وفد شعبي مصري لإيران.. اللعب على الأحبال
السبت 4 يناير 2014

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

ليس من الصواب دائما أن يتم توصيف العلاقات بين الدول في إطار اللونين الأبيض أو الأسود بمعنى إما أن تكون العلاقة بين دولة وأخرى على أفضل ما يرام أو أنها على أسوأ حال، إذ تقع هذه العلاقات في الكثير من الأحيان داخل ما يعرف بالمساحة الرمادية التي تصيب الكثير من المحللين والمراقبين بالحيرة فيصعب عليهم تقييم هذه العلاقة التي تكون محدداتها في الغالب خفية أكثر منها علنية ومن ثم فهي تسير وفق المصالح الخاصة بكل دولة والتي تبقى ورغم كل شيء أمرا لا يدرك كنهه الحقيقي إلا المؤسسات القائمة على إدارة هذه الدولة أو تلك.

ويفسر ذلك مرور علاقات بعض الدول ببعضها بالكثير من المنحنيات إيجابا أو سلبا حيث تختلف وتتبدل الارتباطات الدولية من مرحلة إلى أخرى بل ربما من حدث لآخر ليصبح عدو الأمس صديق اليوم، وصديق اليوم عدو الغد وهكذا.

كما تكشف هذه الفلسفة التي تكاد تكون الإطار الغالب والحاكم للعلاقات الدولية عن التناقضات الظاهرة التي تقع فيها الممارسات السياسية الخارجية حيث تحاور بعض أطرافها التظاهر بالتمسك ببعض القيم والمبادئ غير أنه سرعان ما تتهاوى هذه الدعاوى مع أقل اختبار يمكن أن يمس حسابات المصلحة.

وتعد الدولة الإيرانية نموذجا فذا بامتياز يجسد هذه الفلسفة ليس لكونها تدافع فقط عن مصالحها الخاصة فهذا أمر ربما تشاركها فيه الكثير من بلدان العالم ولكن لأنها لا تفتأ تردد أيضا عبر تصريحات مسئوليها ووسائل إعلامها وطابورها المنتشر في البلدان العربية والإسلامية أنها المدافع عن حق الأمة والمقاومة وأنها الحصن الحصين الذي يواجه أعداء الإسلام في كل مكان، في الوقت الذي لم يعد خافيا على أحد تلك الممارسات السياسية التي تنال من قوة الأمة ووحدتها ذلك أنها غلبت حساباتها الطائفية والقومية لتصبح دعاوى الدفاع مجرد آلية من الآليات التي تستخدمها لتحقيق أهدافها الانتهازية.

أمثلة فجة

وتتعدد النماذج والأمثلة التي تكشف عن هذا النهج الإيراني الطائفي والتي كان أبرزها ما يشهده العالم يوميا ولنحو ثلاثة أعوام من انحياز ودعم مقيتين للنظام السوري بقيادة بشار الأسد الذي لم يكُف للحظة طيلة هذه الفترة عن ممارسة القتل والتشريد بحق أبناء الشعب السوري ليس إلا لكون الأسد وأركان نظامه ينتمون للطائفة العلوية التي باركها قائد الثورة الخمينية معتبرا إياها إحدى الطوائف الشيعية ومن ثم فإنه وجب على إيران أن لا تتخلى عنها وتدافع عنها مهما كانت أخطاء قياداتها وزلاتهم بل وجرائمهم أيضا ولتذهب دعاوى الدفاع عن حق الشعوب في تحقيق حريتها ومبادئ حقوق الإنسان ودعوات التقريب بين المذاهب إلى الجحيم إذ ليست هذه الشعارات سوى "اسطوانة مشروخة" تعملها وتفعلها فقط وقتما تستدعي الحاجة إلى ذلك لممارسة المزيد من الخداع للذين غاب الحق عن عقولهم.

ولا يختلف موقف إيران  من الأحداث في مصر كثيرا عن سوريا فالمحاولات التي بذلتها إدارتها وخارجيتها من أجل التقرب لجماعة الإخوان المسلمين خلال الفترة التي قدر لهم فيها أن يكونوا على رأس السلطة في مصر "من يونيو 2012 وحتى يونيو 2013" كانت مجرد وسيلة للنفاذ لاختراق مصر التي ظلت طيلة السنوات السابقة على حكمهم عصية على الاختراق، وعليه فالإخوان لم يكونوا بالنسبة للإيرانيين سوى أحد الأطراف المخدوعة فيهم حيث لم تقدر الأقدار لهم أن تضعهم على المحك مباشرة مع الإيرانيين فيدركون حقيقتهم ويعون خبث أهدافهم ولهذا وبمجرد أن دارت عليهم الدائرة وتدخل المجلس العسكري المصري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي لإقالة الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي لم تتردد طهران في أن تبيع مرسي وجماعته في أقرب سوق سعيا وراء كسب ود النظام الجديد الذي رأت أن المؤشرات الأولية تؤكد إحكام سيطرته على البلاد وقدرته على إزاحة الإخوان من الحكم.

العودة للألاعيب

في المقابل فإن النظام المصري الجديد بعد الثالث من يوليو الماضي لم يكن بأفضل حال من نظيره الإيراني إذ عاد هو الآخر ليمارس نفس منهج اللعب على الأحبال السياسية التي كان يمارسها خلال الفترات السابقة على حكم الإخوان الذين وعلى الرغم من الاعتراض الشديد على نهجهم في التعاطي مع إيران إلا أن الحق يفرض علينا القول بأنه كان تعاطيا ينبع من رؤية مبدئية لديهم حيث الاعتقاد بأن ذلك يمثل جهدا لتوحيد الصف الإسلامي في مواجهة التحالف الدولي ضد الإسلام.

ولعل مكمن الخطأ الذي وقع فيه الإخوان فضلا عن حسن الظن بالشيعة والدولة الإيرانية يتمثل في أنهم ولطول الممارسة السياسية غلبوا السياسي على العقدي، ما كان سببا لأن يغضوا الطرف أولا عن الكثير مما تكشف من طائفية إيران وعنصريتها في العراق وفي أفغانستان وفي سوريا بل وعلى أراضيها حيث الانتهاكات الحقوقية الفجة بحق السنة من عرب الأحواز وأن يتجاهلوا ثانيا النصائح التي بح صوت الإسلاميين الآخرين في أن يسمعوها للإخوان حول حقيقة إيران وأهدافها.

وتسجل الأحداث أنه لم تكد تمر خمسة أشهر كاملة على أحداث يوليو وإقالة مرسي حتى سارعت القيادة المصرية الجديدة إلى التودد للنظام الإيراني على الرغم من أن أحد أهم سهام النقد التي كان يوجهها الكثيرون من المشاركين في الحراك المضاد للرئيس مرسي هو تقاربه مع إيران والتشكيك في نواياه بل والاتهام الصريح له ولجماعته بالاستعانة بها وبأجهزتها الأمنية في تشكيل وتكوين ما يسمى بالحرس الثوري المصري بمساعدة الحرس الثوري الإيراني.

خلفيات الانطلاق

ظن القائمون على إقالة مرسي أن أمر تحقيق الاستقرار في مصر لن يتجاوز أياما حيث بمقدور الأجهزة الأمنية بمساعدة القوات المسلحة أن تجهض الحراك السياسي المحتمل من قبل الإخوان والإسلاميين المحتجين على هذا التصرف إلا أن هذا لم يحدث وظلت تتواصل عمليات الرفض بأشكال متعددة كان أبرزها التظاهرات والمسيرات التي لم تتوقف للحظة واحدة وهو ما كان من أهم تداعياته التردد الدولي في دعم الانقلابيين وتأييد ما حدث بعد 3 يوليو.

وبطبيعة الحال فقد كانت أعين الجميع سواء في الداخل المصري - جميع الأطراف - أو في الخارج على الموقف الأمريكي من هذه الأحداث وهو ما أدركت أمريكا خطورته حيث لم يعد يسيرا عليها أن تحسم موقفها إزاء تطورات الأحداث في مصر خاصة وأنها كانت عاجزة بكل أجهزتها الاستخباراتية عن التنبؤ بأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير لتمارس هي الأخرى سياسة اللعب على الحبال وإرجاء قرار الحسم حتى تتضح الرؤية كاملة.

وكان لهذا الموقف المتردد أثره السلبي على استتباب الأمر بمصر حيث كان دافعا للعديد من البلدان والقوى الإقليمية والدولية لأن تتراجع هي الأخرى عن دعم النظام الجديد على الرغم من أن أغلبها كان غير راض عن وصول الإخوان للسلطة خشية أن تكون هذه هي البداية لوصول إسلاميين آخرين للحكم في بلدان مجاورة.

كما مثل الموقف الأمريكي غير المحسوم استفزازا للقيادة المصرية الجديدة التي رأت أن ذلك يعد تخليا عنها في وقت عصيب، فسارعت إلى اتخاذ عدة مواقف مضادة كان أوضحها أنها شنت حملة من النقد الشديد عبر وسائل الإعلام لترويج الادعاء بأن الإخوان المسلمين عملاء لأمريكا، وأن أمريكا ما زالت تدعمهم غير أن ذلك لم يكن له نتائجه الإيجابية وفق ما كانت تريد الإدارة المصرية الجديدة ومن هنا فقد بدأت بالتفكير في وسيلة أخرى للضغط على واشنطن ليس فقط لانتزاع دعم وتأييد أمريكي كاملين للوضع السياسي في مصر ولكن أيضا لتتحرك واشنطن من أجل ممارسة دورها لإقناع بقية القوى الدولية بما آلت إليه أوضاع البلاد.

وعلى الفور اتجهت أنظار القائمين على الوضع إلى ممارسة لعبة الابتزاز السياسي لأمريكا عبر التقرب من المحور المقابل للولايات المتحدة والمتمثل في روسيا والصين باعتبارهما قوتين دوليتين منافستين، وإلى إيران باعتبارها القوة الإقليمية الكبرى المتنازعة مع أمريكا والغرب.

الدبلوماسية الشعبية

لم يكن من الحكمة بأي حال أن تتحرك القيادة المصرية الجديدة باتجاه إيران من خلال القنوات الرسمية المتمثلة في رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية إذ من الممكن أن يكون ذلك استفزازا قويا لواشنطن لا تحمد عواقبه كما يمكن أن يكون سببا لإثارة غضب واستياء البلدان الخليجية التي تعد الداعم المالي الأساسي للنظام الجديد في مواجهة الحالة الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد منذ الإطاحة بالرئيس مرسي، بالإضافة إلى عدم تجاوز الموقف الجماهيري العارم الرافض لإيران وسياساتها ومن ثم فإن الإدارة المصرية اكتفت بالتلويح بإمكانية التقارب مع إيران عبر إرسال ما أسمته "وفود الدبلوماسية الشعبية المصرية".

والحقيقة أن زيارة وفد شعبي لإيران تحت مسمى "الدبلوماسية الشعبية" ليست الأولى فقد سبق وأن زار وفد مماثل طهران في مايو من عام 2012 غير أن الفارق الجوهري بين الوفدين أن الوفد الأول ضم عددا من الشخصيات بلغ نحو 45 شخصية من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية ومن بينها التيار الإسلامي وهو الأمر الذي لم يتحقق بشأن الوفد الذي قام بزيارة طهران في الفترة من 5 إلى 15 ديسمبر 2013م حيث اقتصر تكوينه على الشخصيات المؤيدة للانقلاب ومن ثم فإن المهمة التي استهدفها اختلفت بشكل جذري حيث كانت تركز زيارة مايو على تطوير العلاقات بين القاهرة وطهران بعد فترة طويلة من القطيعة استمرت لأكثر من ثلاثين عاما وهو الهدف الذي جاء استجابة لمطالب شعبية بضرورة الانقلاب على سياسات الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

في المقابل فإن طبيعة تكوين الوفد الأخير الذي ضم نحو 35 شخصية استمر اختيارهم لشهرين بينهم " الدكتور صلاح الدين الدسوقي والدكتور جمال زهران والدكتور أحمد دراج وأحمد طه النقر وأحمد السعيد ورشاد خليل وعلاء أبوزيد وفاروق العشري وعلي عبد الحميد وعمرو علي وعمر عز وطارق الخولي - ممثل حركة 6 إبريل "الجبهة الديمقراطية" – وغيرهم " تكشف عن حقيقة الهدف منها حيث تسعى القيادة المصرية الجديدة إلى كسب تعاطف إيران معها وإقناعها بأن ما حدث من قبل القوات المسلحة وإقالة مرسي لم يكن انقلابا بل هو استجابة لإرادة الشعب المصري الذي ثار على رئيسه لفشله في إدارة البلاد.

وقد كشف الدكتور جمال زهران في إحدى مقابلاته التلفزيونية عن ذلك صراحة حين تحدث عن أن زيارة إيران تأتي انطلاقا من أهمية وجود غطاء سياسي للنظام الحالي في ظل التفاعلات والتشابكات الدولية والإقليمية.

وقد حمل الوفد الشعبي الذي تم اختياره عبر ما يسمى بـ"التجمع العربي لدعم خيار المقاومة" - الذي تأسس في الثالث والعشرين من يوليو 2011 بالعاصمة اللبنانية "بيروت" - مجموعة من الرسائل التي رأى أنها يمكن أن تسهل مهمته فحرص على التأكيد على استقلال القرار المصري وأن ما يسميه بـ" ثورة 30 يونيو" كانت تخلصا من التبعية التي أراد مرسي أن يفرضها على مصر لصالح بعض الأطراف الدولية والإقليمية، وأن مرسي لم يكن منحازا كما يتصور الإيرانيون للمقاومة إذ كان هو من قدّم لأمريكا و"إسرائيل" ما لم يقدمه مبارك بتعهد حماس بعدم إطلاق صاروخ واحد تجاه "إسرائيل" وبضمانة مصرية.

وهو ما أكده الكاتب طه النقر الذي قال إن الهدف الرئيسي من زيارة إيران هو شرح حقائق الوضع في مصر بعد 30 يونيو وأن ما حدث ثورة شعبية وليس انقلاباً على «الصحوة الإسلامية» مؤكداً أن الوفد المصري هاجم الموقف الإيراني «المتردد» فى الانحياز للثورة المصرية واتهم الجانب الإيراني بالانحياز لمعسكر الإخوان.

وحرص الوفد على أن يلتقي بمن يمكن اعتبارهم الشخصيات النافذة في الإدارة الإيرانية من أمثال "رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني علي لاريجاني والمستشار السياسي للمرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولاياتي ومساعد وزير الخارجية للشئون العربية والإسلامية حسين أمير عبد اللهيان ووكيل وزارة الخارجية مدير معهد الدراسات السياسية والدولية الدكتور هادي سليمان بور ومدير إدارة الشرق الأوسط فى وزارة الخارجية الإيرانية مجتبى فردوسي بور والأمين العام للمجمع العالمي الإيراني للتقريب بين المذاهب الإسلامية آية الله محسن الأراكي" حيث امتدت الحوارات معهم لتوضيح وجهة النظر في الكثير من القضايا. 

وكان أطرف ما صرح به أعضاء الوفد المصري عند عودتهم من إيران أن الحالة التي كان عليها من التقوهم من الشخصيات الإيرانية تبدلت من الجفاء والفتور إلى الود والترحيب بعد الدور الذي لعبه أعضاء الوفد طبعا في إقناع هؤلاء المسئولين، وهو أمر يثير الضحك والسخرية إذ ليس من المتصور منطقيا أن تحديد موقف الدولة الإيرانية كان متوقفا على ما أوضحه أعضاء هذا الوفد لكن المنطقي هو أن المسئولين الإيرانيين كان يجب أن يتظاهروا بما بدوا عليه من ضيق كشكل من أشكال حفظ الوجه واتساقا مع ما كانوا قد أعربوا عنه سابقا من رفض تدخل الجيش في الحياة السياسية فضلا عن إبداء بعض مشاعر الاستياء كاحترام لجماعة الإخوان التي كثيرا ما جاملت إيران والإيرانيين لهذا فإنهم ووفق ما صرح به الدكتور دراج متفهمون لما يجري في مصر حيث يرون أن 30 يونيو تصحيح لـــ "25 يناير" بعد أن تم اختطافها ومضيفا أن إيران على استعداد لمساعدة مصر في المجال العلمي لأنها بالنسبة لهم دولة مركزية لا يمكن الاستغناء عنها.

وهو نفس ما أكده ممثل 6 إبريل طارق الخولي الذي لفت إلى أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا أنهم يباركون تحرك 30 يونيو، ويعتبرونه موجة ثانية من الثورة وأنهم على استعداد للتواصل مع مصر وبدء حوار استراتيجي يضع أسساً لعلاقات قوية.

ولم ينس الوفد أن يبعث برسالة تطمينية لبلدان الخليج خشية أن تكون هذه الخطوة سببا لتأزيم العلاقة مع مصر في وقت هي أحوج ما تكون فيه للدعم الخليجي، لهذا فقد حرص الوفد على أن يعلن أنه أكده خلال لقاءاته على أن أمن الخليج العربي من الخطوط الحمراء لدى مصر لأنه يعتبر من أمن مصر القومي وأن تعزيز العلاقات بين القاهرة وطهران يبدأ من أمن الخليج.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق