الحركة النسوية اليمنية .. الزحف نحو المجهول
السبت 1 فبراير 2014

فاطمة عبد الرءوف- كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

لاشك أن الحركة النسوية اليمنية تختلف بشكل واضح عن باقي الحركات النسوية في البلدان العربية، فهذه الحركة تسير باستحياء في المجتمع اليمني المحافظ، ولا تجاهر بجميع الأفكار النسوية الأممية ولا بمعظمها فهي تسير بحذر شديد متبعة سياسة النفس الطويل، تبذر بذورها بكثير من الصمت والهدوء وتتجنب التصادم بقيم المجتمع وعاداته وتراهن على مشكلاته وأزماته التي طال أمدها دون أن يتصدى لها أهل التقى والصلاح.

الحركة النسوية اليمنية تسير على طريق معروف خاضته قبلها الحركات النسوية في الكثير من البلاد العربية وأثبت نجاحه وأصبح طريقا معبّدا معروفا، فالحركة النسوية اليمنية اليوم تعيش أجواء الحركة النسوية المصرية أيام هدى شعراوي ورفيقاتها، وتبدو مطالبها إلى حد ما متواضعة حتى تستطيع أن تشق طريقها بدافعية وقوة أكبر ولكنها لن تنتظر سنوات طويلة كما حدث للحركة النسوية المصرية مثلا لأن هناك اتفاقات دولية وقعتها اليمن ولأن جماعات التمويل والضغط تلعب دورا بالغ النشاط في اليمن.

مواجهة الحركة النسوية اليمنية أسهل كثيرا من مواجهة الحركات النسوية في البلاد العربية الأخرى شريطة الانتباه لها وتقييمها جيدا ووضع تصور لما يمكن أن تكون عليه مستقبلا، والأهم من ذلك كله مجابهة المشكلات والعقبات التي تمثل البيئة الخصبة التي ستترعرع فيها البذور المسمومة التي تلقيها الحركة النسوية في التربة اليمنية.

نظرة تاريخية

يختلف مسار الحركة النسوية في شمال اليمن عن جنوبه، فقبل الوحدة عام 1990م، إذ تعرض الجزء الجنوبي للاحتلال البريطاني قرابة القرن والربع وعلى الرغم من عدم التدخل المباشر في الحياة الاجتماعية لليمنيين إلا أن لهذا التواجد الطويل أثر ولاشك في نمو النزعة النسوية في الجنوب وتكوين جمعيات نسوية، حيث خرجت مجموعة من النساء في خمسينيات القرن الماضي سافرات ومطالِبات بالسفور وكان هناك علاقة وثيقة مع اتحاد نساء مصر ورئيسته هدى شعراوي، وعندما ثار اليمن الجنوبي ضد الاحتلال البريطاني واستولى التيار اليساري على مقاليد السلطة بالجنوب عام 1974، حيث تسلم السلطة الحزب اليمني الاشتراكي الذي بشر بالشيوعية في اليمن وحارب الدين والعادات والقيم الدينية واضطهد العلماء، لقد كان وجود الحزب الاشتراكي يمثل البيئة الخصبة لنمو وترعرع الأفكار النسوية في اليمن الجنوبي.

جاء  في برنامج استكمال مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي ما يلي: (الدفع بجرأة بقطاع المرأة لكي يأخذ دوره في الحياة السياسية والاقتصادية أمر ضروري وهام ليس فقط في إشعار هذا القطاع بأن زمن الإذلال له قد انتهى ولابد من مساواته بالرجل بل ـ أيضا ـ في إشعاره بأنه يمكن أن يلعب دورا تاريخيا جنبا إلى جنب مع الرجل)، ونلاحظ الكلمات التي تشبه الطلقات النارية الصادرة من البيان. وعلى الرغم من ذلك لم تصل كلماته للقاعدة الشعبية العريضة من النساء، هذا الحزب الذي وصف نفسه في أحد أدبياته بأنه نموذج ثوري في المنطقة العربية على صعيد تحرير المرأة من قيود التخلف الاجتماعي.

بينما اليمن الشمالي لكونه بلداً محافظا، اقتصر العمل النسوي فيه على إنشاء مدارس للبنات ولم تحاول النسويات فيه التصادم مع قيم المجتمع وتوجهاته إلا بعد الوحدة، حيث تم الإعلان عن دستور يحمل مسحة علمانية فرض الاشتراكيون وقوى أخرى في اليمن الشمالي صياغته على هذا النحو فيما عرف إعلاميا بمعركة الدستور، وفي هذا العام (1990م) تم دمج اتحاد نساء اليمن في المحافظات الجنوبية والشمالية تحت اسم "اتحاد نساء اليمن" وكان معظم عضواته من الحزب الاشتراكي والاتجاه اليساري الماركسي.

الفقر والجهل

لا يمكن الحديث عن الحركة النسوية اليمنية بمعزل عن الظروف التي تعايشها المرأة اليمنية المستهدفة من قبل هذه الحركة حيث تعيش 76 % من النساء في ظل الأمية، أي أن هناك ثلاث نساء لا يستطعن القراءة والكتابة مقابل سيدة واحدة تستطيع .. ولعل الأكثر قسوة أن ما يقارب 40% من الإناث في الفئة العمرية 6 ـ 14 سنة غير ملتحقات بالتعليم الأساسي وأكثر من 80% منهن في الفئة العمرية 15 ـ 17 سنة غير ملتحقات بالتعليم الثانوي، حسب إحصائية للعام الدراسي 2004 ـ 2005.

 ظاهرة تسرب الفتيات من التعليم في المدن وبنسبة أكبر في الأرياف وتزداد بين فئات النساء المهمشات (الأخدام) التي تصل نسبة الأمية بينهن حسب الجمعيات التي تعنى بهذه الفئة إلي 95%، وهي نسبة بالغة السوء فالجهل هو التربة الخصبة التي يسهل فيها عمل غسيل للمخ ولا تستطيع المرأة الجاهلة أن تمتلك العقلية الناقدة التي تميز فيها بين السمين والغث.

وعندما يضاف الفقر للجهل تصبح المرأة هشة قابلة للكسر تبحث عن أي يد تمتد لها كي تنتشلها من حالتها المتردية التي تعيشها (يتجاوز عدد النساء تحت خط الفقر أكثر من 40 %).

بل إن الأمر تجاوز حدود الجهل والفقر، فالمرأة اليمنية تعاني الكثير من الظلم والتهميش باسم العادات والتقاليد مرة، وباسم الدين مرة أخرى، حيث انتشرت أفكار ظالمة للمرأة على أنها من أوامر الله وما هي بذلك، بل مجرد عادات قبلية وتقاليد جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان تم تغليفها بغلاف ديني واستخدمت كأداة لقمع المرأة اليمنية.

وإذا كنا نريد حقا أن نواجه الحركة النسوية ونمنع توغلها السرطاني في المجتمع اليمني فعلينا مواجهة هذا الظلم الذي تتعرض له المرأة اليمنية بكل وضوح وصدق دون أن نجمل من الواقع أو نتهاون مع الظلم للمحافظة على وحدة الصف وعدم التصادم مع العادات الراسخة القديمة.

الحركة الإسلامية مطالبة أن تكون لها اليد الأولى في محاربة الجهل ونشر التعليم ووضع الخطط لمواجهة الفقر، والعمل وسط النساء المهمشات والمشردات والسجينات اللاتي بحاجة ماسة لمن يحدثهن عن التوبة وييسر لهن أمرهن، لا من يغذي فيهن العداء للمجتمع والرغبة في تحطيمه.

مكتسبات النسوية اليمنية

هناك الكثير من المكتسبات التي استطاعت الحركة النسوية اليمنية تحقيقها دون كثير من الجلبة والضوضاء وعلى الرغم من ذلك تبدو كتأثيرات عميقة ومهمة لوضع حجر أساس متين وقوي تبنى عليه المرحلة اللاحقة.

فعلى المستوى الثقافي وقعت جمهوريتا اليمن قبل الوحدة على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" هذا التوقيع الذي أصبح ملزما للجمهورية اليمنية بعد الوحدة. والقضية بعيدا عن السياق القانوني ثقافية من الدرجة الأولى حيث تلزم الاتفاقية الدول الموقعة على تفعيل مواد الاتفاقية من خلال وسائل الإعلام ومناهج التعليم حتى تصبح مواد الاتفاقية واقعا ثقافيا معاشا وليس مجرد نصوص قانونية، والحركة النسوية اليمنية هي من تتحمل عبء التبشير بها (الحركة اليوم تمتلك كادرا من الباحثين والباحثات والصحفيين والكتّاب المجندين لإشاعة المفاهيم من خلال الرسائل والبحوث والكتابات الصحفية في الجرائد والمجلات المحلية)([1]).

الجانب القانوني

الحركة النسوية اليمنية استفادت بعمق من الوثائق الأممية المرتبطة بالمرأة خاصة اتفاقية السيداو وشاركت في المؤتمرات الدولية التي تتابع مسار الاتفاقية على الأرض الواقعية ما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق بعد وماهي المعوقات التي منعت تحقيقها، وكيف يمكن إزاحتها؟ وهكذا فالحركة النسوية العالمية لا تكتفي بمجرد إصدار وثيقة كما يحدث في مؤتمراتنا وإنما هي تتابع بدأب تفعيلها الواقعي وتحويلها لدستور ثقافي ملزم، وفي هذا السياق تتحرك الحركة النسوية اليمنية فقد (أصدرت اللجنة الوطنية للمرأة عدة كتيبات بهذا الشأن تهدف إلى توعية المرأة بالمكاسب التي تحققت لها ـ على حد تعبيرها ـ كإعطائها حق الحرية الشخصية والمساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات وفتح آفاق فرص التعليم والعمل والدور الوظيفي في الحياة العامة.

ورغم النتائج التي حققتها الحركة في هذا الجانب الا أن الشهية لا تزال قائمة لالتهام المزيد كما تعلن وثائق المؤتمرات والأدبيات المعلنة للجنة والمنظمات المدنية.

فقد أوضح تقرير حول وضع المرأة اليمنية بعد خمس سنوات من مؤتمر بكين أن النساء يخضعن لأشكال أخرى من العنف الذي يمارس ضدهن عن طريق تطبيق القوانين التمييزية بحقهن)([2]).   

إنهن يهدفن لإجراء تعديلات على الدستور حيث يرين أنه لم يُتحدث عن المساواة المطلقة بين الجنسين كما يسعين لتعديل قانون الأحوال الشخصية خاصة ما يتعلق منه بالعقوبات على الفعل الفاضح حيث تنص المادة (273) من قانون العقوبات على أن: (الفعل الفاضح المخل بالحياء هو كل فعل ينافي الآداب العامة أو يخدش الحياء ومن ذلك التعري وكشف العورة المتعمد والقول والإشارة المخل بالحياء والمنافي للآداب)، بينما تنص المادة (274) على أنه: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة كل من أتى فعلاً فاضحاً علانية بحيث يراه أو يسمعه الآخرون)، حيث يرين أن الفعل الفاضح غير منضبط وأن السلطات تتوسع في مفهومه بحيث تعتبر أشياء عادية في عرفهم بأنها فعل فاضح كخلوة رجل وامرأة معا غير متزوجين مادام لم يتم ضبطهما متلبسين بفعل الفاحشة.

التمويل المشبوه

لا يمكن الحديث عن الحركة النسوية في اليمن دون التطرق لدور التمويل المشبوه لتثبيت جذور الفكر النسوي العفن في التربة اليمنية، وتتمثل في الجهات التالية:

1- الحكومات الغربية (وعلى رأسها هولندا والدنمارك) التي تقدم إعانات مباشرة عبر سفاراتها أو حكوماتها عن طريق منح وقروض للحكومة اليمنية الفقيرة التي تعتمد على الهبات والمساعدات لتسيير اقتصادها المهترىء .. هذه المنح والقروض لها شروط، ومصحوبة بضغوط تصب معظمها لصالح التيار النسوي وما لم ترضخ الحكومة اليمنية لتنفيذ هذه المطالب فإن هذه المساعدات سوف تتوقف.

2 - هيئات الأمم المتحدة العاملة في اليمن وأخطرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

3 - المنظمات الدولية المتعددة حيث تهتم كل منظمة بجزئية معينة كالتعليم.. العمل.. المشاركة السياسية.. الصحة الإنجابية.. تنظيم الأسرة.

وفي اليمن يتم التعامل مع هذه المنظمات بدون خطوط حمراء حيث تكالبت الجمعيات النسوية الكثيرة على الحصول على منح من هذه المنظمات الدولية.

مشكلات صادقة

على الرغم من كثرة الجمعيات النسوية اليمنية في الآونة الأخيرة إلا أنها تتحرك غالبا وفق البوصلة الغربية فتضخم مشكلات ربما تكون حقيقية ولكنها ليست ملحة بالنسبة للمرأة اليمنية وتتجاهل أخرى حتى كأنها غير موجودة، ولو ضربنا مثالا لذلك كمية البرامج الموجهة للمرأة لتمكينها من شغل مواقع سياسية قيادية سنجد أنها ضخمة على الرغم من كونها قضية لا تهتم بها غير النخبة بينما تشغل ظاهرة مثل العنوسة قطاعا كبيرا من نساء اليمن (وكانت دراسة يمنية قد كشفت خلال العامين الماضيين عن وجود أكثر من نصف مليون امرأة يمنية تجاوزن سن الثلاثين دون زواج، فضلا عن تفشي العنوسة بمعدلات عالية، خصوصا بين حملة الشهادات الجامعية والعليا في المدن الرئيسية، بشكل لافت للنظر.

وأرجعت الدراسة التي أعدتها الباحثة شروق با مقبل الأمر إلى غلاء المهور ونظرة المجتمع السيئة إلى المرأة العاملة.

ويعزو مختصون انتشار ظاهرة العنوسة في المجتمع اليمني إلى عوامل مختلفة، ترتبط بمسألة الفقر والعادات والتقاليد والقيم القبلية وتردي الوضع الاقتصادي، الذي يجبر الشباب على التفكير مليا قبل الإقدام على الزواج)([3]).

مشكلة العنوسة التي أصبحت تؤرق الفتاة اليمنية خاصة الفتاة المثقفة المتعلمة لا تعني الحركة النسوية ولا تأبه بها فهي مشكلة لم تقررها بعد لجنة المرأة في الأمم المتحدة، هذا إذا أحسنا النوايا ولم نقل إن الحركة النسوية فرحة بهذه المشكلة التي قالت عنها إحداهن: إن العنوسة صنو الكرامة، والزواج الطريق إلى الإذلال، ولعل المطلوب على المدى البعيد استبدال نمط الزواج الشرعي الطبيعي لعلاقات مفتوحة على الطريقة الغربية وربما علاقات غير نمطية "شاذة" من تلك التي تتحدث عنها الاتفاقات الدولية وتروج لها. فهل تحمل السنوات القادمة تلك الرياح الأممية المشئومة أم تستطيع الحركة الإسلامية مواجهة نذير الشؤم وعلاج مشكلات المرأة اليمنية وفقا للكتاب والسنة دون تهاون أو تقصير؟

 



[1] - الحركة النسوية في اليمن تاريخها وواقعها .. أنور قاسم الخضري، ص 157.

[2] - السابق، ص 160.

[3] - التقرير، نقلا عن موقع الجزيرة نت. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق