خطايا قانون الأحوال الشخصية الجعفري
الأثنين 31 مارس 2014

 د. أيمن هرموش – كاتب سوري

 

لعل قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي أصدره وزير العدل العراقي حسن الشمري الشيعي، عضو كتلة الفضيلة في البرلمان العراقي، يعد أحد مشاهد ترسيخ الطائفية في الساحة العراقية، وقد تضاربت آراء العراقيين حول هذا القرار بين مؤيد ومعارض له، وما يهمني هنا هو مناقشة مواد هذا القانون، ومدى تأثيره على الحياة العراقية العامة.

أولاً: القوانين الطائفية

هناك من انتقد القانون من ناحية سياسية، واعتبره تشريع قانون للطائفة الشيعة ولا شك سيكون مثله للسنة وثالث لغيرهم وهكذا، واعتبروا ذلك ترسيخا للطائفية وتقسيما للشعب العراقي المنقسم أصلاً مما يزيد الجو الطائفي توتراً ويزيد الطين بلة كما يقال.

وقد تكون وجهة نظر سياسية فيها من الواقعية والصواب، لكن بنظرة شرعية ومنطقية لا أرى أي مشكلة في تشريع قانون للأحوال الشخصية لكل طائفة، بل ربما هذا الأفضل، لأن كل طائفة لها خصوصياتها وأحكامها ولا يمكن أن تُؤسَّسَ أسرةٌ من طائفة معينة على منهج طائفة أخرى، كما لا يمكن أن يتزوج مسلم على أحكام المسيحية والعكس أيضاً، لهذا أرى في الأحوال الشخصية من الخير أن تنفرد كل طائفة وكل دين بقانونه، كما ينفرد كل دين وكل طائفة بمكان عبادته وبزيه وطقوسه، وليس في هذا توتر أو مشكلة طائفية، لأن التنوع وما يتفرع عنه من اختصاص كل طائفة بعباداتها وطقوسها ودور عبادتها أمر واقعي لا يمكن تجاهله، ولكن الطائفية تصبح مشكلة ومرضاً عندما تتحول إلى سلوكيات عدوانية وإرهابية لتظلم وتقصي الطوائف الأخرى، وهذا لا علاقة له بتميز كل طائفة بقانونها أو عباداتها والله أعلم.

ولهذا لست معترضاً على القانون من هذه الناحية، كما أنه ربما يقال: هو قانون شيعي، والشيعة يرضون به، وأنت سني ولن يتأذى أهل السنة منه فما لك ولهذا القانون؟ وكذلك ليس النقد له من هذه الزواية، وإنما اعتراضي على القانون أنني لم أجد في كثير من مواده تحقيقاً للغاية التي تشرع القوانين من أجلها، ولعله من المسلم به أن أي قانون يهدف لتحقيق غايتين أساسيتين:

1-  أن يحرس الفضيلة والقيم النبيلة في المجتمع.

2-  وأن يحقق العدل بين الناس.

ولقد رأيت في هذا القانون تشجيعا وتهيئة لجو الرذيلة، وظلما في كثير من مواده وللمرأة خاصة، ومن هذا المنطلق أناقش القانون وأنتقد ما فيه.

ثانياً: النسبة لجعفر الصادق

أول ما يسترعي الانتباه هو تسمية القانون بأنه قانون الأحوال الشخصية الجعفرية، أي هو على المذهب الجعفري، والحقيقة أن نسبة ما في هذا القانون بل وما في المذهب الجعفري لجعفر الصادق نسبة مكذوبة مغلوطة، بل هو كنسبة دين الشيعة إلى أهل البيت رضوان الله عليهم، وأهل البيت بريئون من هذا الدين، وجعفر الصادق بريء من هذا الفقه، براءة المسيح ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله.

ولا شك عندنا في فقه جعفر الصادق نفسه وإمامته وعلمه، بل هذا شهد به أهل العلم، وفضله لا يُنكر، لكن أن يكون فقهه وعلمه هو ما عليه الشيعة اليوم فهذا الكذب المحض والافتراء العظيم، ولعل بيان براءة جعفر الصادق من فقه الجعفرية الشيعة يحتاج إلى مقالات، وربما أفعل ذلك قريباً بإذن الله تعالى.

وإليك قارئي الكريم الآن نقد هذا القانون في المحاور التالية:

ثالثاً: حماية للرذيلة

هناك بعض المواد التي تضمنها القانون ترى فيها فسحة كبيرة لانتشار الزنا، وعلى سبيل المثال:

1-   جاء في تعريف الزواج: ((المادة (42) :النكاح (الزواج) هو رابطة تنشأ بين رجل وامرأه تحل له شرعاً)).

لو تأملت هذا التعريف سترى فيه قصورا واضحا عن بيان حقيقة الزواج، فهو يعرفه بأنه رابطة تنشأ بين رجل وامرأة، وكلمة رابطة تشمل كل أنواع العلاقات سواء كانت عقدا أو لقاء، فعندما يعقد الرجل على زوجته بعقد زواج هو رابطة، وعندما تنشأ علاقة صداقة أو زمالة تفضي إلى متعة جنسية هي رابطة، لذلك كلمة (رابطة) تفسح المجال لكل العلاقات، فلا بد من تحديدها بأنها عقد.

كما أن كلمة عقد لازمة وليست كافية لأن زواج المتعة عقد، وزواج فرند عقد، والزواج العرفي عقد، لذلك لا بد من تقييد كلمة عقد بالصفات التي تميز عقد الزواج الشرعي عن غيره، وعادة العلماء إذا كانت الصفات المميزة كثيرة اختصروها في التعريف بقولهم بشروط مخصوصة، ويمكن أن تكون هذه العبارة كافية هنا، فيقال: النكاح عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعا بشروط مخصوصة.

ومع أن المادة التي بعدها فصلت في شروط الزواج لكن يبقى العيب أن التعريف قاصر عن تحديد المراد فليس مانعا من دخول غيره به، ومن شروط التعاريف أن تكون جامعة مانعة، فالتعريف السابق شامل وصادق على كل علاقة جنسية تنشأ بين رجل وامرأة.

2-   شروط الزواج: ((المادة (43) تتوقف صحة عقد النكاح على الشروط الآتية.

أولا: توفر الإيجاب والقبول اللفظيين.

ثانيا: تقديم الإيجاب على القبول.

ثالثا: الموالاة بين الإيجاب والقبول.

رابعا: تنجيز العقد وعدم تعليقه على أمر مستقبلي.

خامسا: أن يكون العاقد قاصدا لمعنى العقد بنحو الحقيقة والجدية، فلا صحة لعقد الهازل والساهي والسكران ونحوهم ممن لا قصد له معتد به.

سادسا: أن يكون العاقد بالغا عاقلا، فلا يصح عقد المجنون ولا عقد الصبي المميز لنفسه بدون إذن الولي (الأب والجد لأب).

سابعا: رضا الزوجين واقعا.

ثامنا: تعين الزوجين على نحو يمتاز كل منهما ويتحدد باعتباره طرف العقد والمعني به، سواء أكان التعيين بالاسم أو الوصف أو الإشارة وغيرها)).

من المفترض بهذه المادة أن تستجمع الشروط التي تزيل النقص في المادة السابقة، لكن هذه الشروط خلت من أهم شرطين، يميزان الزواج عن غيره من العلاقات، وهما الولي والشهود.

1-  الولي: فلا عبرة للولي في زواج البكر البالغة الرشيدة ولا إشارة لحقه في الاعتراض على زواج ابنته إن لم يكن راغباً به، بل وربما ليس له الحق في التدخل في بعض الحالات ففي المادتين التاليتين:

((المادة (53): البالغة الرشيدة البكر سواء أكانت مالكة لأمرها ومستقلة في شؤون حياتها أم لا، فليس لأبيها ولا لجدها لأبيها أن يزوجها من دون رضاها. ويحق لها أن تتزوج مع إذن أحدهما.

المادة (54): يسقط اشتراط إذن الأب والجد للأب في صحة زواج الباكر الرشيدة في حال منعاها من الزواج بكفؤها شرعا. أو إذا اعتزلا التدخل في أمر زواجها، أو إذا غابا بحيث لا يعرف لهما مكان ولا عنوان)).

فيبدو أن للولي اعتباراً في حالة واحدة وهي لو كانت البكر راغبة بالزواج من غير كفؤ فينظر لإذنه هنا، وأما لو كانت راغبة بالزواج من كفؤ أو اعتزل وليها أمرها فهي حرة بنفسها، ولا شك أن انفراد المرأة بقرار نفسها مهلكة لها لا سيما وهي بكر، لبعدها عن المعرفة بخبايا الرجال وطبيعة الحياة الزوجية.

وقد يُقال وفي الفقه الحنفي يجوز للمرأة أن تزوج نفسها بدون ولي أمرها، وهذا صحيح ومع أن ما ذهب إليه الحنفية مخالف للنص ويبدو مرجوحاً، لكنه يخالف الشيعة من حيث أن لولي الأمر أن يعترض عند الحنفية لو زوجت نفسها من غير كفؤ عند الجميع، وكذلك لو زوجت نفسها من كفء بمهر قاصر عند أبي حنيفة، على أن بعض الحنفية كمحمد ذهب إلى رأي الجمهور من اشتراط إذن الولي في الزواج بكل صوره([1]).

ومن ناحية ثانية لا بد من الشهود عند الحنفية قولا واحدا مما يجعل من الزواج معلنا وبيناً وليس في القضية إلا أنهم منحوا للبالغة العاقلة الحق في نفسها وجواز مباشرة العقد عن نفسها، لكن في هذا القانون اجتمع مع ترك شرط الولي عدم الشهود فصار الأمر خطيرا، وسأبينه في النقطة التالية:

2-  الشهود: وكذلك خلت المادة من ذكر الشهود ولم تأت إشارة لهم في مادة غيرها، مما يبدو واضحاً أن الشهود لا قيمة لهم في عقد الزواج أبداً، وقد يقال: وعند المالكية أيضاً لم يشترط الشهود على عقد النكاح، والجواب أن مذهب المالكية اعتبر الشهود شرط تمام وليس شرط صحة، أي لا يشترط وجودهم عند العقد بل يجوز بعده، ولكن لا يجوز الدخول من غير إعلان، وإن وجد الشهود عند العقد استحب الإعلان، بل لو شرط الزوج على الشهود الكتمان لم تصح شهادتهم، يقول ابن رشد: "وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ شَرْطُ تَمَامٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ؟ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ السِّرِّ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ، وَوُصِّيَا بِالْكِتْمَانِ - هَلْ هُوَ سِرٌّ؟ أَوْ لَيْسَ بِسِرٍّ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ سِرٌّ، وَيُفْسَخُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِسِرٍّ"([2]).

والمصيبة في هذا القانون أنه خلا من الشرطين مجتمعين، فلا ولي ولا شهود، وهذه الصورة لم يقل بها أحد من فقهاء السنة، وهنا الطامة، فإذا كان النكاح يجوز حسب هذا القانون بلا ولي ولا شهود، فالباب أصبح سهلا وميسرا للزنا، فتصور أن رجلاً فقد ابنته وغابت عن البيت ثم بعد يومين وجدها في شقة مع رجل فقالت له إنه زوجي، وتصور لو أن الشرطة ألقت القبض على رجل وامرأة في شقة وادعى أنها زوجته وادعت أنه زوجها، فالمسألة انتهت ولا شيء عليهما حسب القانون، بل لقد صرح القانون أن مجرد إقرار الزوجين بزواجهما يكفي حسب المادة (49):

(( تثبت الزوجية بالآتي: أولا: بالإقرار فلو ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بها يحكم بثبوتها)).

ولك أن تتأمل حال المصائب التي يمكن أن يحميها هذا القانون، فما أيسر الزنا لأنه لن يمكن تجريمه فما أيسر ادعاء الزوجية بينهما مادام الأمر لا يتطلب ولياً ولا شهوداً، اللهم إلا إن زنت المرأة المتزوجة.

بل ما أحلاه من قانون للشباب والشابات في الجامعات والمعاهد حيث يسرح ويمرح كل واحد منهما ولا سلطة للقانون عليهم فكل علاقاتهم تتستر بعباءة الزوجية.

إن ما عليه فقه أهل السنة من اشتراط الولي والشهود لهو صورة راقية في الحفاظ على كرامة المرأة وعفتها، فلا تمتد إليها يد رجل إلا عن طريق وليها، وبعد أن يعلم الناس أنه صار زوجا لها وصارت زوجة له من خلال الإشهاد.

3-  التأبيد: ويضاف للشرطين السابقين أن العقد خلا من شرط التأبيد، وهو لا شك ينسجم مع فقه الشيعة حيث يجيزون نكاح المتعة، ولن أطيل هنا فنكاح المتعة لا تخفى عواقبه السلبية على المجتمع.

 

رابعاً: مخالفة للنصوص

ومما تضمنه هذا القانون مواد تخالف نصوصاً صريحة، ومن ذلك:

1-  الزواج من الكتابية.

تقول المادة (63): ((لا يصح نكاح المسلمة من غير المسلم مطلقا. ولا يصح نكاح المسلم نكاحا دائميا من غير المسلمة مطلقا والمرتدة عن الدين الإسلامي)).

وهنا ملاحظتان: الأولى: تحريم نكاح المسلم من غير المسلمة في النكاح الدائم، وهذا يشمل الكتابيات، وهو مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى:

(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ))([3]).

الثانية: جواز نكاح غير المسلمة في نكاح المتعة، وهذا يشمل الكتابية وغير الكتابية مهما كان دينها.

الثالثة: التفريق بين النكاح الدائم والمؤبد، فما هو المعتمد والمستند على التفريق بينهما في قضية الزواج من غير المسلمات.

فهذه المادة تشجع على زواج المتعة بما تقدمه من تسهيلات فيه وتشديد في المؤبد، فلو نشأت علاقة حب بين مسلم وكتابية، فسيجدان الباب مسدوداً في النكاح المؤبد، مما يضطرهما لنكاح المتعة، فهل هذا القانون تشجيع ودعوة للمتعة وتقديمها وتفضيلها على المؤبد؟؟

2-  عدة الصغيرة واليائسة: تقول المائدة (154): ((إذا طلقت المرأة من زوجها وجب عليها الاعتداد فترة معينة  ولا يصح لها الزواج من غيره قبل انقضائها. ويستثنى من وجوب الاعتداد الحالات الآتية:

1-  المرأة التي لم يدخل بها زوجها.

2- الصغيرة التي لم تكمل (9) سنوات هلالية من عمرها وإن دخل بها الزوج.

3- اليائسة التي انقطع دم الحيض ولا تعتقد عودته لكبر سنها ببلوغها (50) سنة، حتى وإن كان مدخولا بها)).

إن البندين الثاني والثالث مخالفان للنص القرآني الصريح في قوله تعالى:  ((وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ))([4])، وأظن أن الآية صريحة ومحكمة بحيث لا تقبل فهمين للنص، فما أدري وجه ترك هذا النص الصريح، كما أن تحديد الصغر بتسع سنوات تهكم لا معنى له ولا دليل عليه، فإن كانت العبرة بالحيض فكثير من النساء تتجاوز هذا السن ولا تراه، وإن كانت العبرة بالتمييز فهو أقل منه، وإن كانت العبرة بتحمل الوطء فما دخل ذلك بالعدة على فرض صحة هذا التقدير؟

3-  الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: تقول المادة (64): ((لا يصح نكاح البنت، على عمتها وإن علت أو على خالتها وإن علت نسبيات كن أم رضاعيات، إلابعد استحصال موافقة العمة والخالة)).

وأول ملاحظة أن اشتراط الاستئذان ما معناه؟ وما دليله؟ ففي الحديث المتفق على صحته ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا)).

فإن أخذ بالحديث فالجمع محرم مطلقاً، وإن لم يؤخذ به فالجمع حلال مطلقاً، فمن أين جاء التقييد بإذن العمة أو الخالة، والملاحظة الثانية هي التفريق بين العمة والخالة وبين بنت الأخ والأخت، فلم اشترط إذن العمة والخالة لو أريد الزواج ببنت الأخ أو الأخت ولم يشترط في العكس؟ إنه تخبط فقهي واضح وبيّن.

خامساً: ظلم المرأة

لقد اشتمل القانون على مواد كثيرة مجحفة وظالمة بحق المرأة، ومنها:

1-  الفسخ بسبب العيوب: جاء في المادة (78): ((إذا علم الزوج بعد العقد أن زوجته فيها أحد العيوب الستة التالية، فيثبت له خيار العيب.

1-   الجنون،  أي اختلال العقل حتى ولو كان مرحليا.

2-  الجذام.

3-  البرص.

4-  العمى، وهو ذهاب البصر كليا عن العينين.

5-  العرج حتى ولو لم يبلغ حد الإقعاد.

6-العفل، وهو لحم أو عظم ينبت بالرحم، وسواء أكان مانعا للحمل أو الوطء أم لا)).

وفي المادة (79). ((يثبت للزوجة خيار العيب فيما إذا كان في الزوج أحد العيبين الآتيين:

1-  الجب. وهو عبارة عن قطع العضو التناسلي للذكر بحيث لم يبق منه ما يمكن تحقيق الوطء به.

2-  العنن المطلق: وهو المرض المانع من انتشار (انتصاب العضو الذكري) بحيث لا يقدر على وطء عموم النساء)).

 للرجل الفسخ بواحد من عيوب ستة، وللمرأة بواحد من عيبين، ولِم هذا الظلم للمرأة؟ ومن أين هذا التفريق، فهل الرجل يحق له الفسخ لو كانت زوجته عرجاء ولو عرجا غير مقعد، أو برصاء أو عمياء أو بواحد مما سبق، وليس للمرأة الفسخ إلا بعدم القدرة الجنسية، مع أن المرأة هي الطرف الأضعف، فالرجل يملك أن يتزوج بغيرها ويملك الطلاق أما المرأة ليس لها ذلك، إنه تمييز ظالم وجور صارخ على الجانب الأضعف في الحياة الزوجية، ولهذا في فقه أهل السنة مَن قال بالفسخ بالعيوب، من الفقهاء قال بالمساواة بين الرجل والمرأة بالعيوب، وفريق آخر من علماء السنة منح حق الفسخ للمرأة فقط دون الرجل([5])، وهذا هو المنطق والرحمة والعدل.

2 – ميراث الأراضي: جاء في المادة (212): ((يرث الزوج من جميع ما تركته الزوجة المتوفاة، منقولا كان أم غير منقول)).

وفي المادة (213): ((لا ترث الزوجة مما يتركه الزوج المتوفى من الأراضي لا عينا ولا قيمة، وترث من المنقولات. ومما ثبت في الأرض من الأبنية والأشجار والآلات وغيرها. وللوارث أن يدفع لها قيمة الأشياء الثابتة في الأرض. وهي ملزمة بقبول القيمة)).

فالزوج يرث مِن كل ما تركته المرأة، أما المرأة فترث من ماله إلا من الأراضي ومع أن هذا ظلم واضح وتفريق سيء، لكن يبقى السؤال المتكرر: بأي دليل تصدر هذا الأحكام والقوانين؟ كما أن مخالفتها واضحة جداً للنص القرآني الصريح في قوله تعالى: ((وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))([6])، وفي قوله: ((لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً))([7])، فلم تميز الآيات بين الرجل والمرأة من حيث جنس المال الذي يقع عليه الإرث.

3- عدم العدل في قسمة النساء: تقول المادة (104) ((إذا كان للزوج أكثر من زوجة واحدة فحق المبيت يكون كالآتي:

اولا: إذا كان عنده أربع زوجات. فإذا بات عند إحداهن وجب عليه المبيت عند الأخريات لكل منهن ليلة، ولا تفضيل لبعضهن على بعض.

ثانيا: إذا كان له ثلاث زوجات فإذا بات عند إحداهن ليلة وجب عليه المبيت عند الأخريين لكل منهما ليلة. وللزوج أن يفضل إحدى الزوجات الثلاث بالليلة الرابعة.

ثالثا: إذا كان له زوجتان وبات عند إحداهما ليلة لزمه المبيت عند الأخرى الليلة الأخرى. وله أن يجعل لإحداهما ثلاث ليال وللأخرى ليلة واحدة)).

فللرجل المتزوج من امرأتين الحق بأن يمنح ليلة لواحدة والثلاث الأخرى للثانية، ويا له من عدل وإنصاف!

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)) أخرجه أبو داود وهو صحيح، فهل القسمة بين الزوجتين لإحداهما ليلة وللثانية ثلاث ميل أم عدل؟؟

سادساً: قصور في الضبط

بعض المواد لم تكن دقيقة في عبارتها واستعملت تعابير مطاطية وغير منضبطة مما يفتح الباب للتلاعب في القانون، ومنها مثلاً:

1- صبر المرأة: جاء في المادة (102) ((حق الزوجة على الزوج:

ثالثا – أن لا يهجرها دفعة واحدة ويجعلها معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة.

رابعا – أن لايترك مقاربتها أكثر من أربعة أشهر. واذا كانت الزوجة لا تقدر على الصبر لأربعة أشهر، فعلى الزوج مقاربتها قبل تمام الأربعة أشهر، أو طلاقها وتخلية سبيلها)).

تأمل العبارة في السطر الأخير، عندما لا تستطيع المرأة الصبر عن الجماع لأربعة أشهر فيجب على الزوج مواقعتها، وإني أتساءل، ما هو الضابط لمعرفة صبر المرأة وقياسه؟ وهب أن الزوج رفض واشتكت المرأة للقاضي فما هي الأدلة التي عليها أن تثبتها للقاضي حتى يقتنع بأنها لا تصبر عن الجماع لأربعة أشهر؟ وهب أنها أفلحت في إقناع القاضي، هل وضع المرأة بهذه الصورة المحرجة يليق بكرامتها وإنسانيتها؟؟؟

1-  الاتفاق على الحضانة: جاء في المادة 117: ((إذا افترق الأبوان بفسخ أو طلاق قبل أن يبلغ الولد السنتين فلا يسقط حق الأم بالحضانة، وعلى الأبوين أن يتفقا على ممارسة حقهما المشترك بالتناوب أو بأي كيفية أخرى)).

وكيف يمكن تحقيق الاتفاق بينهما وهما مطلقان متنازعان، وربما يعيش كل واحد منهما بمحافظة؟ إن هذا طلب مائع فضفاض، يفتح الباب للشقاق والتناحر لا للاتفاق.

خاتمة

لقد تركت مواد أخر لا تخلوا من انتقاد كسابقتها أو من زاوية أخرى خشية الإطالة، ولعل فيما قدمته يبين قصور هذا القانون، ويهمني في الأمر التركيز على أثرين اثنين ينتجان من هذا القانون، هما المحرك لي في هذا المقال:

1-   فتح باب الرذيلة، وتأمين غطاء قانوني لها من خلال مواد هذا القانون، عندما يسمح بكل العلاقات الجنسية تحت مسمى الزواج، ما دام لا يشترط شهوداً ولا إذن ولي، ويشجع على نكاح المتعة أكثر من النكاح المؤبد، وهو تشجيع يهدم الأسرة لأنه لا يخفى على كل عاقل أن تكوين الأسرة وإنتاج الإنسان السليم لا يكون إلا بالزواج الدائم، وأما نكاح المتعة فهو لإشباع الغريزة فقط، وهذا يعني أن مفهوم الأسرة في خطر شديد.

2-   إلحاق ظلم شنيع بالمرأة من خلال تمييز واضح بينها وبين الرجل وهضم لكثير من حقوقها، وهذا أستغله لأوجّه رسالة لكل امرأة شيعية عاقلة فأقول لها: أيتها الأخت الشيعة، ألا ترين أن المرأة في الفقه الشيعي مخلوق خلق فقط ليكون متعة ولذة للرجل، فهي التي يجوز الاستمتاع بها رضيعة ثم تتزوج متعة لأيام معدودة فتغدو متنقلة بين أحضان الرجال، وبعد كل هذه العقود لا تجد من ينفق عليها أو يكنفها برعايته بل الكل يريدها للمتعة، ثم تهضم حقوقها في النكاح المؤبد، ألا يجب أن تتنبهي ويتنبه معك عقلاء الشيعة إلى أن ما هم عليه ما هو أسلمة للإباحية الفارسية المزدكية القديمة، وأن دين الله تعالى أعف وأكرم من ذلك، وأن مقاصد الأسرة والحياة الكريمة والقيم الأخلاقية لا تتحقق في الفقه الشيعي؟ رسالة بسيطة، فهل من مدّكر؟



[1]- انظر بدائع الصنائع للكاساني 2/ 246 – 247.

[2]- بداية المجتهد 3/44 ، ومذهب أحمد كالحنفية والشافعية، انظر المغني لابن قدامة 7/8.

[3]- المائدة: 5.

[4]- الطلاق: 4.

[5]- انظر المغني لابن قدامة 7/184.

[6]- النساء: 12.

[7]- النساء: 7.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق