إهمال القضية السُنّية العراقية لماذا؟ اعتقال النائب السني الدكتور أحمد العلواني نموذجا
السبت 4 يناير 2014

 

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

أُعتقل قبل أيام النائب الدكتور أحمد العلواني وقُتل شقيقه بعد مداهمة قوات (سوات) وعدد كبير من عناصر الجيش العراقي (الشيعي) لمنزله، ومرّ أكثر من يوم ولم نجد صدى لذلك العدوان باستنكار من صديق أو دولة خليجية أو عربية أو منظمة حقوقية، أما الدول الغربية فسكوت مطبق، وقبل ذلك بيومين أُغتيل في لبنان وزير سني سابق هو محمد شطح، فعجّت وسائل الإعلام بالاستنكارات والاعتراضات، والعالم أجمع يعلم أن قاتل الوزير السني اللبناني هذا ومعتقِل النائب السني العراقي وقاتل شقيقه جهة واحدة، وهي الأحزاب والحكومات الشيعية في المنطقة.

هذه الحادثة تطرح سؤالا تردد كثيراً في أذهان العراقيين: لماذا تهمَل القضية العراقية دائما مِن قبل أشقائنا العرب والمسلمين، وهذا الإهمال لا يقتصر على الحكومات، بل يمتد إلى النخب الدينية والفكرية والإعلامية، فهل الناس على دين ملوكهم، أم أن هناك شيئا آخر؟!

لا أستطيع الجواب بشكل كامل على هذا السؤال وأمثاله لوحدي، فمن الصعب أن ينفرد مثلي بالجواب عليها، ولكن بدايةً أشكر مجلة الراصد التي كانت خلافا لما نتكلم، فقد وعت للقضية العراقية منذ أن صدرت المجلة، والعراق وقضاياها يأخذان حيزا طيبا بين موضوعاتها.

لكن مساهمةً مني في الجواب على هذا السؤال، أعتقد أن السبب يتعلق بجهتين: الدولة العراقية، وأهل السنة بالعراق أنفسهم.

أما من جهة الدولة: فالعراق بلد تضرب الحضارة في أطنابه وأعماقه، وعاصمته بغداد عاصمة خلافة العباسيين، وهو بلد يعرف العدو قيمتَه أكثر من الصديق، وتكاد الدول العربية الأساسية هي مصر والعراق والشام وهي مرتكزات الحضارة الثلاثة، فالدول الصغيرة تخشى العراق سياسة، والعدو – على الأخص اليهود- يخشون العراق وأهله ديانة، وفي العراق خيرات يُطمع فيها، والعراق في بداية القرن العشرين نهض نهضة متميزة بين جيرانه؛ لذلك وضح التنافس بين الإخوة العرب، والخوف منه غدا واضحا، وأمتنا تشبه دول الطوائف في الأندلس، أضف إلى ذلك أن صعوبه أهل العراق وقوتهم جعل الدول العربية تخشاه أكثر وأكثر، وساهم في ذلك تهويل المستعمر فهو يخوّف الناس من حكوماته ومن شعبه، وفي العقود الأخيرة كان لحزب البعث العربي الاشتراكي (لذي حكم 35 سنة) دور في ذلك؛ فالفكر القومي والبعثي فكر يصدر الثورة للمجاورين، ويستطيع البعثيون بنفط العراق شراء شخصيات كثيرة.

وجاءت حادثة دخول العراق الكويت لتثبت المخاوف، لذا تكالبت دول الخليج على إسقاط العراق ومساندة الأمريكان على ذلك، ولا أريد أن أسترسل لأبيّن خطأ هذا الفعل وأنه كان يمكن معالجة ذلك بطريقة أخرى؛ لأن الواقع يتكلم وكذلك الاعتراف والحسرات، حتى من الكويتيين الذين يملأ الندم نفوسهم على ما فعلوا، فقد حطموا مارد العراق ليخرج لهم المارد الشيعي من قمقمه، وليومنا هذا.

بعد احتلال العراق واتفاق الإيرانيين والشيعة مع الأمريكان على بيع العراق لهم، أصبحت إيران والعراق مع سوريا وحزب الله هلالا شيعيا يهدد المنطقة السنية بأسرها، وتعرض سنة العراق لما تعرضوا، من ذبح وتهجير وإقصاء، ولم يتحرك العرب إلا مصة الوشل، بل تآمر بعضهم رغبة ورهبة من الأمريكان في تثبيت الحكم للشيعة، ولم يستخدموا سنة العراق حتى لمصالحهم هم، ولم يتخذوا من رجال العراق ورقة يساومون بها أمريكا التي اتفقت مع إيران ضدهم، فضيقوا على المقاومة العراقية أولا، وأهملوا سنة العراق، بل فرضت السعودية على سنة العراق شخصيات هشة من أمثال (غازي عجيل الياور) شخصيات لا تاريخ لها ولا همّ لها إلا النساء والمال.

وقد كان من المستغرب أن السعودية رشحت وزير الدفاع بالوكالة الحالي سعدون الدليمي (المتشيع أكثر من الشيعة)، وبلد آخر يرشح عبد الستار أبو ريشة (مهرب وقاطع طريق) للصحوة ومن ثم أخاه أحمد أبو ريشة ( نائب ضابط في الأمن العراقي السابق) بعد مقتل عبد الستار، وتركيا آيديولوجياً منحازة للإخوان (الحزب الإسلامي)، وغير ذلك من الشخصيات؛ وكأن العراق عقم أن يلد رجالا غير هؤلاء، فلا أدري هل تعرف هذه الدول مصالحها إذ لم تعرف مصلحة العراق؟

لقد كان وما زال في العراق رجال من كل الأصناف؛ مقاتلون، ومفكرون وكفاءات، تستطيع هذه الدول أن تتخذ منهم شجا في حلق إيران وشيعتها، تحرج بها الاتفاق الأمريكي الإيراني وتفرض وضعا جديدا للمنطقة؛ لأن الدول الكبرى من جانب (روسيا وأمريكا)، والدول الكبرى بالإقليم (تركيا وإيران) تقسم الكعكة في المنطقة ولا تحسب لدولنا  أي حساب.

واليوم وبعد أن دخلت الثورة السورية عامها الثالث وأحدثت تغييرا في المنطقة وفي الحسابات الغربية، نتساءل: لماذا لا تفتح دولنا العربية وتركيا جبهة العراق لتحرج إيران وأمريكا وروسيا، وأقصد بفتح الجبهة هنا، إثارة مظلومية سنة العراق العرب في المحافل الدولية، وتستخدم مفكرين وعقول العراقيين لصالح أمنها القومي؟ سؤال ينتظر الجواب.

أما من جهة أهل السنة بالعراق: فلا شك أنهم قصروا في التعريف بقضيتهم، وإخوانهم من أهل فلسطين وأهل سوريا بعد الثورة لم يكونوا مثلهم ونجحوا في التعريف بقضيتهم بشكل جيد، وهناك خمول إعلامي واضح وتضييع وتأخر، وهم يعتبون على غيرهم ولا يقدمون هم لأنفسهم شيئا؛ وأضرب لذلك أمثلة:

أين هي مراكز حقوق الإنسان التي تقدم شكاوى على الحكومة العراقية الشيعية؟ كم هو عدد الكتب التي كتبها العراقيون ونخبهم لبيان قضيتهم؟ أين دعم أثرياء سنة العراق للقضية ولماذا ترتهن النخب العراقية لأموال دول الخليج وغيرها!!

لقد ساهم نخب السنة في تضييع قضيتهم؛ بخلافاتهم السياسية كخلافهم حول مشروع الإقليم السني قبولا ورفضاً، والتي وصلت لحد التخوين والتصادم مع بعضهم البعض، وأيضاً كانت محاولات البعض لنصرة القضية السنية العراقية عبر طرح إعلامي مستفز ومليء بالشتائم غير المقبولة إعلاميا، مع التأخر في الطرح والتحرك بعد الأحداث وليس قبلها، هو نوع آخر من تضييع القضية السنية العراقية.

الخلاصة: إن الدول العربية كانت تخشى العراق بسبب تحركات حزب البعث وتآمره على دولهم، فكانت غالبا سلبية تجاه العراق.

أما اليوم وقد سقط حزب البعث، أصبح أكبر عنوان يمثل السنة العراقيين هم جماعة الإخوان المسلمين، وبسبب العلاقات غير الجيدة بين الإخوان وسائر الأنظمة العربية تضررت القضية السنية العراقية ولم تحظَ باهتمام دول الجوار.

لا نريد اليوم أن نقيّم  صحة هذه المواقف لأن الوقت لا يتسع لذلك، ولأن العلاقة بين الإخوان والأنظمة العربية أصبحت أكثر تعنتا بسبب الثورات العربية والانقلاب في مصر، وبسبب  علاقات الإخوان مع إيران والشيعة (بعد الانقلاب في مصر).

وبذلك أصبحت القضية السنية العراقية ضحية تقصير الجمهور السني العراقي، وضحية الإرث التاريخي لحزب البعث، وضحية علاقات الإخوان المسلمين السيئة بالدول العربية، والجيدة بإيران والشيعة، عدوة سنة العراق!!

المطلوب من سنة العراق أن يكثروا من التعريف بقضيتهم ولا يكثروا من لوم الدول وإن قصرت أو تقاعست أو تآمرت؛ لأن مصيرنا جميعا واحد، وإذا بعثنا بريدا فلنبعثه حسن الوجه وممن يرضونه هم، ولا وقت للتلاوم وفتح الحسابات القديمة، فالعدو الإيراني والشيعي لن يرحم أحدا، لا سنة العراق ولا سنة الخليج ولا الأتراك.

 إن سلوك العرب يوحي بأنهم ينتظرون مِن الذي باع العراق أن يفتح ملفه من جديد، وهذا كـ (عشم إبليس في الجنة)، فالحقوق لا تستجدى من عدو وإنما تؤخذ الدنيا غلابا، ولا ننس حادثة البحرين وكيف بتحرك بسيط من السعودية أوقفت المؤامرة الأمريكية مع إيران ضد البحرين.

وكلمة أخيرة لأهل العراق أقول: لا تيأسوا من إخوتكم العرب السنة وتفننوا في عرض قضيتكم لهم  واسلكوا كل السبل لذلك، وليس في طلب الأخ من أخيه ذلة فنحن أذلة مع بعضنا البعض، وفي مركب واحد، وقديما قال الشاعر:

أَخْلِق بذي الصبر أن يحظى بحاجته                 ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق