حسابات إيران والمالكي في العراق بعد انتخابات 2014
الجمعة 30 مايو 2014

 

 صباح العجاج – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

أسدلت الانتخابات العراقية أستارها بظهور النتائج، حيث حازت قائمة رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي المرتبة الأولى بـ (92) مقعداً، مبتعدةً عن أقرب كتلة لها قرابة الضعف، لكنها تحتاج إلى 165 مقعداً ليأخذ المالكي الولاية الثالثة.

تكمن المشكلة عند المالكي في أنّ العديد من القوى الشيعية في التحالف الوطني قبل الانتخابات رفضت ولايته الثالثة علنًا، وأشارت لذلك المرجعية الشيعية في النجف (السيستاني)، كما صرّح بذلك الكرد، فضلا عن إياد علاوي والقوى السنية المشتتة، فكان هناك اتفاق واسع على رفض الولاية الثالثة للمالكي.

والمالكي نجح في الحصول على هذا الرقم بشق الأنفس، عبر التزوير والتلاعب بأصوات الشيعة، وحرمان عدد من الصدريين من الترشيح بالاجتثاث والمساءلة القانونية؛ مثل صباح الساعدي، ومها الدوري.

ومارس ضد السُنّة عدة أمور: فقد شنّ حربًا على الأنبار واعتقل نائبا سنيا، وإحدى غاياته من ذلك لمّ شمل الشيعة بعد التفرق ورفع الصوت الطائفي داخل المكون الشيعي وجمعه على قضية خارجية ليتجمع، وكذلك مهد وسهل الفوز لـسُنّة "السلطة" الذين تربطهم بالمالكي أواصر قوية (مال وسلطة) للفوز، ومنع أهالي الأنبار من الانتخاب بفتح مياه السدود وإغراق بغداد (بالتنسيق مع داعش)، وتكثير الانقسام السني - السني حول الحرب بالأنبار، إضافة لما فعله في حزام بغداد السني  من حملات قتل واعتقال.

كان المالكي بين (2010-2014) طائفيًا مع السنة ديكتاتورًا مع الجميع عربا وكرداً، سُنة وشيعة، ولذلك لم يحصل هذه المرة إلا على 92 صوتًا، بينما بجهود أقل في انتخابات 2010 حصل على 89 صوتا، أي أنّ كل ما استطاع أن يفوز به ثلاثة أصوات زيادة على السابق، رغم استغلاله لأجهزة الدولة المختلفة وجميع قواها والجيش والشرطة؛ فقد احتكر تصويتها له تقريبًا.

بعض المقربين يذكر أن العدد الحقيقي لمقاعد دولة القانون هي من 60-70 مقعداً، وأنه أخذ البقية من حلفائه (الحكيم والصدر). وهذا ما دفع الصدريين للتصريح بتزوير الانتخابات يوم إعلان النتائج.

والمهم الآن: هل يتمكن المالكي من تأمين الولاية الثالثة له مع هذه النتائج الضعيفة؟ والرفض المعلن من قبل خصومه الكثر؟ هل ينجح بالاعتماد على إيران في مسعاه، كما نجح في الانتخابات الماضية التي حرمت قائمة علاوي من تذوق حلاوة الحكم برغم فوزها في الانتخابات؟

كيف تعمل إيران داخل العراق:

نحتاج إلى أن نتذكر طريقة وآليات العمل الإيراني في العراق والعالم، حتى نستشرف موقف إيران اليوم من الولاية الثالثة للمالكي، حيث تعتمد إيران في توسيع دائرة نفوذها في العالم على ثلاث ركائز أساسية تستمد تأثيرها وفاعليتها من مدى قربها من المرشد علي خامنئي - الذي يملك تحديد السياسات العليا للنظام وعلاقاته الخارجية- وهي:

أولا: بعثاتها الدبلوماسية وملحقياتها الثقافية المدارة من قبل وزارة الخارجية.

ثانيا: منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية وتُدار من قبل مكتب المرشد.

ثالثا: قيادة عمليات فيلق القدس، الذي هو نخبة الحرس الثوري والجزء المهم منه.

والركيزتان الأولى والثانية تستخدمان كقوى ناعمة لمد النفوذ القومي الإيراني والتبشير الشيعي.

أما الركيزة الثالثة (فيلق القدس) فهو للتدخل المباشر لصالح الحلفاء والأصدقاء، عبر عمليات عسكرية وأمنية، الهدف الأساسي منه ليس لذاته العسكري بل لكسب أوراق في المفاوضات الإقليمية والدولية لتصب في صالح نظام الولي الفقيه.

بالنسبة للعراق وبسبب حالة الحرب والقطيعة بينه وبين إيران، فقد كان المدخل هو فيلق القدس، إذ بدأ عمل فيلق القدس فيه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث تواصل مع القوى الشيعية العراقية في الداخل والخارج، وحثها على معارضة نظام صدام حسين، وعمل تنسيق بينها وبين الأحزاب والميليشيات العسكرية للشيعة العراقيين الذين سبق لإيران إيواء الكثير منهم منذ نشوب الحرب بينهما سنة 1980.

وبعد الاحتلال ولغاية سنة 2010 كانت سياسة إيران ترتكز على الاحتفاظ لنفسها بنفوذ ناعم غير مرئي على القوى الشيعية والحزبين الكرديين المعروفين، وبشكل أقل على بعض الأحزاب والحركات السنية والكردية ذات التوجه الإسلامي، مع دعم الميليشيات والمجاميع الشيعية والسنية - من خلال سوريا، ومنها تنظيم القاعدة - التي كانت ضد الأميركان، بهدف إنهاك الجيش الأميركي.

وعقب انسحاب الأمريكان من العراق فإن طهران باتت تضع وحدة الموقف السياسي لشيعة العراق على رأس أولوياتها بعد نجاحها في حمل الأميركان على انسحاب بلا ثمن.

ففي سنة 2010 ولكي تضمن للمالكي ولاية جديدة سعى فيلق القدس إلى توحيد البيت الشيعي (التحالف الوطني العراقي) المنقسم خلف نوري المالكي ليتولى منصب رئاسة الوزراء، ونجح بذلك.

هكذا تنفذ إيران سياساتها في العراق، وليس كما يظن بعض المحللين الإسلاميين والقوميين أن إيران تشير بأصبعها فيطيعها شيعة العراق أو أن العراق ضيعة ومحافظة إيرانية، فهذه خرافة نجحت المخابرات الإيرانية في ترسيخها في الأذهان لتعطي إيران رهبة وقوة غير حقيقية([1])، وهذا ما يجب تجنبه اليوم حول طريقة تعامل إيران مع ملف ترشيح المالكي للولاية الثالثة.

خطة المالكي للفوز بولاية ثالثة اليوم:

يحتاج  المالكي إلى 165 صوتا ليحصل على الولاية الثالثة؛ وتجميع الأصوات ليست مشكلة المالكي؛ إذ يمكن أن  يتفق مع جهات غير شيعية: سنية أو كردية للحصول عليها مع بعض التنازلات والمناصب، لكنّ  المالكي لا يمكنه أن يتجاوز إيران بذلك، ولا يجرؤ على فعل مثل هذه الخطوة لوحده، والمهم أن يحصل عليها من إيران وبرضاها، فضلا عن الرضى الأمريكي، وكلاهما مهم لينعم بولاية ثالثة، وهو لا يعلم علم اليقين هل يكرر قاسم سليماني دعمه له كما فعل في انتخابات 2010م أم لا؟

 ويبقى السؤال: هل تمنح إيران ذلك للماكي مرة أخرى؛ سلوك المالكي الشخصي جعل إيران تعيد النظر في قبوله كمرشح لولاية ثالثة؛ لأن المالكي خلق مشكلة لإيران في العراق، وسببّ بسلوكه الديكتاتوري تفتيت التجمع الشيعي (التحالف الوطني العراقي) الذي هو امتداد لفكرة أحمد الجلبي (البيت الشيعي) التي برزت بعد الاحتلال، وكانت من أنجح الأفكار التي جمعت قوى شيعية متنازعة في أيام المعارضة على هدف مشترك، وعلى عدو مشترك هو (البيت السني) المشتت، والذي رفض هذه الفكرة السنة من يومها وللآن!

وإيران اليوم بحاجة لتحالف شيعة العراق أن يترابط لمواجهة الصحوة السنية المتأخرة في تركيا والسعودية والتي برزت من خلال الثورة السورية، حتى أصبحت سوريا تشهد صراعا شيعيا – سنيا (تركياً - سعودياً)، وتخشى إيران من أن تكون الأرض العراقية مسرحًا آخر لصراع بوجه الوجود الإيراني في العراقي؛ فإيران تحاول أن تجعل شيعة العراق مترابطين وتبعد عنهم التشتت، وظهور المالكي كديكتاتور يضرها؛ لأنّه يخلق صراعًا شيعيًا -شيعيا من جديد، كما في أيام المعارضة، وإن كانت ديكتاتورية المالكي مفيدة في تحجيم وإقصاء السنة والكرد.

أمّا الورقة التي يراهن عليها المالكي ليكسب إيران لجانبه فهي تحقيق طلب قاسم سليماني قائد فيلق القدس بدعم نظام بشار بكل أنواع الدعم، والمالكي في الفترة السابقة دعم بشار لكن ليس على المستوى المطلوب إيرانيا؛ لذا فإن ورقة المالكي في زيارته الأخيرة لإيران كانت عروضا اقتصادية وعسكرية لنظام بشار.

هذا الأمر قد يجعل إيران تضغط في الداخل العراقي على التيار الصدري والحكيم للاستجابة للتعاون مع المالكي.

لكن مشكلة إيران أن علاقاتها مع آل الحكيم قديمة وإستراتيجية وهم قد خدموا الملف الإيراني أكثر من المالكي، وقيادات المجلس الأعلى لهم علاقات مع قيادات فيلق القدس، فتجاوز المالكي لكتلة الحكيم (المواطن) أمر صعب. والأمر الآخر أن المالكي أضرّ كثيرا في حقبة حكمه الأخيرة بالمصالح المالية لهذا التيار (الحكيم - الصدري) ورجاله الأثرياء، وبعض هؤلاء لهم ارتباط بأمريكا ولهم رغبة في أن تطيح أمريكا بالمالكي لبقاء مصالحهم الاقتصادية سارية المفعول.

لكن في نفس طلب إيران من المالكي دعم سوريا مزعج لأمريكا، لذا طلبت منه الكف عن ذلك مرارا وأن يكون على الحياد.

والمقلق اليوم للمالكي ولإيران أن أمريكا لزمت الصمت في دعم المالكي للولاية الثالثة أو رفضها، وهي تلاحظ بدقة ظهور كيانات من الميليشيات المتطرفة الشيعية، كأحزاب سياسية داعمة للمالكي مثل كتلة (صادقون) التابعة لعصائب أهل الحق، وكتلة (الوارثون) التابعة لحركة حزب الله في العراق، وهي مكونات ساهمت بضرب الأمريكان علنا والتصريح ضد أمريكا، والمالكي في السنة الأخيرة دعم هذه الفصائل ماليًا ومعنويًا.

يمكن تلخيص ما تريده إيران في هذه المرحلة في العراق بأنه يتمثل في وجود قائد شيعي قوي مقرب منها ولابد أن يكون من حزب ديني شيعي، ويحافظ على وحدة الصف الشيعي العراقي.

لكن إيران تقف دائما مع مصالحها لتضمن مكاسب عليا في الملفات الإقليمية لاسيما الملف السوري الذي ما زال مفتوحا على المجهول. كما أن إيران لا زالت تنتظر الموقف الأمريكي الغامض من ولاية المالكي الثالثة.

الأيام القادمة ستكشف - في حالة تعسّر ولادة الحكومة- عن وجود خلاف عميق بين الأطراف الشيعية نفسها من جهة، وبين دولة القانون والكرد من جهة أخرى، أما إذا فاز المالكي بولاية ثالثة أو تنازل بسرعة (وهذا غير متوقع) فيعني أن إيران نجحت بإقناع كل الأطراف الشيعية بما تريد.

 



[1] - من ذلك التكبير والتهويل ما تحاول أن توحي به إيران للدول العربية أن لديها جيشا قويا وضاربا تابعا للحرس الثوري، أقوى نفوذاً وأكثر تجهيزا، وحقيقة ما تملكه قوة صاروخية تعتمد على تقنية صواريخ سكود  Scudالكورية، التي يبعد مداها مقابل تقليل كمية المتفجرات، وانعدام الدقة وهو ما فعله التصنيع العراقي سابقا. أما غواصاتها فقد منحتها روسيا جيلا قديما وتتعرض دائما لأعطال، وصيانة، ومنذ سنة 2010 تعلن إيران أنها صنعت طيارات بدون طيار (الصاعقة) ولم تصنع إلا 10-12 طيارة. هذه هي حقيقة التهويل الإيراني!!

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق