المشهد العراقي بعد تأجيل الضربة على سوريا الواقع والحل
الأثنين 7 أكتوبر 2013

 سمير الصالحي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تأجلت ضربة النظام السوري أو إن شئت قل رُحّلت إلى أجل غير مسمى، فطبخة الكبار لا تزال على النار، وهي لم تنضج بعد، وأصبح المهم هو التخلص من السلاح الكيماوي، ولم يعد التشنج والاضطراب هو سيد الموقف في العراق نتيجة لذك، لكن العراق بذاته يغلي- حتى لو لم توجد مشكلة سوريا أصلا -  وغليانه لأمور أخرى مستمرة، فالشيعة يريدون ولادة عراق شيعي جديد، والسنة يبذلون جهدهم مع تقصير واضح، والكرد السنة في طور بناء دولتهم المنتظرة.

في العراق قتلٌ يومي يصل معدّله إلى نصف أو ثلث عدد القتلى اليومي في سوريا، فهي حرب غير معلنة، وقد شهد شهرا 8-9 الماضيان تصعيدا كبيراً على عدّة أطر منها:

- تهجير في الجنوب لعشائر آل السعدون السنية من محافظة البصرة (هجرت 100 عائلة) حتى اعترف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بذلك، والتهجير في محافظة ديالى مستمر.

- تفجيرات مساجد السنة بعد صلوات الجمعة في محافظتي ديالى وبغداد.

- اعتقالات مستمرة على قدم وساق لأهل السنة، وتهمة 4 أرهاب أصبحت سُنة إرهاب.

- الرعب يلف العاصمة العراقية، فعند الساعة الثالثة عصرا يغلق كل شيء في بغداد وهناك شلل اقتصادي واضح في العاصمة.

- نشاط واسع جدا في المناطق السنية للقاعدة، ودخول ملف قاعدة العراق مع سوريا.

- اعترافات لمجموعات شيعية -لا ندري لحساب من تعمل- بتنفيذ عمليات تفجير في المناطق الشيعية!  طبعا إيران واحدة من هؤلاء، لكن السؤال: هل توجد جهات أخرى غير إيران تعمل في العراق؟

- تصاعد الفساد على الصعيد الاقتصادي والإداري والسياسي.

هذا هو المشهد العراقي والذي هو متناغم مع مشهد الاضطراب الدولي لاسيما في منطقة الشرق الأوسط.

 

موقف إيران داخل العراق:

نحت توجهات إيران السياسية بعد انتخاب الرئيس روحاني منحا جديدا مع الغرب حول عدة ملفات منها ملفها النووي، ودخول مرحلة جدية من التهدئة، لكن السؤال: هل ينعكس هذا على سياستها في العراق؟

في الشأن العراقي لا تزال استراتيجية إيران المنظورة هي مزيد من إحكام السيطرة على أغلب مناطق العراق، وتقوم بتنفيذها عبر التكتيكات التالية:

الأول: التمدد للسيطرة على محافظة ديالى.

الثاني: تطهير محيط بغداد من السُنة تدريجيا.

الثالث: هو السيطرة على منطقة النخيب عسكريا.

وتشكل النقطتان الأولى والثانية تمهيدا للسيطرة الكلية على العاصمة، بحيث لا يتبقَ إلا أقليات سنية في العاصمة وما جاورها، وهذا حلم شيعي إيراني قديم.

والأمور وللأسف تسير وفق الخطة المرسومة:

ففي محافظة ديالى ومناطقها السنية تسرح الميلشيات الشيعية وتمرح، وتقوم بالقتل والتفجير والتهجير بشكل مدروس، كميلشيات جيش المختار، وثأر الله، وعصائب أهل الحق، وكل هذه لها صلة بشكل أو آخر بالقوى الأمنية الحكومية، أو تتحرك تحت نظر الجيش والشرطة، وبعضها يرتبط مباشرة بإيران.

أما في محيط بغداد، فقد استغل الشيعة هروب سجناء القاعدة من سجن أبي غريب، لإطلاق عملية ثأر الشهداء، لتحصد أرواح أهل السنة من محيط بغداد، دون أن يتحرك الجيش (الوطني) والذي يسمع تصريحات القوى الأمنية والميلشيات لأهالي المناطق السنية جهاراً نهاراً أنّ جميع أهل السُنّة سيرحلون من مناطقهم اليوم أو غداً.

ومنذ أكثر من شهر دخلت قوات عراقية وإيرانية عسكرية داخل الصحراء الغربية وتمركزت في مناطق عدة ومنها منطقة النخيب، للتمهيد لقوات أخرى إيرانية للانتشار بشكل أعمق للوصول قرب الحدود العراقية السورية، والعراقية الأردنية.

وتمهيداً لشرعنة هذا الاستيلاء على منطقة النخيب، فقد تم ضخ أموال طائلة لشخصيات معروفة ومؤثرة في محافظة الأنبار تمهيداً للموافقة على أي استفتاء يجري حول انضمام منطقة النخيب إلى محافظة كربلاء، والهدف من ضم منطقة النخيب لمحافظة كربلاء هو عزل السعودية عن المحيط السني العراقي واقتراب إيران من حدود الأردن.

     إن الحكومة الإيرانية والنخب العراقية الشيعية تدرك أن الوضع في العراق سينتهي مستقبلا وبرضى دولي بظهور إقليم سني أو أقاليم سنية ولكن ليس الآن، ولذلك تعمل القوى الإيرانية والأحزاب الشيعية العراقية على استباق الزمن بحيث ينشأ إقليم سني ضعيف، لا تدخل فيه محافظة ديالى ولا بغداد!!

وضع الحكومة العراقية (الشيعية) اليوم:

الحكومة العراقية الشيعية مضطربة؛ لأن كل المنطقة (العراق وما حوله من البلاد) تغلي ولا أحد -حتى أمريكا وإسرائيل وحتى إيران- يعلم ما الذي يجري أو إلى أين تسير الأمور، فكل شيء متسارع ومتغير، وتخشى إيران والأحزاب الشيعية العراقية أن تنعكس التغيرات في سوريا عليها سلباً، خاصة مع وجود مناطق عراقية أصبحت منفلتة ويصعب السيطرة عليها، لذلك تشعر الحكومة العراقية والإيرانيون أن زمام الأمور في المناطق السنية العراقية الداخلية اليوم ليست بيدها بنسبة عالية.

أما بخصوص تنظيم القاعدة، فهو تنظيم قابل للزواج المؤقت وليس الدائم، وقد فعل ذلك مع إيران وأمريكا، فهو يؤجر ولا يشتري وعقوده مؤقتة قابلة للنقض، لذلك تستطيع أي جهة أمنية أو دولية أن تستخدمه وهو كذلك يستخدمها؛ وهو يلعب لصالحه ولصالح غيره، وقد يعقد صفقة مع طرفين متناقضين في آن واحد فالذي يتعامل معه يعلم أنه غير مأمون الجانب!

المالكي والولاية الثالثة:

أما المالكي اليوم فلا يفكر إلا بالانتخابات القادمة كي يحصل على ولاية ثالثة؛ فرغم فشل وتراجع شعبية قائمته (دولة القانون) في انتخابات مجالس المحافظات في مقابل التيارين الشيعيين (الصدر، وعمار الحكيم)، إلا أن المالكي في المقابل لا يزال يحظى بدعم إيراني لولاية ثالثة، ونوع من الموافقة الأمريكية الأولية، وقد استطاع بواسطة تهديد المخالفين بالمحاكمات عبر تلفيق التهم، بإيقاف صدور قانون حصر ولاية رئيس الوزراء بولايتين.

ومما يخيفه أكثر أن محللين أمريكان يكتبون ويشيرون إلى أن العد التنازلي للمالكي قد بدأ.

فهو يواجه خصومه الشيعة من الصدريين والمجلس الأعلى (عمار الحكيم) بالمحاربة والإقصاء، ويعطل أي قانون أو مشروع في مجلس النواب لمحاسبة الضباط الأمنيين عبر نوابه من أمثال عدنان الشحماني وغيره، وعبر تهريب أي شخص يمكن أن يفضح فساد الأجهزة الأمنية لخارج العراق؛ كما حصل بهروب المجرم اللواء الركن  ناصر غنام مع 500 من أتباعه إلى أوربا، بعد أن هرّب مبالغ هائلة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، بعد أحداث سجن أبي غريب!

المالكي فشل فشلا ذريعا خلال حكومتيه الأولى والثانية في بسط الأمن في العراق مع أنه يملك عددا كبيرا من الجيش والشرطة يصل إلى مليون عنصر، 90% منهم شيعة، لكن انعدام الكفاءة - لأنهم قادة ميليشيات وبعضهم قيادات شيعة في حزب البعث سابقا- مع تفشي الفساد في ذممهم، جعل العراق في حالة فوضى وانفلات.

فأتباع مقتدى الصدر يغتالون أتباعا للمالكي في الجنوب، وإعدامات في الشوارع مرة للسنة وأخرى للشيعة، ومرة بين الشيعة والشيعة (تصفية حسابات حزبية) وحرق جثث في الشوارع، هذا هو عصر حكومة حزب الدعوة.

أما سياسة المالكي فالجزء الأكبر منها هو إرضاء إيران بتصريف تجارتها، ويبدو أن بعض هذا الفساد  في العراق هو في حقيقته ليس فسادا بقدر ما هو تمويل للمشروع الشيعي في سوريا من جهة، ودعم لإيران واقتصادها لأنها تعاني من الحصار، فقد تركها المالكي تعبث داخل العراق بشكل رسمي، ووقف معها في الأزمة السورية، هذا من ناحية إيران.

 وهو شبه مرضي عليه أمريكياً؛ رغم أن أمريكا تعلم علم اليقين أن إيران تسيطر على المالكي تماماً لكن سياسة أمريكا اليوم في الشرق الأوسط أضحت من الضعف إلى الحد الذي أصبحت لا تريد فيه جديدا غير مجرب في العراق، ولا يزال المالكي خيارا مجرباً معروفاً بعجره وبجره كما يقال. وبِيد المالكي اليوم كل الأجهزة الأمنية والجيش، وهو الأقوى شيعيا وسنيا، وأمريكا تلعب مع القوي، وليس أمريكا وحسب بل إنّ القوي يفرض نفسه على الجميع.

فلا أمريكا ولا إيران بوضعهما الدولي الحالي تريدان تغيير المعروف (المالكي) إلى قادم مجهول، نعم إيران عندها بدائل (صولاغ- الجعفري- هادي العامري)، ولو قارنتهم بالمالكي فسيترحم أهل السنة على حكم المالكي!!!

والمالكي يخاطب سنة العراق بكل أطيافهم: أنا القدر القادم فتعاونوا معي خير لكم من غيري وأنا أحسن الأسوأ!! هكذا هو لسان حاله، كما أنه يغدق المال على قيادات الصحوات والحزب الإسلامي، وبعض السياسيين كالمطلك والكربولي، وجماعات المصالحة الوطنية، ورجال دين من أمثال مهدي الصميدعي وخالد الملا ومن لفّ لفهم، وكذلك على رؤساء العشائر في الأنبار من أمثال ماجد علي سليمان، شيخ عشائر الدليم، إضافة إلى تجار وأثرياء سنة أعطوا صفقات حكومية، وهم بدورهم ينفقون على مجموعات سنية عديدة، وهؤلاء أصبح الوجود السني رهنا بيدهم منذ بداية الاحتلال!!

المشهد السني:

للأسف المشهد السني لا جديد فيه على صعيد الاستراتيجية، إلا أن الخلافات أصبحت محدودة بعد أن كان الاختلاف متنوعا وشديد التعقيد، فانحصر الخلاف بين  أطراف معينة، وأما الحراك السني فقد بقي صامداً بعد أن راهن الكثير على فشله، لكن لم يعد كثير الفعالية والتأثير، بعد أن فشل الربيع في الدول العربية، ولكنه مقلق للحكومة لأنه يمثل ظهورا للسُنة وكسرا لحاجز الخوف لا تريده الحكومة العراقية ولا إيران وهو يمثل نوعا من الصحوة للسُنة وتمردا على الحكومة المركزية إلا أنه لم يلق دعما عربيا حتى ولا إعلاميا.

والحراك السُني منقسم إلى جهات عدة أو بالأحرى إلى ثلاثة أقسام أساسية، جهتين منها تريد الإقليم وهما الحزب الإسلامي - الذي يريد تزعم الحراك-  وقادة العشائر والنخب وبعض السياسيين، وإلى حراك رافض للإقليم ويتمثل بهيئة علماء المسلمين، وحزب البعث وبعض النخب، وفريق آخر ظاهره مع الحراك وقد اشترى ذممهم المالكي، فالصراع حول موضوع الإقليم أصبح هو المسيطر داخل الحراك وخارجه.

والصراع داخل التيار العربي السني يتمثل في عقلية شمولية تريد أن يخرج المحتل الأمريكي (هذا سابقا) ويسقط حكومته ويحرر العراق من الحكومة الطائفية وينقذ الأكراد من سيطرة الحزبين؟؟!!

إنه مشروع خيالي يحمل بصمة حزب البعث، عبر عدة واجهات سياسية، ويتابعه على ذلك لفيف من الإسلاميين- مع الأسف-.

والمشروع الآخر أصبح معاندا هو الآخر للهوية السُنية والإقليم، ولا يقبل التفاوض، فكأنما أصبح لا يوجد حل داخل العراق إلا هذا أو ذاك. ولكل فريق خطباء ومروجون داخل العراق وخارجه.

كما أن اليأس السني العام من الداخل العربي والدولي أصبح مُسيطراً على النخب والجمهور، لذلك بدأت ترجع لتكون حاضنة لتنظيم القاعدة من جديد، كما كانت في أول الاحتلال ولكن بمبررات مختلفة. والقاعدة منها ما هو حر التوجه، وفي المقابل فيها قيادات تابعة لجهات إيرانية وعراقية حكومية ومنها غير ذلك، ووصل الأمر بسيطرة القاعدة على محافظة نينوى حداً أن العائد الشهري (الأتاوات) المالية المفروضة على الناس وصل إلى 7 ملايين دولار شهريا.

كما دخل عامل جديد في المعادلة السُنية وهو ظهور دولة العراق والشام، واتخذت مكانا في منطقة الحضر وبين الحدود العراقية السورية جنوب مدينة الموصل، بعد أن غضّت الحكومة العراقية عنها الطرف (لمصلحتها وبتوجيه إيراني).

ويبدو أن محافظة نينوى يراد لها أن تبقى غير مستقرة من قبل الكرد من جهة والحكومة العراقية من جهة أخرى وإيران لأسباب أخرى؛ منها أن هذه المحافظة تحتوي على كم كبير من السنة قرابة (3 ملايين سني) وهم على كفاءة عالية ويكثر بينهم العسكريون القدامى.

 هل هناك من ضوء في آخر النفق (الحلول):

نعم هناك ضوء لو أحسن بعض السنة استغلاله وتوظيفه:

يجب على سنة العراق أن يدركوا أنهم بتفرقهم وخلافهم يصبحون خارج المعادلة الدولية والإقليمية والقُطرية، فالمقاومة التي كان يحسب لها حساب توقفت بعد خروج المحتل، واختلافهم المتجذر وعدم وجود رأس يرجعون له، جعلهم ورقة لا تحسب حسابها الدول الكبرى عندما تريد التفكير في اللعب في العراق، وأصبحوا قوة هامشية.

قد تكون مشكلة السنة أنهم أصبحوا مسلوبي الإرادة فلا حل عندهم إلا ما جاء من أمريكا وبريطانيا، أو دول الخليج، ونسوا أن الأمور تفرض فرضا، وأن الدنيا تؤخذ غلابا وأن هناك رغبة من قبل الحكومة والأمريكان أن يبقى السياسيون السنة اليوم على اختلافهم، ولذلك نرى جهات تضع قدماً مع السنة، وقدماً مع حكومة المالكي!

وعلى هذا لابد من تجاوز العُقد الكبرى والتي هي بؤر الخلاف مثل: الإقليم، السني أم الوطني، وأعتقد أن هذه يمكن أن تؤجل كشأن سني داخلي، ويرجأ النقاش فيها، والتركيز على إيجاد قيادات مقبولة عاقلة، من كل المكونات أو أغلبها.

الحل في العراق ليس بيد فئة دون أخرى، والفئات العراقية السنية هي: الجهات الدينية (الإخوان بشقيهم الحزب الإسلامي، وجماعة الإخوان المسلمين، والسلفية، والصوفية)، والعلمانيون ممثلون بحزب البعث ونخب وطنية التوجه([1])، والعشائر، وعناصر الجيش السابق، والأثرياء.

وظهر مكون جديد هو قيادات الحراك، وطبقة السياسيين المشاركين في الحكم الآن، فنستطيع من كل هؤلاء أن نوجد مكونا يمثل كل الطيف السني العربي، قد نصل لهذا التمثيل الكلي للسنة عبر عدة مراحل، ففي البداية قد ننجح في تكوين هيئة تمثل ولو 30% من السنة، وقد نجد خلافات على نسب التمثيل في هذا المكون، وقد يحاول الحزب الإسلامي وحزب البعث التحايل للحصول على حصة أكبر في القيادة، ولحل هذا الإشكال لابد من الابتعاد عن طريقة الانتخابات واللجوء إلى التوافق للتخلص من كل ذلك.

هذا التجمع لسنة العراق سيكون الحل لمشكلتهم، وهو الورقة والمعادلة الجديدة التي سيتراكض جميع الأطراف لخطب ودها، شريطة أن لا يهيمن عليها الإخوان أو حزب البعث، فصراعهما الحالي من أكبر مشاكل الوجود السني.

وإذا تجمع السنة يمكن أن يتوافقوا مع جزء من الكرد ؛ فالمكون الكردي أقرب للسنة من المكون الشيعي.

الخاتمة:

إذن كل ما على السنة فعله الآن هو محاولات أكثر جدية للتجمع ولو جزئياً، ثم هم من يقرر كيفية الدخول في العمل السياسي ومن يفاوض الغرب بل حتى إيران، وعندها لابد من إيجاد قوى (غير القاعدة) يحسب لها حساب في المستقبل ومستعدة لأي تطور جديد سواء كان عسكريا أو غير ذلك فتحرير سوريا قادم لا محالة مهما طال الزمن، وتطورات سوريا والإقليم كلها تصب في صالح سنة العراق.



[1] - العلمانيون في العراق أفضل بكثير من علمانيي مصر والمغرب العربي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق