هل يزحف التشيع إلى المجتمع السني العراقي؟
الأثنين 31 مارس 2014

 

 سعيد بن حازم السويدي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

منذ احتلال العراق عام 2003 والتحذيرات من تشييع العراق كدولة قائمة، عبر إقصاء السنة وتهميشهم من خلال ترويج أكذوبتي: المظلومية الشيعية فقط في العراق، وأنهم الأكثرية المضطهدة، استطاع الشيعة الهيمنة على الدولة وتهميش السنة عربا وكردا، وأن يصبح حضورهم شكليا، لدرجة أن نائب رئيس الجمهورية (أكبر منصب سني) هارب في أرجاء الأرض من تهم ملفقة تطالب برقبته 4 مرات!

نفذ الشيعة مشروع التشييع القسري للدولة عن طريق الحكومة ومليشياتها تحت ستار مكافحة حزب البعث وتنظيم القاعدة (داعش)، لكن هل يكتفي المالكي بهذه الطريقة لإخضاع العراق لمذهبه؟

والآن يبدو أن هناك مرحلة أخرى قادمة وهي تشييع المجتمع العراقي بالكامل، ولعل من السذاجة الاعتقاد بأن المالكي سيكرر تجربة الشاه إسماعيل الصفوي في إعلان التشيع مذهباً لدولته وفرضه بالسيف على سكان إيران، وإكراه الناس على لعن الصحابة، فهذا السيناريو وفق المعطيات الحالية غير واقعي، لكن لا يمكننا الغفلة عن نقاط الضعف في المجتمع السني التي يمكن للمالكي استغلالها لإدخال السنة في دينه بالتزامن مع تفعيل وسائل الضغط التقليدية (الإرهاب العسكري)، ومن نقاط الضعف التي قد تستغل:

1- قلة الوعي حيث لا يملك كثير من أبناء السنة في العراق وعياً سياسيا عقدياً، وهذا يعم المتدينين وغيرهم، فالعقلية القومية الوطنية تستولي على تفكيرهم رغم ما أصابهم من القتل والتهجير والإهانة، فالسنوات السابقة لم تكن كافية لإفاقة الشعور الديني العقدي لاسيما مع غياب القيادة الدينية أو السياسية الناضجة، التي يفترض منها أن تتكفل بإعداد مشروع وصياغة خطاب سني يجمع الجماهير من حوله.

بل على العكس كانت هناك نزعة داخل المتصدرين للشأن السني تتجه نحو معارضة أي سياسة سنية، فالبعض كان يرفض وصف المقاومة بالسُنية، أو تسلح السنة للدفاع عن أنفسهم بوجه القاعدة والمليشيات، ولعل الجدل والخلاف حول الأقاليم خير شاهد على وجود ممانعة سنية ضد أي مشروع سني!!

وفي هذه الأجواء تتداخل الأهواء والأطماع مع عدم القناعة المسبقة بـالسنية والابتعاد عن العمل في إطارها، وهذا ما جعل بعض السنة المعارضين للمالكي يلتقون معه في نفس الخطاب (الوطنية ونبذ الطائفية) ويخدمون مشروعه وهم لا يشعرون كهيئة علماء المسلمين والبعثيين!

في المقابل فإن المجتمع الشيعي لديه القابلية والاستعداد للانخراط بمشروع عدواني وحرب تطهير دينية دون مبالاة بالقيم التي يتفرد السنة بحملها والتمسك بها (الأخوة والوحدة الوطنية).

فإذا تحدثنا عن مواجهة محتملة بين المجتمع السني والشيعي فالغلبة للشيعة، ولا أعني بالغلبة هنا إخراج السنة وطردهم من البلاد، وإنما بقبولهم بالواقع الظالم الذي يفرضه الطرف الشيعي المنتصر.

2- يفتقد كثير من السنة للوعي العقائدي بالتشيع وخطره، فربما ظن البعض أن التشيع هو حب آل البيت - وهو من صميم العقيدة السنية- ليصل الى الاستنتاج القائل بأن السنة والشيعة شيء واحد والتفريق المفتعل ليس إلا خطة استعمارية وفتنة صهيونية!!

إن ثقافة سنة العراق عن التشيع سطحية ومشوهة، وقد ساهم الحكم القومي والتيار الصوفي خلال الفترة السابقة بترسيخ صورة مغايرة للحقيقة عن طريق تعظيم شأن كربلاء والنجف والإكثار من مصطلح "الأئمة الأطهار" و"الحسين والعباس" عند التباهي بالعراق وحضارته ومكانته، حتى أصبحت هذه المفردات والمفاهيم جزءاً من الثقافة العامة للمجتمع.

فإذا اجتمع الضغط الحكومي مع التصور الخاطئ عن التشيع، فمن المحتمل أن يُنتجا تماهياً وتماشياً وتقبلاً للتشيع كديانة للدولة ومذهب قسم من الشعب (الشيعة).

3- ضعف التدين عند المجتمع السني فلا يمكن وصف المجتمع السني بأنه مجتمع متدين، فالقيم الدينية ضعيفة ولا ترقى لمستوى التدين عند السعوديين أو المصريين، وهذه الحال ثمرة عقود من الحكم البعثي الاشتراكي المتطرف في محاربته للدين، وبعد الاحتلال الأمريكي زاد نفور الناس من الإسلاميين نتيجة جرائم القاعدة وحملة الفكر المتطرف، وسياسات الحزب الإسلامي، وبعض تصرفات فصائل المقاومة، وتعزز ذلك بالضغط الشيعي.

في مقابل التدين الهش عند السنة نجد إقبالاً شيعياً شديداً على المذهب بقناعة أو بغير قناعة، فالتدين الشيعي لا يعني الالتزام بالعبادات والأخلاق وتهذيب السلوك وضبطه وفق أحكام الدين، وإنما هو محض التعصب للمذهب وإحياء شعائره والالتفاف حول أئمته وممثليه من السادة (يعني المنتسبين لآل البيت) والمراجع ورجال الدين (رغم العلم بفسادهم وعدم تأثيرهم)، فبهذا الاعتبار كل الشيعة متدينون لا فرق بين معكتف في النجف أو شاب اعتاد لسانه على سب الدين!

فحينما نقارن التدين الشيعي القائم على التبعية العمياء، بضعف التدين السني الممزوج بأفكار وطنية بالية غير صالحة للبقاء في العراق، فالكفة راجحة لصالح الشيعة، فالسني في هذه الحالة لن يبالي بعقيدة الحاكم وهوية الدولة، فالقبول بالتشيع لن يكون أمراً صعباً ولن يعترضه حواجز نفسية أو دينية!

إن غياب العناصر السابق ذكرها (القيادة الدينية، والمشروع السياسي، والوعي بخطر التشيع، والتدين) يعني وجود نقاط ضعف واختراق يمكنها أن تؤدي بأهل السنة إلى التشيع شيئاً فشيئاً.

سنة اليوم، شيعة الأمس

إن سنة العراق اليوم إذ يواجهون خطر ذوبان العقيدة واضمحلال الانتماء السني يمكن تشبيه حالهم بالشيعة أيام الحكم السابق حيث حاصر النظام نشاطهم الديني ومنعهم من التواصل مع  المرجعية وحظر ممارسة الطقوس والشعائر، ونكّل بالعناصر الفاعلة منهم (حزب الدعوة وغيره)، فعانى الشيعة من فقدان الهوية بسبب انعدام الموجه والمحرض الطائفي، رافق ذلك سياسة بعثية ضد أشكال التدين الشيعي، ونتيجة لذلك فقد تشبعوا بالثقافة القومية العربية السنية (العروبة، والثناء على الصحابة ورموز الحضارة) ومنهم من ترك التشيع واعتنق الدين الصحيح.

فحينما يتساءل بعض السنة (مستغرباً مستنكراً) عن سبب الخلاف بين السنة والشيعة بالرغم من عدم وجوده أيام صدام، فالجواب أن سلوك الشيعة لم يكن نابعاً من عقيدة، وإنما من ثقافة الحاكم القومي.

فالسنة اليوم يعيشون تجربة الشيعة تحت حكم صدام، لكن مع الفارق لسببين:

1- فنظام صدام لم يضطهد الشيعة لديانتهم وإنما لانحيازهم إلى إيران، بخلاف المالكي المختنق بحقده، ففي الحالة الأولى كان بالإمكان التخطيط والعمل السري مع التذرع بالنفاق لحزب البعث وهذا ما فعله الشيعة، أما العرب السنة اليوم فلا يمكنهم العمل لصالح قضيتهم وإظهار التشيع، لأن الحاكم الشيعي لن يثق بالسنة ما لم يضمن ولاءهم فهو شديد الحساسية لهذا المسألة بخلاف الحاكم البعثي الذي لا يولي اهتماماً للفوارق الدينية.

2- كما أن إيران كانت تؤوي شيعة العراق وتدعم نشاطهم ضد صدام، بينما لا يجد السنة من ينصرهم أو يتبنى قضيتهم، وهذا يعني أن فرصتهم في المقاومة أضعف من فرص الشيعة، يضاف إلى هذا الدعم الغربي (أو الأمريكي على الأقل) للشيعة باعتبارهم أكثرية مضطهدة، مقابل تخوفهم من السنة (ورثة الإمبراطورية الإسلامية) أو رمز التشدد والأصولية من وجهة نظر اليمين المتصهين.

قد يعترض البعض على هذا الطرح، ويشكك بواقعيته لاسيما في ظل حرب المالكي على السنة والتي لا تبقي أي مجال لاستمالتهم وإدخالهم في دينه، لكن لا يمكننا إغفال الأمور المتقدم ذكرها، ولا بد من دراستها وغيرها من الأخطار التي قد تدفع السنة نحو التشيع الديني.

لقد تغيرت ديانة الإيرانيين تحت ضغط السيف، وتغيرت ديانة شيعة العراق في الجنوب بسبب الجهل من جهة، وإهمال الدولة العثمانية السنية من جهة أخرى، وسنة العراق اليوم:

1-  يواجهون مختلف أنواع الإرهاب من نظام ديني دكتاتوري مدعوم إقليميا ودولياً.

2-  يعانون من قلة الوعي بالتشيع وخطره، وضعف المناعة الدينية ضد هذا النوع من الحروب.

3-  إهمال الدول السنية لقضيتهم.

فالعوامل التي ساهمت في التغيير الديني لإيران وجنوب العراق تحاصر اليوم سنة العراق، والله وحده يحمي دينه ويثبت العباد عليه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق