مؤتمر الصحوة السادس .. متى يرى الآخرون ما تحت القناع؟
الأثنين 31 مارس 2014

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

يبدو أن الحديث عن الصحوة الإسلامية قد راق للدولة الإيرانية الخمينية فها هي تستضيف بين الحين والآخر مؤتمرات تدعو إليها المئات أو العشرات من بلدان عربية وإسلامية بعدما وجدت أنه يحقق لها الكثير مما كان يصعب عليها تحقيقه قبل أن يتفتق ذهن القائمين على الملحقيات الثقافية الإيرانية التابعة لسفاراتها في هذه البلدان عن فكرة إنشاء مجمع الصحوة الإسلامية وعقد مؤتمراته المتتالية التي بلغت وخلال ثلاثة أعوام تقريبا نحو ستة مؤتمرات تناولت العديد من القضايا واستهدفت العديد من الفئات أهمها العلماء والباحثين والشباب والنساء وأساتذة الجامعات فضلا عن النشطاء السياسيين الذين وبطبيعة الحال حملت كلمات الكثير من المشاركين منهم عبارات المدح والإشادة بالدور الإيراني الذي تلعبه من أجل الحفاظ على الصحوة وفق تصورها وهو الأمر الذي لم يكن ليتحقق بهذه الصورة حتى لو بذلت أضعاف أضعاف ما تنفقه على مثل هذه المؤتمرات من أموال إذ ليست العبرة بكمّ الأموال ولكن بكيفية الإنفاق.

إذ رغم أن الجماعات والقيادات السنية التي تشارك في المؤتمر هي جماعات هامشية لا تأثير حقيقيا لها على أرض الدعوة الإسلامية، إلا أن إيران تدرك أهمية الصدى الإعلامي مع الزمن لهذا الشعار "مؤتمر الصحوة الإسلامية".

وتأتي أهمية مؤتمر الصحوة الإسلامية السادس الذي عقد في العاصمة الإيرانية "طهران" يومي الحادي عشر والثاني عشر من مارس 2014م تحت عنوان "الدور العالمي الإسلامي في هندسة القوى العالمية" كونه المؤتمر الأول الذي يأتي بعد التطورات الشديدة التي شهدتها المنطقة العربية مؤخرا والتي كان أبرزها إسقاط الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي فضلا عن بعض الخطوات والقرارات السياسية التي صدرت في كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمتعلقة ببعض الحركات والجماعات الإسلامية داخل هذه البلدان وخارجها، إذ جاء هذا المؤتمر وبعيدا عن تقييم المواقف السياسية لهذه البلدان وكأنه ردة فعل على بعض هذه المواقف التي تحسن إيران دائما لعبة استغلالها والاستفادة منها بما يحقق مصالحها الخاصة ولو بشكل مرحلي وبطيء، فهي بهذا المؤتمر تحاول مجددا لفت انتباه الكثيرين باعتبارها الحاضن الأمين لجماعات الصحوة الإسلامية السنية منها والشيعية.

كما يأتي هذا المؤتمر بعد أسابيع من نجاح الدولة الخمينية في إقناع الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية بالدخول معها في لعبة التفاوض والحوار فيما يخص برنامجها النووري ومن ثم التراجع عن فكرة توجيه ضربة عسكرية في مقابل أن تقدم إيران كافة الضمانات للتأكيد على سلمية هذا البرنامج وهو الأمر الذي ربما يتنافى إلى حد كبير مع اللغة العنترية التي طالما تشدق بها قادة إيران السياسيون وعلى رأسهم الرئيس السابق أحمدي نجاد الذي ردد كثيرا وخلال كلمات سابقة بأحد مؤتمرات الصحوة بأن أمريكا ستنتهي وهو ما يوجب على الإدارة الإيرانية أن تتواصل مع المتعاطفين معها من المشاركين في مؤتمرات الصحوة لكي توضح وتفسر الموقف السياسي الجديد فضلا عن محاولتها أن تظهر للعالم الإسلامي أن علاقاتها وانفتاحها الوشيك مع العالم الغربي هو في إطار تمثيلها للقوى الإسلامية وتأثيرها على صنع القرار الدولي وأن سياسة الجمهورية الإسلامية ساهمت في تحقيق توازن بين القوى الدولية.

ولا تغفل إيران مطلقا عن طرح قضية الفتن الطائفية والمذهبية في كل مؤتمراتها لتبدو وكأنها الدولة الإسلامية التي تحرص على لمّ شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم وهو ما أشار إليه مستشار قائد الثورة الإسلامية والأمين العام لمجمع الصحوة الإسلامية علي أكبر ولايتي حيث شدد على ضرورة الوحدة بين المسلمين ونبذ الفرقة والاختلاف وفضح مؤامرات الأعداء مشيرا إلى مساع لإذكاء الفتن الطائفية والمذهبية.

ويعجب المرء أيما عجب من هذا السلوك الإيراني البرجماتي الذي لا يحتوي على الحد الأدنى من الحياء إذ وفيما يخص الجانب الأول كيف لإيران أن تواصل ادعاءها بالحديث عن تبنيها للصحوة الإسلامية وترديدها بأن ربيع الثورات العربي إنما يستمد زخمه من تجربتها الثورية مستلهما أحداث الثورة الخمينية عام 1979م وبأن هذا الربيع الثوري إسلامي في الوقت الذي لم يعد خافيا على أحد ذلك الدور الإيراني الذي لعبته طهران في إضعاف الرئيس المصري المعزول الدكتور محمد مرسي والمنتمي تنظيميا إلى جماعة الإخوان المسلمين التي كانت وربما حتى اللحظة تعد أهم فصيل إسلامي يدعو للتقارب مع الدولة الإيرانية وذلك عبر دعمها لبعض الحركات والفصائل السياسية المختلفة مع مرسي وتمردت عليه والتي لم تكن – بكل أسف – ضمن صفوف الحركة الإسلامية على المستوى الفكري فهي وكما يعلم الجميع هي حركات ناصرية وقومية؛ وأيضاً عدوانها السافر على الثورة السورية بدعم نظام بشار بالرجال والسلاح والمال.

لكن يبدو أن إيران تدرك جيدا أنه وكالعادة فإن العالم العربي بحركاته الإسلامية السياسية منها والدعوية ما زال مصابا بمرض سرعة النسيان إذ وعلى الرغم مما ارتكبته الدولة الإيرانية بحق بعض أعضاء الجماعة الإسلامية المصرية والجهاديين الذين لجأوا لها زمن صراعهم مع الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك وبعد أن استخدمتهم كأحد أوراق الضغط عليه وتشويه صورته خارج البلاد سرعان ما أطاحت بهم وعرّضتهم للكثير من الانتهاكات متمثلة في الاعتقالات والطرد وأشكال أخرى كنا قد أشرنا إليها في مقال سابق والتي بات يعرفها القاصي والداني .. نقول إنه وعلى الرغم من ذلك إلا أن إيران استطاعت أن تواصل خداعها للكثير من الأطراف الإسلامية مصورة أنها هي حامية حمى الحركة الإسلامية وحاضنة الجميع.

وتدرك طهران كذلك أنه وعلى الرغم من الدور القذر الذي لعبه رجالها في العراق بحق الفلسطينيين هناك حيث تقتيلهم وتشريدهم بلا رأفة أو رحمة فضلا عن الموقف المتشدد الذي اتخذه الرئيس السوري بشار الاسد الحليف الإستراتيجي لطهران ضد الفلسطينيين في سوريا حيث حملهم مسئولية اندلاع الثورة السورية في بدايتها، ثم إبادة قواته وميلشيات إيران للفلسطينيين في مخيم اليرموك بالقصف والحصار والتجويع .. على الرغم من ذلك فإن فصائل المقاومة الفلسطينية تواصل ارتباطها بطهران بل وتستبدلها في الكثير من الأحيان بغيرها من البلدان العربية متجاهلة أن الدعم الإيراني لهذه الفصائل لا يتجاوز حد كونه مجرد وسيلة لابتزاز الشعوب العربية والإسلامية.

وينقلنا ذلك بطبيعة الحال إلى تفنيد الهدف الثاني الذي تسعى طهران لتحقيقه من مؤتمرها الأخير والمتعلق بالانفتاح عن الغرب كونه محاولة للتأثير على صنع القرار الدولي باعتبارها ممثلا عن العالم الإسلامي وهنا يطرح التساؤل نفسه: من الذي صور لطهران أنها ممثل أو وكيل عن العالم الإسلامي؟ ألا تدرك طهران أنها هي نفسها بسلوكها أحد أهم المشكلات والتحديات التي يعانيها العالم الإسلامي؟

لقد أصبح جليا للجميع أن طبيعة الصراع بين إيران وبين القوى الغربية ليس صراع قيم أو مبادئ بقدر ما هو صراع نفوذ ومصالح، ولعل النظر العميق في مسار العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية طيلة العقود الماضية وحتى اللحظة يكشف لنا عن الكثير من طبيعة هذا الصراع فإيران التي هي الداعم الأقوى والرئيسي لنظام بشار الأسد لم تحث دمشق ولو لمرة واحدة على التحرك ولو لخطوة واحدة لتحرير هضبة الجولان المحتلة منذ ستينيات القرن الميلادي الماضي، وإيران التي هي الممول الرئيسي أيضا لحزب الله اللبناني لم تدفع بالحزب ولو لمرة واحدة إلى أن يقبل في صفوفه مجاهد واحد من أهل السنة بل احتكر الحزب لنفسه ما أسماه بعمليات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني دون أن يسمح لآخرين من السنة أو حتى من الشيعة من غير الموالين لطهران بأن يطلقوا ولو رصاصة واحدة باتجاه تل أبيب فالمقاومة ووفق تصور هؤلاء لابد وأن تكون لشيعة إيران والموالين لها في لبنان وغير لبنان ما يعني أمرا واحدا هو أن المقاومة المزعومة ليست إلا جزءا من مخطط يتجاوز حدود الصراع مع الكيان الصهيوني.

أما فيما يتعلق بقضية الفتن الطائفية والمذهبية فإن إيران التي تستضيف مؤتمرات تناهض الفتن المذهبية وتقيم أخرى عن الوحدة الإسلامية والتقارب بين المذاهب أبعد ما تكون عن إثارتها أو التورط في دعمها وإذكائها ومن ثم فإن الآخر – أهل السنة – هو المتهم بارتكاب هذا الجرم وبالتالي فإنه مطالب بأن يتوقف عن معاداته للشيعة الذين يجب أن ينالوا حقوقهم وأن تتاح لهم فرصة التحرك لنشر دعوتهم بين الناس دون عوائق أو تحديات.

ومرة أخرى تراهن إيران على سرعة النسيان وتحاول أن تستغفلنا فننسى ما يحدث لأهل السنة في  إيران من أهل منطقة الأحواز الذين يعانون الويلات من قتل واعتقالات بلا محاكمات ليس إلا لأنهم أصروا على أن يواصلوا الدفاع عن حقوقهم في ممارسة تعاليم دينهم وفق اعتقاد أهل السنة.

والأعجب أنه وعلى الرغم من كل هذه الضجة التي أثيرت حول ما يعانيه أهل هذه المنطقة من السنة في إيران إلا أن الدولة الخمينية لم تجرؤ ولو لمرة واحدة على أن تسمح لأي وفد من الوفود التي تدعوها سواء للمشاركة في أحد مؤتمراتها الكثيرة أو تلك الوفود التي تقوم بزيارات سياحية للتعرف على إيران وثقافتها بأن يقوم هذا الوفد أو ذاك بزيارة خاصة لمنطقة الأحواز واللقاء بقيادات سكانها للتعرف على مطالبهم أو مشكلاتهم الحقيقية وما يتعرضون له من انتهاكات على يد السلطات الإيرانية ذلك لأنها تريد أن تظل الدولة المدافعة عن حقوق المسلمين الرافضة للفتن المذهبية والطائفية الداعمة للمقاومة ضد الإمبريالية الغربية والصهيونية دون أن تكشف عن وجهها الحقيقي الذي هو ليس إلا أسد مفترس على المسلمين من أهل السنة.

ولا يفوتنا أيضا أن نتوجه بالحديث المباشر لمستشار قائد الثورة الإسلامية الذي كان حريصا على التأكيد على وحدة المسلمين ونبذ الفتنة المذهبية سائلين إياه: هل من الوحدة دعم إيران للحرب الدائرة في اليمن وهل من الوحدة الاستمرار في إثارة الفتن المذهبية في العديد من البلدان الخليجية وهل من الوحدة استمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث والادعاء بأن البحرين محافَظة إيرانية فضلا عن دعم الميليشيات المسلحة في العراق وقتل الناس على الهوية.

على كل فقد عقد المؤتمر السادس للصحوة لكنه هذه المرة لم يصاحبه ذلك الزخم الإعلامي الذي كان يحظى به المؤتمر في المرات السابقة وهو ما يشير بقوة إلى أن المسألة باتت مكشوفة لدى الكثيرين وربما أدركت أيضا إيران أنه وفي ظل هذه الأجواء لن يكون للمؤتمر جدواه السابقة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق