السلفيون في جنوب السودان .. الواقع والمستقبل
الأثنين 31 مارس 2014

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

يظن كثير من الناس أن جنوب السودان تغلب فيه الطوائف النصرانية منذ القدم، وهذا ظن خاطئ، فالجنوب السوداني لم تكن فيه حتى عام 1898م ديانات، إلا الإسلام والديانات التقليدية الوثنية، فالجنوب لم يشهد أي حركة تنصير منظمة قبل وصول الاحتلال الإنجليزي للسودان، وكذلك لم يشهد حركة دعوية نشطة قبل أو بعد الاحتلال، على الرغم من أن أفراداً من بعض القبائل الرئيسة الجنوبية اعتنقوا الإسلام، وخاصة أثناء الحركة المهدية بالسودان في خواتيم القرن التاسع عشر الميلادي.

وكان الاحتلال الإنجليزي للسودان يعد العُدة لفصل الجنوب نهائياً وضمّه لشرق أفريقيا، ثم عدل عن ذلك ورأوا أن يسمحوا له بالتطور في اتجاه حضاري مباين للكيان الإسلامي العربي الذي عليه شمال السودان ليصبح وسيلة من وسائل التحكم في مسيرة الشمال نفسها، وهو ما حدث بالفعل، وانتهى للانفصال الماثل حالياً، وقيام دولة جنوب السودان.

والإسلام في جنوب السودان قديم وله جذور، بل يرى البعض أن دخول الإسلام للجنوب قد سبق الشمال نفسه، حيث جاءه من الساحل الأفريقي الشرقي، كما أن الإحصاءات الكنسية نفسها عام 1982م تقول إن نسبة المسلمين تصل إلى 18 %، وأن 17 % فقط من السكان من النصارى، أما البقية 65 %، فهم لا يزالون وثنيين.

نرجو من خلال هذا البحث أن نناقش الوجود السلفي في جنوب السودان من عدة محاور ومنطلقات، تبدأ بنشأة وبروز الوجود السلفي في جنوب السودان، والانتشار الجغرافي والقَبلي له، كما يناقش البحث الخصوصية الفكرية للسلفيين في الجنوب، وبعض ممارساتهم العملية، بجانب آثار السلفية في الحياة الفكرية والسياسية، وما يمكن أن تقوم به في مستقبل الفكر والسياسة في المجتمع الجنوبي، وتحديات تواجه الدعوة السلفية وعقبات الانتشار، ومواقف السلفيين الجنوبيين ومشاركتهم في العمل العام، ومستقبلهم في ظل دولة الجنوب الناشئة.

الوجود السلفي بين السودان وجنوب السودان:

عَرف جنوب السودان الفكرة السلفية في وقت مبكر، رغم أن أهل الاختصاص اختلفوا في تحديد بدء دخول السلفية إلى جنوب السودان، والذي أدخلها، لكن الراجح أنها كانت في بداية الستينيات من القرن الماضي، وهي ترتبط فكرياً مع جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، أقدم جماعة سلفية سودانية، والتي تعترف بحسب د. إسماعيل عثمان، الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، أن لجماعته انتشارا في دولة جنوب السودان في مقاطعة أعالي النيل في مدينة ملكال وفي مقاطعة الاستوائية في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان بصورة خاصة([1]).

وقد تأثر الوجود السلفي في جنوب السودان بجماعة أنصار السنة المحمدية تأثراً ملحوظاً، بل إن اسم الجماعة السلفية هو نفس الاسم في البلدين، والذى تولى رئاسة الجماعة بعد قيام دولة جنوب السودان، كان يشغل منصب أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة بالسودان حتى قبيل الانفصال، وهو الشيخ علي حسن علي زكريا، كما أن كثيرا؛ بل جُل قيادات الدعوة السلفية بالجنوب كانوا من أطر جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، ومن قياداتها.

شهدت الانتخابات النيابية في السودان عام 1986م، أول ظهور إعلامي للسلفيين من جنوب السودان، حيث قدمت جماعة أنصار السنة مُرشحها د. يوناس بول دي مانيال([2]) لانتخابات الجمعية التأسيسية عن الدائرة 22 الخرطوم الثانية منافساً لرئيس لجنة الانتخابات بالحزب الشيوعي السوداني عز الدين علي عامر، ومرشح الجبهة الإسلامية القومية اللواء طيار الفاتح عابدون، وهي الدائرة التي تمتد من مناطق الخرطوم (2 و3)، السجانة وحتى المقرن وجزيرة توتي.

وقد حظي ترشيح د. يوناس بول دي مانيال، وهو من الشخصيات الجنوبية الكبيرة، بقبول واسع، عدا منافسيه في الدائرة بالطبع، ويعتقد لصيقون بالجماعة أن ما حدث فيما بعد من ترشيح ليوناس لرئاسة جماعة أنصار السنة نفسها، فستكون هي المرة الأولى التي يترأس فيها شخص جنوبي جماعة كبيرة بحجم أنصار السنة، وسيكون أمراً جديدًا حال وقوعه وله أثره في دعم أنصار السنة لوحدة السودان وللمجتمع السوداني عامة، ويؤكد مراقبون أن د. يوناس شخصية مؤهلة تماماً للقيام بهذا الدور، بل ويستطيع - إن حدث وأصبح رئيساً - أن ينهض بالجماعة في جنوب السودان وفي أفريقيا، لتمكنه من مخاطبة كل مجموعة قبلية بالجنوب بلغتها وقد كانت له دروس في عدد من أسواق مدن جنوب السودان بلغات الجنوبيين المحلية، بجانب إجادته اللغتين الإنجليزية والعربية([3]).

قدمت جماعة أنصار السنة مرشحها الأوحد في انتخابات 1986م الجنوبي السلفي يوناس بول دي مانيال لانتخابات الجمعية التأسيسية (البرلمان السوداني) عن الدائرة 22 الخرطوم الثانية، وكان النزال والتنافس في هذه الدائرة أكثر سخونة وشراسة من دائرة (جبرة – الصحافة) التي نزل فيها زعيم الجبهة الإسلامية القومية الدكتور حسن الترابي ضد قوى التجمع بقيادة حسن شبو، وكان أن خسرت أنصار السنة الدائرة الوحيدة لها، لإصرار الجبهة الإسلامية القومية على نزول مرشح لها بهذه الدائرة، وهو اللواء طيار الفاتح عبدون، فكسب الجولة مرشح الحزب الشيوعي السوداني عز الدين علي عامر، حيث تفرقت أصوات الإسلاميين بين مرشح الجبهة الإسلامية القومية وجماعة أنصار السنة المحمدية([4]).

ولجماعة أنصار السنة أصول فكرية، هي نفسها الأصول الفكرية لسلفيي جنوب السودان، أبرزها أن الأصل في الدين هو الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح وأن الإسلام دين ودولة، وعبادة وحكم وأنه صالح لكل زمان ومكان، وجاء في لائحة الجماعة فيما يتعلق بالأهداف العامة واستراتيجية العمل على توثيق روابط الإخاء والتضامن بين الجماعة والجمعيات الإسلامية الأخرى، والتعاون مع مختلف الهيئات العلمية والثقافية على إحياء التراث الإسلامي، والدعوة إلى التوحيد الخالص المطهّر من جميع الشوائب، وإلى حب الله تعالى حبًا صحيحًا صادقاً يتمثل في طاعته وتقواه، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبًا صحيحًا صادقاً يتمثل في الاقتداء به واتخاذه أسوة حسنة.

من أبرز جهود أنصار السنة التي تهمنا في هذا البحث، هي مساندة الجماعة للتيار السلفي في جنوب السودان ومساعي نشر عقيدة التوحيد في الجنوب، حيث ساندت الجماعة قيام الرابطة الإسلامية لجنوب السودان، لتكون كياناً ناطقاً باسم السلفيين في الجنوب، وقد كانت الرابطة تحت إشراف الشيخ محمد هاشم الهدية الرئيس الأسبق للجماعة، وكان هو مستشارها، بينما تولى منصب الأمين العام فيها د. يوناس بول دي مانيال، واستطاعت أن تقوم بجهود مقدرة في نشر الدعوة بالجنوب([5])، كما سنرى لاحقاً.

نشأة العمل السلفي في جنوب السودان وتطوره:

يرى البعض أن الوجود السلفي في جنوب السودان كان على يد الشيخ علي الجاك عام 1960م، وهو من قبيلة الدينكا بحر الغزال، ومن منطقة مكير، ثم تحولت أسرته إلى الميرم بجنوب كردفان عند اشتداد الحرب([6]).

ويرى آخرون أن أول ظهور للسلفية بالجنوب كان مع وصول الشيخ علي التوم وكير إلى الجنوب في عام 1971م، ويُعد هو أول من أعلن دعوة التوحيد في مسجد ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل، وكان الشيخ علي التوم رحمه الله يعمل معلماً بمعهد تدريب المعلمين، وكان صهره محمد الجابر من كبار رجال المال بملكال مما كان سبباً في بسط الحماية له من المتصوفة الذين كانوا يسيطرون على النشاط الإسلامي في المدينة.

أما أول ظهور منظم للسلفيين في الجنوب فقد كان بمدينة ملكال أيضاً في عام 1980م، بتدشين تنظيم تحت اسم جماعة أنصار السنة المحمدية، وكان أول أمير للجماعة آنذاك هو الشيخ علي حسن علي ونائبه الشيخ عبد الله أديانق فكوان([7])، وكان علي حسن حينها يعمل موظفاً بمشروع تنمية قناة جونقلي، أميناً للمخازن، وكان راتبه مجزياً مكنه من المساعدة في دعم العمل الدعوي، كما هو حال الدعوة في بداياتها، حيث كانت تعتمد فقط على جهود المنضوين تحت لوائها.

وقد وجد بعض الطلاب الجنوبيين دعوة أنصار السنة ممن سبقهم في الدعوة السلفية في مدرسة مدينة الكاملين الثانوية بوسط السودان في السبعينيات، يقول د. يوناس بول:" كان هناك جنوبيون موجودون في الشمال ودخلوا أنصار السنة مثل فرج الله مون أمان من أبناء الدينكا، والذي عمل لبعض الوقت وزيراً بولاية البحيرات في حكومة جنوب السودان، وكذلك الشفيع أوكير من أبناء الشلك، وتم تكوين جماعة من الشباب ومن جميع من كان مع الشيخ علي التوم، وتم ضمهم إلى مجموعة الشباب القادمة من مدرسة الكاملين".

ويواصل يوناس: "كنا نرتاد المركز العام بالسجانة أسبوعياً، ثم فكرنا في عمل دار في ملكال لكي تنطلق منه الدعوة، وبدأنا بعمل حلقات في المساجد وتم اعتقال بعضنا وتم اتهامنا بالوهابية وبالعلاقة مع ليبيا، وهكذا كانت تلك بداية الحركة السلفية المنظمة والنواة الأولي لها. وفي بداية الثمانينات سعينا للتصديق لمسجد للجماعة بملكال، وفعلا تم التصديق بموقع استراتيجي يقع بالقرب من مطار ملكال وجامعة أعالي النيل في ضاحية ثورة الملكية، ويُعد هذا المسجد هو أول صرح سلفي في جنوب السودان، وأول إمام له هو الشيخ عبد الله أديانق".  

ويواصل يوناس قائلاً:" فكرنا في اسم جديد للدعوة تحسبا للظروف، وقد تحدث إشكالات تجاهه في المستقبل، وفعلا شرعنا في قيام الرابطة الإسلامية لجنوب السودان واقتنع الشباب في أنصار السنة، وتحدثت مع الشيوخ، وبعد جهد وافقوا على قيام الرابطة، ثم بدأنا الإجراءات الطويلة لتسجيل الرابطة والذي حدث بالفعل، ووقّع على تسجيلها الرسمي رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي وفق قانون الهيئات التبشيرية([8]). وكانت رئاسة الرابطة في الخرطوم وتمت إقامة فرع ملكال، وقسمنا المهام بالرابطة وتوسع العمل بالرابطة وازدادت الأنشطة وتنوعت بين بناء المساجد والعمل الدعوي لنشر التوحيد والنهج السلفي بين مواطني الجنوب".

يقول د. يوناس بول الأمين العام والمؤسس للرابطة الإسلامية لجنوب السودان: "أسسنا 8 مساجد موزعة في كل أحياء مدينة ملكال وخلوة مازالت تعمل حالياً في تحفيظ القرآن الكريم، ووجهنا شباب الدعوة بالتركيز على الريف وتوطين الدعوة في القرى، وعدم الاحتكاك مع الكنائس أو ذكرها على المنابر ومشاركة المجتمع في أفراحه وأتراحه، ولا مانع من العمل السياسي مع أي حزب ما لم يؤثر على الدعوة ويكون بصفة فردية. وتوسع عمل الرابطة الإسلامية في مدن الجنوب الأخرى مثل واو وجوبا، لكنه لم ينجح كما نجح في ملكال، لأمور تخص الذين تحملوا أمر الدعوة في تلك الفترة([9]).

وبعد هذا العمل الضخم والتوسع المشهود، ظهرت الأطماع والأمور الشخصية مما أثر سلباً على مسيرة الرابطة، وبعد ذلك ونتيجة لبعض الإشكالات خرج بعض ممن كانوا فاعلين داخل الرابطة، وكونوا (الجمعية الخيرية للعمل الإسلامي في جنوب السودان) بولاية أعالي النيل لتظهر واجهة أخرى للسلفيين في جنوب السودان بعد الجسم التاريخي الرابطة الإسلامية لجنوب السودان([10]).

وقد نشأت جمعيات أخرى تنتهج المنهج السلفي في ولايات الجنوب الأخرى مثل: منظمة الاستوائية الإسلامية لجنوب السودان بكل من الخرطوم وجوبا، ونشأت في عام 2000م المؤسسة الإسلامية الإفريقية، بكل من الخرطوم وجوبا وأويل([11])، ومن أبرز قياداتها الشيخ حامدين شاكرين لوال، الأمين العام للزكاة بالجنوب حالياً، وقد ساهمت المؤسسة الإسلامية الإفريقية في التحاق عدد من الطلاب الجنوبيين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لتلقي العلم الشرعي، واهتدى على يد منسوبيها أكثر من ألف من الجنوبيين، وفتحت عدداً من المدارس وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم، بجانب أعمال كفالة الأيتام بدعم من المحسنين من السودان ودول الخليج سيما السعودية وقطر والبحرين([12]).

يُلاحِظ المتأمل أنه يوجد بعض التنسيق والتكامل والتخصصية بين هذه المنظمات السلفية بالجنوب؛ حيث تعمل كل واحدة في مقاطعة جنوبية بعينها، وتراعي الخصوصية اللغوية والإثنية للمقاطعة المعينة، وبعد قيام جماعة أنصار السنة المحمدية بدولة جنوب السودان وتصديقها رسمياً من قِبل حكومة الجنوب، ينتظر أن تكون هذه الجماعة هي الأم لهذه الجمعيات والمنظمات السلفية، فهي أقدر على تنفيذ المشروع الإسلامي على الوجه الصحيح من ناحية المعتقد والمنهج، ولا بد من تنشيط التنسيق وتبادل المنافع والرؤى وتكاملها تحت جماعة أنصار السنة، الوجه السلفي الأول بجنوب السودان([13]).

الانتشار الجغرافي والقبلي للتيار السلفي بجنوب السودان:

بعد انفصال جنوب السودان رسمياً، وقيام دولة جنوب السودان كدولة مستقلة، معترف بها عالمياً، تحرك السلفيون هناك لضمان وجودهم ضمن منظومة الدولة الجديدة رسمياً، حيث تقدموا رسمياً لتسجيل جماعة أنصار السنة المحمدية بجنوب السودان، لتضم كل السلفيين بالجنوب، وتم التسجيل رسمياً للجماعة في عام 2011م، في وزارتي شؤون الأديان، والعدل والشؤون القانونية، وتم اختيار الشيخ علي حسن زكريا رئيساً للجماعة.

كما احتفظ السلفيون بعلاقتهم بالمجلس الإسلامي لجنوب السودان وهو الجسم الرسمي للمسلمين بالجنوب، ويحظى برعاية رئيس الدولة، ويتولى منصب الأمين العام فيه الفريق الطاهر بيور، ومن أبرز القيادات السلفية الجنوبية بهذا المجلس الشيخ عبد الله أديانق، أمين الفتوى بالمجلس، والشيخ حامدين شاكرين لوال، أمين الزكاة.

ولو نظرنا للتاريخ، فإن أول نشاط سلفي منظم بجنوب السودان كان بمدينة ملكال، وتطور العمل وتوسع حتى تمكن أنصار السنة بالجنوب من بناء مؤسسات إسلامية ودعوية بولاية أعالي النيل، تشتمل على عشرة مساجد، ودار لأنصار السنة، مبني بالمواد المحلية وبناؤه قديم، ومركز تحفيظ القرآن مشيد من المواد المحلية، وهذا المركز يجد دعما من الحركة الإسلامية، وكذلك لشيخ الخلوة.

كما يوجد بعض الأفراد في بقية المدن الجنوبية الكبيرة مثل واو، عاصمة بحر الغزال، وجوبا عاصمة الجنوب، وهم عبارة عن تجار، كما دخل جوبا بعض السلفيين من دولة يوغندا والصومال، وجلّهم من التجار أو عمّال، وفي عام 2005م تقريباً دخل أنصار السنة مدينة جوبا كتنظيم في عاصمة الولاية الاستوائية، وفي عام 2007م، دخلت السلفية مدينة واو، عاصمة ولاية بحر الغزال كتنظيم، وأول أمير للجماعة كان إسماعيل تركي عامر، ويتواجد السلفيون كذلك في مدينة الرنك، وأول أمين للجماعة هناك وللرابطة الإسلامية لجنوب السودان هو الشيخ ياسر دوافول يار، وهو الذي بنى مسجد جمعية الكتاب والسنة ودافع عنه من الصوفية بمدارسهم المختلفة في المنطقة([14]).

أما الوجود السلفي على مستوى القبائل بالجنوب، فأولى القبائل التي دخلها المنهج السلفي هي قبيلة الشلك لأن أول الدعاة كانوا من هذه القبيلة، ومنهم د. يوناس بول دي مانيال، والشيخ عبد الله أديانق وعلي حسن علي وعبد الله أكوج([15])، ويعتقد البعض أن الشيخ علي الجاك هو أول من أدخل السلفية للجنوب سنة 1960م، وهو من قبيلة الدينكا بحر الغزال ومن منطقة مكير ثم تحولت أسرته إلى الميرم عند اشتداد الحرب، وعموماً انتشر الفكر السلفي لجماعة أنصار السنة المحمدية وسط قبائل الجنوب مثل الدينكا ومن أبرز رموزهم: فرج الله مون أمان، والنوير وقبائل أخرى وحتى بعض الشماليين عرفوا الدعوة السلفية من الجنوب([16]).

كذلك دخلت فيه من قبائل الاستوائية الفوجولو والباريا، ومن قبائل بحر الغزال (الدينكا وكريش من منطقة راجا)، وازداد انتشار الوجود السلفي في وسط القبائل الجنوبية عندما نشأت الرابطة الإسلامية لجنوب السودان تحت قيادة الدكتور يوناس دي مانيال عام 1985م، وكان مقرها الرئيس بأم درمان، حي العرضة، وكانت حرب الجنوب في أشدها في ذلك الوقت، فدخل دار الرابطة قبائل شتى من أبناء الجنوب، لكن تظل قبيلة الشلك هي أكثر القبائل التي دخلت في الدعوة السلفية تليها قبيلة الدينكا.

مجتمع جنوب السودان واستقباله للسلفية:

المجتمع في جنوب السودان فيه الكثير من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، ومنها: الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والتعاون والدفاع عن الغريب والدفاع عن العرض، حيث يعتبر أفراد العائلة من الأقرباء وكل بناتهم في مصاف أخواتهم ومحارمهم ولا يجوز التزوج بهن، ولا يرضى الفرد أيا من أنواع الفوضى معهن، ويعتبر الزواج مظهرا من مظاهر الفخر وتحمل المسئولية وبناء الأسرة، ومن الأخلاق الفاضلة في المجتمع الجنوبي الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة لاسيما لأنسبائهم فهم يحترمون الأصهار احتراماً شديداً ولا يقبلون أي استفزاز لأصهارهم، يقول عبد الله برج: "نحن كدعاة في الجنوب بحاجة إلى معرفة إيجابيات مجتمعنا حتى نبرزها عند دعوتنا للناس، لتكون من أسباب قبول الدعوة واقتراب المدعوين من الداعية والتصاقهم به([17]).

وهناك بعض الأمور السلبية في مجتمع جنوب السودان مثل انتشار الوثنية ووجود معبودات كثيرة من دون الله تعالى وانتشار النصرانية وسرعة انتقال العادات والثقافات الوافدة مثل التعري ومظاهر الفوضى وانتشار أماكن اللهو البريء وغير البريء وشرب الخمور، وعدم الاهتمام بالتربية والتعليم والتعصب القبلي والنزاعات القبلية والصراع على السلطة وعدم الاهتمام بالخدمات الأساسية من صحة وبيئة وغيرها.

وقد بدأ السلفيون من أبناء الجنوب أمر الدعوة للتوحيد والمنهج السلفي وسط أهلهم، بعد التعرف على واقع جنوب السودان ومشكلاته وتعقيداته وظروفه الاجتماعية والسياسية، باعتبارها لا تقل أهمية عن التعرف على الدعوة نفسها، ولأن معرفة هذه الأمور مما يعين الدعاة والقائمين على أمر الدعوة على التخطيط السليم الصحيح، وتُعين على العمل بصورة مرتبة، حيث عمد بعض المهتمين بأمر الدعوة إلى انتهاج ترتيب العمل وفق تقارير مسبقة وخطط دعوية توضح حاجة المناطق والقبائل، وحجم حاجة كل قبيلة إلى الدعوة، ومعرفة خصائص كل قبيلة، واستثمار هذه الخصائص والصفات الحميدة في خدمة ومصلحة الدعوة وفي المقابل معرفة الخصال السيئة والسعي لوضع أسس تعين على كيفية معالجتها([18]).

يشير الشيخ علي حسن علي إلى أن كثيرا ممن تعرفوا على منهج الدعوة السلفية قالوا لهم: لو سبق هذا الوجود السلفي التيارات الإسلامية الأخرى لدخل الجنوبيون أفواجاً في دعوة أنصار السنة، نسبة لوضوحها ومطابقتها لحاجات الواقع الجنوبي، كما أن المسئولين فيها هم من أبنائنا مما يسهل عملية التواصل والإقناع، ويقول كذلك: "نحن نقدم الدعوة للتوحيد لأهلنا من خلال عقائدهم، فمعرفتنا لعقائد أهلنا سهّل لنا تقديم الدعوة"([19])، وتميز استقبال الجنوبيين للدعوة السلفية بشيء غريب وهو أن الدعوة وَجدت حماية من الناس ولو لم ينتموا لها كما ذكر لي د. يوناس بول في حواري معه.

وقد لاحظ السلفيون في جنوب السودان أن المجتمع يقبل الدعوة من الذي لا ينسلخ من مجتمعه، في حين ينبذ من انسلخ من مجتمعه، وغيّر اسمه ولفَظ تقاليد أهله جملة، فكان أن انتهج الكثير منهم منهج عدم الانفصال عن الأهل، والاحتفاظ بالأسماء القديمة كما هي، مما ساهم في تقبل الكثيرين للدعوة التي لا تجعل صاحبها منبتاً عن أهله وهويته، مع تركيزهم على أن هذا الإسلام هو إسلامنا نحن، وليس إسلام شمال السودان أو غيره.

خصوصية سلفيي جنوب السودان عن نظرائهم في الشمال:

رغم الاتفاق على الأصول إلا أن سلفيي جنوب السودان كانت لهم خصوصية في بعض القضايا مثل العلاقة مع غير المسلمين، حيث أن البيت الجنوبي الواحد توجد فيه عدة أديان، فكانت فلسفة أنصار السنة من الجنوبيين استعمال ثقافة التسامح في التعامل مع ذلك، إلى جانب أمور فقهية كثيرة مثل عدم اللجوء لتغيير الأسماء بعد الدخول في الإسلام، وعدم الانقطاع عن الأسرة والعشيرة بعد الدخول في المنهج السلفي، وغير ذلك.

وفي مجال الفكر السياسي يلاحظ أن السلفيين في جنوب السودان كانوا متقدمين على الجماعة الأم في الخرطوم، حيث انخرطوا في العمل السياسي العلني في وقت كانت رؤى الجماعة في التعامل مع حكومة الإنقاذ الحالية بالسودان تراوح مكانها، ولم تحظ الجماعة في تاريخها بمنصب وزير الشئون الهندسية ومنصب الملحق الإعلامي إلا عبر أنصار السنة بالجنوب.

يقول د. يوناس بول: "لا يمكن مقارنة وضع وإشكالات الدعوة السلفية بالجنوب مع نظيرتها في الشمال، لأن السلفية في الجنوب كان ينظر لها على أنها دين جديد، جاء مخالفاً لما اعتاد عليه الناس هناك من تدين، في حين أن السلفية في الشمال توصم بالتشدد، لكن في الجنوب هي دين جديد، كما لا يأخذ السلفيون بالجنوب الدعوة بطريقة (النقل الحرفي) من الشمال، وقد لمس بعض السلفيين من الجنوبيين أن السلفيين في الشمال، يريدون الجنوب أن يكون في نفس خطهم الفكري، وهنا مكمن الخطأ لأن ذلك يراد له أن يكون دون مراعاة للواقع السلفي الجنوبي وخصوصيته في مختلف الأصعدة([20]).

ومن الخصوصيات التي يختص بها السلفيون في جنوب السودان، وهي تختلف عن نظرائهم في الشمال، أن السلفيين في الجنوب يقدمون الدعوة بلغاتهم المحلية مثل لغة الشلك ولغة الدينكا ولغة النوير، إلى جانب استعمال (عربي جوبا)، واللغة العربية الفصحى لمن يعرفهما، كما تميز السلفيون بالجنوب بالاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم، سيما في المأكل والمشرب والملبس وغيرها، إلا ما كان يخالف صميم الدين، وتركيزهم على الأمر الأهم وهو المعتقد السليم، والاعتراف بتفاوت الناس في العبادات والالتزام بالدين، إذ (لا بد أن نقبل الناس على ما هم عليه) هكذا يقول د. يوناس بول([21]).

ويحتفظ السلفيون في جنوب السودان بعلاقات مميزة ووطيدة مع الزعامات والقيادات التقليدية في الجنوب، ولم يمنع الالتزام بالسلفية من تواصل هذه العلاقات وتعمقها مثل العلاقة مع رث قبيلة الشلك، والذي يعد الزعيم الروحي الأول وملك القبيلة، وقد كان د. يوناس بول على سبيل المثال ممثلاً لمملكة الشلك في كل شمال السودان في إحدى الفترات، ووصل إلى ذلك المنصب بالانتخاب.

كما يمتاز السلفيون بالجنوب بالتواصل مع معارفهم وأقربائهم من غير المسلمين في مناسباتهم الاجتماعية، ويراعي الجنوبيون - كما أكد د. يوناس بول - خصوصية التزام السلفيين، فيهيئون لهم المكان المناسب للجلوس والصلاة وتناول الطعام وغيرها، كما أصبح لهم بذلك تعامل خاص يحترم خصوصية الآخر.

وقد اختط سلفيو جنوب السودان لأنفسهم خطة استراتيجية تقوم على أن كل واحد ممن التزم بالدعوة السلفية يذهب لمنطقته لدعوة أهله بعد أن تعرّف على الدعوة، ويبدأ بأهل بيته، ثم أقاربه ثم الآخرين، إذ أنه لو كان فيه خير فأولى الناس به هم أهلك، كما يتميز السلفيون في الجنوب أنهم يقدمون بضاعتهم بالحسنى بلا إجبار لأحد أو قهر على اعتناق الدعوة.

وحول القضايا الشرعية والفكرية ذات الخصوصية للسلفيين الجنوبيين عن التيار السلفي في الشمال يرى علي حسن علي أن الدعوة إلى الله واحدة، ما دمنا نحن البشر من آدم وحواء، لكن هنالك مسائل بسيطة يظهر فيها الاختلاف بين السلفيين في الشمال والجنوب مثل أن الزواج من الأقارب محرم في المجتمع الجنوبي، ونحن نتعامل مع هذا الأمر بما لا يؤثر على دعوتنا، وتربطنا علاقة تنظيمية وروحية بالسلفية في الشمال ممثلة في جماعة أنصار السنة المحمدية، لكن  هنالك بعض الاختلاف في النواحي الشكلية مثلاً نحن أنشأنا الرابطة الإسلامية لجنوب السودان، فأصبحت هي الواجهة في الجنوب نسبة لانكماش البعض من اسم جماعة أنصار السنة المحمدية([22]).

يقول د. يوناس بول: "أنا من أنصار تعدد التدين في السودان، وهو يختلف من مكان إلى آخر، يمكن أن يتفق الناس فقط على الأصول الكلية، ولهم أن يختلفوا في الثقافة والمأكل والمشرب والعادات والتقاليد، كنت أرى أن نصبغ الناس بالتوحيد ولا سيطرة لنا بعد ذلك على أمورهم الأخرى، ما دامت لا تخالف مجمل الدين، أما أن يكون الناس نسخاً متطابقة في كل شيء، فهذا غير مقبول وغير ممكن"([23]).

مواقف السلفيين أيام الحرب والسلام:

كان نشاط السلفيين أثناء الحرب بين الشمال والجنوب منحصرا في العمل الدعوي فقط، وفي حدود دور أنصار السنة ومساجدها وخلاويها، وكانوا بعيدين عن العمل السياسي عندما اندلعت حركة التمرد بقيادة العقيد جون قرنق في 1983م، احتاجت الاستخبارات العسكرية لأفراد مسلمين جنوبيين يساعدونها في معرفة المتمرد مِن المواطن، هذه العملية تحتاج للصدق والبعد من التعصب القبلي، وقد نجح ثلاثة من شباب أنصار السنة من الجنوبيين في القيام بهذا الدور خير قيام، بل فتح هذا الأمر الباب لتجنيد كثير من شباب أنصار السنة، وهذا المنهج ساعد بعد توقيع اتفاقية السلام، فلم يتم تصنيف السلفيين كجهة ذات سمعة سيئة، بل عرف عنهم أنهم أهل دعوة فقط، وخاصة بعد زيارة فضيلة الشيخ محمد هاشم الهدية رئيس جماعة أنصار السنة رحمه الله لنيفاشا ولقاء العقيد جون قرنق، ومشاركته في التوصل لاتفاق السلام الشامل.

ويري د. يوناس بول أن الدعوة أيام الحرب كانت في حالة حصار وتضييق، وأن الدعوة تنتشر في أيام السلم وتتوسع في سلاسة ويسر، كما اعتمد السلفيون في الدعوة في أوقات السلام على السلوك، واعتمدوا السلوك القويم كي يجذب الناس تجاه الدعوة ويلجأون لتجسيد قضايا الدين الكلية في أنفسهم مثل الصدق والأمانة أكثر من الدعوة المباشرة نفسها، ويعتمدون الدعوة الفردية في المناسبات وغيرها.

ويقول: "اعتمدنا استراتيجية العمل في أي فراغات تركها الآخرون، ولكن الشيء المؤسف استيعاب هذه الأمور صعبة جداً، وانتهجنا كذلك البعد من السياسة ومطباتها لصالح الدعوة في وقت البدايات الذي يحتاج للتأسيس والقوة قبل مكابدة أمواج السياسة، وكان هدفنا المواطن العادي والذي يعرف من يساعده ويقدم له الخير، والحمد لله الدعوة في تقدم، وركزنا على أهمية التعليم والدراسة بالمدارس الحكومية ودخول الجامعات، ليقوم كلٌ بأمر نفسه، ويتأهل بشهادة جامعية، ويحافظ على القرآن لتزكية النفس، وليكون رجلاً حراً ولا يستغله أحد، هذا هو المنهج الذي كنا نسير عليه".

وحول ندرة الكتابة للسلفيين في جنوب السودان على مستوى الكتب والرسائل للدعوة يقول د. يوناس بول: "لم نلجأ للكتابة بسبب الأمية المتفشية في جنوب السودان، مما يصعب مهمة الداعية الذي يعتمد على الكتابة كوسيلة للتواصل مع المجتمع الجنوبي" ([24]).

ومن الوصايا الدائمة لشباب الدعوة بجنوب السودان هي حفظ القرآن الكريم مع عدم التخلي عن الدراسة الأكاديمية بالمدارس حتى يستطيع أن يتطور ويجد عملا في المستقبل، ولا يضطر للاسترزاق بالقرآن الكريم.

يقول د. يوناس بول: "استفدنا من أخطاء غيرنا من الجماعات الإسلامية بجنوب السودان بالابتعاد بالدعوة عن أمواج السياسة ومطباتها، فالدعوة كانت خالصة وليس فيها مطامع دنيوية ولا مناصب، وليس في الدعوة تجمعات صغيرة (شلليات)، وطريقتنا هي الانتشار وليس التجمع في أماكن محددة، مما ساهم ويساهم في الانتشار الأفقي والرأسي للدعوة في أوقات السلم"([25]).

موقف السلفيين الجنوبيين من العمل السياسي والعام:

الوجود السلفي في جنوب السودان تاريخياً لم يكن غائباً عن مجمل الأوضاع التي يتأثر بها المجتمع الجنوبي، فقد كان مشاركاً في هموم المجتمع الجنوبي أثناء الحرب مثل المساهمة في الإغاثة والمساهمة في مجالات التعليم والصحة، كما كان موجوداً على المستوى السياسي ومشاركاً في الحكم، فقد اختير الدكتور يوناس بول دي مانيال في منصب وزير الشئون الهندسية بولاية أعالي النيل، ثم نائباً للوالي ووزيراً للشئون الاجتماعية بذات الولاية لعدة سنوات، وكان أن عَكَس - بحسب علي حسن علي-  صورة جميلة للمسلم السلفي الجنوبي الملتزم الصادق الأمين المحب للخير لأهله وبلاده، وشهدت فترته كثيرا من الإنجازات([26])، كما عمل فرج الله مون أمان أيضاً وزيراً بولاية البحيرات.

يقول د. يوناس بول: "استفدت من العمل السياسي في منصب نائب الوالي لولاية أعالي النيل في تقديم الخير لكل المجتمع في الولاية، أما لأنصار السنة فقد استطعت تصديق قطعة أرض في موقع استراتيجي للرابطة بمدينة ملكال".

وفي غياب د. يوناس بول عن العمل الدعوي عند اختياره وزيراً قال: "تركتهم يعملون للدعوة، وأنا كنت أعمل في العمل السياسي، كان أبو أيوب هو الذي يقود الرابطة وحتى الآن"، نحن مجتمعنا مجتمع تعايش حقيقي بين كل المجتمعات بأي خلفية دينية وسياسية، وهناك قبائل متعددة في الدعوة، وكنت أقول لهم ركزوا على الدعوة وخدمة الناس في القرى دون المدن، بحيث يتم توطين الدعوة هناك، هو التوجه السائد".

ويرى أنصار السنة عموماً ضرورة المشاركة في القضايا العامة من أجل تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق التواصل مع أطياف المجتمع والقيام بأعمال البر والإحسان وعون المحتاجين، والمساهمة في درء الكوارث والابتلاءات، ورعاية مصالح الناس واتخاذ الحكمة سبيلاً وطريقاً، والتعاون مع الآخر غير المسلم على البر والتقوى، والسعي لتأليف القلوب واجتماع الكلمة([27]).

وحول المشاركة في العمل السياسي بعد قيام دولة جنوب السودان، فإن أنصار السنة لا يمانعون من ذلك، وفي شتى المجالات، يقول الشيخ حامدين شاكرين: "لا نمانع من المشاركة في العمل السياسي في أي منصب أو عمل سياسي في حكومة الجنوب، بشرط أن يعرض علينا كأفراد ينتمون للتيار السلفي وليس باسم جماعة أنصار السنة، لأنها مسجلة كهيئة دينية وليست حزباً سياسياً"([28]).

تحديات تواجه السلفية بجنوب السودان:

ويري سلفيو جنوب السودان أن أبرز عقبات انتشار الدعوة السلفية بالجنوب هي:

1.    قلة الدعاة المؤهلين من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمتميزين في مخاطبة المواطن الجنوبي بلغاته المحلية، كما يضطر بعض الدعاة لصعوبة ظروفهم المعيشية للعمل في بعض المهن لمقابلة متطلبات الحياة، وهذا العمل ينعكس سلباً، على تفرغهم لتقديم الدعوة بصورة أكبر.

2.    قوة نشاط الكنيسة لنشر الشبهات ضد الإسلام مستعملة السلطة والمال، وتتجرأ الكنيسة أحياناً على وصف الدعوة السلفية بالإرهاب والتطرف.

3.    قلة الدعم المالي للدعوة والدعاة، وعدم تفريغ الدعاة بما يكفيهم لكي يتولوا أمر الدعوة كاملاً، وذلك منذ بداية الدعوة وحتى الآن.

4.    قلة التعاون والتنسيق بين السلفيين والتيارات الإسلامية الأخرى، لأن التيارات الإسلامية الأخرى تنظر لأنصار السنة بالجنوب على أنهم منافس قوي لهم، ولكن أنصار السنة- حسب علي حسن علي -  لا يبادلونهم العداوة رغم قوة الدعوة السلفية وانتشارها الكبير بولايات الجنوب.

5. عدم وجود دُور بولايات الجنوب ومدنه الكبري سيما (واو، جوبا، أويل، راجا)،  تنطلق منها الدعوة في أنحاء الجنوب.

6.    تأثير بعض الجهات على الشباب المنضوين حديثاً للدعوة السلفية عن طريق المال والسلطة، من أجل تخليهم عن منهج الدعوة السلفية.

7.    الوضع السياسي المضطرب والمتقلب الذي لا يبدو فيه التعاون مع المسلمين ولا يوجد الجسم القوي الذي ينظم شئون المسلمين ولاسيما بعد الانفصال.

8.    تجذر القبلية والتعصب لها يهدد تحرك الدعاة في شتى المناطق.

9.    عدم استتباب الأمن بسبب انتشار الأسلحة في أيادي المواطنين مع تفشي الجهل.

10.                       عدم وجود المرجعية العلمية التي يرجع إليها لحل المشكلات التي تحتاج إلى الاجتهاد.

11.                       استمرار وتجدد الخلافات التي أقعدت السلفية بالجنوب والشمال منذ زمن بعيد.

12.                       عدم وجود مؤسسات تعليمية لتربية الأجيال على المنهج السلفي.

ومن أبرز التحديات التي ستواجه الدعوة السلفية في الفترة القادمة بحسب د. يوناس بول بدء دخول بعض معتنقي فكر السلفية الجهادية التي تكفر المجتمع والدولة، وهي قد تشكل خطورة على الدعوة في المستقبل المنظور، كما يمثل الصراع الذي اندلع أخيراً بين حكومة جنوب السودان، وبين المتمردين برئاسة د. ريك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب سابقاً تحدياً كبيراً للمسلمين لإظهار وجودهم على مستوى المجتمع المدني وتقديم العون والإغاثة لمواطنيهم والسعي لعودة الحياة لطبيعتها هناك.

كما أن السلفيين بالجنوب بحاجة إلى تأهيل دعاة (مستقبل) في جنوب السودان، وتطييب نفوس الدعاة القدامى بعد تمكن الشعور بالإحباط والإهمال من نفوسهم، بجانب جمع شتات المنظمات والدعاة بالجنوب، وحل بعض الخلافات التي نشأت بين الدعاة ورموز الوجود السلفي بجنوب السودان([29]).

خلاصة حول مستقبل الوجود السلفي بجنوب السودان:

تحمل وضعية الدعوة السلفية بجنوب السودان بعد إعلان الانفصال في طياتها عدة تساؤلات، ولكن يرى الكثيرون أن لها مستقبلا واعدا مقارنة بالتيارات الإسلامية الأخرى، لأن لها قوة ذاتية وتأييدا محليا، كما أنه لا بد للمنتمين للتيار السلفي هناك من إخلاص النية والتوجه والحرص على هداية الناس والبعد عن الأغراض الدنيوية والمطامع الخاصة لكي تتمكن السلفية من تمكين وجودها في تربة جنوب السودان البكر، ومن ثم ينفتح الباب لها جنوباً.

فمن أبرز الملاحظات في هذا البحث أن أهم أسباب قبول الطرح السلفي بجنوب السودان أن الذين يقدمون الدعوة السلفية لأهل الجنوب هم من أبناء الجنوب أنفسهم، وذلك منذ بدء دخول الدعوة السلفية إلى المنطقة، مما سهّل انتشار الدعوة وقبولها، كما أن الدعوة السلفية بنت طرحها على القدوة الحسنة والصدق والعدل والمساواة، وأهل الجنوب يريدون من يطابق قوله فعله. 

وتقتضي الحاجة للتأكيد على السماح للإسلام في جنوب السودان أن يعمل باستقلالية تامة، ويجب على مسلمي جنوب السودان عموماً أن يقوموا بإنشاء منظمات محلية تقوم بتنظيم ممارساتهم الدينية كما بادرت بذلك جماعة أنصار السنة وألا يكونوا عالة على جهة خارجية، وأن يسارع مسلمو وسلفيو جنوب السودان للتواصل العالمي مع الأمة والمجتمع الإسلامي حتى يمكنهم متابعة الأحوال الدولية والأحداث الجارية التي تؤثر على العالم الإسلامي بالحرص والاهتمام اللازم، ولا بد لمسلمي وسلفيي جنوب السودان أن يطوروا العلاقات والروابط مع مسلمي أفريقيا وبصفة خاصة مسلمي يوغندا وكينيا وأثيوبيا وأريتريا وبورندي ورواندا وتشاد وأفريقيا الوسطى، والتي يوجد في بعضها تنظيمات ومنظمات سلفية قديمة ومؤثرة في محيطها المحلي والإقليمي.

مـــــراجع:

1- أحمد محمد طاهر، جماعة أنصار السنة المحمدية، نشأتها، أهدافها، منهجها، جهودها، ط 1 (الرياض: دار الفضيلة للنشر، 1425هـ- 2004م).

2- محمد خليفة صديق، التيار السلفي في جنوب السودان.. النشأة والتحرك، في: الإسلام في دولة جنوب السودان الجذور- الواقع- المستقبل (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، يونيو 2011م).

        3-  حوار مع د. إسماعيل عثمان الماحي الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، على موقع المشكاة، على الرابط: http://www.meshkat.net، بتاريخ: 26/7/2009م.

       4-  عوض جاد السيد، أنصار السنة الوفاق يظلل الجميع، مقال موجود على الرابط: http://www.alhadag.com/reports1.php?id=2353.

    5- د. يوناس بول دي مانيال، حوار صحفي مع صحيفة المحرر السودانية، العدد 229، بتاريخ: 4/4/2011م.

    6- حوار مع الشيخ حامدين شاكرين لوال، صحيفة المحرر السودانية، العدد 225، بتاريخ: 7/3/2013م.

   7- مقابلات شخصية مع عدد من القيادات السلفية بجنوب السودان.

  8- أوراق علمية غير منشورة لعدد من القيادات السلفية بجنوب السودان.

  



([1]) حوار مع د. إسماعيل عثمان الماحي الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، على موقع المشكاة، على الرابط: http://www.meshkat.net، بتاريخ:26/7/2009م.

([2]) د. يوناس بول دي مانيال من الشخصيات الجنوبية الكبيرة، انتمى باكرا لجماعة أنصار السنة، يحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية، ونائب عميد كلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية بجامعة الزعيم الأزهري بالسودان سابقاً، عمل من قبل نائباً لوالي أعالي النيل ووزيراً للشئون الهندسية، ثم وزيراً للشئون الاجتماعية هناك، كما عمل ملحقاً إعلامياً في سفارة السودان ببرلين، ويحمل دي مانيال تاريخاً جيداً في نشر الدعوة خاصة في الجنوب، وعمل أميناً سياسياً لجماعة أنصار السنة وكان ضمن المرشحين لخلافة الشيخ محمد هاشم الهدية في رئاسة الجماعة، يُعد هو الأب الروحي والأمين العام للرابطة الإسلامية لجنوب السودان، أول جسم رسمي للسلفيين بالجنوب والتي أنشئت عام 1985م، وكان مقرها بأم درمان، حي العرضة، يعمل حالياً أستاذا جامعياً بجامعة أعالي النيل بدولة جنوب السودان.

([3]) عوض جاد السيد، أنصار السنة الوفاق يظلل الجميع، مقال موجود على الرابط:

http://www.alhadag.com/reports1.php?id=2353

([4]) أنصار السنة .. الانتخابات ولعنة الانشقاقات، مقال موجود على الرابط:

 http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=3674:2009-06-12-07-44-24&catid=34:2008-05-19-17-14-27&Itemid=55

([5]) أحمد محمد الطاهر، جماعة أنصار السنة المحمدية، نشأتها، أهدافها، منهجها، جهودها، ط 1 (الرياض: دار الفضيلة للنشر، 1425هـ- 2004م)، ص 432.

([6]) د. يوناس بول دي مانيال، حوار صحفي مع صحيفة المحرر السودانية، العدد 229، بتاريخ: 4/4/2011م.

([7]) مقابلة شخصية مع الشيخ علي حسن علي أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية، بالمركز العام للجماعة بالسجانة، بتاريخ: 1/3/2011م.

([8]) مقابلة شخصية مع د. يوناس بول دي مانيال، بمكتبه بأم درمان، بتاريخ: 20/3/2011م.

([9]) المرجع السابق.

([10]) المرجع السابق.

([11]) محمد كوال، توطين وتمكين الدعوة في جنوب السودان، ورقة قدمت في مؤتمر الولايات الجنوبية الأول، أقامته أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، 11، 12 ديسمبر 2010م.

([12]) حوار مع الشيخ حامدين شاكرين لوال، صحيفة المحرر السودانية، العدد 225، بتاريخ: 7 مارس 2013م.

([13]) المرجع السابق.

([14]) مقابلة شخصية مع الشيخ علي حسن علي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بجنوب السودان، بالخرطوم، بتاريخ: 1/3/2011م.

([15]) المرجع السابق.

([16]) د. يوناس بول دي مانيال، حوار صحفي مع صحيفة المحرر السودانية، العدد 229، بتاريخ: 4/4/2011م.

([17]) المرجع السابق.

([18]) عبد الله برج، فقه الواقع للدعوة في جنوب السودان، ورقة قدمت في مؤتمر الولايات الجنوبية الأول، أقامته أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، 11 ديسمبر 2010م.

([19]) مقابلة شخصية مع الشيخ علي حسن علي، أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية بالخرطوم، بتاريخ: 1/3/2011م.

([20]) د. يوناس بول دي مانيال، حوار صحفي مع صحيفة المحرر السودانية، العدد 229، بتاريخ: 4/4/2011م، ص 14.

([21]) المرجع السابق.

([22]) مقابلة شخصية مع الشيخ علي حسن علي، أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية، بالخرطوم، بتاريخ: 1/3/2011م.

([23]) مقابلة شخصية مع د. يوناس بول دي مانيال، بمكتبه بأم درمان، بتاريخ: 20/3/2011م.

([24]) د. يوناس بول دي مانيال، حوار صحفي مع صحيفة المحرر السودانية، العدد 229، بتاريخ: 4/4/2011م، ص 14.

([25]) المرجع السابق.

([26]) مقابلة شخصية مع الشيخ علي حسن علي، أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية، بالخرطوم، بتاريخ: 1/3/2011م.

([27]) د. طارق الهدية، منهج جماعة أنصار السنة في الجنوب، ورقة قدمت في مؤتمر الولايات الجنوبية الأول، أقامته أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، 11 ،12 ديسمبر 2010م.

([28]) مقابلة مع الشيخ حامدين شاكرين لوال، بالخرطوم بحري، بتاريخ 8 ديسمبر 2013م.

([29]) محمد كوال، توطين وتمكين الدعوة في جنوب السودان، ورقة قدمت في مؤتمر الولايات الجنوبية الأول، أقامته أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، 11 ،12 ديسمبر 2010م، ص 6-7.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق