كتاب الشهر\العدد مائة واربعة وثلاثون - شعبان - 1435 هـ
ميليشيا الإلحاد.. مدخل لفهم الإلحاد الجديد
الجمعة 30 مايو 2014

 

 د. عبدالله بن صالح العجيري

 

عرض: أسامة شحادة

 

 

خاص بالراصد

لعل هذا الكتاب من أفضل الكتب المعاصرة التي اطلعتُ عليها وتناولت النوازل العقدية المعاصرة، فهو سهل العبارة، عميق الفكرة، شامل الإحاطة بالموضوع مع أهمية القضية المطروقة، ويضاف لهذا ميزة الاستشراف والمبادرة للتصدي لهذه الظاهرة الوافدة قبل أن يشتد عودها ويتجذر شرها في زمن العولمة بعامة وفوضى الثورات المضادة مما وفر مناخاً مناسباً للتمدد تحت ستار محاربة الإرهاب والتطرف!

مما جعل الكتاب متميزاً أيضاً، سعة اطلاع المؤلف على الموضوع وإصدارات الملاحدة باللغة الإنجليزية، فجنب الكتاب من نقص الأدلة من جهة، ومن نقص قدم الوقائع، وجعل الكتاب مواكباً للحظة الزمنية في منبعها في الغرب وفي انعكاساتها في مجتمعاتنا العربية.

الكتاب من إصدار مركز (تكوين)، وصدر في بداية عام 2014، وهو يقع في 240 صفحة من القطع الكبير، ويتكون من بابين أساسيين وثلاثة ملاحق.

في الباب الأول تناول التعريف بموجة الإلحاد الجديد، التي عرفت بهذا الاسم سنة 2006م في مقالة لجيري وولف، وذلك عبر عرض سِماتها وخصائصها، والمقصود بالإلحاد الجديد هو أسلوب تيار من الملحدين في تبني الإلحاد وعرضه وطريقة تعاملهم مع المتدينين بل والملحدين القدماء!

حيث كشف د.العجيري عن تحول الإلحاد من قضية فردية إلى تشكيل ميليشيات إلحادية فكرية منظمة على إثر أحداث 11/9 في أمريكا، على اعتبار أن هذا الحادث كان الدين هو الدافع خلفه، وأنه حان الوقت لمحاربة الدين منبع الشرور، وعدم الاكتفاء بتخطئة الدين كحال الإلحاد القديم!!

وقد تميز الإلحاد الجديد بست سمات: الأولى: الحماسة في الدعوة للإلحاد بعدما كان الإلحاد شأناً ذاتياً، ومن مظاهر هذه الحماسة للدعوة للإلحاد تأليف سيل من الكتب الإلحادية وتصدرها قوائم الكتب الأكثر مبيعا، ولم تنجُ كتب الأطفال من هذه الموجة حيث كتبت عدة مؤلفات إلحادية للأطفال والمراهقين، وأيضا امتدت هذه الموجة للبرامج الفضائية والإذاعية وحتى برامج رسوم الأطفال طالتها هذه الموجة. وتوج ذلك بظهور عدة مؤسسات للملحدين ترعى هذه الدعوة وتعمل الدعاية لها من خلال اللوحات الإعلانية على الطرقات أو المنتجات المختلفة من الملابس والأدوات.

والسمة الثانية: عدائية الخطاب، حتى قال أحدهم: (ذهبت أيام الإلحاد المؤدب)، وذلك باستخدام أبشع الصفات والنعوت تجاه المقدسات، وما نراه في كتابات بعض الملحدين العرب هو انعكاس لتلك الروح العدائية، وهذه العدائية من نقاط الخلاف بين الملاحدة الجدد والقدماء المعترضين على المبالغة في الإهانة والاستهزاء بالمتدينين.

السمة الثالثة: استعمال أداة الإرهاب في حرب الأديان، وذلك بربط كل المشاكل والشرور في العالم بمتدينين كانوا وراءها، ومن ثم الخروج بقانون (كل الشرور دينية)، لدرجة أنهم اعتبروا الاتحاد السوفييتي متدينا ولذلك كان متخلفا ثم انهار!

السمة الرابعة: الهجوم اللاذع على دين الإسلام، فبرغم أن الإلحاد الجديد ظهر في الغرب وهو يصطدم بشكل أساسي مع المسيحية، إلا أنهم يخصّون الإسلام بقدر خاص من عدائهم وعدوانهم، ولذلك تنتشر في إصداراتهم الطعن بالمصطلحات الإسلامية، وأيضاً تجد احتفاءهم المبالغ فيه برموز الإلحاد الإسلامية مثل آيان هرسي المرتدة الصومالية، وحمزة كاشغري السعودي.

السمة الخامسة: هي جاذبية الإلحاد الجديد، فعلى عكس الإلحاد القديم الذي كان يقوم على جانب فلسفي ونظري، فإن الإلحاد الجديد أصبح موضة، وأصبح لرموزه معجبون وعشاق يتابعون أخبارهم ويعلقون صورهم ويطلبون توقيعاتهم، مما جعل الحالة تكاد تصل للتقديس أو علاقة المريد بشيخه!   

السمة السادسة: المغالاة الشديدة في قبول العلوم الطبيعية التجريبية، حتى وصلت هذه المغالاة لدرجة الهوس والخرافة والدوغمائية، والتي ألحدوا هروبا منها عند المتدينين! ويمثل هذا بتحميل العلم ما لم يثبت بعد لتقرير إلحادهم.

وبعد عرض هذه السمات الست للإلحاد الجديد، اقترب د.العجيري بعدسته من المجتمع المحلي (السعودي)  ليشخص انطباعه عن حال الإلحاد المحلي، وهنا يتفق المؤلف وغيره من الباحثين على وجود مشكلة حقيقية في المجتمع السعودي وغيره من المجتمعات العربية من وجود شباب وشابات متأثرين بالإلحاد بشكل كامل أو جزئي، وبعيدا عن حجم الظاهرة والتي لا جواب علميا لها، إلا أن العجيري ينبّه على أن هذه الظاهرة لا تقدر بالحجم بل بالكيف، فخطورتها من كيفيتها وموضوعها وليس من عددها وحجمها، وهو تنبيه مهم وفي مكانه، فبغضّ النظر عن حجم هؤلاء الضحايا إلا أن القضية مركزية وتستحق كل عناية واهتمام.

وأيضا يجب التنبه لسقوط حاجز اللغة الذي كان يحول بين وصول هذه الأفكار الهدامة إلى شبابنا وشاباتنا وذلك بسبب مكر شياطين الإنس الذين يترجمون هذه الكتب والبرامج في وقت قصير، ولا يقتصر هذا على جهود مؤسسات تجارية فردية كدار الساقي مثلاً، بل تشارك في الجريمة مؤسسات رسمية وحكومية في ترجمة كتب الإلحاد مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومؤسسة كلمة في أبو ظبي.

الباب الثاني خصصه المؤلف لعلاج ومكافحة الإلحاد وبشكل أدق لما يجب أن يتصف به العلاج، وأما مبررات الاهتمام بالعلاج فهي أربعة مبررات بحسب د. العجيري: أن الملحدين هم جزء من أهم الواجب علينا دعوتهم، وأن هناك جاليات إسلامية تعيش في الغرب تحتك بهؤلاء الملاحدة فوجب حمايتهم وصيانتهم، وأن الإلحاد أصابنا وقد تزداد خطورته في المستقبل علينا، وأن المتصدي الأكبر للإلحاد هم نصارى، والنصرانية بذاتها سبب للإلحاد لمصادمتها للفطرة والعقل والمنطق في بعض أسسها، مما يجعل الإلحاد ينتصر في بعض الأحيان.

يحدد د. العجيري بعض الضوابط المطلوبة للاشتباك والعلاج لظاهرة الإلحاد تتمثل في:

- ضرورة تحري الصدق والعدل والموضوعية في تناول الإلحاد، لأن هذا أدعى للقبول وحتى لا يكون هذا مدخلا للطعن على الإسلام.

- عدم تسطيح الظاهرة الإلحادية، وذلك بعدم فهم شبهة الملحد والاجابة بجواب ناقص.

- تجديد الخطاب العقدي لعلاج الإلحاد، لأن الإلحاد المعاصر تطور عن الإلحاد القديم، وأصبح يعتمد على ركائز جديدة، لا يصلح معها العلاج القديم، ولابد من الاستفادة من العلوم العصرية لإبطال شبه الملاحدة، وهنا يستعيد د. العجيري أطروحة شيخ الإسلام ابن تيمية (موافقة صحيح المنقول مع صريح المعقول)، لنفي تعارض العلم التجريبي الثابت مع النقل الثابت.

- ضرورة تقديم رؤى نقدية هجومية للإلحاد، وعدم الاكتفاء بالدفاع، لأن الإسلام والإيمان هما الحق، والإلحاد هو الباطل، ومن أبرز نقاط ضعف الإلحاد غياب مرتكز الأخلاق في منطقه، فالإلحاد لا منطق له في وجود الأخلاق وهذا مخالف لكل الفطر والعقول السوية. 

- تأصيل المنهج الشرعي للتعامل مع الشبه، حتى لا يقع الضرر ويتأثر المسلم بالشبهات بدلا من نقضها.

- ترسيخ الحضور القرآني في قضايانا الفكرية، وهو ملمح مهم يعطي المسلم قوة عقدية في طرحه ويعيد الدور الرسالي للمسلمين لإنقاذ العالم والبشرية.

وأضاف المؤلف لكتابه ثلاثة ملاحق، هي: مقالة مطولة للشيخ عائض الدوسري تناولت غزو الإلحاد للسعودية، ومقالة للشيخ سلطان العميري تستعرض أهم المؤلفات الناقدة للإلحاد، وقائمة بالمراجع الغربية المتعلقة بالإلحاد الجديد.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق