مسلمة الفتح في القرآن الكريم
الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

 

 سعيد بن حازم السويدي – كاتب عراقي

 

 

 خاص بالراصد

يتمحور كثير من هجوم الشيعة على منهج أهل السنة من خلال الطعن في "مسلمة الفتح" وبني أمية، فبسبب تأخر إسلام بعضهم إلى يوم فتح مكة (8 هــ) اتخذ الشيعة من ذلك ذريعة للقول بأنهم أظهروا الإسلام طمعاً في الحكم والملك ورغبة في إفساده والانتقام من أهله وأصحابه (علي وأتباعه).

وقد تابع الشيعة على هذا القول (الطعن في إسلام أعيان بني أمية) بعض السنة المعجبين بالنظريات اليسارية الثورية التي تنقم على أصحاب الثروة والسلطة، لاسيما إن ظهر من بعضهم استبداد واستئثار وظلم.

ومن أجل إثبات هذا الكذب والافتراء، ساق الشيعة جملة من الأخبار والمرويات التي تدلل على إبطان بني أمية للشرك وإنكارهم للإسلام ومساعيهم للنيل من الدين وأهله.

وهذا الرأي الشيعي المنتشر بكثرة في أوساط فئة من المثقفين السنة منشؤه هو القول بقداسة آل البيت ورفعهم إلى منزلة فوق منزلة الأنبياء، ليظهر المخالف والمقاتل لهم في أسوأ درجات الكفر والنفاق والعمل ضد الإسلام.

إلا أن هذا الرأي يستحيل قبوله عقلاً، إذ أن الإسلام لم ينتشر شرقاً وغرباً إلا في عهد الأمويين، فعملهم في سبيل نشر الدين لا ينكره عاقل، ولا يمكن قبوله إلا عبر القول بأن التشيع (كديانة محدثة وطريقة مبتدعة) هو الإسلام الذي حاربه بنو أمية! وحتى هذا العداء فإنه سياسي بالدرجة الأولى، فآل علي رضي الله عنه وإن كان لهم شرف النسب، فبنو أمية لهم شرف العمل للدين ونشره في العالمين، وإن كان عملهم اختلط بظلم واستبداد وفساد.

إلا أننا لو تجاوزنا الحقائق التاريخية، وأعرضنا عنها، فلن نتمكن من تجاوز الآيات القرآنية التي تشهد بصحة إسلامهم واستقامة حالهم، ومنها:

1- قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} (سورة النصر: 1-2)، فقد شهد الله تعالى بأن من أسلم من العرب بعد أن دخل نبيه صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة فاتحاً قد دخلوا في الدين على الحقيقة دون التظاهر والادعاء، بل وجعله علامة على تمام النصر ومظهراً  من مظاهره، فالنصر لم يكن عسكرياً، والغلبة لم تكن سياسية، بل أعقب فتح البلدان، فتح القلوب للإيمان.

وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد نُعيت إليه نفسه وأن أجله – صلى الله عليه وسلم – قد دنا واقترب، فالمهمة قد اكتملت وأُنجزت، وكيف يكون الاكتمال والتمام إن لم يكن إسلام هؤلاء حقيقياً وليس ادعاءً وتظاهراً وانتساباً مكذوباً!

وهل يصف ربنا تعالى (الإسلام الظاهري) لقريش وبني أمية بالنصر وبالفتح وبالإقبال الجماعي على الدين، وهل يجرؤ على القول بهذا إلا باطني غارق في فساد المعتقد، أو زنديق طاعن في القرآن؟!

ومن المعلوم بالنقل الصحيح المتواتر، والمشهور من الأخبار أن من تأخر إسلامه من قريش لم ينقلب على عقبيه وينجرف في تيار الردة عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

2- قوله تعالى {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} (سورة الممتحنة: 7).

وهذه الآية جاء بعد آيات تحذر من إظهار الود والمحبة للكفار المحاربين، وحثت على أتباع سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام وأصحابه في البراءة من الكفار، من قومهم وبني جلدتهم، لتأتي هذه الآية مبشرة ومسلية لقلوب المؤمنين بأن هذه العداوة والقطيعة لن تكون أبدية، بل ستنقلب إلى صلة ومودة، بعد أن يذهب ما يستوجب العداوة، فالله تعالى قادر على تغيير ما في الصدور من فساد المعتقد وما يتبعه من تباعد وشقاق بين المتخاصمين والمتخالفين.

وما وعد الله تعالى به قد حصل وتحقق بعد فتح مكة، فلم يظهر من المؤمنين الانتقام وأخذ الثأر والتنكيل بالأعداء السابقين، ولم يضمر وجهاء مكة وأشرافها العداء ويعملوا في الخفاء من أجل الانقلاب على الفتح الإسلامي.

3- قوله تعالى {وهو الذين كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما} ( سورة الفتح: 24-25)، ففي هذه الآيات تصريح بأن الله تعالى كفّ أيدي المؤمنين عن قريش بعد أن أمكنهم منهم، وحال بينهم وبين الاجتياح الكامل وجود ضَعَفَة المؤمنين ممن لم يتمكنوا من الهجرة، ثم بيّن علة ذلك بقوله {ليُدخل الله في رحمته من يشاء} بالرغم من ذكره قبائحهم كالصد عن سبيل الله ومنع المسلمين من دخول المسجد الحرام.

وهكذا توافرت الأسباب والدواعي القدرية لتحول دون نزول العذاب بقريش (وسيدهم يومئذ أبو سفيان) وجاءت العلة مبينة بقوله تعالى {ليدخل الله في رحمته من يشاء}.

إن القول بكفر ونفاق من أسلم يوم فتح مكة من قريش هو من أقبح الأقوال ومعارضة صريحة لنصوص الآيات القرآنية ودلالتها.

لقد أخرج الله تعالى من قريش طواغيتها وأكابر مجرميها، وعذّبهم في بدر وغيرها من المشاهد، واستبقى من سبقت لهم في علمه الرحمة والمغفرة، وقد جاءت أقدار الله تعالى ناطقة بأن الله سبحانه كتب لفئة من كفار قريش الهداية بعد عمر طويل في الكفر والعناد والمحاربة والمخالفة لأمر الله ورسوله.

فبعدما وقع الكفار في أسر النبي صلى الله عليه وسلم، أمر سبحانه أن يُعرض عليهم الإسلام وذلك بعد أن عاتبه لعدم قتلهم والتنكيل بهم، قال تعالى {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} ( سورة الأنفال: 70)، فهذا خطاب لمن قاتل الرسول وسعى في اجتثاث دعوة الإسلام.

وحينما وقع النبي صلى الله وسلم يوم أحد في الحفرة، وشج وجهه وكسرت رباعيته، قال (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيّهم وكسروا رباعيته) أنزل الله قوله {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} ( سورة آل عمران: 128).

وقبل ذلك منع الله تعالى العذاب عن أهل مكة بوجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم  {وما كان ليعذبهم وأنت فيهم وما كان معذبهم وهم يستغفرون} ( سورة الأنفال: 33)، وبعد هجرته صلى الله عليه وسلم مُنع العذاب عن مكة بفئة قليلة من المؤمنين قال الله عنهم {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما}( سورة الفتح: 25.).

ورغم الحمية الجاهلية للمشركين والتي كانت ستكلفهم حياتهم وتهلكهم على أيدي المسلمين، فقد أنزل الله سكينته على الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، فلم يسفكوا الدماء يوم فتح مكة، بل لما أعلن بعض الصحابة عن رغبته في القتل والتنكيل بمشركي مكة كسعد بن عبادة رضي الله عنه –وكان سيداً من سادات الأنصار-، عزله النبي صلى الله عليه وسلم وولى مكانه ابنه قيس. 

فتصوير العداء والخلاف بين الأمويين والعلويين على أنه صراع بين الإسلام الحقيقي ممثلاً بآل البيت، والإسلام المزعوم ممثلاً ببني أمية هو تزييف قبيح للحقائق ورد لآيات القرآن الكريم وطعن صريح في الحضارة الإسلامية التي يُشكل الأمويون جزءاً أصيلاً وركنا أساسياً فيها.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق