الهوية الجنسية للدماغ وتهافت الفكر النسوي شهادة المرأة نموذجا
الأثنين 7 أكتوبر 2013

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

بذلت منظّرات الفكر النسوي جهودا ضخمة على مدار القرن الفائت لإثبات أن جميع الفروق بين الجنسين هي فروق اجتماعية، واشتهرت مقولة سيمون دي بفوار: "إن المرء لا يولد امرأة وإنما  يصبح  امرأة". 

واستماتت هؤلاء النسويات لإثبات أن الفروق البيولوجية ضئيلة جدا وليس لها علاقة بالدور الاجتماعي، وعلى سبيل المثال فإن الفارق الكبير في القوة العضلية لصالح الرجل ليس بذي معنى في عصر حلت فيه الآلة محل المجهود العضلي وأنه لو كان هذا الفارق هو تفوق في صالح الرجل في عصور سابقة فإنه لا يجوز أن يكون كذلك في ظلال عصر النهضة والطفرة التكنولوجية التي نعيشها.  

وكان مما زعموا أيضا أن الفارق بين دماغ الرجل ودماغ المرأة هو فارق بسيط في الوزن ليس له قيمة تذكر في الدور الاجتماعي والإنساني الذي يعيشه كل منهما.

الحقيقة أن هؤلاء المفكرات كن يفرضن أفكارهن على الحقيقة العلمية الموضوعية بمعنى أنهن يحددن الفكرة الاجتماعية ثم يفرضنها على حقائق العلم دون بحث كاف في المسألة.

ومسألة العلم هذه تم استغلالها أسوأ استغلال من قبل الماديين الملحدين حيث تم الترويج للإلحاد باسم العلم، رغم كل هذه الآيات العظيمة المبثوثة في الكون التي تشهد بقدرة الخالق ووحدانيته، والمتأمل لنظرية الانتخاب الطبيعي لدارون وكيف أحدثت من أثر مزلزل على الصعيد الإنساني، وهي نظرية ينظر إليها الآن على أنها من نفايات العلم قد قامت على افتراضات وليس على حقائق وفيها من العوار ما يحتاج لبحث طويل.

ولنقُل الشيء نفسه على نظريات فرويد في التحليل النفسي وخاصة فيما يتعلق بتأثير الدافع الجنسي على الإنسان منذ لحظة الميلاد، ومن المعلوم أن النظرية الآن تدرس كنظرية تاريخية ولكنها في وقتها كانت تعامل كنظرية علمية لا شك في صدقها.

والحديث طويل جدا عن تلك النظريات التي لا دليل واضحا عليها، وعلى الرغم من ذلك تُعامل معاملة الحقائق كنظرية أصل العائلة وجميع ما قيل عن العصر الأمومي، وإن كان طه حسين كتب ذات يوم: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي)([1]) فأعمل منهجه في الشك في كتاب الله تعالى باسم العلم وفي المقابل كان المفترض أن نصدق كل هذه الترهات لأن أصحابها يستخدمون فقط مصطلحات علمية عليها دون أن يكون من حقنا استخدام منهج الشك وإلا اتهمنا بالرجعية والتخلف.  

سقوط الجندر

ما أقولة عن نظرية الانتخاب الطبيعي أو مدرسة التحليل النفسي من نقد صدر بالأساس من الفكر الغربي ذاته عندما ثبت تهافت هذه النظرية وتلك، نستطيع أن نقوله عن الأركان التي قام عليها الفكر النسوي، وأهمها فكرة أنه لا فروق بين الجنسين، وأن جميع الفروق نشأت بسبب التربية الاجتماعية لا أكثر، فحين تختلف أساليب التربية وتوحّد لن يكون ثمة ذَكر أو ثمة انثى بل سيكون فقط النوع الاجتماعي أو الجندر.

تقول ميليسا هاينز: (لا يمكننا فصل العمليات البيولوجية والثقافية واعتبارها ساحات مستقلة بعضها عن البعض الآخر وإن كل الاكتشافات العلمية والدراسات الاجتماعية تسير في الاتجاه التبادلي التفاعلي بين منظومة متكاملة من المؤثرات والعوامل المختلفة أي أن جميع سماتنا السيكولوجية والسلوكية أساس بيولوجي في دماغنا بغضّ النظر إذا كانت الهرمونات أو عوامل أخرى بما فيها العوامل الاجتماعية والثقافية والتربوية هي التي تدفعنا إلى النمو بطريقة معينة لذا فإن التمييز بين الأسباب البيولوجية والاجتماعية هو تمييز زائف )([2]).

هذا الترابط التي تتحدث عنه الباحثة بين ما هو بيولوجي وما هو اجتماعي هو الأمر الأكثر منطقية وتوافقا مع الفطرة فليس من الطبيعي في شيء أن يكون الإنسان عبارة عن جُزر منعزلة لا تتفاعل مع بعضها البعض، لعل الأمر أقرب في الشبه بالأرض الزراعية وما يخرج منها من حرث، فعوامل الوراثة والهرمونات هي نوعية التربة التي لا يمكن إلا أن تنبت أنواعا معينة وفقا لطبيعتها وطبيعة المناخ، وفي الوقت ذاتة تختلف نوعية الزرع وجودته وقيمته بقدر ما يَبذل فيها المزارع من جهد وما يقدمه لها من مخصبات وهذا هو الدور التربوي والاجتماعي ولابد من التوافق بين الأمرين.  

فلو افترضنا أن مزارعا ماهرا معه جميع المخصبات وأراد أن يقوم بزراعة نبات حار في بيئة باردة أو نبات بحاجة لتربة طينية في تربة رملية فلن تكون النتيجة إلا الفشل مهما بذل من جهد، والمزارع الماهر حقا هو من يبذل الجهد المناسب في المكان المناسب .

أما النسويات فهن يُردن فرض ما في رؤوسهن على قوانين الطبيعة ذاتها ولكن العلم يثبت يوما بعد يوم زيف تلك الأفكار الضالة (إن ظاهرة اختلاف دماغ الرجل والمرأة أثارت اهتمام العلماء فقاموا بدراسة الحالات المختلفة للدماغ عندما يفكر وعندما يغضب وعندما يحزن وغير ذلك من الانفعالات النفسية ووجدوا أن الدماغ لدى الرجل يعمل بطريقة مختلفة عن دماغ المرأة. ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، فقالوا لابد أن هناك تشابهاً في عمل خلايا الدماغ بين الرجل والمرأة أثناء الراحة، أي عندما لا يقوم الإنسان بأي تفكير.

ولكن باحثين من جامعة كاليفورنيا وجدوا أن دماغ المرأة يتصرف بشكل مختلف عن دماغ الرجل حتى في حالة الراحة أو السكون!! أي عندما يكون الرجل جالساً لا يعمل أي شيء، ولا يفكر بشيء، وكذلك عندما تكون المرأة جالسة لا تفكر بشيء فإن التصوير بالرنين المغناطيسي أظهر أن النشاط في مناطق الدماغ للرجل يختلف عن دماغ المرأة بشكل واضح.

فقد كشف الدكتور Larry Cahill أن دماغ الرجل يعالج المعلومات بطريقة مختلفة جداً عن دماغ المرأة، حتى في حالة الراحة، واستخدم الباحث إشعاع Positron Emission Tomography أو اختصاراً PET في تجربة تشمل 36 رجلاً و 36 امرأة، وذلك لدراسة نشاط الدماغ أثناء الراحة دون التفكير بشيء، وأظهرت الصور أن المناطق التي تنشط في دماغ المرأة تختلف عن المناطق التي تنشط في دماغ الرجل!

ويقول الباحثون إن هذه النتائج غريبة وغير متوقعة، فطالما اعتقدوا أنه لا فرق بين دماغ الرجل ودماغ المرأة، ولكن هذا البحث أكد لهم أن الدماغ يعمل بشكل مختلف جداً عند الرجل والمرأة، ويقولون:

إن تصميم دماغ المرأة جاء مناسباً لتحمل الألم والإجهادات (مثل آلام الولادة) أكثر من الرجل حيث إن دماغ الرجل لا يوجد فيه مثل هذه الميزة!!

 ويقول الباحث Cahill: العجيب أن تصميم دماغ الرجل ودماغ المرأة جاء كل منهما متناغماً مع العمل الذي سيقوم به)([3]) وصدق الله تعالى إذ يقول (وليس الذكر كالأنثى).

الأبحاث العلمية كثيرة جدا ولستُ هنا في مجال الاستقصاء وهناك أدلة أن الدماغ مختلف منذ المرحلة الجنينية بفعل الهرمونات الجنسية المختلفة وليس في هذا أي انتقاص للأنوثة، بل لعلي لا أكون مبالغة في القول أن ثمة مشاعر نقص حقيقية تعتري هؤلاء النسويات اللاتي يرفضن تصديق هذه الفروق الحاسمة في الدماغ الذي يحتوي على أكثر من مائة تريليون خلية وربما أكثر ويسيطر على جميع وظائف وسلوك وإدراك الإنسان.

شهادة المرأة

هل يمكننا في ضوء ما سبق أن ندرك الحكمة من جعل شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين وأن القضية لا تتعلق بمكانة المرأة فالهدف من الشهادة ليس مكانة الشهود وإنما توثيق الشهادة.

شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين في حالة الإشهاد على الدين أما الشهادة في القضايا المدنية أو الجنائية فلها شان آخر فقد يكتفي القاضي بشاهد أو يتحتم وجود أربعة شهود وقد يحكم بالقرينة وهناك قضايا لا تُقبل فيها شهادة الرجال وأخرى لا تقبل فيها إلا شهادة الرجال وليس هنا مجال التفصيل ولا علاقة لها بمكانة الشهود فالبعض انحرف بالوسيلة وجعلها هي القضية والغاية.

تمر المرأة بتغيرات هرمونية أثناء الحيض وأخرى أثناء الحمل وأخرى في حال الرضاعة، وقد ثبت علميا وبما لا يدع مجال للشك أن الهرمونات تؤثر في عمل الدماغ، وليراجع من يشاء كتاب (جنوسة الدماغ) وهو مؤلف علمي غربي رصين مليء بالتجارب والمعلومات الحديثة التي تؤكد ذلك، وهناك دراسات أخرى تتحدث عن العلاقة بين قدرة دماغ المرأة على تحمل الألم وتأثير ذلك على الذاكرة طويلة الأمد كما في حالة الإشهاد على دين مثلا.

يضاف لذلك عامل بالغ الأهمية، فنحن إذا اتفقنا أن هناك علاقة تبادلية تفاعلية بين ما هو بيولوجي وماهو اجتماعي فإن الفطرة تقول إننا ينبغي أن نخضع التربية الاجتماعية للتوافق مع البيولوجي لا التصادم معه، بمعنى أنه إذا ثبت أن دماغ المرأة وهرموناتها تؤهلها كي تكون أما حنونا وزوجة رقيقة فلابد أن تربى وتنشأ لتكون هكذا ولا تشعر بتناقض بين ما تحسه وتشعر به وما يفرض عليها من الناحية التربوية والفكرية التي تهمش مثل هذه الأدوار وتحتقرها.

وبالتالي فعندما يكون الأصل أن تكون المرأة متفرغة لبيتها وأولادها فسيكون اهتمامها بالمعاملات المالية والديون والشهادة عليها أقل بكثير من الرجل وعندما لا يكون الموضوع في بؤرة الاهتمام فاحتمال نسيانه أمر وارد .. ومن ثم فالاحتياط في الشهادة أمر واجب.

ولكن الشبهة ذائعة الصيت هي أن هناك من النساء من  يمتلك عقلا رياضيا وذاكرة حديدية تفوق الكثير والكثير من الرجال وهناك نساء شديدات الاهتمام بالمسائل المالية والمعاملات الاقتصادية ونساء أعمال ناجحات بل باهرات، وأم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها نموذج لذلك فقد كانت تستثمر مالها في التجارة ومن ثم لابد أنها كانت تمتلك عقلا رياضيا نابها وذاكرة فائقة وإلا لما حافظت على تجارتها بل وتوسعت فيها.. هذا كله حقيقي والإسلاميون لا يريدون نفيه أو التشكيك فيه لأن الإسلام كرم المرأة وعظم الحقائق وكان شعاره الدائم في مواجهة خصومه (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).

النتائج التي توصلت إليها أبحاث العلماء عن طبيعة الهوية الجنسية للدماغ والفروق الفردية بين الجنسين كانت تتحدث عن المتوسط العام، وعلى سبيل المثال عندما يقال إن فارق الطول بين الجنسين هو لصالح الذكور فهل يعني ذلك أن كل رجل هو أطول من كل امرأة؟ بالطبع لا والجميع يعلم ذلك.

وعندما قرر الإسلام أن تكون شهادة امرأتين على الدين تعدل شهادة رجل واحد فذلك لأن الله الذي خلق البشر بحكمته وجعلهم جنسين لغاية جليلة، وجعل بينهما أمورا مشتركة وأخرى مختلفة ودعاهم للحياة وفقا لما فطرهم عليه، وشرع لهم من الشرائع ما فيه نفعهم في الدنيا كما الآخرة، ولأن المال عصب الحياة كما يقال وكان الديْن حاجة إنسانية لابد من الاعتراف بها وتلبيتها فكان لا بد من حفظ حق الدائن بالشهادة وحفظ حق المدين بأن يملي هو بنفسه ما عليه من دين حتى لا يغالطه أحد بل حتى حافظ على حقوق الكاتب والشهود لأنه دين يقوم على العدل.

ولا يمكن لدين يقوم على العدل أن يغمط حق أحد الجنسين أو يقلل من قيمته أما أتْباع الديانات الأخرى التي حرفها البشر وأودعوا فيها عُقدهم وكمائن النقص التي تعتريهم فنحن أول من ننتقدهم كنقدنا لهؤلاء النسويات اللاتي بالغن في رد الفعل وقُمن بإضفاء صفة العلمية على ما يردنه من أفكار دون سند من الحقيقة وسِرن في ركاب ما بعد الحداثة بما تحمل من أفكار تفكيكية حتى يغيرن فطرة الله التي فطر عليها الناس ولكن هيهات فكل يوم ينكشف عوارهن وزيفهن.



[1] - طه حسين، الشعر الجاهلي.

[2] - ميليسا هاينز، جونسة الدماغ، ترجمة د. ليلى الموسوي.

[3] - عبد الدائم الكحيل، وليس الذكر كالأنثى رؤية جديدة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق