من مخططات المالكي للحصول على ولاية ثالثة
الأثنين 31 مارس 2014

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

خاص بالراصد                    

بعد أيام، وفي شهر إبريل/ نيسان يحين موعد الانتخابات البرلمانية في العراق، وقبيل كل انتخابات يعيش العراق أجواء خاصة من التوترات السياسية والأمنية، أما هذه الانتخابات فلها طعم خاص، فرئيس الوزراء نوري المالكي يريد ولاية ثالثة، تمهيدا للتربع على عرش العراق إلى قطع النفس (كما يقول أهل العراق).

وشخصية نوري المالكي تحمل صفات متعددة، فهو شيعي طائفي من حزب الدعوة([1])، نجح بإقامة علاقات متوازنة بين الأمريكان والإيرانيين، وهو شرط لأي حاكم ليكون مؤهلا لحكم العراق أن ينقسم ولاؤه بين هذين القطبين.

لكن المالكي ولغاية أشهر مضت كاد أن يدب إليه اليأس بالحصول على ولاية ثالثة؛ لذلك كانت كل المؤشرات تشير إلى أنه قرر أن يحرق العراق كي يؤجل الانتخابات، إلا أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية الأخيرة، كانت مع إقامة الانتخابات؛ لذلك اضطر المالكي إلى تغيير سياسته بمعونة إيران، وعمل منذ أشهر على إقامة الانتخابات، ومن ثم التخطيط لنيل ولاية ثالثة، واختار الحفاظ على الوضع الراهن مُتخوفاً من فقدان السلطة إذا أقدم على تغييرات جذرية حاليا.

ولا يزال المالكي يمتلك القدرة على التأثير في الانتخابات القادمة وذلك عبر استخدام موارد الدولة والتأثير السياسي وسيطرته على الجيش، لكنّ الذي يعكر عليه الأمور أن خصومه في تزايد مُستمر؛ لأنه لا يقدّم لخصومه من السنة والشيعة أي تنازل، فهو مثلا بدلاً من إعطاء السنة تنازلات سياسية حقيقية، سعى إلى تشكيل تحالف جديد مع بعض الأحزاب السنية التي من الممكن استيعابها بسهولة (المطلك – جمال الكربولي- بعض نواب القائمة العراقية بصورة منفردة - والصحوات)، وهذا هو ديدنهه في السياسة مع خصومه من السنة والشيعة يخترق خصمه باستخدام المال والإغراء على السلطة لتفكيك الخصم وإضعافه، وكذلك وقف ضد المكونات الشيعية داخل الائتلاف الوطني، وأخترقه محاولا إضعافهم لأنه يشعر بخطورة قيام تحالف جديد بين التيار الصدري ومجموعات الحكيم على مستوى الحكم المحلي (المحافظات الشيعية) قد يتسبب في تهديد وضع المالكي باعتباره "وكيلاً عن الشيعة" بل من الممكن أن ينهي حكمه وإلى الأبد. هذا على سبيل العموم أما تفصيلا فإن مخطط المالكي مع المكونات العراقية هو على الوجه الآتي:

الأكراد: تراجع المالكي عن التنازلات التي قدمها لهم بعد أن شعر برغبة الأكراد الحقيقية بتغييره، فعاد وافتعل مشكلة شركات النفط والتصدير إلى تركيا، واضطر لعقد صفقة مد أنبوب نفط البصرة (نفط الجنوب) عبر الأردن كي يُشعر تركيا والأكراد أن هناك منفذا آخر أكثر أمنا لنفطه بعيدا عن منفذ الشمال وتركيا، هذا التهديد للأكراد ربما يجعل بعضهم يتعاضد مع المالكي، وأقربهم لهذا الفعل هو مسعود برزاني؛ لأنه يتعرض لضغوط  كردية للتخلي عن رئاسة الأقليم، وربما يساومه المالكي على منصب رئاسة العراق بدلا من جلال طالباني (الميت سريريا في ألمانيا)، ويعتقد بعض المحللين أن الأكراد سيكونون مع القادر على تكوين التحالف الأكبر، ولذلك ربما سيقفون مع المالكي بعد الانتخابات.

الشيعة: أحس المالكي أن حصة تحالف المجلس الأعلى بقيادة عمار الحكيم ومقتدى الصدر مع بعض المكونات الشيعية الصغيرة تتزايد في الوسط الشيعي وقد تحقق رقما انتخابيا أكبر من قائمته (دولة القانون) كما فعلت في انتخابات مجالس المحافظات. فعالج هذا التقدم بعدة أمور:  

-         افتعل حرب الأنبار ليؤجج مشاعر الشيعة وأنه هو من يحميهم من الإرهاب السني.

-        سبق ذلك بتصريحات طائفية بأنه يحارب يزيد وأعوانه، وأنه ينصر الحسين في ثورته، والشيعة في الغالب شعب جاهل يسير وراء التشنجات الطائفية.

-        استطاع المالكي أن يشتري ولاء الميليشيات (ثأر الله، وحزب الله العراق، وعصائب أهل العراق) ومن ثم أطلق لها العنان وبعض هذه الكتائب كان محسوبا على التيار الصدري واستطاع المالكي سحبها منه وإضعاف بعض قواعد التيار الصدري، والخلاصة أن المالكي يشتري أصوات الشيعة بدماء السنة.

-        سهّل للميليشيات المؤدلجة الذهاب إلى سوريا وتكوين فصائل هناك مثل كتائب أبي الفضل العباس، وهذا عملٌ يرضي فيه إيران في نفس الوقت.

-        أخيرا ضرب التيار الصدري بشمول بعض شخصياته بقانون الاجتثاث، وكذلك بعض الشخصيات الشيعية المستقلة التي تعارض حكمه، كما فعل مع النائب صباح الساعدي.

-        وللمالكي داخل الشيعة أنصار كثر من الدعاة الشيعة ومن عوائل الشهداء والمتضررين من النظام السابق والخائفين من عودته، والمناوئين للتيار الصدري والمجلس الأعلى، ومن عموم الشيعة غير المتحزبين الذين يرون فيه أفضل الموجودين، ومن الذين حصلوا على امتيازات مثل المنح والدمج والأراضي والسجناء السياسيين والهجرة والمهجرين، ومنتسبي القوات المسلحة من الجيش والشرطة الذين يرون فيه راعيا لهم ويخشون من تغييره لأنهم قد يفقدون امتيازاتهم أو حتى وظائفهم.

-        الأمر الآخر الذي يصب في صالح المالكي إعلان مقتدى الصدر اعتزاله للسياسة وإغلاق مكاتبه السياسية والاجتماعية، وهذا يرفع الغطاء عن كل مجموعة التيار الصدري السابقة ممن فازوا سابقاً باسم الصدرين (محمد باقر- محمد صادق) لأن عليهم اليوم أن يترشحوا بأسمائهم وجهدهم الشخصي أو أن يتكتلوا في كتلة جديدة لا تلتحق باسم الصدر وهذا مما سيفقدهم كل الجمهور الصدري الموالي للصدرين.

 

السنة: عمليا قرر المالكي أن ينهي الاعتصامات السنية التي بقيت صامدة لمدة عام؛ لذا شرع بعد رفع الخيام من الأنبار وعلى الفور بالهجوم على بعض رموز الحراك، حيث هاجمت قوة من (سوات) بكل ما تيسر لها من أسلحة خفيفة ومتوسطة منزل النائب الدكتور أحمد العلواني، الأمر الذي أدى إلى غضب عارم لأهالي الأنبار إلى تردي الوضع الأمني، وبهذا تنصل المالكي من تنفيذ المطالب السنية وهذا ما كان يريده المالكي تحديدا، وكذلك أراد كسر شوكة العشائر الأنبارية السنية، وعموم سكان محافظة الأنبار؛ لأنه لم يكن بوسعه مهاجمة ساحة الاعتصام بقوة السلاح أمام أنظار العالم.

وهذا السيناريو – في بداية الأمر- حقق هدف المالكي الأهم والأكبر وهو إما تأجيل الانتخابات البرلمانية في محافظة الأنبار أو إجراؤها في ظروف لا تسمح بالمشاركة الكثيفة فيها وتفويت الفرصة على سكان الأنبار في اختيار ممثليهم الحقيقيين للدورة البرلمانية القادمة، ويتيح للمالكي اجتناب ما حدث في الانتخابات التشريعية السابقة في عام 2010، عندما أصيب بصدمة كبيرة بعد فوز القائمة العراقية بـ (91) مقعدا وتفوقها على قائمة التحالف الوطني([2]).

كما أن المالكي نجح في شراء العديد من الأصوات السنية من قبيل صالح المطلك ومجموعته، وحركة الحل بقيادة الدكتور جمال الكربولي؛ لذا هؤلاء سيساندون المالكي في حالة  تكوينه لأي تجمع بعد الانتخابات.

كما استطاع المالكي باختراقه القاعدة (داعش وأخواتها) أن يكثر من التفجيرات العشوائية في المناطق الشيعية ليثير العراق، ويظهر بمظهر المنقذ للشيعة والمحارب للإرهاب أمام العالم، وليصفي أكبر عدد من المعارضين السنة أو يحاربهم بحجة الإرهاب.

هذا على الصعيد الداخلي؛ أما خارجيا فهو يعلم أن الحسم الحقيقي في العراق هو خلاصة اتفاق أمريكي إيراني، ولما كان المالكي يعلم أن ايران ترغب ببقائه لأنه صديق مشترك بينها وبين الأمريكان ولا تريد المجازفة بمجيء غيره قد لا يكون مرغوبا لديهم.

ولضمان التأييد الإيراني وقع مع إيران صفقة شراء أسلحة وذخائر قيمتها 195 مليون دولار، وأعلن عن توقيع ستا من بين ثماني اتفاقيات مع هيئة الصناعات الدفاعية الإيرانية لتزويد العراق بأسلحة خفيفة ومتوسطة ومدافع مورتر وذخائر للدبابات والمدفعية، في مخالفة صريحة للحظر الدولي على مبيعات السلاح الإيرانية.

لكن المالكى رغم تنازلاته المالية للإيرانيين، والتي أدخلت العراق في أزمات كبيرة، لا زال قلقا بشكل واضح؛ لذا فقد أعد لعدة أمور ضمانا لفوزه منها أنه يريد تصويت الجيش والشرطة له، كما أنه يعدّ لعمليات تزوير ضخمة.

والسؤال الأخير: هل ينجح المالكي بنيل ولاية ثالثة، هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

 



[1] - من المؤسف أن كثيرا من مغفلي السنة كانوا لا يعدون حزب الدعوة حزباً شيعياً متطرفا، حتى سنة 2005.

[2] - لم يكن بوسع المالكي البقاء في الحكم لولاية ثانية لولا أمرين اثنين:

الأول: صدور قرار غريب وعجيب من (القضاء) - الخاضع لهيمنته والذي يفسر بنود الدستور حسب أهواء الحاكم ومصلحته – حيث نص القرار على أن الائتلاف الفائز في الانتخابات هو الائتلاف الذي يتشكل بعد الانتخابات لا قبلها وهو أمر لا سابقة له، ليس في العراق ولكن في العالم بأسره.

الثاني: اتفاقية أربيل، الذي تنصل منها المالكي في الجلسة الأولى للبرلمان. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق