحرك لحماية المواطنين من سموم التشيع([2]).

إضافة إلى هذا افتتاح شباب جزائريين صفحة على الفيسبوك تحت اسم "الفاضح لشيعة الجزائر"، وكما يظهر من الاسم فهي تهتم بفضح المتشيعين من خلال تتبع كل ما يقومون به سواء على أرض الواقع أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد كانت هذه الصفحة هي السباقة إلى نشر تلك المقاطع ومن ثم تناقلتها وسائل الإعلام الأخرى([3]).

في سياق كل هذا وجد المتشيعون أنفسهم أمام حملة وإن كانت غير ممنهجة ولكنها جعلتهم في دائرة الضوء، فكان لابد حين إذٍ من رد فعل لإثبات النفس، وفي هذا الإطار جاءت خطوة نشر الفيديوهات.

خطوة انفعالية أم محسوبة؟

  قد يعترض البعض عن هوية الطرف المسؤول عن نشر تلك الفيديوهات، فبعد التشكيك في أن المتشيعين جزائريون، الذي ثبت عدم صحته بفيديوهات أخرى، جاء الدور التالي بالقول بأنها سرقت منهم ولم يكونوا هم من نشرها، وإن كانت المعطيات المتوفرة لدينا حتى الآن تؤكد أن المتشيعين هم مصدر المقاطع فإنه بغضّ النظر عن هذه الجزئية فإن مضمونها يدلل على أمر مهم جدا، يتمثل في أن الطرف الذي كان يصور المقاطع متشيع ولم يكن يفعل ذلك خفية وإنما بشكل علني حيث يتجول بينهم، كما يظهر في أحدها وهو يتجاذب أطراف الحديث مع بعض الشباب الذين يتبادلون معه المزاح مع لا مبالاة البقية وعدم اكتراثهم لظهور صورهم، والنوافذ المفتوحة خلال أداء الطقوس وترديدهم لتلك الشعارات بصوت مرتفع، والذي لا شك ينتشر في المحيط القريب، -وإن كان البعض يقول بأن هذه الأماكن شبه معزولة حرصا لعدم لفت الانتباه- ولو كان المتشيعون يخافون ويتوجسون ويريدون سرية تامة لطقوسهم لما سمحوا بالتصوير من الأساس.

كما أن سياق الأحداث يؤكد أنها ردة فعل وليست عفوية بدليل أن المدينة التي أثير فيها اللغط حول التشيع (وهران) هي نفسها التي صُورت فيها الفيديوهات، واللافت هنا أن التسجيل لم يكن لاحقا للضجة التي أثيرت حول إمام المسجد وحملته على المتشيعين وإنما سبقها بأشهر، إذ تشير المقاطع إلى أنها تتعلق بمناسبة مقتل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والتي تتوافق مع السابع عشر من شهر رمضان، والفارق بين التصوير والنشر قرابة العشرة أشهر، والخطوة تأسيسا على هذا ليست انفعالية كرد فعل من مجموعة مراهقين (هذا لا ينفي أنها مراهقة دينية ككل) بل كانت محسوبة وعن سابق إصرار وترصد، ولا نبالغ بالقول بأنها كنت بتوجيه خارجي.

دور الطرف الخارجي:

  لأهمية هذه الجزئية وخطورتها ارتأينا تناولها في محور مستقل، حتى نبين حججنا في ما ذهبنا إليه. فمما هو محل اتفاق أن الثورة السورية كشفت عن إستراتيجية إيرانية متكاملة لتحقيق أهدافها، تعتمد أدوات عربية كان أبرزها حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية، وما أعلن عنه مؤخرا أحد قيادات الحرس الثوري الإيراني عن تأسيس خلايا شبيهة بحزب الله في سورية حلقة من بين تلك الحلقات.

هذه المقدمة رغم تعلقها بموضوع يبدو للوهلة الأولى أنه خارج نطاق هذه المقالة، هي في الواقع ضرورية لفهم الخطوة التي أقدم عليها متشيعة الجزائر، حيث نرجح دور الطرف الخارجي في توجيه سلوك المتشيعين هذا، وقد سبق لنا التطرق لدلالات وجودهم في الوفد الجزائري الذي زار الأسد، والتي كان من بينها الحاجة لتسويق قبول عربي للنظام وما قام به المتشيعون هو خدمة بتوجيه لا يستبعد تورط السفارتين الإيرانية والسورية بشكل مباشر أو غير مباشر فيه([4]).

  وكما هو ثابت عند كل تجمع بشري سواء كان دينيا أو سياسيا أو غيرهما، وجود تراتبية هرمية في المسؤولية، وفي حالة الجماعات الدينية تكون القيادة أكثر أهمية، إذ لا يستطيع الأتباع والمريدون القيام بأي شيء دون توجيه من رمزهم الديني خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمصير المجموعة الدينية كلها، وفي الحالة الشيعة هناك علاقة وطيدة بين المرجع والمقلد، حيث يخضع الأخير لتوجيهات المرجع، ويستحيل أن يصدر عنه أي سلوك دون ضوء أخضر منه، وحلقة الوصل بينهما هو وكيل المرجع الذي تتمثل مهمته في جباية الخمس من المقلدين ونقل أسئلتهم إلى المرجع والإجابة عنها.

فالشيعة يعيشون في أنحاء العالم كأقليات، وليست لهم القدرة على ممارسة نفوذ سياسي في تلك البلاد التي يقيمون فيها. بناءً على هذا يتوجهون نحو الأشخاص القريبين منهم، ومن ثم يستطيعون حل مشكلاتهم، وحتى لو كان هذا المقلد متبعاً للمرجعية الولائية الإيرانية، فإنه يجب عليه أن يرجع إلى ممثليها في الدولة، ومن المؤكد أن كثيرين يفضلون هذا الخيار، وتتميز لبنان بشكل أساسي بهذه السمة([5]).  

وفي الكثير من الدول السنية التي ظهرت فيها آفة التشيع لا تخطئ العين رؤية علاقة هؤلاء بإيران، فعلى سبيل المثال للداعية الشيعي علي الكوراني، الذي يحظى بدعم كبار المرجعيات الدينية في النجف وقم، ارتباط وثيق بالمؤسستين الأمنية والعسكرية الإيرانيتين، والقريب جدًا من السلطة الممثلة في مكتب المرشد خامنئي، وهو من افتتح أول حسينية في مصر([6]). كما كانت مجموعة القيادي الشيعي أحمد راسم النفيس وراء تأسيس حسينية شيعية في منطقة البحر الأحمر، في مدينة الغردقة بزعم أنها مزرعة وليست حسينية، بتمويل إيراني([7]).

والمتشيعون الجزائريون ليسوا استثناء من هذه القاعدة، وفعل التصوير الذي قاموا به بحد ذاته نابع عن توجيه، وكذلك قرار نشر تلك الفيديوهات. بناء على هذا لا نستبعد أن الفيديوهات ترسل إلى الخارج، وتحديدا إلى المرجعية، على الأقل من باب إثبات النشاط والحركية لها، ومن المرجح أن يكون المسؤول عن ذلك هو وكيل المرجع، وهو نفسه من أعطى الضوء الأخضر لنشر الفيديوهات بعد تشاور مع مرجعيته أو الجهة التي تملك زمام أمرهم سواء كانت سياسية أو دينية.

الطقوس والاغتراب الوجداني

  تظهر المقاطع أن عدد المتشيعين كبير نسبيا، والراجح أن الحضور ليس من مدينة وهران لوحدها، وقد يكون من بينهم متشيعون من مدن مجاورة أيضا، كما أن الاجتماع لأداء الطقوس ليس بالجديد أو المعزول وإنما القوم اعتادوا على هذه التجمعات منذ سنوات، ومما يدلل على ذلك أنه سبق لطالب الماجستير إبراهيم بن زاوي من معهد الإنتروبولوجيا بجامعة وهران أن تناول الظاهرة بالبحث، وكانت مذكرته تحت عنوان: "رمزية المقدس في مخيال المتشيعة عاشوراء – بوهران– نموذجا".

والمذكرة تم إعدادها سنة 2005، وهذا يعني أن هناك عقدا كاملا تمارس فيه هذه الطقوس بشكل مستمر ودون انقطاع، بل رصدها ودراستها لا شك يكون مسبوقا بسنوات أخرى تبلورت فيها الظاهرة، وهو ما مكن من التجمع بهذا القدر الكبير نسبيا، كما أن المناسبة الأهم عند الشيعة هي عاشوراء، ما يعني أيضا أنهم وسعوا المناسبات منها إلى ليلة استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا شك أنهم يجتمعون في مناسبات أخرى على غرار مولد مهديهم أو إمامهم الثاني عشر وغير ذلك، والتناغم في التفاعل مع الرادود والتجاوب معه، يدل على خبرة بلغت حد التجانس، وكل هذا يؤشر إلى مستوى متقدم من الطمأنة وعدم التخوف والاستعداد للعلنية.

  كما تؤشر الطقوس وهذا الأهم، إلى شكل من الانعزال المجتمعي والاغتراب الوجداني، فالتعبد داخل مجموعة مغلقة خارج منظومة الشعائر السائدة في المجتمع الجزائري، بل والمتناقضة معه، كما يعكسه الطقس الذي تصوره الفيديوهات. فالمناسبة تأتي في منتصف شهر رمضان، وهي تتعلق بمأساة كبيرة عندهم تتمثل في مقتل الإمام الأول والمجتمع لا يبالي بالحدث، وهذا في حد ذاته ظلم لهم، والأمر نفسه ينطبق على كل المناسبات الأخرى وخاصة منها عاشوراء التي تمثل لحظة الفراق الوجداني إذ يوم حزنهم هو يوم فرح في المجتمع حسب ادعائهم.

وما يثبت هذا الاغتراب هو تشكيك البعض في جزائرية تلك الفيديوهات والظن أو احتمال أنها في دولة خليجية، هذا الاحتمال الذي فند بالأدلة بعدما ظهر في أحد الفيديوهات مَن صرح عن تشيعه في البرنامج التلفزيوني على قناة الشروق، والذي تحدث عن عزمهم تنظيم الاحتفال بعاشوراء للصحفية وأعرب عن استعداده لاستضافتها، ثم وفى بوعده، وظهر في الفيديوهات وهو يوزع الطعام على الحاضرين في الاحتفال الديني.

هذا النفي والتشكيك هو بحد ذاته دليل إدانة للمتشيعين، حيث أثبت ذلك القدر الكبير من التشابه في الطقوس كما هو الحال في المجتمعات الشيعية، فلكْنة الرادود القريبة من أمثاله الذين يظهرون على القنوات الشيعية المشرقية ترجح أن يكون من الشباب الذين سافروا إلى قم وغيرها من الحوزات وتعلموا أداء تلك الطقوس، والمتشيعون يقلدون الطقوس بحذافيرها بما في ذلك تعصيب الرؤوس، واللافتات المكتوب عليها: لبيك يا حسين، واللطم والبكاء، وهذا يدلل أيضا على وجود قدر من التواصل شبه المنظم لتوزيع المهام. كما يبين حجم الاغتراب الذي يعيشونه.

وأخطر ما يترتب على هذا الاغتراب أن المتشيعين ينظرون لهذه الحملة الإعلامية ضدهم بأنها شكل من أشكال الظلم الذي عانى منه آل البيت وشيعتهم، وهذه هي مظلوميتهم في الجزائر، ولا شك أنهم في قابل الأيام وإذا ما كتب لهم الانتشار أو التمركز في منطقة ما فسيجعلون من هذا محور ما يلقنونه لأتباعهم، بل وسيعتبرون أنفسهم ضحايا التكفير والعنف الوهابي وغير ذلك مما يبدع فيه المتشيعون.

 لكن من جانب آخر فإن الطقس ينفي محاولتهم الظهور بمظهر المثقف الواعي العقلاني الذي ينبني تديّنه على أسس علمية وبحث معمق وليس عن أفكار ورثها عن آبائه أو ما يعرف بالتدين التقليدي، والحقيقة أنهم انتقلوا إلى التدين الشيعي دون أي تمحيص ولا يوجد لهم أي تميز أو انفراد، فحتى الطقوس التعبدية التي كانت تمارس في الخفاء تبين أنها هي الأخرى لا تختلف عن تلك التي تمارس في المجتمعات الشيعية، بغرائبها وعجائبها التي لا تمت للسنة النبوية بصلة، والتي لا تختلف عن ممارسات بعض الطرق الصوفية، فأين التميز الذي يدعيه هؤلاء؟ وأين القراءة الموضوعية؟ أليس هذا انتقالا كاملا وشاملا وتسليما للعقول في كل الجزئيات ولربما أكثر من بعض الشيعة الذين ينتقدون مثل تلك الطقوس؟

الجهر بالطائفية وإشكالية المرجعية الوطنية

  يظهر من المناسبة أنها تتمحور حول مأساة آل البيت كما يزعمون، والجرائم التي ألحقت في حقهم من طرف الصحابة، فأحد المقاطع الذي عرض فيه درس كشف عن حقيقة العقائد التي يحاولون إخفاءها من الصحابة، إذ ينطلق المحاضر في تأريخ مسألة اغتيال سيدنا علي رضي الله عنه من اغتصاب ولايته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تليها سلسلة من الاتهامات التي تطعن في الخلفاء الراشدين، فالأول والثاني دمرا ما بناه الرسول صلى الله عليه وسلم، وورّثوا ذلك لعلي بن أبي طالب، كما أنهم عودوا الصحابة على الامتيازات والأموال، وهذا يفند كل الادعاءات الشيعية بداية من آية الله خامنئي إلى آخر مرجع شيعي وأحاديث عن تقريب واحترام رموز الطرف الآخر.

فمعتقداتهم هي التي نسمعها من المتشيعين في تلك الفيديوهات، وهي ما كان يظهر سابقا عبر المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي بتبنيهم لكل المعتقدات الشيعية بداية من الطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرورا بادعاء كسر عمر رضي الله عنه لضلع فاطمة الزهراء وإسقاط الجنين من بطنها، وانتهاء بالتبرير لزواج المتعة والدفاع عنه.

  وعلى المستوى السياسي والذي كانت تعبر عنه صورة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله المعلقة على جدار البيت، وبجانبها صورة في نظرهم للحسين وأخرى يبدو أنها لعلي خامنئي، ولا شك أن جدران الغرف الأخرى تحوي صور القيادات السياسية الإيرانية، ونصر الله هو وكيل المرشد الأعلى في لبنان ما يعني أنها تبعية غير مباشرة في أسوأ الأحوال، وحتى إذا لم تظهر في الغرفة فهي منتشرة على أغلفة وصفحات الفيسبوك للمتشيعين، فضلا عن أخبار هؤلاء وحياتهم اليوم. والدفاع عن كل الأطروحات السياسية الإيرانية، من تبرير احتلال العراق وتصوير المالكي على أنه بطل قومي حرره من الأمريكان، إلى تبرير إجرام بشار الأسد والميليشيات الشيعية هناك والمسارعة لدعمه إعلاميا بزيارته في الوفد الجزائري كما سبق الإشارة.

 إذا أخذنا كل هذه الأمور بعين الاعتبار، وأضفنا إليها مضمون الطقس الديني الذي كان مناسبة لحقن المتشيعين بجرعات من الحقد الطائفي لا أكثر، بتأكيد المظلومية من خلال تلك الطقوس وجعلها مسؤولية فردية تتوزع على كل المتشيعين، وتوجب عليهم الانتصار لأهل البيت كما يزعمون، سواء بقصائد الرادود وما تحمله من شحن طائفي، أو الدعاء الذي تختتم به الطقوس والذي يقول: (وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين). ألا يمكن القول إن هذه هي الطائفية عينها؟ وإذا لم تكن هذه هي الطائفية فما هي غيرها إذا؟

وتكملة للسؤال نفسه، ألا يدفعنا كل هذا لطرح بجدية إشكالية الولاء والانتماء للوطن؟ فإذا كانت الجماعات السنية يثار حولها سؤال المرجعية الوطنية رغم التقارب الكبير لحد التطابق في المعتقدات، والاختلافات الفقهية التي يتسع لها المجال، فما بالك بجماعة دينية مختلفة في العقائد والفقه، وحتى التصورات السياسية خاضعة لدولة أخرى. فكما يقال الاعتراف سيد الأدلة، وها هم الشيعة يعترفون بالصوت والصورة بمعتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم السياسية، من هنا أصبح موضوع علاقة هؤلاء بالوطن أكثر إلحاحا، فأمام هذه الحقائق والوقائع أضحى من الضروري النظر لقضية المتشيعين باعتبارها مسالة أمن قومي لا تقل أهمية عن المسائل الأخرى ولابد من قوانين تجرم مثل هكذا علاقات([8]).

الخلاصة:

لا شك أن نشر الفيديوهات كانت محاولة لجس نبض الموقف الشعبي والرسمي لقياس ردود الفعل من التشيع، ولعل ضعفها شجعهم على المحاولة التالية التي تداولت مؤخرا والمتمثلة في السعي لتأسيس مسجد لهم في مدينة "تيبازة" بالقرب من العاصمة([9]). ورد الفعل هذا من طرف المتشيعين ومحاولتهم إثبات الوجود وفرض النفس، يؤكد استعدادهم للمواجهة في مرحلة لاحقة والمطالبة بما يعتبرونه حقوقا مشروعة لهم كأقلية دينية، ولن يجدوا غضاضة حينها بطرق أبواب منظمات دولية معلومة أهدافها، فضلا عن استغلالهم من طرف القوى الخارجية لتقسيم المجتمع وتوسيع رقعة الخروق فيه.

وبينما يسير المتشيعون في خط مطرد ويتبعون كل خطوة بأخرى أكبر منها، في المقابل وللأسف الشديد توقف موضوع الفيديوهات عند مستوى الوجبة الصحفية العابرة دون أن يتحول إلى قضية رأي عام وطني، فلم تطرح تساؤلات حول أهداف المتشيعين من نشر هذه المقاطع، ولم نسمع عن تحقيقات في الموضوع، حول ما إذا كانت هذه حسينية، أي فضاء للتعبد الديني خارج الإطار الرسمي، وما موقف القانون من ذلك؟، وهل توبع صاحب البيت والمسؤول عنه قضائيا أم لا؟ خاصة وأن الفيديوهات تعتبر تكذيبا رسميا ومباشرا وصفعة في وجه وزارة الشؤون الدينية ممثلة في الوزير السابق عبد الله غلام الله الذي كان ينفي دائما وجود الظاهرة في الجزائر، وعندما فعل اتهم بها اللاجئين السوريين دون أي أساس واقعي أو منطقي.

أما بالنسبة للمدافعين عن الهوية الوطنية والمرجعية الوطنية فلم نسمع موقفهم من هذه الطقوس، وعن علاقتها بالانتماء للوطن والهوية الجزائرية؟ ولماذا تطرح الحرية عند المعتقد الشيعي فقط؟

  وكالعادة لم يصدر من رموز الحركة الإسلامية، وبشكل خاص الأحزاب السياسية، أي رد فعل حول الموضوع، وكأنه لا حدث بالنسبة لهم، ورغم أن الدعوة في صميم ومحور برنامجهم السياسي، إلا أن مسألة الدفاع عن الصحابة خارج اهتماماتهم، وما دام الأمر كذلك فإنه بلغة سياسية والتي يفترض أنهم يفقهونها ويتقنونها، فإن الأمر يتعلق بالأمن المجتمعي والفكري الذي من ضمنه حماية الدين من الشيعة، ولكن الإسلاميين الجزائريين لا زالوا يعتقدون أن الدفاع عن الثوابت الوطنية يقتصر فقط وينحصر في بقايا التروتسكية التي لم يعد لها أي دور فعال.

 



([1]) كانت عناوين كل الجرائد التي تناولت الموضوع تشير إلى هذا المعنى، حيث تحدثت عن الخبر باعتباره كسرا لحاجز السرية والخروج العلني بكشف الطقوس، ومن الأمثلة على ذلك: شيعة الجزائر يكسرون حاجز السرية وينشرون أول فيديو عن طقوسهم في وهران/ في سابقة من نوعها شيعة الجزائر ينشرون "مقطع فيديو" عن طقوسهم بمدينة وهران/ شيعة الجزائر ينشرون لأول مرة مقطع فيديو عن طقوسهم بمدينة وهران/ بعد مدة من التستر: شيعة الجزائر ينشرون لأول مرة "مقطع فيديو" عن طقوسهم بوهران!/ بالفيديو.. شيعة الجزائر يكسرون حاجز السرية وينشرون فيديو وهم يمارسون طقوسهم/ شيعة الجزائر ينشرون طقوسهم لأول مرة والوزارة تتفرج/ شيعة الجزائر يخرجون إلى العلن بطقوس الّلطم.

([2]) إمام مسجد: شيعة يروجون لمذهبهم بين شباب وهران بـ "زواج المتعة"، رأي اليوم، 13/02/2014، على الرابط:

http://www.raialyoum.com/?p=52373

([4]) لتفاصيل أكثر أنظر: بوزيدي يحيى، دلالات وجود متشيعين جزائريين في وفد زيارة الأسد، مجلة الراصد، العدد 128، 4/12/2013، على الرابط:  

http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6455

([5]) رسول جعفريان، المرجعية الشيعية - الوجه الآخر المرجعية الشيعية في إيران والعراق (الماضي والحاضر)، مركز التنوير للدراسات الإنسانية، على الرابط:

http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=20036&page_id=0&page_size=15&links=True

([6]) فراج إسماعيل، أول لطمية في بلد الأزهر، جريدة المصريون، 09/05/2012، على الرابط:

http://almesryoon.com/permalink/7334.html

([7]) أول حسينية شيعية بتمويل إيراني بمصر، مفكرة الإسلام، 06/04/2013، على الرابط:

http://islammemo.cc/akhbar/arab/2013/04/06/169320.html

([8]) لتفاصيل أكثر حول علاقة الشيعة بالولي الفقيه ومسألة التجريم القانوني، انظر: علي حسين باكير، تجريم تقليد المرشد الأعلى في العالم العربي، العرب القطرية، 11/06/2013، على الرابط:

 http://www.alarab.qa/details.php?issueId=2122&artid=247048

([9]) أول مسجد للشيعة بتيبازة، موقع البرق الإعلامي، 13/05/2014، على الرابط:

http://www.elbark.com/index.php/politique/item/565-2014-05-13-10-04-42

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق