الزوائد الإيرانية: يحيى أبو زكريا أنموذجا
الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

 

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 

خاص بالراصد

أفرز المشروع الإيراني في العالم العربي الكثير من المظاهر المرضية في المجالين السياسي والديني، تجلت في العديد من الأصوات الجماعية والفردية، التي أحدثت شروخا سياسية واجتماعية خدمة لخطط الملالي على حساب أوطانها ومجتمعاتها، بل وحتى قضاياها المصيرية، حيث تصب كل طاقاتها نحو جلد الذات واتهام جل الفاعلين في المجال السني العربي بمختلف مشاربهم بالعمالة للغرب، والجهل والغباء، وكل الموبقات، وحصر العزة والشرف ومواجهة العدو والصلاح في إيران والقوى الشيعية الموالية لها، خاصة بعد الثورة السورية.

وإذا كانت الأصوات الدينية مكشوفة بإعلانها الانتقال إلى التشيع مما يقلل من خطورتها دون الاستهانة بذلك بأي حال من الأحوال، إلاّ أنه توجد الكثير من الأصوات التي تشتغل في المجال الإعلامي المتشيعة سياسيا أو دينيا ولا تجهر بذلك، تقوم بتأدية دور تكميلي للجناح الديني على أكمل وجه، ومن هنا تأتي خطورتها وضرورة التنبه لها.

ولعل الكاتب والإعلامي الجزائري يحيى أبو زكريا الذي سخّر كل جهوده لخدمة نظام بشار الأسد والتغطية على حزب الله وإيران في وجه الثورة السورية، وهو سلوك حذا به حذو الإعلامي التونسي غسان بن جدو الذي استقال من قناة الجزيرة، وأسس، بدعم إيراني، قناة الميادين يمثل أحسن نموذج لهذه الظواهر في المجتمعات السنية التي يتوجب تسليط الضوء عليها كنافذة عملية لمعرفة آليات عمل المشروع الإيراني وتوظيفه بمهارة للقوة الناعمة في خططه، وفي نفس الوقت معرفة مكامن الخلل داخل الجسم السني التي تحتاج إلى معالجة.

المسيرة المهنية

ينتمي يحيى أبو زكريا لجيل من الكتاب والصحفيين الذين تفتقت أعينهم على زخم الثورة الإيرانية مع تراجع المشروع القومي الناصري في نفس الوقت، وإخفاق اليسار العالمي ممثلا في الاتحاد السوفياتي والأنظمة التي كانت تسبح في فلكه من دول العالم الثالث، فبعد سنة من نجاح الثورة، نشر أبو زكريا أول مقالة وعمره ست عشرة سنة، وبذلك امتزجت حماسة المراهقة والشباب بالنقمة على الأوضاع مع الآمال التي فتحها الخميني مقدما بديله "لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية".

ونظرا لقوة المعارضة الإسلامية حينها فإنه وجد في صعود التيار الإسلامي الذي اكتسح المشهد معبرا عمّا يختلجه من أفكار وأحلام ومنسجما مع ما يطمح إليه، وربما هذا ما يفسر عمله في الصحف المحسوبة على التيار الإسلامي بعد فتح مجال التعددية، وأبرزها "المنقذ" التي كانت لسان حال الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إضافة للبلاغ، والنبأ التي كان يرأس تحريرها عبد المجيد مناصرة.

 يحيى أبو زكريا

 

ومع بداية الأزمة الجزائرية عقب إلغاء المسار الانتخابي ودخول البلاد في موجة عنف، ونظرا لاختلافه مع السلطة والمعارضة على حد سواء، هاجر (أو نفي) إلى بيروت سنة 1992، وعمل هناك بجرائد مختلفة من بينها: اللواء، مجلة الوثيقة الإسلامية، السفير، الديار، نداء الوطن، الحياة اللندنية، القدس العربي، وغيرها من المنابر الإعلامية الكثيرة، وبسبب انتقاداته الشديدة للنظام الجزائري تعرض لضغوط (حسب روايته) اضطرته للانتقال إلى السويد سنة 1997 ليستمر في عمله عبر مختلف وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية.  

وارتبطت شهرته ببرنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، الذي كان أحد ضيوفه المميزين، وفي هذه المرحلة وحتى قبيل بداية الثورات العربية وتحديدا الثورة السورية تنقل عبر فضائيات مختلفة كان أبرزها فضائية "القدس" التابعة لحركة حماس، والتي أقيل منها بسبب خلافات مع مسؤوليها كان موضوعها انتقاده لعزمي بشارة في سلسلة مقالات بعد رفض الأخير مشاركته في برنامج الاتجاه المعاكس، لينتقل بعدها للعمل مع قنوات إيرانية، "العالم" و"الكوثر".

 وبعد بداية الثورة السورية انضم إلى قناة الميادين التي أسستها إيران كواجهة إعلامية تكيفا مع التطورات التي فرضتها الثورة السورية، لتبدأ الحلقة الأكثر إثارة للجدل من مسيرة يحيى أبو زكريا حيث أصبح ضيفا شبه دائم على القنوات السورية الرسمية، ومختلف المنابر الإعلامية المكتوبة، والسمعية التابعة له، مستهدفا تشويه الثورة، وتحول إلى أحد أهم أدوات الدعاية المضادة لمواجهة قناة الجزيرة باتهامها بالعمالة للصهيونية، ويشن في خرجاته الإعلامية انتقادات لاذعة للأنظمة الخليجية وحركة حماس الفلسطينية، والدفاع في نفس الوقت عن النظام السوري وحزب الله والشيعة عموما، ولم يخرج برنامجه الذي يعده ويقدمه على قناة الميادين " أ ل م" عن إطار هذه الأهداف أيضا.

تشيع يحيى أبو زكريا

أثير موضوع تشيع يحيى أبو زكريا بشكل أكبر بعد الثورة السورية وتأييده لنظام الأسد، ومتابعة كتاباته وتصريحاته عبر مختلف وسائل الإعلام إضافة إلى حياته الخاصة بشكل أو آخر ترجح تشيعه، فمفردات خطابه تتطابق مع خطاب المتشيعين بشكل كامل -وهو ما سنفصله تاليا- والحلقة الناقصة من هذا الموضوع هي فقط إعلانه وتصريحه بهذا، ونظرا لإيمان الشيعة بالتقية فلا يستبعد أنه لا يفعل ذلك عن سابق إصرار لأنه سيكون قد أعلن فشل مهمته نهائيا.

وأهم ما يعزز طرح هذا الموضوع هو الغموض الذي يكتنف مساره العلمي، والمتعلق بحصوله على شهادة الدكتوراه عن رسالة "الجزائر من بن بلّة إلى بوتفليقة"، وإتقانه للغات عديدة منها اللغة الفارسية. فمن خلال متابعة الحوارات الصحفية التي أجريت معه والتي حاولت الغوص في أعماق شخصيته وحياته الخاصة وبداياته، نجد المرحلة الجامعية منها مُظلمة إذ من الطفولة وعبثها وآلامها وإنجازاتها يقفز مباشرة إلى الحياة المهنية والمنفى وغير ذلك، وإذا كان هذا لا يعدم امتلاكه قدرات في مجال التأليف والإعلام إلا أن ادعاءه نيل درجة علمية يضرب مصداقيته خاصة وأنه الآن يقدَّم باسم "المفكر الدكتور" في حين كان حتى سنة 2010 يقدم في برنامج الاتجاه المعاكس كإعلامي فقط، والكتاب الذي حصل به على درجة الدكتوراه لا يمتلك المقومات الشكلية والمنهجية المطلوبة في الرسائل العلمية([1]).

 وناهيك عن انتمائه خلال عمله في الجزائر لوسط كان يعج بالمتشيعين، فإنه لم يصرح عن كيفية ارتباطه بزوجته اللبنانية، وتفادى الإجابة عن هذا السؤال بالحديث عن مرافقتها إياه في السراء والضراء، وبعض من الغزل الذي قاله عنها، والذي قد يكون أكثر إحراجا من كيفية وتاريخ لقائه بها، والإجابة عن هذا السؤال تكشف في أحد جوانبها عن طبيعة علاقته بالشيعة، فهو في أحد مقالاته يشير إلى أن أبناءه ولدوا في الجزائر، وهذا معناه أن زواجه كان قبل هجرته ما يعني ارتباطه المبكر بالمحور الإيراني، خاصة وأنه انتقل في سنة 1992 من الجزائر مباشرة إلى لبنان.

وبغضّ النظر عن الجانب التاريخي فإنه لا شك أن انحيازه للطرف الشيعي يعكس تأثره به من خلال زواجه وعيشه في هذا الوسط، والكاتب الجزائري أنور مالك الذي عمل كمراقب عربي في سوريا وكانت تربطه سابقا علاقة صداقة قوية معه قال عنه في إحدى تغريداته على تويتر: "يحيى أبو زكريا تشيع للعيش بلبنان وأصهاره شيعة آل غصن ويشتغل عند غسان بن جدو وقبلها بالكوثر والعالم.. فهل تنتظرون أنه سيتجرأ على معاداة بشار؟"([2]).

وهناك أمارات أخرى ترجّح كفة تشيعه، فمن جهة المسيرة المهنية وتنقله بين قنوات إعلامية إيرانية أو موالية لها أبرزها قناتا "العالم" و"الكوثر" ثم استقراره حاليا في قناة "الميادين"، تدلل على ملازمة الكاتب للخط الإيراني في مشواره الإعلامي. وجدير بالذكر أن هذه الفضائيات يغلب عليها توظيف المتشيعين. وحتى فضائيتا الجزيرة والقدس كانتا سابقا منحازتين لإيران وحزب الله وابتعد عنهما بل وحاربهما لهذا السبب تحديدا، بعدما كان يشيد بهما سابقا، وإذا سلمنا جدلا أن الجزيرة وسيلة صهيونية فقد كان أبو زكريا أحد أدواتها لعقد كامل.

وإضافة إلى توظيفه مفردات دينية في مقالاته حول الشيعة والتي يستبعد إطلاقا أن تصدر من غير المتشيعين من قبيل وصف نصر الله بسماحة السيد و"قم المقدسة "والإشادة بالحوزات الدينية وغيرها من المفردات([3]). فإنه يدافع عن إيران وينفي الاتهامات الموجهة لها بنشر التشيع رغم كل الدلائل التي يدركها كل متتبع بسيط فضلا على أن يكون إعلاميا قريبا جدا من عالم السياسة، وأكثر من ذلك تحدث عن يقينه بعدم امتلاك طهران أجندة للإضرار بالعالم العربي، وجاهزيتها لتقديم كل خبراتها وتجربتها التنموية له دون المساس بسيادته واستقراره، وعن الفوارق بين السنة الشيعة انتهى بعد بحث مطول كما يزعم إلى أن نسبة التوافق بين كتب الصحاح الأربعة والكتب الصحيحة في المذهب الجعفري 80 بالمائة. وحتى عند الإشارة لكتاباته ضد الشيعة في العراق فيصحح بأنه كتب فقط ضد النخبة المتأمركة([4]).

ومن خلال تتبع تصريحات يحيى أبو زكريا في مراحل زمنية مختلفة تتكشف تناقضاته التي تدلل على تشيعه فقد عاب على قناة القدس تبذيرها للأموال التي تأتيها من الخمس الإيراني، وركز على تبذيرها (الحرام)، دون أن يلتفت إلى مصدرها (الحرام) أيضا الذي كان يعتاش منه هو نفسه. وكذلك حديثه عن انحيازها للسنة وظلمها للشيعة، وكتاباته عن الفضائيات السنية التكفيرية التي ترفع شعار الدفاع عن الصحابة، وعمله بعدها في قناة "الكوثر" الإيرانية (المدعومة بالخمس) التي ليست منحازة لصالح الشيعة بل متطرفة في الهجوم على أهل السنة ومهمتها نشر التشيع، رغم ما يفترض أنه موقف مبدئي يدين فيه حتى هذه الفضائيات([5]).

يحيى أبو زكريا والثورة السورية

أسند ليحيى أبو زكريا والزمرة الإعلامية التي على شاكلته تغطية الجبهة الإعلامية عقب الثورة السورية بتوظيف الشعبية التي اكتسبتها في مرحلة سابقة، ونظرا لعدم القطع بانتمائه الأيديولوجي والديني فإن ذلك يسهل المهمة.

فبينما عرف سابقا بمقارعته للطغيان والظلم وأشاد بالثورتين المصرية والتونسية تغيرت مواقفه رأسا على عقب بعد الثورة السورية، وأصبح ظلم القيادة في دمشق واستبدادها ليس مبررا للثورة وإنما قابل للإصلاح. وهو الذي كان يتحدث عن استحالة ذلك ما دامت العسكريتاريا هي التي تقرر([6]).

وقراءة سريعة في أرشيف كتاباته تكشف تمحورها حول ما يصفه هو بـ "محاربة الطغيان" وتطرفه في الهجوم على الأنظمة العربية يجعل من الصعوبة فصل النظام السوري عنها، ومن الوهلة الأولى يعتقد أن نظام الأسد كان مشمولا بانتقادات أبو زكريا غير أن التمعن قليلا يكشف كيف كان يستثنيه عندما يربط الطغيان بالعمالة للغرب، وبما أن الأسد كان يتبنى خيار الممانعة ومواجهة الصهيوينة فإنه غير مشمول، والأمر نفسه ينطبق على إيران سابقا وحاليا.

ورغم محاولته عدم إحداث قطيعة بين هذا الماضي ومواقفه الحالية من خلال إشاراته العرضية لوجود طغيان وظلم في نظام الأسد وأنه مؤجل في مواجهة المؤامرة إلا أننا نجده يدافع عن عائلة الأسد، وأشهر شخصية فاسدة فيها وهو "رامي مخلوف" في حين كان ينتقد الفساد في العالم العربي، وكيف حوّل الحكام الأوطان إلى حدائق لأبنائهم وزوجاتهم. وحتى إذا سلمنا جدلا بمنطق أبو زكريا هذا أيضا فشتان بين عدم دعم الظلم والإشادة به، طبعا مع استحالة مواجهة العدو بظلم الشعب كما يفترض المنطق المقلوب لأبي زكريا ومن على شاكلته.

وما يعيبه أو يستند عليه يحيى أبو زكريا لتبرير وقوفه إلى جانب نظام الأسد هو ما أفرزته الثورات من عدم استقرار واضطرابات وعمالتها للولايات المتحدة، ولو أنه كان مفكرا حقا كما أصبح يُنعت في إعلام الأسد لعلم أن حالة اللا أمن أمر طبيعي نتيجة أي فعل ثوري، وأن من يتحمل مسؤولية ذلك هي الأنظمة التي لم تدر الأزمات سياسيا ودفعتها إلى العمل المسلح بخيار الأمننة، ورضوخ الأسد للمطالب الغربية وقبوله بتفكيك سلاحه الكيماوي هو عكس فتوى الشيخ العلامة البشيري الإبراهيمي رحمه الله التي أهداها لفيصل القاسم والتي مما جاء فيها أن "لا يعاهد العدو لأنّه لا عهدَ له. ولا يأتمَنه لأنّه لا أمانَ له ولا إيمان"([7]).

والأهم من ذلك أنه يستحضر البعد الديني في تحليلاته، فالذين يديرون الثورة من الداخل والخارج سقطوا في لعبة المال والملذات ولذلك لم ينصرهم الله، لأن الله ينصر من ينصره فقط وهذا شرط رباني([8]). السؤال الذي يطرح هنا: كيف كان بشار الأسد ينصر الله حتى ينصره وهو "البعثي ابن البعثي" المعادي للدين؟

هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن أبو زكريا يكذب وهذا ما اعتاد عليه بسوق التهم جزافا لكل المعارضين لإيران أو حتى المختلفين عنها جزئيا، ووضعهم جميعا في السلة الأمريكية، أو أنه يعتبر أن الأسد نصر الله بدعمه للتشيع والشيعة انطلاقا من خلفيته العقدية النصيرية، وما يقول بهذا إلا متشيع.

ونظرا لتأزم العلاقات بين حركة حماس ومحور إيران بسبب الثورة السورية ولحساسية المواجهة المباشرة معها خشية رد فعل الرأي العام العربي فإن هذه المهمة تكفلت بها الأدوات الإعلامية، لذلك تجنبت القيادات السياسية العليا الإيرانية والسورية الهجوم الصريح على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مع التلميح له من حين لآخر، فكان نصر الله يشير فقط لوفائه لأصدقائه في دمشق.

أما أبو زكريا فقد أصبحت قيادات المقاومة مستهدفة بتصريحاته ومقالاته، وهنا لا يستبعد لعب العوامل الشخصية دورا في هذا، كخلافه السابق مع الحركة بسبب إقالته من فضائية "القدس"، وأيضا مشكلته مع عبد المجيدة مناصرة في الجزائر بسبب اتهامه بهضم حقوقه حين عمل معه في جريدة النبأ، غير أنها تبقى ثانوية، والأساس هو المهمة التي كلفته إياها طهران.

الموضوعية الموجهة

يناور أبو زكريا بالحديث عن الظواهر السلبية التي يحفل بها المشهد الديني في شقيه السني والشيعي وفي مقدمته الإعلام الديني وما تبثه الفضائيات من مواد إعلامية تخدم منهج التكفير وتفريق الأمة، ورغم تعميمه ذلك على السنة والشيعة إلا أنه يركز بشكل خاص على السنة ويتلقف كل التهم التي تشوههم، ويجعل منها حالة عامة بسرد نماذج عديدة ينسبها لعلماء أهل السنة رغم أنها استثناء وحالات شاذة دون الالتفات أو بالأحرى ثم الالتفاف على المشهد الشيعي رغم أن الفتاوى تصدر من مرجعياتهم الكبرى أي "آيات الله العظمى" كحديثه عن فتوى إرضاع الكبير أو فتوى جهاد النكاح المكذوبة عن الشيخ العريفي، وإغفاله أو تغافله عن فتوى تفخيذ الرضيعة التي قال بها مراجعهم قديما وحديثا، أو زواج المتعة وإهانته للمرأة المسلمة، بل ويتحدث عن تمتع شيخ سني بفتاة رغم تحريمه زواج المتعة وتكفيره للشيعة([9]).

وقريبا من هذا وبعدما أصبح موضوع التقريب في خبر كان، نظرا للتحول التدريجي لمواقف الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان أهم الداعين إليه والمشتغلين عليه، وإعلانه انخداعه بالشيعة وحزب الله بعد الثورة السورية، يحاول يحيى أبو زكريا ضخ دماء جديد في هذه الفكرة نظرا لأهميتها في التمكين لإيران في الفضاء السني، حيث يركز في برنامجه "أ ل م" بقناة الميادين على هذا الموضوع، ورفعه من خلاله شعار "محاولة رسم تيار فكري عربي وإسلامي هدفه وحدة الأمة ونبذ الفرقة"، غير أن المدقق في خطاب البرنامج يجده يركز كل جهوده على اتهام وإدانة أهل السنة والجماعة ومؤسساتهم الدينية، واللافت للانتباه أن جل ضيوفه ينتقون بناء على توجهاتهم المسبقة والمعروفة والمشترك بينهم المسافة البعيدة نسبيا من الثورة السورية.

فبينما يركز على جهاد السنة في سورية يغفل ذلك من طرف الشيعة، ويعيب على من اجتهد من علماء السنة إعلانه النفير العام والأولى من ذلك بالنسبة له ولضيوفه فلسطين، بينما لا يعير انتباهه للمرجعيات الشيعية التي أفتت بمقاتلة الأمويين ونصرة آل البيت في الشام، ويعتبر إعلان حسن نصر الله حماية الشيعة في القرى الحدودية ثم مقام السيدة زينب بدمشق ثم التصريح بما كان يخفيه وهو القتال في كل سورية مقاومة وممانعة.

وبعدما كان يدعو للحوار على أساس أسلوب يمكن وصفه بالهادئ والبحث عن المحاججة العقلانية، غير أن كتاباته تختلف عن خرجاته الإعلامية خاصة بعدما أصبحت ضرورية لتزيين وجه النظام القبيح، فنفاذ القاموس العقلاني والهادئ فسح المجال للتصريحات النابية التي تفوح بخطاب الكراهية والازدراء والتخوين والطعن في شرف شعوب بأكملها والتشكيك في أنسابها، وانتشرت على اليوتيوب العديد من مقاطع الفيديو ترصد تناقضاته وخزعبلاته، حيث أصبح يستعمل قاموسا لغويا شعبويا أنذر بسقوطه الأخلاقي لدرجة أن قناة الميادين اضطرت إلى إصدار بيان ترفع يدها عن تصريحاته رغم أنها تنتمي إلى نفس الخط وقد تكون مجرد لعبة تبادل أدوار. مما يطرح علامات استفهام حول العدد الكبير من الرموز الدينية التي تظهر على برنامجه.

التعتيم والتعمية

لا ينفك أبو زكريا عن ترديد نظرية المؤامرة وما يحاك ضد الأمة من طرف القوى الصهيونية، وإذا كان هذا رائجا عند الكثير من المشتغلين في الحقل السياسي والإعلامي، إلا أنه يفرط في هذا بادعائه المعرفة بتلك المؤامرات وامتلاكه معلومات (استخباراتية) سرية – حصرية- (بالأطنان) لمحاولة إقناع الرأي العام ومغالطته وترسيخ فكرة أن ما يجري في سوريا فقط إصرار أمريكي لإسقاطها ومعاقبة حزب الله على انتصاره على الكيان الصهيوني في آب 2006 ([10]). والكل متورط في ذلك بما فيهم الإخوان المسلمون في مصر، ففي رده على رسالة فيصل القاسم تحدث عن امتلاكه لوثائق تنص على أربع قواعد أمريكية جديدة في مصر، بإقرار من الإخوان في مرحلة حكم مرسي.

ومن المعلوم أن الجهاز البيروقراطي ظل متماسكا بعد سقوط نظام مبارك وهو ما ساهم في الانقلاب، فما بالك بالمؤسسة العسكرية التي فضلا عن علاقاتها القديمة بأمريكا منذ زمن السادات فإن الوقائع التالية كشفت عن استمرارها بنفس النهج بدليل تنفيذها للانقلاب برعاية أو على الأقل دون رفض أمريكي، وهو ما يدحض كلام يحيى أبو زكريا جملة وتفصيلا. وإذا كان الشيخ رائد صلاح تحدث عن دعم الرئيس المصري محمد مرسي للأقصى والقدس فهل نصدق المرابط هناك أم يحيى أبو زكريا؟

الخلاصة

تمتلك الأصوات الإعلامية الموالية لإيران دينيا وسياسيا الكثير من الخصائص المشتركة مع "الزائدة الدودية" في جسم الإنسان، فالأخيرة صغيرة الحجم ودورها مناعي بالأساس حيث تقوم بتصفية البكتيريا والفيروسات، ولكن عند حدوث التهاب فيها تتحول إلى خطر على الجسم وتؤدي في الغالب إلى وفاة المريض. لذلك يتوجب استئصالها بعملية جراحية.

وكذلك الأطراف المؤيدة لإيران هي قليلة جدا في جسم الأمة، ولا ننكر امتلاكها ذكاء ومعرفة يفترض أن تساهم بها في نهضة الأمة، ورفعتها، وحمايتها من كل التهديدات الهوياتية، وفي جوهرها دينها الإسلامي. ولكنها لما تمتلئ بكل الميكروبات وجراثيم الفيروس الإيراني من قيح عقدي وفكري، بعدما تقطع أشواطا طويلة في مسار التشيع تصبح مرتبطة بالمشروع الإيراني كليا، ما يجعلها حالات يكاد يكون ميئوسا منها، إذ من النادر تراجعها. لذا لا مناص عندها من استئصالها ومعنى الاستئصال هنا "الفكري" من خلال إبرازها وكشف حقيقتها للرأي العام العربي، حتى يكون الناس على بينة من أمر هؤلاء. وإذا لم يتراجعوا عن أفكارهم فعلى الأقل لا ينشروها في جسد الأمة الذي أثكنته الجراح وطعنات الظهر بأيدي أبنائه.

 



([1])- نور الدين المالكي، فضيحة الدجال يحيى أبو زكريا: لا هو دكتور ولا يتكلم ست لغات، موقع الدفاع على السنة، 27/05/2013، على الرابط: http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=163176

([3])- على سبيل المثال لا الحصر، انظر: يحيى أبو زكريا: سماحة السيد حسن نصر الله: قراءة في الشخصية، شيعة ويب، 04/08/2006، على الرابط: http://www.shiaweb.org/hizbulla/waad_alsadeq/pa218.html

([4])- نور الدين لشهب، يحيى أبو زكريا: الكتلة المغاربية تملك كل مقومات الانطلاق النهضوي، هيسبريس، 06/05/2009، على الرابط: http://hespress.com/interviews/12636.html

([5])- نور الدين المالكي، هذا الكلام صدر عن الصحفي الجزائري يحيي أبو زكريا، منتديات الشروق، 12/05/2011، على الرابط: http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=184529

([6])- نور الدين لشهب، يحيى أبو زكريا : الكتلة المغاربية تملك كل مقومات الانطلاق النهضوي.

([7])- رد الإعلامي الجزائري يحيى أبو زكريا على رسالة فيصل القاسم، بانوراما الشرق الأوسط، 22/12/2012، على الرابط: http://www.mepanorama.com/200459

([8])- يحيى أبو زكريا، حين فشلوا في اغتيال الرئيس الأسد بدأت حرب الإشاعات، سيريان تلغراف،2013/01/28 ، على الرابط: http://www.syriantelegraph.com/?p=67622

([9])- يحيى أبو زكريا، فضائيات التكفير وفقهاء الفتنة، الحوار نت، 22/09/2010، على الرابط: http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=10120

 

([10])- يحيى أبو زكريا، حين فشلوا في اغتيال الرئيس الأسد بدأت حرب الإشاعات.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق