الحركة النسوية في مصر ( 3 )
الجمعة 30 مايو 2014

 

 قاسم أمين .. عندما تتكشف الأقنعة

 

فاطمة عبد الرءوفكاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

لا يستطيع الباحث في شئون الحركة النسوية المصرية خاصة، والعربية عامة، أن يتخطى الجدل الفكري الهائل الذي حدث في بدايات القرن العشرين على خلفية كتابي قاسم أمين "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، تلك الأعمال التي تشبه هزة أرضية كبيرة في التربة المصرية الآسنة.

فلقد وصل الضعف منتهاه بالاستعمار البريطاني لمصر وأصبحت المظالم متراكمة بعضها فوق بعض ولم ينهض أحد من المصلحين الإسلاميين بوضعِ مشروع اجتماعي متكامل للنهوض خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة والأسرة. وفي تلك الأجواء قام قاسم أمين بإنجاز ثلاثة أعمال فكرية متعلقة بقضايا المرأة والأسرة وذلك خلال ست سنوات.  

ينتقد ويعتذر

الأول كتابه "المصريون" الذي يرد فيها على دوق داركور وهو كتاب ألّفه بالفرنسية عام 1894م،  انتقد فيه الهجوم الكاسح الذي شنه دوق داركور على مصر والمصريين وهاجم الإسلام فيه بضراوة وجعله سببا لحالة التردي التي يعيشها المصريون.

وخصّ المرأة والأسرة المصرية بنصيب وافر من هجومه اللاذع، ويُروى أن قاسم أمين ظل مريضا لمدة عشرة أيام بعد قراءته لهذا الكتاب من شدة الألم الذي عاناه من قسوة نقد دوق داركور.

اهتم قاسم أمين بالدفاع عن الإسلام في كتابه "المصريون": (إنني أبعد ما أكون عن التعصب غير أنني أعتقد أن الإسلام هو أفضل راية يمكن أن تجمع حولها البشرية كلها متحدة في عقيدة واحدة ذلك أن الإسلام ببساطته وباختفاء الصوفية من نصوصه وبإيجابيته الخلقية وإمكان تلاؤمه ببساطة أصيلة مع كل التطورات وبتسامحه الكبير الذي يتميز به يجمع في رأيي مؤهلات تكفي لترشيح نفسه ليكون دين العالم كله .. إن الاسلام الذي ظل طويلا يمثل القوة والنور في العالم كله ما زال يملك ذخيرة ثقافية وعظمة خلقية تتيح له أن يصل حلقات السلسلة المحطومة وأن يعيد إيقاد الشعلات المنطفئة)([1])..

دافع قاسم أمين كثيرا في هذا الكتاب عن الحجاب وعن حق الرجل في الطلاق وعن المبررات التي تسمح بتعدد الزوجات، ولكن يبدو أن قاسم من داخله كان مهتزا على نحو ما، فهو لا يردّ الهجوم بهجوم أشد منه قسوة كما فعل في كتابه "المرأة الجديدة" مثلا وإنما هو يستأذن القوم في النقد والدفاع: (لستُ أحب الخوض في حديث عن الدين لأسباب تتعلق بطبيعتي الخاصة وبحرصي على مراعاة اللياقة العامة غير أن عليّ في هذه المرة أن أفعل ما أكره لأن موضوع الدين قد سيطر على جميع أجزاء كتاب دارفور بل إنني لأكاد أعتقد أنه هو الذي كان حافزا على وضع كتابه ولهذا فإني أستاذنه في أن أخصص له بدوري عدة سطور)([2]).

بدايات مهزومة

كان قاسم أمين يرقب الحياة الفرنسية خلال بعثته بنظرة مترددة حائرة فهو يشترك في الحفلات الباريسية المختلطة حائرا مضطربا تلك الحفلات التي سبق ونقل تفاصيلها رفاعة الطهطاوي  (وقد أتيح لي تقييم هذا السحر الفريد وكان شأني شأن الآخرين في الإحساس بقدره وخاصة في وجود امرأة تجمع حصافة الفكر إلى جمال الجسد وقد رمت بي طبيعتي الخجولة بين الاضطراب والحيرة أكثر من مرّة غير أن هذا لم يقلل من حبي لهذه اللقاءات الشيقة التي يهتم فيها الجميع بخلق جو البهجة والاستمتاع به)([3]).

هذه هي البدايات الفكرية لقاسم أمين نستطيع من خلالها تبين أنها بدايات مهزومة حتى لو بدت في محاولة للانتصار، لقد تشبع قاسم أمين بالانبهار بنمط الحياة الباريسية بحيث رآها أقرب للكمال وإن لم يفصح بذلك في وقتها، كان انبهارا خفيا ولكنه عميق، حاول أن يخفف عنه بالدفاع الذي أظنه كان مخلصا فيه ولكنه كان مندفعا بقوة في طريق آخر.

بين قاسم وعبده

اقترب قاسم أمين من الأستاذ محمد عبده وعمل كمترجم شخصي له في باريس، ومن المؤكد أن نقاشات كثيرة دارت بينهما، خاصة فيما يتعلق بموقف الإسلام من قضايا المرأة والأسرة حتى أن كثيرا من الباحثين يرى أن الأستاذ محمد عبده هو صاحب كتاب "تحرير المرأة" وليس قاسم أمين بينما يرجّح الدكتور محمد عمارة أن بعض الفصول فقط هي للأستاذ محمد عبده كالفصل الخاص بالطلاق وذلك الخاص بتعدد الزوجات والسبب الذي دفعهم لذلك هو اللغة العلمية ذات التأصيل الشرعي التي كُتب بها هذا الكتاب أو تلك الفصول.

 وسواء كان هذا صحيحا أو أن قاسم أمين تأثر فقط بالأستاذ محمد عبده ونقل فكره بأسلوبه الخاص أو استشاره فيما كتب إلا أن المنتج النهائي أي كتاب "تحرير المرأة" أشهر كتب قاسم أمين الصادر سنة 1899م والذي أثار ضجة هائلة يبدو ملتزما على نحو ما بالاحتكام للشريعة الإسلامية حتى وإن شطّ في بعض الأحيان: (لو كانت عوائدنا فيما يتعلق بالنساء لها أساس في شريعتنا لكان في ميلنا إلى المحافظة عليها ما يشفع لنا. أما وقد برهنا على أن كل ماعرضناه من أوجه الإصلاح يتفق تمام الاتفاق مع أحكام الشريعة ومقاصدها فلم يبق لنا عذر في التمسك بها سوى أنها قد تقدست بمرور الزمان الطويل وأننا غفلنا عن مصالحنا وتدبير شئوننا)([4]).

ولكن قاسم أمين كان مشدودا للسير في طريقه حتى النهاية فهو لم يتوقف عند مرحلة تحرير المرأة وأفكار الأستاذ محمد عبده التي تعلي من الشريعة الإسلامية كمرجعية نهائية لكافة الأحكام والقوانين المتعلقة بالمرأة والأسرة (السعي لدى الحكومة في إصدار القوانين التي تضمن للمرأة حقوقها بشرط ألا تخرج في شيء من ذلك عن الحدود الشرعية ولكن بدون أن تتقيد بمذهب من المذاهب)([5]). 

سقوط الأقنعة

نستطيع القول إن أفكار قاسم أمين تبلورت بشكل واضح ودون تردد في كتابه الأخير "المرأة الجديدة" الصادر سنة 1900م، ومن الجدير بالذكر أن جميع القضايا التي لا تزال تثير جدلا في لحظتنا الراهنة سنجد لها بذورا أولى في هذا الكتاب فإن كانت الفترة التاريخية التي انتمى لها قاسم أمين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قد شهدت انبهارا عاما بالغرب وولعا بتقليده كرد فعل جامح لحالة الركود والتخلف والهزيمة والاحتلال، وعلى الرغم من بعض المدارس والاتجاهات التي حاولت النهضة على أسس حضارتنا إلا أن الصوت الأعلى بدا لصوت التغريب الذي كان قاسم علما من أعلامه بعد تبلور أفكاره ووضوحها كما وضح في كتابه "المرأة الجديدة" فالمرأة الأوروبية ذات المقام الرفيع هي غاية ما يسعى للوصول بالمرأة المصرية (غاية ما نسعى إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلى هذا المقام الرفيع)([6]).

والغربيون هم من فهموا طبيعة الإنسان (فالاختلاف بيننا وبين الغربيين منشؤه أن الغربيين فهموا طبيعة الإنسان واحترموا شخصيته فمنحوا المرأة ما منحوا أنفسهم من الحقوق في جميع ما يتعلق بالحياة الخاصة ولم ينازعها أحد في حق التمتع بحريتها في الأعمال البدنية والعقلية إلا ما حرمته الآداب وسووا بينها وبين الرجل في كل ذلك)([7]).

ولنا أن نتساءل: ما هي هذه الآداب؟ من يضعها ويرفعها ويقررها؟ وعلى أي أساس ووفق أي هوى؟ وهل كانت تلك الحفلات التي شاهدها في باريس واستمتع بها رغم خجله تندرج تحت أي بند من هذه الآداب؟

حرية بهيمية

أما عن مفهوم تحرير المرأة الذي أفرد له قاسم العديد من الصفحات فقد اشتط فيه كثيرا حيث يصف الحياة البهيمية التي تعيشها النساء في بعض المناطق المتوحشة وفي بعض العصور الغابرة بأنها صورة من صور الحرية حينما كانت المرأة لا تعرف من هو والد طفلها حيث لم يكن لأحد قوامة عليها، (عاشت المرأة حرة في العصور الأولى حيث كانت الإنسانية لم تزل في مهدها. ثم بعد تشكيل العائلة وقعت في الاستعباد الحقيقي)([8]).

الهجوم على الحجاب

والحجاب في رأيه هو عنوان عبودية المرأة ولقد شن هجومه الأكبر في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" عليه، وهناك أمر جدير بالانتباه هو أن قاسم أمين ربط بين الحجاب وتغطية سائر جسد المرأة بما فيه الوجه - فقاسم لم يدعُ لأكثر من إبداء الوجه، ربما لظروف عصره فهو لم يكن يستطيع الجهر بأكثر من ذلك، وربما لأنه في النهاية ينتمي لمدرسة الأستاذ محمد عبده - وهو حق أو رأي معتبر له ما يدعمه - وبين كل الشرور والمظالم التي وقعت على المرأة بعصره وهي كثيرة، ولا يمكن تجاهلها.

لكن هذا غير صحيح بدليل عودة الحجاب مع نساء عصريات بلغن الغاية في العلم منهن الطبيبات والمعلمات والداعيات وأستاذات الجامعة لم يمنعهن الحجاب من الارتقاء في سلم الحياة، وما ذلك إلا أثر من آثار تقليده الحرفي للغربيين وتأثره بنقدهم للحجاب (فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره)([9]).

انهيار الزواج

من الأشياء المؤلمة التي دعا لها قاسم الدعوة لتقليد الأوربيين في زواجهم الذي يتأخر ويتعقد للبحث عن صديق ورفيق، وهي الدعوة التي لا تزال تجد صداها حتى الآن حتى أصبحت بنودا قانونية أممية تحدد سن الزواج للإنسان: (ولا خلاف في أن عدد الزواج في أوروبا هو أقل منه في الشرق وسبب ذلك أن الواحد منهم لا يتزوج بها الواحد منا فإن الأوروبي يطلب من الزوجة قرينا يرافقه طول حياته، ونحن مسافرون في هذا الطريق بقوة لا يستطيع أحد مقاومتها ويظهر لي أن الزواج عندنا قد بدأ في التناقص)([10]).  

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو إذا كان الزواج يتناقص ويتعقد وقاسم نفسه يدعو لذلك حتى يتم الاختيار عن قرب وبدقة فكيف سيتعامل الإنسان رجلا كان أو امرأة مع الغريزة الجنسية العنيفة والتي تبدأ من سن البلوغ لقد أصبح الزواج في أوربا في طريقه للتلاشي وحلّت الفاحشة محل الزواج ولم تعد موطن استنكار واستهجان ولم يعد القوم يطلقون عليها لفظة فاحشة وإنما هي علاقة حب، علاقة غير شرعية، علاقة مفتوحة، علاقة في طور التجربة، فهل هذا هو الطريق الذي كان قاسم أمين يدعونا للسفر إليه ومن خلاله.

تحقير الأمة

لقد بلغ الغلو بقاسم أمين في انبهاره بالغرب وتحقيره لأمته ورميه لها بأسوأ النعوت أنه رماها بأنها أمة تعيش لشهواتها وتربي أبناءها على ذلك: (يمكنني أن أجاهر هنا بلا تردد أن صبيا من أولادنا ذكرا كان أو أنثى لا يزيد عمره عن عشر سنوات قد يحشد إلى ذهنه من الألفاظ والصور المحركة للشهوة وينمو في قلبه من الميل مع ما تدعو إليه غريزة التناسل ويبلغ من ذلك ما لا يبلغه شاب أو شابة في سن الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة من أبناء البلاد الأوربية)([11]).  

تحقير العلماء

لم يحاذر قاسم أمين وهو يطرح أفكاره بخشونة ويهاجم علماء الدين الإسلامي بفظاظة وينعى على صحبه من التغريبيين أنهم لم يزالوا بعد يستفتونهم في أمور الحياة وهو من كان يعتذر لدوق داركور وهو يدافع باستحياء عن دينه ووطنه: (ومن العيب أن الجرائد وأصحاب الأفكار يرمون كل يوم علماء الدين الإسلامي بأنهم السبب في انحطاط وتأخر الأمم الإسلامية عن سواها في المدنية ويصفونهم بالتساهل في الدين وعدم مراعاة أحكامه ثم إذا تحركت غيرة لعرض رأي يظن أن فيه خيرا للأمة تحولت أنظارهم لهؤلاء العلماء واستفتوهم عن رأيهم فيه وغاب عنهم أن الذين يحاربون الإصلاح ولا يفرضون لتعلمهم العلوم العصرية فائدة تعود عليهم في تهيب عقل أو استكمال أدب أو تقويم عمل ولم يقبلوا تدريس علميْ الجغرافيا والتاريخ إلا رغم أنفهم ليس لهم مقام - لا من العلم ولا من الدين- يسمح لهم بإبداء رأي في شأن من شئون الأمة فضلا عن مسألة من أهم مسائل الاجتماع البشري)([12]).

رفض حضارتنا

إنه لا يهاجم العلماء فحسب وإنما يهاجم الحضارة الإسلامية ذاتها ولا يجد فيها نظاما أو قانونا يستحق الإشادة أو يمكننا من النهوض وفقا لأسسه فيراها حضارة فوضوية لا تصلح لشيء حتى القوانين اليونانية والرومانية القديمة أفضل منها: ( أين هذه الفوضى من النظامات والقوانين التي وضعها الأوروبيون لتأكيد روابط الزوجية وعلاقات الأهلية بل أين هي من القوانين اليونانية والرومانية التي لم تغفل في جميع أدوارها عن أهمية العائلة وشأنها في الهيئة الاجتماعية فأي شيء من هذا يمكن أن يكون صالحا لتحسين حالنا اليوم)([13]).                                                      

من الأهمية بمكان أن نعيد قراءة النتاج الفكري لهذا الرجل بطريقة حرة تأخذ في اعتبارها ثلاثة أمور: الأول: محاكمة آرائه وفقا لميزان الشرع.

الثاني: النظر بعين صادقة للواقع التاريخي الذي كانت تحياه النساء في ذلك العصر.

الثالث: التأمل في تطوره الفكري أو انحداره الفكري إن جاز التعبير.

وللأسف هذا ما لم أجده في كتابات الكثير من الباحثين الإسلاميين الذين اعتمدوا على عدد محدود من المراجع في فهم  فكر الرجل دون قراءته بشكل واع، وأصبحت هذه الأحكام المقولبة عقبة في طريق البحث الجاد فالهدف من ذلك ليس تقييم فكر كاتب أحدث دويا بقدر أن يكون الهدف تقييم مرحلة ستمثل الجذور البعيدة الغائرة للإصلاح.

والهدف الآخر معرفة نقاط الضعف الحقيقية بحثا عن إصلاحها فالإنكار لا يفيد شيئا بل يعمق نقاط الضعف ويزيد من تعقد المرض ولولا وجود الأمراض والضعف ما جرؤ قاسم أمين على طرح الكثير مما كتب والحقيقة أن كثيرا من الأمراض والمشكلات لم يزل موجودا حتى لحظتنا الراهنة دون أن يبذل الجهد الكافي من أجل محاصرتها.

يبقى أن نقول إن كتابات قاسم أمين كانت البناء الفكري الذي قامت عليه الحركة النسوية المصرية الحديثة حيث تم وضع أفكاره النظرية موضع التطبيق العملي المخطط والمدروس وإن كانت النسويات المعاصرات ينكرن ريادة قاسم ويبحثن عن بعض النماذج النسائية التي كان لها دور في الحراك الاجتماعي أبان ذلك الوقت حتى لا يكون رجلا من قاد الحراك النسوي المصري.



[1] - قاسم أمين وتحرير المرأة والتمدن الإسلامي، د.محمد عمارة، ص 124 ، 125،  دار الشروق.

[2] - السابق، ص 118.

[3] - السابق، ص 121 ، 122.

[4] - تحرير المرأة، قاسم أمين، ص 145، الهيئة العامة للكتاب.

[5] - السابق، ص 148.

[6] - المرأة الجديدة، قاسم أمين، ص 6، الهيئة العامة للكتاب.

[7] - السابق، ص 25.

[8] - السابق، ص 22.

[9] - السابق ص 34 ، 35، بتصرف يسير.

[10] - ص 66، بتصرف يسير.

[11] - السابق، ص 44.

[12] - السابق، ص 8.

[13] - ص 111 ، 112.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق