العلاقات المصرية – الإيرانية.. إظهار الحق وكشف الأستار
الأثنين 3 مارس 2014

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

 

خاص بالراصد

ليس مستغربا أن يتواصل الجدل بشأن العلاقات المصرية – الإيرانية إذ كانت وستظل هذه العلاقات واحدة من أهم محددات استشراف مستقبل المنطقة برمتها، كون مصر تمثل، وبغض النظر عن الأحداث السياسية التي تشهدها خلال هذه الفترة الحالية، أحد أهم مكونات المحور السني، فيما تجسد الدولة الإيرانية الخمينية القوة الشيعية الرئيسية في المنطقة أيضا، ومن ثم فإن واقع هذه العلاقة وشكلها يعكس إلى أين تتجه دفة الصراع الإقليمي الذي تؤججه طموحات الدولة الإيرانية التي لا تتوقف للحظة واحدة عن إثارة بؤر التوترات الطائفية في العديد من البلدان، ما يجعلها أوراق ضغط بيد طهران ضد هذه البلدان ومعها بعض القوى الدولية لترسيخ المزيد من هيمنتها واحتلال مكانة إقليمية ربما لا تتواز مع القدرات الحقيقية للدولة الإيرانية سواء على المستوى السكاني أو على المستوى الاقتصادي الذي تتفوق عليه بعض الدول السنية مثل المملكة العربية السعودية.

وكان من أبرز أشكال هذا السجال الحلقة التي خصصها مؤخرا برنامج "أجرأ الكلام" الذي تبثه قناة "القاهرة والناس" – إحدى القنوات المصرية الخاصة- ويقدمه الإعلامي اللبناني المعروف "طوني خليفة" وهي الحلقة التي استضافت ثلاثة من الوجوه السياسية والثقافية والإعلامية المعروفة في مصر وهم الأستاذ الدكتور جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس – شمال مصر – والكاتب الصحفي أحمد السيوفي مدير مكتب قناة العالم الإيرانية في القاهرة والأستاذ علاء سعيد الأمين العام لهيئة الدفاع عن الصحابة وآل البيت.

ولا تأتي أهمية هذه الحلقة من كونها الحلقة الأولى التي تتناول بالنقاش مسألة ما يسمى بالوفد الشعبي المصري الذي سافر إلى إيران والتقى بعدد من مسئولي الدولة الإيرانية فقد سبقها العديد من الحلقات بقنوات مختلفة، لكن أهميتها تعود بالأساس إلى أنها لم تكن معبرة عن صوت واحد يدافع عن اتجاه واحد سلبا أو إيجابا، بل طرحت وجهتي نظر متباينتين.

ويجدر بنا وقبل تناول بعض ما جاء في الحلقة التلفزيونية أن نؤكد على أن الموقف المنطقي يقول إن الرفض المطلق لإقامة علاقة مع الدولة الإيرانية هو من قبيل التجاوز في فهم الواقع وإدراك مسارات التفاعلات السياسية الدولية وتلمس مصالح الأمة الإسلامية وعليه فإن خلافنا مع دعاوى العلاقات المصرية - الإيرانية يرتكز بالأساس حول الإطار الخاص الذي يجب أن تدور داخله هذه العلاقة والتي يفترض أنها تقوم تبعا لحسابات المصلحة والمنفعة وفق نسق شرعي وأخلاقي يراعي المصالح السياسية والاقتصادية الخاصة بالجماهير السنية التي تمثل الدعم الأساسي والحقيقي للدولة المصرية ومن ثم فإن خروج هذه العلاقة أو محاولة استغلالها من طرف طهران لتكون شوكة في حلق معسكر أهل السنة يمثل بلا أي جدال دعما مباشرا لضرب الأمن القومي المصري والعربي والإسلامي.

وما سبق لا يعني أننا نحاول ترسيخ الطائفية أو تجذير الخلاف داخل الصف الإسلامي بقدر ما هو دفاع مشروع – بل واجب - عن هوية الأمة الإسلامية وسبيل ضروري لحماية مصالح شعوبها ضد أحلام قومية متعصبة اتخذت من الدين الحنيف ستارا كما اتخذت من الشعارات البراقة - التي ليس لها أدنى انعكاس عملي على أرض الواقع - مجرد وسيلة لاستمالة الجماهير لتحقيق مآرب وأغراض نرى وبكل أسف أثر خطواتها في دول عدة مثل الإمارات العربية واحتلال جزرها الثلاث، وفي العراق الذي أصبح بفعل الطابور الإيراني ساحة إبادة طائفية لأهل السنة، وفي اليمن الذي بات مهددا لا تستقر له عين، وفي لبنان المهدد دائما بالتشتت والتجزئة، وفي البلدان الإفريقية التي يتعرض مسلموها لمحاولة إفساد عقائدهم، بل وفي مصر ذاتها بعد ما ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن لطهران دورا كبيرا ويدا فاعلة فيما حدث في 30 يونيو و3 يوليو إذ أكدت المصادر الشيعية نفسها أن مؤسس حركة (تمرد) المدعو محمود بدر وهي الحركة التي كان لها الإسهام الأكبر في حشد وتوجيه الجماهير ضد الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي هو أحد الشيعة وأن اجتماعات الحركة في بداية تأسيسها كانت تتم في مقر جمعية مصر الفاطمية.

منطلقات الدفاع

وحتى يكون لحديثنا صفة الموضوعية فإننا سننقل بقدر ما نستطيع خلال هذه السطور بعضا من أهم ما تناوله الدكتور جمال زهران في الحلقة بحرفيته ثم نعقب بعد ذلك بإبداء ملاحظاتنا وتعليقاتنا على ما تضمنه كلام زهران.

في بداية الحلقة لم يتردد زهران في أن يؤكد أن زيارة الوفد الشعبي لإيران والتي تمت في الفترة من 5- 15 ديسمبر 2013م وجاءت بعد شهور قليلة من أحداث 30 يونيو والتي تعد الثانية بعد الزيارة التي تمت في أعقاب ثورة يناير 2011م على أنها تأكيد للعادة بزيارة طهران عقب كل ثورة ذلك انطلاقا من الرغبة في أن تخرج مصر من حصارها وكبوتها وأن تلعب دورها الإقليمي وأن يكون لها جسور مع كل الدول بلا تمييز خصوصا الدول الركائز في المنطقة كإيران وتركيا وإثيوبيا فيما رفض زهران رفضا قاطعا أن يعتبر دولة قطر دولة محورية واصفا أن دورها في المنطقة يتم لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

كما رفض زهران مقارنة قطر بتركيا معتبرا أن قطر تقوم بالوكالة عن أمريكا فيما أن تركيا تلعب لصالحها بنسبة تتراوح ما بين 70 إلى 80%  فضلا عن أن قطر تدخل في تصنيف الدول المنمنمة.

وتطرق زهران لزيارة الوفد الأولى والتي شارك فيها أيضا رغم أنه كان هناك وفدان آخران أحدهما اتجه إلى تركيا والآخر إلى إثيوبيا وأن حظه – وفق قوله -  كان المشاركة في الوفد المتجه إلى إيران مشيرا إلى أن هذه الزيارة وما تلتها من زيارة أخرى في 2013 كانا يستهدفان بالأساس كسر استمرار قطع العلاقات المصرية – الإيرانية الذي اعتبره في غير صالح الأمن القومي المصري .. متسائلا لماذا لا يتم التواصل المصري – الإيراني ولماذا لا تعود العلاقات لسابق عهدها ولماذا لا يستفيد الطرف المصري والطرف الإيراني كل من بعضه ولماذا لا يعاد تشكيل كل المنطقة بحيث تحافظ على استقلالها الذاتي؟

وأصر زهران على القول بأن الوفد المتجه لإيران لم يقم باستئذان أي جهة حكومية أو نظامية قبل القيام بزيارته وأن الزيارة جاءت بتنسيق من التجمع العربي لدعم خيار المقاومة الذي يدعم فكرة المقاومة ضد إسرائيل والاستبداد والفساد والتبعية.

وفي رد على سؤال لمقدم البرنامج .. وهل إيران هي من تدعم فكرة المقاومة؟ رد زهران إنه ليس بالضرورة أن تكون إيران وحدها ولكنها من الدول الممانعة.. فسأله المقدم: وحماس أيضا – يقصد من الدول الممانعة - .. فرد زهران قائلا وحماس أيضا لكن حتى 11 فبراير ثم أضاف أن النظام السوري ممانع وحزب الله أيضا ممانع ونحن ممانعون فنحن جزء من الشعب المصري.

ولفت زهران إلى أن من حقه أن يتكلم باسم الشعب المصري كونه نائبا وأنه جزء من الثورة وأنه يحيا وسط الشعب يوميا ولا يعيش في برج عاجي.

ثم يحدد زهران أهداف زيارته لإيران قائلا إن ذلك جاء لشرح تطورات الوضع في مصر للإيرانيين وتوضيح خارطة المستقبل بعد 30/6 مشيرا إلى أنهم من حقهم كشعبيين أن يتحاوروا مع قيادات كبيرة داخل النظام الإيراني معتبرا أن السفير الإيراني في القاهرة مجرد أداة منفذة للسياسات في حين أراد الوفد أن يناقش صناع هذه السياسات.

وقال زهران إن الوفد قابل مجموعة من القيادات بينهم رئيس مجلس الشورى الإيراني حيث استمرت هذه الحوارات لأكثر من عشر ساعات.

وأضاف أن الوفد كان لديه انطباع بأن الإيرانيين داعمون لجماعة الإخوان المسلمين غير أنهم اكتشفوا أنهم غير داعمين للجماعة.

ثم يعود زهران ليقول إن الوفد قال للقيادات الإيرانية إنكم بهذا – يقصد دعم الإخوان - تساندون الإرهاب فلابد أن يكون معياركم هو التعامل مع المعطيات في مصر بنفس تعاملكم مع المعطيات التي في سوريا وألا يكون لديكم ازدواجية.

وأوضح زهران أن الفريق المشارك في الزيارة تم تكوينه من 35 شخصية وقد أعلم رئاسة الجمهورية بالزيارة فيما أبلغ وزارة الخارجية والتقى بالمتحدث الرسمي للخارجية السفير بدر عبد العاطي لأن الوزير لم يكن موجودا بالقاهرة آنذاك حيث قام الوفد بشرح الوضع للسفير عبد العاطي فضلا عن أن السفير المصري بطهران كان في استقبال الوفد واستضافهم في منزله كما نسق لهم لقاءات مع فعاليات شعبية إيرانية لا حصر لها.

وفي محاولة لتبرير وصف الإيرانيين للأحداث في مصر باعتبارها انقلابا قال زهران إن الثورة في اللغة الفارسية تعني انقلاب أما المرادف لكلمة انقلاب بمفهومها العربي لدينا فهو كلمتي "انقلاب عسكري".

ولم ينس زهران أن يلفت النظر إلى أن أحد الأدوات الاستعمارية لتمزيق المنطقة وإفقادها لعروبتها التي هي الأساس لجمع شمل هذه الدول هو الفتن السياسية كالصراع السني الشيعي مضيفا أنه حين تقيم مصر علاقة مع الصين التي يدين 90% منها بأديان غير سماوية لا يعلق أحد على هذه العلاقة في حين إذا أرادت مصر أن تقيم علاقة مع إيران يقولون إن إيران دولة شيعية وأن ذلك يعد ترويجا للمذهب الشيعي ولهؤلاء أقول إن مصر عصية على أي أحد يريد أن ينتهك انتماءاتها.

وفي مقطع آخر من الحلقة التي يمكن مشاهدتها بالكامل على موقع "يوتيوب" يقول زهران إنه لابد من تكوين تحالف مصري إيراني ضد تركيا لافتا إلى أنه لو عرض عليه السفر لتركيا ما كان ليوافق إذ القيادة التركية اليوم هم إخوان مسلمون ويساندون اللاشرعية – يقصد الرئيس محمد مرسي -.

تهافت وتناقض

يجدر بنا في بداية الرد على ما سرده الدكتور زهران أن نلفت نظره فضلا عن نظر القارئ الكريم إلى أن الأهمية التي حاول أن يضفيها على طبيعة المهمة التي من أجلها اتجه الوفد لزيارة إيران هي من قبيل المبالغة القصوى ذلك أنه وعلى مدار نحو ثلاث سنوات والوفود المصرية –غير الرسمية - المتجهة إلى إيران لم تنقطع حيث سارعت الحكومة الإيرانية وفي أعقاب ثورة يناير إلى التواصل مع الإعلاميين والمثقفين المصريين وتنظيم زيارات خاصة لهم عبر سفارتها بالقاهرة وقد كان لصاحب هذه السطور نصيب من ذلك إذ تلقيت وعبر أحد الإعلاميين المصريين دعوة بالسفر غير أني قابلتها بالرفض لأني استشعرت أن الهدف منها محاولة إثنائي عن مقالاتي لكشف حقيقة أهداف السياسات الإيرانية في المنطقة أو على أقل تقدير محاولة لتصوير إيران وكأنها دولة ديمقراطية تقبل بالرأي الآخر وهو الأمر الذي يجافي الحقيقة تماما إذ لو كانت كذلك بالفعل فلماذا إذن تستمر المظالم والانتهاكات التي تجري بحق أهل الأحواز الذين يواجهون الإعدام والاعتقال ليس إلا لأنهم من أهل السنة الذين يطالبون ببعض حقوقهم المسلوبة؟.. بل ولماذا تتواصل الانتهاكات بحق المختلفين سياسيا مع الحكومة الإيرانية؟.. إن المسألة لا تعدو عن كونها وكعادة الدولة الإيرانية ممارسة للدعاية السياسية التي وبكل أسف انطلت على البعض ممن لا يتعلق أو يتشبث بمبدأ فيكون كل ما يشغلهم هو الاستجابة لرغباتهم الشخصية تحت دعوى التعرف على بلد جديد وثقافة جديدة وغير ذلك مما سمعته من بعض ممن قبلوا بالسفر لإيران.

أما فيما يخص حديث زهران عن أن الوفد لا تربطه بالحكومة المصرية أية رابطة فإن ذلك يمكن أن يطابق الحقيقة إلى حد كبير غير أن الذي لا يمكن قبوله اعتباره وفدا شعبيا يعبر عن توجهات الشعب المصري إذ الأدق أن الوفد لا يعبر بدقة عن التوجه العام للنظام كما لا يعبر عن الموقف الشعبي العام أيضا والذي هو رافض تماما للسلوك الإيراني في المنطقة ومن ثم فإن الأكثر منطقية هو اعتبار أن الوفد يعبر عن مجموعة نخبوية تتواصل مع إيران لمصالح خاصة بها وأنها وفور وقوع ثورة يناير وحدوث حالة من السيولة على مختلف المستويات خاصة السياسية والأمنية سارعت هذه المجموعة إلى تسويق نفسها على أنها قادرة على تحقيق ما طمحت إليه طهران طيلة عقود وفشلت فيه ألا وهو توثيق العلاقة مع مصر.

وبالطبع كان يجب أن يتم تحقيق هذا المطلب أو التقدم نحوه من خلال ما يمكن أن يستسيغه المجتمع المصري الناقم كما أشرنا على ممارسات إيران فكان أفضل السبل هو اتباع نفس اللعبة التي لا تمل إيران من لعبها وهي حكاية المقاومة والممانعة فتكون الزيارة عبر ما يسمى "بالتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة" الذي يضم في عضويته وقيادته عددا من الشيعة أو المتعاطفين مع الدولة الإيرانية في مصر وبعض البلدان العربية والإسلامية فيما لم يضم في عضويته عناصر أخرى من المختلفين مع إيران وسياساتها وكأن كل المختلفين مع إيران لا يدعمون المقاومة أو ليسوا من الرافضين للكيان الصهيوني المحتل.

وهنا نسأل الدكتور زهران الذي يصنف إيران باعتبارها واحدة من دول الممانعة.. ماذا تقصد بالممانعة وأين مظاهر تلك الممانعة؟ ولأننا لا ننتظر إجابته نقول له إن كنتم تقصدون بالممانعة الوقوف كحائط صد ضد مخططات الإمبريالية الغربية والصهيونية لفرض هيمنتها على بلدان المنطقة فإننا نذكره بأن إيران كانت إحدى أهم الأدوات التي استخدمتها هذه الإمبريالية في كسر إرادة وقوة الشعوب العربية والإسلامية عندما ساعدت الاحتلال الأمريكي على احتلال كل من أفغانستان والعراق بل وعندما ظلت تمارس وتلعب دورا قذرا في العراق بل وعندما دعمت بكل ما تملك نظام الرئيس السوري بشار الأسد في مواجهته للثورة السورية.

وينقلنا ذلك إلى حديث زهران عن توصيفه أيضا للنظام السوري باعتباره من الممانعين وهو الأمر الذي يثير الضحك الباكي إذ كيف بك يا دكتور زهران وأنت من تقول عن نفسك أنك من الثورة المصرية تحرّم على غيرك ما تحله لنفسك فكيف تعتبر الثورة السورية إرهابا يجب مواجهته؟ .. أليس من حق السوريين أن ينتفضوا ضد نظام حرمهم من أبسط حقوقهم السياسية وقتل آمالهم في حدوث أي تغيير يعكس إرادة هذا الشعب؟ أليس من حق الشعب السوري أن يتطلع لبناء دولة قوية يتحقق فيها تكافؤ الفرص وأن ينهي مرحلة من سيطرة الأقلية الطائفية على أغلبية ليس لها حتى أن تعبر عن المفهوم الحقيقي للمقاومة القائم على الجهاد ضد محتل صهيوني يحتل أرض الجولان لعقود دون أن يطلق النظام الأسدي "العنتري" طلقة واحدة باتجاهه فيما اكتفى هو بخطب وشعارات هي في حقيقتها جزء من مخطط إجهاض المقاومة وامتصاص حماس الجماهير؟

بل إن الأسوأ والصادم فيما طرحه الدكتور زهران أن يعتبر حزب الله ممانعا وهو ما يمثل قمة التناقض في مواقف الدكتور زهران إذ تشهد أروقة بعض المحاكم المصرية في الوقت الحالي محاكمات لبعض عناصر حزب الله المتهمة بالتواطؤ مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين فيما عرف بقضية وادي النطرون فضلا عن مشاركة بعض عناصره في التخطيط لارتكاب أعمال إجرامية بحق مصر والمصريين ووصفهم بأنهم حزب ممانعة يعني أن مثل هذه الأعمال هي جزء من المقاومة التي يتبناها الحزب وهو ما يتعارض تماما مع الموقف الذي يتبناه النظام الذي يدافع عنه زهران وذهب لإيران ليروج له ويدافع عنه.

كذلك يعني هذا التوصيف أن يتجاهل الدكتور زهران تماما مشاركة حزب الله بقواته وعناصره في الحرب البشعة التي يشنها الأسد ضد الشعب السوري وهي المشاركة التي عكست طائفية هذا الحزب فما حركه هو أن نظام الأسد نظام علوي شيعي يحظى برضى سادته في طهران ومن ثم فإن التكليف بالمشاركة لم يأت وفق حسابات مصلحة الحزب أو حتى الدولة اللبنانية التي ينتمي لها الحزب جغرافيا وإنما جاء بأوامر من "قم" ولحسابات طائفية بحتة.

والمضحك أيضا أنه وفي الوقت الذي نسي أو تناسى كل ذلك لحزب الله لم ينس أن حركة المقاومة الفلسطينية الإسلامية "حماس" كانت أحد رافضي ما حدث في مصر وإقالة الرئيس مرسي فكانت عنده ضمن تيار الممانعة حتى تاريخ بعينه وأما بعد ذلك التاريخ فقد سقط عنها وصف الممانعة لتبدو الصورة وكأن تيار الممانعة والمقاومة ينحصر فقط على الشيعة.

وهنا أجدني مدفوعا إلى الإشارة لشيء له دلالته التي تؤكد لدي أن كل ما يشغل رجال إيران هو تحقيق مصالحها بغض النظر عن الانتماءات والولاءات وما شابه ذلك إذ لاحظت من قائمة أسماء أعضاء اللجنة التنفيذية للتجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة والذي تم إطلاق مؤتمره التأسيسي في العاصمة المصرية "القاهرة" يومي 24 و 25 يوليو اسم المهندس أبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط المصري، الذي هو أحد رموز الرفض لما حدث في الثلاثنين من يونيو وأحد الذي يتعرضون في الوقت الحالي للمحاكمة لموقفه من هذه الأحداث والذي لو قدر له أن يظل خارج السجن لمارس دوره داخل التجمع متمسكا بموقفه المختلف فيه مع النظام المصري الحالي في حين أن موقف الأمين العام للتجمع وهو لبناني شيعي يدعى الدكتور يحيي غدار قال إن الاستفتاء الذي جرى على الدستور المصري الذي تم إجراؤه عقب إقالة الدكتور مرسي قضى على المشاريع المعادية للأمة.. والشاهد في ذلك أن الأمر لا يتعلق بقضية ثورة أو غير ذلك في مصر أو في غيرها إنما يتعلق الأمر جملة وتفصيلا بتنفيذ أجندة مصالح طهران.

يؤكد ذلك أيضا التناقض الواضح الذي وقع فيه زهران أيضا والمتعلق بنفيه القاطع بأن يكون الوفد قد استأذن أيا من المرجعيات السياسية في مصر قبل توجهه إلى إيران حيث لم تمر دقائق ليعيد مقدم البرنامج السؤال مرة أخرى بصيغة مختلفة فيجيب زهران بأن الوفد تواصل مع الرئاسة ومع الخارجية التي كلفت السفير بدر عبد العاطي المتحدث باسمها بالجلوس مع أعضاء الوفد والاستماع لهم فيما كان السفير المصري في إيران في استقبالهم حيث نظم لهم لقاءات مع فعاليات شعبية وهي إشارة جديدة على أن الأهم هو "الهدف".. الذي أعتقد أنه أصبح واضحا للجميع.

ومما يثير العجب أيضا هو ما أشار إليه علاء سعيد الذي كان في مواجهة زهران خلال الحلقة من أن زهران قال في بعض الصحف إنه يجب تكوين تحالف مصري إيراني ضد تركيا وهو الاتهام الذي لم ينفه أو يرد عليه زهران ما كان كاشفا عن حقيقة نواياه رغم أننا كنا نود لو كانت دعوته لتكوين تحالف عربي إسلامي ضد "إسرائيل" كون أن هذا هو معنى المقاومة والممانعة الحقيقية فعلى الرغم من ملاحظاتنا على بعض السياسات التركية إلا أنها لم ترق لتشكل تهديدا للأمن القومي العربي أو الإسلامي كما لم تكن عنصرا يتهدد الأمن والاستقرار في البلدان العربية وهي الخطايا التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها الدولة الإيرانية.

المسألة برمتها هي محاولة للحد من الدور الإقليمي لأية قوة بخلاف الدولة الإيرانية التي تدرك أن تنامي قوتها واتساع دورها لا يتحقق في المنطقة إلا بالتحالف مع قوة سنية أخرى كون أن المنطقة سنية الهوية وهو ما يستدعي حدوث تقارب مع أحد دولتين إما المملكة العربية السعودية أو مصر ولأن طهران تعلم جيدا صعوبة تحقيق هذا الهدف فيما يخص المملكة فليس من سبيل لتحقيقه إلا مع القاهرة.

وفي الختام فإن من الموضوعية أن نعترف بصعوبة التفريق بين من يقومون بدور وظيفي أو "العمالة" لصالح دولة أو جهة معينة وبين أولئك الذين يتحركون انطلاقا من حسن النية واجتهادات جانَبها الصواب غير أن الذي نرى أنه بالأهمية بمكان هو أن يسعى الجميع لتحقيق الاتساق مع ما يطرحه المرء من أفكار وشعارات وبين ما يصدر عنه من سلوك أو خطوات يصر على صوابها فإن كانت المقاومة هي شعارنا فليتحسس جميعنا تلك الأطراف الحقيقية الداعمة للمقاومة دون الانجرار أو الانسحاق أمام المزيفين المتاجرين.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق