العدوان الحوثي على دماج.. مسار الكارثة ودوافعها
الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

 

 أحمد أمين الشجاع

 

 

عادت مأساة دماج في محافظة صعدة في شمال اليمن إلى الواجهة بعد هدوء نِسْبي استمر حوالي عامين إثر نجاح لجنة وساطة برئاسة الشيخ حسين الأحمر، في أواخر سنة 2011م، في وقف الصراع المسلح وإنهاء الحصار الحوثي على دماج.

وقد ترتب على تلك الوساطة تشكيل لجنة قبَلية، برئاسة الشيخ شطاب الغولي، للرقابة والإشراف على تنفيذ بنود الصلح بين الحوثيين والسلفيين، إلا أن وجود اللجنة لم يحُل دون تجدد الصراع وعودة الحوثيين إلى فرض الحصار على دماج وقصف المنطقة بمختلف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

وكانت بعض وسائل الإعلام قد ذكرت أن اللجنة واجهت صعوبات أعاقت أداءها. فقد نقل موقع (مأرب برس)، يوم 7 أبريل الماضي، عن مصادر في لجنة الرقابة والإشراف تحذيرها من أن اللجنة قد لا تستطيع مواصلة عملها، حيث تعيش أوضاعاً صعبة قد تجبرها على الانسحاب في أي لحظة إن لم يتم تدارك ذلك. وقالت المصادر إن الدعم الذي كانت تتلقاه اللجنة "انقطع عنها تماماً منذ نحو تسعة أشهر..".

وها هي أزمة دماج تعود من جديد وفي نفس التوقيت الذي حدثت فيه قبل عامين، وهو موسم الحج إلى البيت الحرام. حيث أدى الحصار الحوثي، في موسم 1432هـ، إلى منع أبناء دماج وطلاب مركز دار الحديث السلفي من التوجه إلى بيت الله الحرام. كذلك الحال تكرر في هذه السنة بسبب الحصار الشامل.

مسار المأساة الجديدة:

بدأت تظهر مؤشرات العدوان الحوثي ضد دماج في يونيو الماضي، حيث قالت مصادر محلية لموقع (مأرب برس)، في 27 يونيو، إن الحوثيين قاموا بالتمترس في جبل الجميمة المطل على دماج واستحدثوا فيه متارس، ونقلوا إليه أسلحة وعتاداً.

وقال الناطق باسم مركز دار الحديث بدماج، سرور الوادعي، في بيان له: إن مسلحي الحوثي قاموا عصر يوم 25 يونيو "بالصعود إلى جبل الجميمة المطلّ على دار الحديث بدماج، واستحدثوا متارس ومواقع جديدة لهم في هذا الجبل، بالإضافة إلى محاولة استفزاز طلاب دار دماج واستعراضهم بالأسلحة الثقيلة من معدلات وبوازيك وغيرها".

وأشار سرور إلى أن بعض طلاب دار الحديث بدماج صعدوا إلى مسلحي الحوثي المتمترسين في جبل الجميمة؛ "وذلك لغرض تذكيرهم بالصلح الذي بينهم والاتفاقات السابقة، وأنه ليس من صالح الجميع نقضها، مؤكداً أن مسلحي الحوثي، وقبل وصول الطلاب إليهم، أطلقوا عليهم النار مباشرة وبمعدلات وعيارات ثقيلة، وهو ما اضطر طلاب دار الحديث إلى التراجع والعودة إلى مساكنهم".

وأكد أن مسلحي الحوثي عادوا إلى موقع الأحرش الواقع أمام جبل البراقة المطل على مساكن الطلاب، مشيراً إلى أن هذا الموقع من ضمن المواقع المتفق على إخلائها من المتارس. منوهاً بأن مسلحي الحوثي استحدثوا نقاطاً جديدة على الطريق المؤدية إلى دماج.

وقال سرور: إن مسلحي الحوثي استخدموا مكبرات الصوت التي وجهوها إلى منطقة دماج، وبثوا عبرها محاضرات عديدة كلها سب وشتم للصحابة رضوان الله عليهم ولأم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها، وأغلب العلماء بمن فيهم الشيخ السلفي المتوفى مقبل الوادعي.

وبحسب بيان سلفيي دماج فإن مخالفات الحوثيين لشروط الهدنة تتمثل في الآتي:

1- أن الحوثيين ما يزالون في بعض مناطق دماج كالرابية والزيلة والمحجر والصمعات والمدور.

2- استحداث بعض المتارس في عدة مواقع، في جبال الصمعات والمدور والجميمة والأحرش.

3- قاموا بالتفجيرات والتلغيمات في جبل الصمعات؛ وهذا ما أدى إلى إزعاج الآمنين.

4- الاستعراض بالأسلحة، التي استولوا عليها من الدولة، في الطرقات؛ لإرهاب المواطنين.

5- مضايقة الزوار والقادمين إلى دماج بالتفتيشات؛ بحجج وهمية. وتوقيفهم لعدة ساعات، وضرب الرصاص؛ لتخويفهم، مع وجود العوائل والأطفال من الزائرين.

6- استحداث نقطة جديدة في طريق صعدة - دماج تحت منطقة السنارة.

7- مضايقة طلاب العلم في محافظة صعدة سواء من منطقة العبدين أو غراز أو غيرها، ومنعهم من الدخول إلى دماج لطلب العلم، ومنعهم من استقدام الخطباء من دماج.

8- التحريض الإعلامي في المساجد التي استولوا عليها في المنطقة، من خلال سب الصحابة وعلماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين، عبر المكبرات الصوتية.

وفي 12 يوليو اتهم الناطقُ باسم دار الحديث بدماج الحوثيين بنقض كل اتفاق يحصل معهم بين حين وآخر.

وأشار إلى أن آخر نقض لتلك الاتفاقات ما حصل في أول أيام شهر رمضان المبارك (1434هـ)، حيث لم يلتزموا بإخلاء مدرسة الخانق من جميع المسلحين بل زادوا تمترساً فيها.

رد سلفي وتحالف قبلي:

كشف القيادي السلفي في دماج الشيخ أبو إسماعيل الوادعي، في تصريح خاص لـ (مأرب برس) يوم 26 أكتوبر، عن فتح جبهات جهادية جديدة ضد الحوثيين، إضافة إلى نقاط عسكرية لأَسْرهم واعتقالهم ومنع الإمداد العسكري والتمويني عنهم.

وحول دواعي فتح تلك الجبهات القتالية الجديدة قال الوادعي: "لقد تم توافد العديد من رجال القبائل ملبين لدعوة الجهاد التي دعا إليها الشيخ يحيى الحجوري ضد المعتدين عليهم.. إلا أنه تم إيقافهم احتراماً لتواجد اللجنة الرئاسية والعسكرية".

وقال: إنه تم فتح 3 جبهات جديدة، الأولى في منطقة حَجور بمحافظة حجة، والثانية في منطقة كِتاف، والثالثة في قبيلة حاشد. ويقوم عمل تلك الجبهات على إقامة نقاط تفتيش؛ تهدف إلى عدم وصول المواد والمؤن إلى صعدة، إضافة إلى قيامها باعتقال وأسر الحوثيين.

وسوغ القيادي السلفي هذه الدعوة من الشيخ الحجوري؛ بسبب تباطؤ الحكومة في تنفيذ القرارات، إضافة إلى تدهور الوضع الصحي للمصابين وسقوطهم واحداً تلو الآخر.

وفي نفس اليوم ذكر موقع (مأرب برس) أنه حصل على معلومات تفيد بأن زعماء ثلاث من أهم قبائل اليمن اتحدوا وأعلنوا انضمام قبائلهم لمقاتلي دماج؛ للرد على الحوثيين وردعهم.

وأضاف الموقع: اتفق، ولأول مرة، الشيخ عزيز بن صغير زعيم قبيلة حرف سفيان، وصادق الأحمر زعيم قبيلة حاشد، وانضم إليهم عثمان مجلي من صعدة، على تصفية تقسيم منطقة صعدة وتصفيتها وتطهيرها من الحوثيين.. إلا أن هناك من يؤكد أن عمل الزعماء الثلاثة توقف مؤقتاً حتى يتم النظر في ما سيتم عمله من قِبل اللجنة الرئاسية واللجنة العسكرية لتنفيذ القرارات.

وبالفعل أعلنت جبهة كتاف، يوم 30 أكتوبر، فتح باب "الجهاد" لنصرة أبناء دماج.

وقال الناطق الرسمي في جبهة كتاف، أبو إسحاق الشبامي، في بيان نشرته صحيفة (أخبار اليوم) يوم 31 أكتوبر: إن أبناء النصرة من قبائل اليمن سينطلقون لإعانة أبناء دماج الذين يشن الحوثي عليهم حرباً شعواء وقصفاً عنيفاً. وأكدوا أنهم في الجبهة مستعدون لتقديم أنفسهم لحماية أبناء دماج والنساء والأطفال والعُزل الذين فجعهم قصف الحوثي.

كارثة إنسانية:

ومنذ ذلك الحين والحوثيون يواصلون حصار وقصف دماج التي يسكنها حوالي 15 ألف نسمة، وفي صورة أبشع مما يتعرض له قطاع غزة على يد الصهاينة، وفي ظل تهاون الجهات الرسمية وتجاهل الأحزاب والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وصمت الجميع أمام مناشدات واستغاثات أبناء المنطقة.

وقد ناشد الناطق باسم سلفيي دماج، سرور الوادعي، يوم 22 أغسطس، الحكومة ممثلة برئيس الجمهورية وحكومة الوفاق الوطني، وعلماء المسلمين، ومشايخ قبائل اليمن، بردع الحوثي "المستبيح لدماء المسلمين", وتحرير المحافظة ممن وصفهم بالعصابة المجرمة، ورفع الظلم والتسلط الغاشم، وإيقاف الانتهاكات المتتابعة لجميع مساعي الصلح السابقة. 

وأوضح الوادعي، حسب ما نقل عنه (نيوز يمن)، أن سكان منطقة دماج والقرى المجاورة لها تفاجؤوا بهجوم حوثي شرس بجميع أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة على قرية الطلول في البداية، ثم شمل الهجوم منطقة دماج.. ونتج عن هذا الهجوم مقتل أربعة أفراد وجرح آخرين، بعضهم حالته حرجة، وتفجير بعض المنازل.

واتهم الوادعي مليشيات الحوثي بقطع جميع طرق دماج، ومنع دخول المواد الغذائية والطبية، وجميع مستلزمات الحياة، وعزلها عن بقية مناطق المحافظة، ومنع إسعاف الجرحى إلى مستشفيات المحافظة.

كما اتهم الحوثيين بقطع بث أبراج الهاتف النقال، حيث إنهم مسيطرون على مواقع هذه الأبراج، فارضين بذلك حصاراً مطبقاً وشاملاً على منطقة دماج.

وفي تصريح لصحيفة (أخبار اليوم)، يوم 11 أكتوبر، أن منطقة دماج تعاني من أزمة خانقة في التموينات الغذائية والدوائية وانعدام للمشتقات البترولية نتيجة الحصار الذي تفرضه مليشيات الحوثي بصعدة على دماج، دون تدخل من اللجنة الرئاسية لرفع هذا الحصار. مؤكداً أن لجنة أمنية زارت دماج.. وطلب منها نقل جرحى دماج إلى المستشفيات بصنعاء، إلا أن اللجنة الأمنية أكدت لهم أنها لا تستطيع نقل الجرحى؛ لأن الحوثي لن يأذن لهم بذلك.

وأكد الشيخ سرور أنهم أبلغوا اللجنة الرئاسية بهذه التطورات والجرائم والاعتداءات التي تنفذها مليشيات الحوثي، فأبلغتهم اللجنة بأنها قد أنهت مهمتها، وانتقلت المسؤولية إلى وزارة الدفاع. مشيراً إلى أن اللجنة الرئاسية تتهم وزارة الدفاع بالمماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وناشد سرور الوادعي المنظمات الحقوقية والإنسانية ممارسة الضغط على مليشيات الحوثي لرفع الحصار عن دماج وإيقاف الهجمات والقصف وعمليات القنص اليومي على سكان دماج. داعياً رئيس الجمهورية إلى إلزام جماعة الحوثي بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. كما ناشد جميع أنصار حقوق الإنسان بالضغط على الحوثي للسماح بنقل الجرحى إلى المستشفيات، والسماح بدخول المواد التموينية والغذائية والمشتقات النفطية إلى دماج؛ كون مليشيات الحوثي تفرض حصاراً مطبقاً على المنطقة وتمنع نقل الجرحى إلى المستشفيات وتمنع وصول المواد الغذائية الطبية التي بدأت تنفد. مؤكداً أن المواد النفطية قد نفدت لدى أهالي دماج ويعيشون في ظلام دامس؛ نتيجة توقف المولدات الكهربائية؛ لانعدام المواد البترولية والديزل.

وفي 21 أكتوبر حذر مدير (مستشفى دماج الريفي) بمحافظة صعدة، د. أحمد صالح شبان الوادعي، من كارثة إنسانية بالمنطقة؛ جراء الحصار المتواصل على المنطقة. مناشداً كل الضمائر الحية في مؤسسات الدولة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والوجهاء والحقوقيين والإعلاميين والأكاديميين بالقيام بواجبهم الإنساني إزاء ذلك. وكشف الوادعي، في تصريحات نقلها (نيوز يمن)، عن إغلاق المستشفى الوحيد (مستشفى دماج الريفي) بالمنطقة؛ بسبب استهدافه بالسلاح الثقيل من قبل جماعة الحوثي بصورة مستمرة والقنص على أقسامه المختلفة وتعطيل شبكة الماء والكهرباء، وحصول الأضرار الجسيمة في ممتلكاته من أجهزة ومعدات طبية؛ مما ترتب عن ذلك انتكاسة في الخدمات الطبية.

كما تحدث عن انعدام أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والصرع والربو، وانقطاع علاج السل عن مرضى السل، واصفاً ذلك بأنه كارثة حقيقية ناتجة عن الانتكاسات المرضية للحالات المصابة، وتؤدي إلى بؤرة للعدوى بالعُصيات المقاومة للأدوية. وقال: نظراً للازدحام السكاني المحصور في السكنات الجماعية؛ فإنه يهدد بانتشار المرض المستعصي.

كما أشار الوادعي إلى توقف برنامج التحصين الموسع، وظهور حالات الحصبة في أوساط الأطفال؛ وذلك لعدم إمكانية متابعة التحصين بالمرفق الصحي؛ بسب استهدافه بالأسلحة المتنوعة، وتلف اللقاحات؛ لانقطاع التيار الكهربائي، وحسب الدكتور الوادعي فقد تعرض أكثر من 30 طفلاً للانتكاسة، وعدم تحول حالاتهم إلى الوضع الطبيعي؛ لعدم تمكن الفريق الطبي من متابعة الحالات؛ بسبب الحرب والحصار وفشل برنامج التغذية وخصوصاً انعدام الحليب.

كما كشف عن زيادة حالات الوفيات بين الأطفال؛ بسبب بعض الأمراض التي تحتاج إلى تدخُّل من قبل أخصائيين، منها مرض الحمى الشوكية والنزيف الدماغي لبعض الحالات الناتجة عن الارتطام بالأرض ويصعب نقلها إلى مستشفى متمكن للتدخل العلاجي المناسب؛ بسبب الحصار المفروض على المنطقة.

وفيما يتعلق بالنساء الحوامل بمنطقة دماج كشف الدكتور الوادعي عن حصول حالات إجهاض كثيرة بين النساء الحوامل؛ بسبب شدة الخوف الناتج عن استهداف المنطقة بالأسلحة الثقيلة.

وعن الوضع البيئي حذر الدكتور من كارثة بيئية، بسبب استمرار انتشار القمامة وتراكمها في أزقة المنطقة. وقال: إن تراكمها سيؤدي إلى انتشار الأوبئة المرضية في أوساط المجتمع.

الحوثي ونقض العهود:

منهج الحوثيين في نقض العهود والاتفاقيات يقف دائماً عقبة أمام أي جهود تبذل لحل هذه الأزمة وغيرها من الأزمات التي يثيرونها.

في 28 سبتمبر أكدت مصادر محلية بمحافظة صعدة لـ (أخبار اليوم) أن مليشيات الحوثي تواصل خروقاتها لاتفاق حل التوتر القائم بدماج.

وقال بيان للناطق باسم دماج سرور الوادعي: إن خروقات جماعة الحوثي للصلح الموقع بين الطرفين تزايدت.

وأشار إلى أن جماعة الحوثي تواصل استحداث المتاريس وحفر الخنادق وإقامة التحصينات في الأماكن المتفق على خروج الحوثي منها.

ونوه إلى أن مليشيات الحوثي تواصل اعتداءاتها على أبناء دماج ومصادرة كتب وممتلكات تابعة للسكان. مشيراً إلى أن مليشيات الجماعة أقدمت على تهجير المواطنين في مناطق صحوة والولاج والطلول، بحجة مخالفتهم للفكر. ودعا الوادعيُ الدولةَ، ممثلة برئيس الجمهورية، إلى سرعة تنفيذ الاتفاق الذي تم رفعه إليه من قبل اللجنة الرئاسية؛ لتجنيب المنطقة عودة التوتر مرة أخرى. كما طالب الدولة بالعمل على ردع جماعة الحوثي وميليشياتها عما يقومون به من خروقات للاتفاق والاعتداء على المواطنين.

وفي 11 أكتوبر قال الشيخ علوي الباشا بن زبع، عضو لجنة الوساطة الرئاسية، إن السلفيين أبلغوا اللجنة بمقتل أحد أفرادهم وجرح آخر في منطقة السرب بدماج، موضحاً أن اللجنة أبلغت وزارة الدفاع بتكليف اللجنة العسكرية للتعامل مع الحادث رسمياً.

وأضاف، في تصريح لموقع (الخبر)، أن القتل حدث من قبل الحوثيين، وأن القضية كانت قد حُسمت بحلٍ نهائي، وقّعه الطرفان ورعاه الرئيس، ولم يبق إلا تنفيذ بنوده. لافتاً إلى أن هذه مهمة سلمتها اللجنة للجيش لتنفذه لجنة عسكرية برئاسة رئيس الأركان. مشيراً إلى أن التحرك من مهمة اللجنة العسكرية التي استلمت من لجنة الوساطة العمل. واستنكر علوي الباشا القتل الذي يمارسه الحوثي، معتبراً هذا أمراً مداناً.

ودعا علوي الباشا وزارة الدفاع ورئاسة الأركان إلى الإسراع في نشر الكتيبة التي وجه بها رئيس الجمهورية لتأمين دماج في أسرع وقت؛ "لتجنب الحوادث بين الطرفين".

وبلغت خروقات الحوثيين حداً دفع بلجنة الوساطة الرئاسية إلى الاعتراف بها علناً بعد أن تغاضت عنها كثيراً.

فقد أكد مصدر مسؤول في اللجنة الرئاسية خرْقَ الحوثيين لاتفاق الهدنة واستخدام الأسلحة الثقيلة في قصف منطقة دماج يوم 30 أكتوبر.

وقال، في تصريح لـ (نيوز يمن)، إن جماعة الحوثي انقلبت على الاتفاق الذي توصلت له اللجنة بين الطرفين، وقاموا بقصف منطقة دماج بالأسلحة الثقيلة. مشيراً إلى تلقي اللجنة بلاغات من السلفيين بسقوط عشرات القتلى والجرحى.

وقال: إن اللجنة الرئاسية والأمنية والعسكرية، برئاسة أركان حرب المنطقة السادسة، عقدت اجتماعات متواصلة لاحتواء الموقف وتهدئة الوضع.

 

وفي تصرح لصحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية، نشرته يوم 31 أكتوبر، أكد رئيس اللجنة، الشيخ يحيى منصور أبو إصبع، أن منطقة دماج تتعرض لهجوم من قبل الحوثيين، أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من النساء والأطفال والمقاتلين وغيرهم من المدنيين، ووصف ذلك الهجوم بأنه "أهوج".

وقال: إن السلفيين ترددوا في تسليم جبل البراقة للّجان الميدانية؛ لأنه الجبل الوحيد الذي يمتلكونه ويسيطرون عليه. لكنه انتقد رد فعل الحوثيين جراء ذلك، واعتبره هجوماً "بمختلف أنواع الأسلحة من جانب الحوثيين على منطقة دماج المحصورة في كيلومترين، وبها كثافة سكانية تزيد على 15 ألف نسمة من النساء والأطفال والمقاتلين وغيرهم من المدنيين، وهذا الاستخدام الأهوج للقوة قد تسبب في خسائر بشرية كبيرة".

الحوثيون من جانبهم لا ينكرون قيامهم بحصار وقصف دماج، لكنهم يتحججون بحجج واهية لا يقبلها شرع أو عقل، فهذا علي البخيتي، المتحدث باسم فريق الحوثيين المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني، يقول إن الصراع الدائر اليوم في دماج "هو مع أدوات المخابرات السعودية".

وأشار البخيتي، في حديث مع (الجزيرة نت) يوم 1 سبتمبر الماضي، إلى أن السعودية "لجأت إلى اللعب بالورقة المذهبية والفتنة الطائفية عبر الإيعاز لأدواتها في دمّاج لافتعال الكثير من الأزمات والحروب".

وأرجع ذلك إلى ما أسماه "عجز الجيش السعودي عن فرض سيطرته المباشرة أو غير المباشرة" على صعدة، سواء عبر المليشيات القبلية اليمنية أو عبر نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح أثناء الحروب الماضية، أو عبر التدخل السعودي المباشر في الحرب ضد الحوثيين.

وأضاف البخيتي أن الصراع سببه مركز دمّاج "الذي أنشأته المخابرات السعودية، والذي يعج بالمقاتلين الأجانب من أكثر من مائة دولة، ويخالف وجودهم القوانين اليمنية؛ لعدم وجود إقامات لديهم ولدخولهم اليمن بطريقة غير شرعية، وأيضاً لحملهم السلاح والمشاركة في حروب داخل اليمن".

هذه الحجج الواهية الداحضة لم تقنع لجنة الوساطة، حيث استنكر رئيس اللجنة، الشيخ يحيى منصور أبو إصبع، القصف الذي شنته مليشيات الحوثي على دماج يوم 30 أكتوبر.

وقال، خلال مداخلة هاتفية مع قناة (يمن شباب) يوم 30 أكتوبر، إن أحد قادة الحوثيين تحدث إليه وقال: إن القصف يهدف إلى "إخراج المسلحين الأجانب والإرهابيين الموجودين في معهد دماج".

وقال أبو أصبع إنه تحدث إلى الحوثيين، خلال لقائهم، وقال لهم: "هل هذا يبرر قصف دماج التي تضم أكثر من عشرة آلاف نسمة وفيها الكثير من الأطفال والنساء؟".

وأضاف أن الحوثيين لم يخفوا مسؤوليتهم عن القصف خلال لقاء لجنة الوساطة معهم، وأنه سألهم: "لماذا التصعيد بالأسلحة الثقيلة؟".

وأكد أبو أصبع أنه يرفض "هذا المنطق جملة وتفصيلاً". وقال إن هذا "الهجوم المفاجئ مرفوض، ونطالب بوقفه بشكل فوري"، وأضاف أن اللجنة الرئاسية تواصل جهودها مع كافة القوى في صعدة وصنعاء "للضغط على الحوثيين لوقف هذا الهجوم".

الموقف الحكومي:

في 23 يوليو أعلن فارس مناع - الذي عيّنه الحوثي محافظاً لصعدة - عن انتهاء حالة التوتر التي حدثت في منطقة دماج، وقال في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "تم اليوم احتواء وإنهاء التوترات التي حدثت في دماج بين الأطراف المتنازعة، وذلك تنفيذاً لتوجيهات الأخ الرئيس عبد ربه منصور هادي رئيس الجمهورية بإنهاء التوتر". مؤكداً أن الأوضاع عادت إلى ما كانت عليه سابقاً في المنطقة.

لكن الجانب السلفي نفى ذلك على لسان الشيخ سرور الوادعي الذي أشار إلى أن ما حصل هو "احتواء جزئي للمشكلة وليس إنهاء للتوتر"، موضحاً أن ما حصل هو مجرد هدنة وبادرة لإنهاء الخلاف، وأكد أن لا صحة للأنباء التي تحدثت عن انتهاء حالة التوتر بمنطقة دماج وأن الحوثيين ما يزالون متمترسين على الجبال المحيطة بمنطقة دماج ويوجهون أسلحتهم الثقيلة تجاه أهالي المنطقة، وأن التوتر ما يزال مستمراً باستمرار تمركز الحوثيين على الجبال المحيطة بدماج.

وفي 21 أغسطس ذكرت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) أن رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي شكل لجنة رئاسية لمتابعة وحل القضايا العالقة والخلفية بين النزاعات القائمة بمنطقة دماج.

واستقبل رئيس الجمهورية أعضاء اللجنة المكلفة المكونة من الشيخ حسين بن عبدالله الأحمر والشيخ عبدالله بدر الدين والشيخ يحيى منصور أبو إصبع والشيخ علوي الباشا بن زبع والشيخ علي القوباني.

وتحدث إليهم مشيراً إلى أن البلد تعيش في ظروف استثنائية ودقيقة، وهناك حوار وطني شامل قد ضم كل المكونات الاجتماعية في اليمن دون استثناء، وقال: "هناك السلفيون والحوثيون ضمن كل القوى السياسية والمجتمعية باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من المكون العام".. مؤكداً أن الخلافات وكل القضايا العالقة مطروحة على طاولة الحوار الوطني الشامل، وعلى الجميع الالتزام بذلك وعدم التمنطق بالسلاح وقطع الطريق وإقلاق السكينة العامة وخلق أجواء الفتنة التي لا تبقي ولا تذر. ويكفي محافظة صعدة ما عانته في السابق من حروب وتشريد وآلام".

وشدد الرئيس هادي أن على اللجنة التحرك وبسرعة من أجل تلافي أي تداعيات قد تنجم بصورة أو بأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى مشاكل أوسع. وعلى اللجنة رفع المقترحات والتصورات، وبصورة أسرع، من خلال لقاء الفرقاء وحثهم على تغليب العقل والمنطق؛ حتى لا يحصل ما لا يحمد عقباه.. معتبراً أي مخالفة أو تجاوز سيتحمل مسؤوليتها مرتكب ذلك التجاوز.

بدأت اللجنة الرئاسية زيارتها للمنطقة يوم 25 أغسطس، وأشرفت على عملية إخلاء عدد من المواقع التي كان يتمترس فيها مسلحون من الأطراف المتنازعة، وكذلك وضع مراقبين في تلك المواقع، حسب ما نشرته وكالة (سبأ) للأنباء.

وفي 29 أغسطس أعلنت اللجنة الرئاسية أنها أنهت المرحلة الأولى من برنامج عملها الذي تضمن إخلاء كافة المواقع المستحدثة في المنطقة، ومنها موقعا الجميمة والقصبة، وردم الخنادق والحفر، ووضع مراقبين في تلك المواقع، وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها السابقة.

وفي 21 سبتمبر تم التوقيع على آلية الحل الشامل لإنهاء النزاع المستمر بين السلفيين والحوثيين. ونقل (مأرب برس) عن مصادر مطلعة في اللجنة الرئاسية قولها: "إن الحوثيين وقعوا بالموافقة على الآلية التي توصلت إليها اللجنة والتي سميت بالحل الشامل لإنهاء النزاع وإحلال الأمن والتعايش السلمي في دماج بين الجانبين".

كذلك قال الشيخ علوي الباشا: "إن اللجنة انتهت من إنجاز عملها في برنامج المرحلة الثانية والأخيرة.. مشيراً إلى أنه تم إقرار آلية لإنهاء التوتر والنزاعات بين الحوثيين والسلفيين في دماج".

وأوضح أن اللجنة تمكنت من الحصول على موافقة طرفي القضية على هذه الآلية، حيث وقع ممثلو الحوثيين عليها، بينما وافق قبلهم ممثلو السلفيين على الآلية ووقعوا عليها. "وبتوقيع طرفي قضية دماج نكون أنهينا برنامجاً كاملاً بنجاح".

وفي 23 أكتوبر عُقد بالقصر الجمهوري بمحافظة صعدة اجتماعٌ مشترك ضم اللجنة الرئاسية واللجنة الأمنية بالمحافظة وبحضور فارس محمد مناع، وناقش الاجتماع توجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي بشأن تنفيذ بنود الاتفاق الموقع بين طرفي الصراع في دماج، السلفيين والحوثيين، وتثبيت وقف إطلاق النار وسحب كافة مسلحي الطرفين من المواقع والنقاط في منطقة دماج وإحلال وحدات من الجيش للتموضع في المنطقة.

واستمع المجتمعون إلى تقرير عضوي اللجنة الرئاسية، يحيى أبو أصبع ودرهم الزعكري، الذي تضمن نتائج لقائهما بممثلي جماعة الحوثي ونتائج زيارتهما لمركز دماج يوم 22 أكتوبر، ولقائهما بقادة السلفيين.. مؤكديْن أنهما لمسا من الطرفين (السلفيين والحوثيين) الرغبة الكاملة لدخول الوحدات العسكرية للتموضع والانتشار في المواقع والنقاط محل النزاع في منطقة دماج.

من جانبه أكد قائد محور صعدة، العميد حسن لبوزة، أن الوحدات العسكرية لديها الجاهزية الكاملة للانتشار والتموضع في المواقع والنقاط التي سيتم إخلاؤها من طرفي النزاع بمنطقة دماج. موضحاً أن المؤسسة العسكرية تعمل من أجل الوطن ولا تميل لأي طرف أو جماعة أو فئة.

تلك الجهود والوعود ذهبت كلها أدراج الرياح، بسبب عجز اللجنة عن القيام بواجبها وضعفها أمام سطوة الحوثيين وبطشهم وجبروتهم. فإذا كانت السلطات الحكومية، بكل ما لديها من قوات أمنية وعسكرية، عاجزة عن ردع المعتدين وحماية المستضعفين، فكيف سيكون حال اللجنة الرئاسية.

وقد أكد مصدر في اللجنة، لـ (نيوز يمن)، أن جماعة الحوثي تنفذ قيوداً على تحركات اللجنة الرئاسية، خاصة حينما تكون في مهمة للقاء مسؤولين في الجماعة السلفية، واعترف بتراجع الزيارات التي تقوم بها اللجنة إلى دماج، للقاء مسوؤلي الجماعة السلفية.. مشيراً إلى أن ذلك الحال ينطبق على اللجنتين الأمنية والعسكرية، التي لم تستطيعا عمل شيء، وتحركهما مرتبط بالحوثيين الذين يديرون المحافظة.

والأسوأ من ذلك قوله إن اللجنة الرئاسية تقيم بالقصر الجمهوري في المحافظة، وتكثف من لقاءات وجلسات القات، بشكل مستمر، مع الحوثيين، وتربطهم بهم علاقات حميمة.

وربما هذا ما جعل الناطق باسم سلفيي دماج، سرور الوادعي، يتهم اللجنة الرئاسية بالتواطؤ مع الحوثيين، وقال: إنها تنقاد بأوامرهم وأوامر فارس مناع، وقال لـ (نيوز يمن): "تم اختيارها من قبل الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة، وهم يعلمون بضعفها؛ من أجل إبادة أهل دماج وسكانها. وحتى مع ضعفها فالحوثي يضع العراقيل أمامها".

أما وزارة حقوق الإنسان فقد اكتفت بالتعبير عن "قلقها البالغ وأسفها العميق" حول أحداث دماج، ووصفتها بـ "المؤلمة والمؤسفة" وبأنها "تحصد أرواح أبناء الوطن الواحد".

واستغربت الوزارة، في بيان نشره موقع (الصحوة نت) يوم 20 أكتوبر الماضي، أن "يدور ذلك العنف والاقتتال في ظل توافق اليمنيين وتوجههم لوفاق وطني شامل يعالج مشاكل البلاد الشائكة والمتراكمة، إطاره مؤتمر الحوار الوطني. وهذه الأطراف المتقاتلة في صعدة ذاتها ممثلة في المؤتمر، ومن ناحية أخرى وعلى الأرض فإنها تلجأ للعنف وللسلاح".

ودعت وزارة حقوق الإنسان إلى "وقف انتهاكات حقوق الإنسان والاحتكام للعقل والاستناد إلى ثقافة التسامح والسلام والتعايش التي اتسم بها المجتمع اليمني عبر تاريخه الطويل، ونبذ كل صور التطرف والغلو والعنف".

وأكدت الوزارة أن "هذه الأحداث لا تخدم إلا أعداء السلم والأمن وتقوض جهود البناء والإعمار والاستقرار وتربك مخرجات الحوار".

بالمقابل استغرب الناطق باسم سلفيي دماج ما جاء في بيان الوزارة، حيث تم وصفهم فيه بأنهم أحد طرفي النزاع. معتبراً ذلك الوصف في غير محله: "إذ كيف تصف المعتدى عليه بطرفٍ في النزاع؟".

وقال، في تصريح خاص لـ (مأرب برس) يوم 27 أكتوبر: تم تهجير أكثر من 300 ألف مواطن من صعدة وتم محاصرة أهالي دماج 72 يوماً ولم تقم وزارة حقوق الإنسان بإصدار أي بيان إلا بعد أن رأت تضرراً على الحوثيين.

وفي تصريح لـ (نيوز يمن)، يوم 30 أكتوبر، انتقد موقف وزيرة حقوق الإنسان حورية مشهور. وقال: تواصلتُ مع الوزيرة تلفونياً، ولم ترُد على اتصالاتنا، وبعثت لها برسائل (إس إم إس) وإبلاغها بأننا نتعرض لحرب إبادة فلم ترد علينا، وأضاف: حورية مشهور وزيرةٌ لا تراعي حقوق الإنسان، مستغرباً عن صمتها تجاه أكبر جرائم تمارس ضد حقوق الإنسان، فيما رئيس لجنة الوساطة الرئاسية يحيى أبو أصبع يكتفي بالتساؤل عن عدد القتلى والجرحى، وقال: كل خمس دقائق أبلغ رئيس لجنة الوساطة بالوضع ولكن لا حياة لمن تنادي.

وعن الخيارات التي أمامهم قال: "نريد تطبيق الاتفاق الموقع بيننا وبسط نفوذ الدولة لا أكثر".

 

الموقف داخل مؤتمر الحوار الوطني:

أعلن مؤتمر الحوار الوطني الشامل عن إدانته لأعمال العنف والمواجهات المسلحة في بعض مناطق اليمن، خاصة في منطقة دماج بمحافظة صعدة، جاء ذلك في بيان أصدره يوم 28 أكتوبر، ومما جاء فيه: "إن مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي توافقت فيه جميع الأطراف اليمنية على نبذ منهج العنف والاحتكام إلى العقل والمنطق والمصلحة الوطنية في حل كل القضايا الخلافية واعتماد الحوار كنهج لحل أي خلافات ويدين تلك الأعمال والمواجهات المسلحة، ويدعو جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للمواجهات وكل أعمال العنف والعودة إلى طاولة الحوار. فالحوار وحده الكفيل بصناعة حلول جذرية لكل الإشكالات، وضمانات عدم تكرارها مستقبلاً".

وفي نفس اليوم نفّذ أعضاءٌ في مؤتمر الحوار الوطني وقفةً احتجاجيةً؛ للتنديد بما تتعرض له دماج من عنف من قبل مليشيات الحوثي، وطالب بيان صادر عن المشاركين في الوقفة الحكومةَ بفرض سيطرتها والقيام بواجبها في حماية المواطنين دون الاكتفاء بإرسال الوساطات. كما طالبوا القوى السياسية والاجتماعية برفع أصواتها بإدانة هذه الجرائم، والعمل على منع الأعمال المسلحة، وكبح جماح الإرادة التي تريد أن تصل باليمن إلى وضع اللادولة لتنفيذ أجندة خاصة.

ودعا البيانُ هيئةَ رئاسة مؤتمر الحوار لإصدار بيان إدانة ضد هذه الاعتداءات، وتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول ما يُرتكب من جرائم في دماج وغيرها من قبل ميليشيات الحوثي، واتخاذ موقف مسؤول من فريقه في الحوار.

كما استنكر الشيخ صغير عزيز، عضو مؤتمر الحوار الوطني، اعتداءات ميليشيات الحوثي المسلحة على أبناء منطقة دماج ودار الحديث بمحافظة صعدة والقصف بالمدفعية الثقيلة على النساء والأطفال في الشهر الحرام.

وندد الشيخ صغير، في منشور له على صفحته بالفيسبوك نقلته صحيفة (أخبار اليوم) يوم 25 أكتوبر، بالتضليل الذي يمارسه إعلام ميليشيات الحوثي وقلبه للحقائق حيث يعتدي الحوثيون ويهاجمون منطقة دماج ويقطعون الطرق ومن ثم يوجهون الاتهام إلى أبناء دماج المحاصرين في منطقتهم.

وتساءل: "من هو الذي جاء إلى دماج ورتب وتمترس في جبالها؟، هل هم أبناء دماج أم الحوثي وعناصره. والطرق المؤدية إلى دماج من هو الذي أغلقها؟".

وقال محذراً: "إن ما يحصل في دماج ينذر بكارثة إنسانية، وينذر بحرب سيتضرر منها الجميع، ولابد من تدخل لإيقاف عدوان الحوثي الغاشم على دماج وإيقاف نزيف الدم".

أما حزب الرشاد السلفي فقد دعا أعضاء مؤتمر الحوار إلى تعليق أعمالهم؛ صيانة للدماء وإيقافاً للحرب الظالمة التي تشنها مليشيات الحوثي على منطقة دماج.

وأعلن الحزب، في بيان صحفي يوم 30 أكتوبر، تعليق مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني لبقية أيام الأسبوع؛ احتجاجاً على استمرار العدوان الحوثي على منطقة دماج بمحافظة صعدة.. وطالب اللجنةَ المكونة من (لجنة التوفيق)، ويضيف إليها مؤتمر الحوار الوطني من شاء من جميع المكونات في الحوار، بالنزول إلى منطقة دماج بمحافظة صعدة.

كما طالب بنزول وزيري الدفاع والداخلية للاطلاع الميداني على الوضع، والأخذ بقوة الدولة على المعتدي، وبسط نفوذها على جميع المناطق وضبط المعتدي من أي جهة كان.

موقف الأحزاب:

بعد تجاهله لأحداث دماج في اجتماعات سابقة خلال الشهر الجاري، دعا المجلس الأعلى لأحزاب اللقاء المشترك أطراف النزاع لوقف القتال في دماج والتعاون الجاد والمسؤول مع اللجنة الرئاسية؛ بما يؤدي لحقن الدماء، واعتماد الحوار الوسيلة الحضارية لمعالجة الخلافات أياً كانت تعقيداتها.

وطالب "المشترك"، في بيان صادر عن اجتماعه يوم 28 أكتوبر، القيادة السياسية والأمنية والعسكرية التعاون الكامل مع اللجنة الرئاسية والوفاء بالالتزامات المترتبة على الدولة لإنجاح مهمة اللجنة وضمان ديمومة وقف إطلاق النار ومنع تجددها ومنع أسبابها، مذكراً الجميع بحرمة وخطورة سفك الدماء وإثارة الفتن المذهبية.

موقف الجماعات السلفية:

حذر مشايخ ووجهاء الدعوة السلفية في اليمن من مغبة العدوان الذي تمارسه مليشيات الحوثي على أهل دماج من أهل السنة والجماعة، وقال بيان صادر عن جماعة السلفيين، بعد اجتماعهم يوم 22 يوليو الماضي في جامع السُنة بحي سعوان شرق العاصمة صنعاء، ونشره موقع (التغيير نت): إن أبناء صعدة وسفيان وكل مشايخ وطلاب وأنصار مراكز أهل السنة والجماعة مواطنون صالحون متقيدون بعقيدة الإيمان بالله ورسوله، ثم طاعة ولاة الأمور وعدم التأليب عليهم. ونأمل من الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة الوفاق القيام بمسؤولياتها في حماية المواطنين في دماج من عدوان العصابات الحوثية عاجلاً.

كما طالب البيانُ الرئيسَ هادي ورئيسَ حكومة الوفاق بسرعة تكليف لجنة من صنعاء لزيارة منطقة دماج والاطلاع على الأوضاع هناك وعلى ما يقوم به الحوثي وعناصره المسلحة من استعدادات للقضاء على أهل السنة في دماج وصعدة بشكل عام. بالإضافة إلى مطالبتهم ببسط نفوذ الدولة على كامل مناطق صعدة وسفيان والمناطق المجاورة لها؛ للحفاظ على الأمن والمواطنة الصالحة.

وقال البيان: إن الدماء التي تسفك والأعراض التي تنتهك والأموال التي تغتصب وتسلب على أيدي عناصر الحوثي وميليشياته المسلحة هي أمانة في أعناق الولاة والشعب اليمني، والسكوت عنها يؤدي إلى مخاطر تقود البلاد إلى الهاوية.

واختتم السلفيون بيانهم بالقول: "نحن هنا لا ندعو إلى الحرب والعنف ولا إلى الطائفية وإثارة النزاعات العرقية والمذهبية، وإنما ندعو لحقن الدماء ورأب الصدع والسكينة العامة وطاعة ولاة الأمور بالمعروف. ونريد درء الفتنة وإيقاف الاعتداء على إخواننا في دماج".

لكنهم أكدوا أيضاً بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وسيكون الرد قوياً، ويتحمل الحوثي مسؤولية الفتنة الطائفية التي يوقدون لها طاعةً لأوامر أسيادهم في طهران.

وفي تصريح لصحيفة (أخبار اليوم)، يوم 25 أكتوبر، قال الشيخ محمد بن محمد المهدي: إن ما يجري من حصار لمنطقة دماج من قِبل الحوثيين هو حصار للبلد وطلبة العلم.

وأشار إلى أن عدد الواقعين تحت الحصار حوالي خمسة عشر ألفاً من الأهالي وطلاب العلم من مختلف مناطق اليمن، وهؤلاء ليس- كما تروج له بعض وسائل إعلام الحوثي- ممن يقومون بأعمال الاعتداءات وقطع الطرقات كما يقال أو جماعات إرهابية.

وأكد أن القادمين إلى دماج من كل أنجاء اليمن هم طلبة علم، ويسعون إلى تعلم الكتاب والسنة، وحصارهم بهذه الطريقة وقطع الشراب والأكل والدواء عنهم عمل محرم شرعاً.

وقال: أستطيع أن أجزم عن نفسي أن هذا الحصار لو كان موجوداً على الحوثيين من قِبل السلفيين أو الإصلاح أو أي فئة من فئات الشعب اليمني المسلم لن أقبل به، ولن أصمت حياله، فما بالكم بهؤلاء الذين هم طلبة علم والكتاب والسنة، ولهذا فإن هذا التصرف يعتبر تصرفاً خاطئاً. ونصيحتي للحوثي، إذا كان يقبل النصيحة، أن يفك هذا الحصار ويتقي الله تعالى، وليعلم أنه إذا استمر فإن الله لن يفتح له القلوب وإنما سيجعل الله بينه وبين الناس حجاباً مستوراً بسبب هذا التصرف.

كما نقلت صحيفة (أخبار اليوم)، يوم 27 أكتوبر، عن الشيخ عمار بن ناشر، رئيس رابطة ودعاة علماء عدن، قوله: إن الحصار الذي تفرضه مليشيات الحوثي على دماج ينذر بكارثة إنسانية وحرب طائفية ومذهبية.

وأضاف أن تلك الحرب قد تمتد إلى خارج المحافظة.. مشيراً إلى أن هدف الحوثيين من تلك الحرب القضاء على السلفية بالمحافظة وتأسيس كيان مسلح على غرار "حزب الله" في جنوب لبنان. مؤكداً أن الحوثيين يتّبعون نفس الأسلوب الذي يتبعه إخوانهم في جنوب لبنان.

وطالب الدولة والجيش والأمن والحقوقيين والدعاة والعلماء بالتدخل لوقف الحرب وفك الحصار على دماج؛ كون ما يجري في صعدة ينذر بحرب طائفية وقد تمتد الحرب إلى خارج المحافظة.

مواقف أخرى:

أكدت منظمة (هود) للحقوق والحريات أن حرب جماعة الحوثي المسلحة في منطقة دماج هي جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وفق التوصيف الدولي.

وأضافت، في بيان لها يوم 30 أكتوبر: "الحركة الحوثية هي الجهة المسؤولة دولياً باعتبارها سلطة الواقع الحاكمة عن سلامة قاطني المحافظة، ومنهم هذه الأقلية السنية في دار الحديث بدماج. فإنهم مسؤولون عن أمنهم وسلامتهم وحقهم في الحياة والتعبير وحرية الفكر والمعتقد وحرية الحركة والتنقل وحرية العبادة وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية..".

وناشدت المنظمة سلطة الواقع في صعدة أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في تأمين حق قاطني منطقة دماج ومعهدها. ودعت سلطةَ الجمهورية اليمنية للقيام بمسؤوليتها في إيقاف هذه الحرب بكل الطرق الشرعية والقانونية التي تخولها المبادرة الخليجية ودستور الجمهورية اليمنية وقوانين الدولة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية في هذا الصدد.

ودعت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، بغض النظر عن تعاطف أي منها مع أي طرف، إلى النظر إلى هذه المسألة وفقاً للقاعدة الأخلاقية الأسمى لمبادئ حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية في حماية حق النساء والأطفال والمرضى والجرحى والمحاصرين أثناء الحروب المسلحة والحق في الحريات الدينية والمدنية.

دوافع العدوان الحوثي:

يرى الباحث عادل الأحمدي، رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات أن "الحوثيين يريدون فرض أمر واقع في صعدة وتحقيق أهدافٍ، منها تثبيت وجودهم السياسي والعسكري، وذلك لمعرفتهم بحرص الدولة والأحزاب السياسية على وجودهم في مؤتمر الحوار الوطني".

وأضاف، في حديث مع (الجزيرة نت) يوم 1 سبتمبر، أن جماعة الحوثي تسعى إلى جعل محافظة صعدة "صافية مذهبياً" لهم. فقد قاموا، عام 2007م، بطرد وتشريد يهود آل سالم من صعدة وإجبارهم على النزوح إلى صنعاء، وكذلك محاربة من ليس معهم، وإن كان شيعياً مثل محمد عبد العظيم الحوثي، أحد أقطاب المذهب الهادوي في صعدة".

وأشار إلى أن "الحرب التي يشنها الحوثيون على السلفيين في منطقة دمّاج بصعدة، هي حرب استئصالية، والغرض منها التهجير القسري والكلي للسلفيين من المحافظة".

كما لفت إلى أن "الحوثيين حريصون على الطابع الطائفي والمذهبي لحروبهم في اليمن، ويسعون من وراء ذلك إلى إيصال رسالة لداعمي حركتهم في إيران بأنهم يقومون بتصفية الوجود الوهابي من صعدة".

ويرى الأحمدي أن جماعة الحوثي تمارس نوعاً من الإرهاب السياسي على الدولة والأحزاب السياسية لكي يغضوا الطرف عما تفعل في صعدة، كما تمارس الإرهاب المسلح على المدنيين والتيارات المخالفة لها في صعدة التي تحاول إحكام السيطرة عليها بالقوة.

ويرى تحليلٌ صحفي، نشره موقع (الصحوة نت) يوم 31 أكتوبر، أن الأساليب المتبعة في الحرب تدل على سعي الحوثيين إلى إرهاب السكان لدفعهم للنزوح عن ديارهم ومناطقهم على غرار مهجري مدن صعدة الأخرى، خاصة بعد انتهاء الحرب السادسة التي فتحت شهية الجماعة.. لتبدأ فصول الانتقام مِن كل مَن وقف مع الدولة ضدها خلال الحروب الست، حيث أجبرت آلافاً منهم على النزوح لصنعاء ومناطق أخرى، وتمكنت من قتل من عارضها من المشايخ، واستولت على منازلهم ومزارعهم، ومن بقي من المواطنين اضطر للعيش تحت سياسة الأمر الواقع مكرهاً.

وقال: من يقرأ في تاريخ حركات التمرد الاجتماعي الساعية لفرض رؤاها بالقوة في العالم، يجد جماعة الحوثي تكرر نفس الأساليب، ومن ذلك أنها تُمعن في إرهاب السكان بالقتل والحصار؛ من أجل إجبارهم على ترك منازلهم؛ حتى تصبح المنطقة المراد السيطرة عليها، وهي هنا دماج، خالية من النساء والأطفال إلا من قلة هم الرجال الذين اضطروا للدفاع عن أنفسهم ومنازلهم، وفي هذه الحالة تستأسد بهم؛ بغية القضاء عليهم أو دفعهم للفرار في ظل تمتعها بأسلحة متطورة وتفوّق لا يقارن عسكرياً بالسلفيين من أهالي دماج.

وتعتقد الجماعة أن استمرار جر السلفيين في دماج إلى الحرب، بين كل فترة وأخرى، كفيلٌ بتحقيق هدفها المتمثل بتهجيرهم ومَن ساندهم من السكان، انطلاقاً من أن السلفيين الذين عاشوا سنوات طويلة في دماج دون أن يفرضوا مواقفهم على أحد، كما هو حال الحوثي، لن يقبلوا غير رفع السلاح للدفاع عن أنفسهم في مواجهة أساليب القمع من قتل أتباعهم والتضييق عليهم في التنقلات واعتقال عدد منهم، وصولاً إلى الحروب المتجددة؛ وهو ما يرجح كفة الحوثي وانتصاره افتراضاً، وفق معطيات التفوق العسكري والمادي والتحكم بمناطق المحافظة.

وإذا ما تكررت فصول الحرب سينتهي المطاف بأهالي دماج إلى التشرد والنزوح كملاذ أخير لحماية أنفسهم في ظل عجز الدولة عن حمايتهم، وهو نفس السيناريو الذي اتبعه الحوثي مع معارضيه من المشايخ والشخصيات العامة التي وجدت نفسها لاجئة خارج ديارها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق