فاتحة القول\العدد مائة وتسعة وعشرون - ربيع الأول 1435 هـ
أهل السنة .. علّتنا في تفرقنا!
السبت 4 يناير 2014

 لم يعد هناك مجال للنقاش حول قيام محور إيران/ الشيعة بشن حرب عسكرية طائفية شيعية مع تورط جيش المالكي بالهجوم على الأنبار وأهل السنة فيها، وهذه الحرب الطائفية تشتعل في أربع دول بالمنطقة العربية (سوريا، لبنان، اليمن، العراق)، فضلاً عن احتلال إيران للجزر الإماراتية، وتحريضها الدائم لشيعة البحرين للتحرك العسكري ضد الدولة، عبر تقديم السلاح والمال، وقد قبضت السلطات البحرينية في 28/12/2013 على سفينة عراقية محملة بالأسلحة الإيرانية والسورية.

ورغم مئات ألوف القتلى، وملايين المصابين والمفقودين والمشردين، لا يزال أهل السنة مختلفين متنازعين متفرقين، سواء على مستوى الدول والأنظمة، أو على مستوى المعارضة والحركات الإسلامية، وهذه الفرقة هي أضخم نقطة قوة يستفيد منها المحور الإيراني، ومن قبله العدو الإسرائيلي.

فإسرائيل اليوم تعمل بكل قوة على تعميق الشرخ في المجتمعات العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي، بتحريض القوى القديمة على قوى الثورة من جهة، والوقيعة بين قوى الثورة الإسلامية وغير الإسلامية، وزرع العراقيل أمام الجماهير العربية حتى لا تكمل مشوار بناء مؤسساتها الرسمية، فضلاً عن دعمها اللامحدود لبقاء المجرم بشار الأسد على حكم سوريا، فمهما حاولت إسرائيل فلن تجد مثله، فبينما سماء سوريا تعج بطائراته التي تلقي براميل المتفجرات على رؤوس السوريين، تمخر الطائرات الإسرائيلية بكل ثقة وأمان لتقصف مواقع في دمشق دون أن تشك لحظة بإمكانية الغدر بها أو محاولة التصدي لها.

ولا يقتصر ذلك على قوات بشار بل يشمل قوات حزب الله والميلشيات الشيعية العراقية والحرس الثوري الإيراني، الذي يزعم أنه يقاتل في سوريا عملاء إسرائيل وأمريكا، لكن إسرائيل تقصف دمشق وهم ينظرون ولا يعبأون، ومن ثم تجتهد إسرائيل في حماية بشار والتنديد بالخطر الأصولي بين الثوار، وهي مطمئنة تمام الاطمئنان للميلشيات الشيعية الوافدة من أنها ستلتزم بكلمة الشرف حول سلامة أمن إسرائيل!!

وهكذا يمضي المشروع الإسرائيلي الصهيوني والمشروع الإيراني في طريقهما للعدوان على حقوقنا وأرواحنا مستغلين حالة الانقسام والفرقة والصدام الداخلية بين أهل السنة، فها هي إسرائيل تواصل العدوان على المسجد الأقصى، وتدعم الاستيطان، وأخيراً تعمل على ابتلاع منطقة الغور من الدويلة الفلسطينية الخداج، وإجبار الفلسطينيين على قبول حرية حركتها العسكرية في داخل الدويلة الفلسطينية المنتظرة!

وتسعى إسرائيل للحصول على أكبر المكاسب من مسار المفاوضات في هذه الفترة، التي ظهْر الفلسطينيين فيها مكشوف، بينما العرب مشغولون عن نصرتهم فضلاً عن عجزهم عن نصرتهم، وإيران باسم فلسطين تهدم أربع دول عربية، والفلسطينيون منقسمون، بين من يلجأ إلى أمريكا ومن يلجأ إلى إيران، فأصبح حالهم كالمستجير بعمرو عند كُربته.. كالمستجير من الرمضاء بالنار!!

وهذا أيضاً ما يحدث تجاه المشروع الإيراني الذي يشن علينا حرباً طائفية وأهلية في أربع دول، حيث انقسم العرب إلى قسمين رئيسين: الأنظمة وما والاها من قوى علمانية مختلفة، والإسلاميين، ثم انقسم كل محور إلى ثلاثة أقسام!

فمحور الأنظمة والقوى العلمانية ينقسم إلى: المحافظين ذوي الميول الدينية العامة الذين عندهم رفض للأطماع الإيرانية والشيعية بالجملة من منطلق سياسي، لكنهم عاجزون عن مقاومة المشروع الإيراني الطائفي بسبب غياب البعد الديني عن رؤيتهم، وهناك الليبراليون الذين هم أشد رفضاً للمشروع الإيراني من منطلق سياسي وفكري ليبرالي، لكنهم أيضاً يفتقرون للقناعة بقدرة المشروع الديني على مقاومة المشروع الإيراني، وأخيراً عندنا العلمانيون اليساريون المتماهون مع المشروع الإيراني بدرجات مختلفة، بحجة مقاومة الصهيونية والممانعة للقوى الاستكبارية، وغالبا ما ينجح هؤلاء في إفشال الجهود الضعيفة أصلاً للقسمين الأولين تجاه مقاومة المشروع الإيراني، من خلال سيطرتهم على المنابر الإعلامية والثقافية.

والمشكلة الأهم هنا أن هؤلاء الأقسام الثلاثة هم على خصام حاد مع التيار الإسلامي بالجملة، ويرفضون التواصل معه والتفاهم، إما لموقف فكري يرفض الدين كالشيوعيين، أو يرفض حضور الدين في السياسة كالليبراليين، أو بسبب اتهامه للإسلاميين -وخاصة جماعة الإخوان المسلمين- بكونهم أداة لإيران في دولهم! وقد تفاقم الخصام بعد سنوات الربيع العربي، لكنه بلغ الذروة مع تأييد الأنظمة والقوى العلمانية للانقلاب العسكري على الرئيس المصري محمد مرسي المنتمي للإخوان.

في المقابل نجد التيار الإسلامي ينقسم لثلاثة أقسام رئيسية:

 الإخوان المسلمين، وعلاقتهم بالأنظمة غالبا متوترة لأنهم يعدون المنافس الأكبر للأنظمة، وأيضاً براغماتيتهم التي تمكنهم من فتح علاقات وثيقة بالأمريكان والإيرانيين مما يزيد من توجس الأنظمة منهم، لذلك نجد أن مواقف الإخوان رمادية من العدوان الإيراني على الدول العربية، ويتميز بالمعالجة الجزئية لكل بلد بما يحقق مصلحة الإخوان/ التنظيم فيه، وليس الالتزام بمصلحة الأمة، ولذلك تجيش جماعة الإخوان الأمة ضد انقلاب السيسي، ولكن لا مانع لديها من إبقاء حركة حماس للعلاقات أو إعادتها مع إيران والنظام السوري وحزب الله، للتملص من الحصار الدنيء لغزة.

وأيضاً في سوريا يكاد ينحصر دور الإخوان كالقوى العلمانية في اللعبة السياسية، وفي العراق هناك اتهامات للحزب الإسلامي بعقده صفقة مع المالكي لمصلحته الإخوانية بعيداً عن مصلحة السنة، وفي اليمن يتفرج حزب الإصلاح على عدوان الحوثيين على دماج حفاظاً على مصلحته لا مصلحة اليمن، وهذا الموقف الرمادي للإخوان من إيران والشيعة، يعمّق الشرخ والفرقة في البلاد العربية، في الوقت الذي يجتهد الإخوان فيه للوحدة مع إيران والشيعة!!

القسم الثاني هم السلفيون المشاركون بالعمل السياسي، وهؤلاء أعرف الناس بخط المشروع الإيراني والشيعي، وهم الذين يقودون مقاومته على الأرض في أوساط المجتمعات العربية السنية، لكن الليبراليين واليساريين يناصبونهم أشد العداء بسبب ما يسمونه تشدد السلفيين وتعصبهم الديني، وجاءت علاقاتهم بالإخوان وتعاونهم مع الإخوان خاصة بعد الانقلاب في مصر، لتزيد من الفجوة بينهم وبين أهل القسم الأول بعامة، مما جعل مقاومتهم للمشروع الإيراني لا تجد سنداً من الدول، بل في حالة تصادم مع مشروع الليبراليين لمقاومة التمدد الشيعي بثقافة الانفتاح والانبطاح الأخلاقي! ويجد هؤلاء السلفيون أنفسهم في زاوية ضيقة بين ضرورة نصرة الإخوان بصفتهم يحملون راية إسلامية أمام الغزو العلماني المدعوم غربياً وإسرائيلياً ووقع عليهم ظلم بالانقلاب وتحطيم المسار الديمقراطي السلمي، وبين الخوف والقلق من براغماتية الإخوان الشرعية التي تتناغم مع الليبراليين كثيراً، أو براغماتيتهم السياسية التي لا تمانع في التحالف مع إيران برغم عدائها الذي يوازي العداء الإسرائيلي!! 

وأخيراً هناك السلفيون غير السياسيين، الذين هم بعكس الإخوان على علاقة جيدة بالدول والأنظمة وعداء لإيران والشيعة، لكن تأثيرهم محدود، وأيضاً هم غير مرحب بهم من الليبراليين واليساريين، والسكوت عنهم غالباً ما يكون لدوافع انتهازية لضرب الإسلاميين بعضهم ببعض.

الخلاصة:

إن بقاء مقاومة المشروع الإسرائيلي والإيراني رهينة الصراعات الداخلية مؤذن بالفشل والهزيمة، ولا بد من الوصول لمشتركات حقيقية لنصرة المصلحة العامة، خاصة أن جميع الأطراف تقوم بعقد تحالفات مع خصومها أو مع أطراف لا تقل خطورة عمّن ترفض التعاون معهم.

إن المشروع الإسرائيلي والإيراني لا يقاومه مشروع يسحق شباب الأمة تحت وطأة الشهوات، ولا مشروع يُضل شباب الأمة بسيل من الشبهات، وإن التنازلات التي تقدم للأمريكان أو الإسرائيليين أو الإيرانيين، لو قدمت وبذلت في ما بيننا لكان النجاح حليفنا والفوز من نصيبنا. 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق