كتاب الشهر\العدد مائة وخمسة وعشرون - ذو القعدة - 1434 هـ
التوظيف الحداثي لآيات المرأة وإشكالياته جمال البنا نموذجاً
السبت 7 سبتمبر 2013

إعداد: أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

خاص بالراصد

هذا الكتاب صدر عن دار الفاروق بعمان ودار ابن حزم ببيروت، عام 1433هـ، 2012م، وهو من تأليف الدكتورة كفاح كامل أبو هنود، والكتاب يقع في 475 صفحة، وهو في الأصل رسالة دكتوراه قدمت في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا سنة 2011م.

والكتاب يعالج قضية معاصرة في غاية الأهمية من جهتين، فهو يعالج قضية المرأة، ويعالج قضية الحداثة، وهاتان القضيتان هما من إفرازات العلمانية ولا صلة لهما أصلا بالإسلام، ولكن بسبب الغزو العلماني الإعلامي والثقافي لأمتنا أصبحت تُفرض مثل هذه القضايا على أجندتنا.

بدأت الباحثة فصلها الأول بالحديث عن مفهوم الحداثة وتاريخه وملامحه الثقافية، وخلصت إلى أن الحداثة "تيار فكري ذو مفاهيم فلسفية يقوم على رفض الماضي تراثاً، وقيماً، ومبادئ، ليبني مرجعية جديدة ترتكز على العقل وتقديس الإنسان في عملية التحديث التي ينتهجها، وذلك في تمحور شديد حول الذاتية الفردية والقيم النفعية" .

ثم تناولت في ذات الفصل معالم منهج الحداثيين في تفسير القرآن، وقد بينت الباحثة أن اهتمام الحداثيين بالقرآن الكريم ليس نابعاً من الإيمان به وتقديسه كما لدى المؤمنين، بل مرجع هذا الاهتمام هو أن القرآن الكريم هو من أهم العقبات في وجه المشروع الحداثي لما له من مركزية في وعي الأمة، ولذلك أعملوا معاولهم لهدمه وتشويهه، على غرار تجربة الغرب للخروج من عصور الانحطاط.

واستعرضت د. أبو هنود الآليات التي استعملوها للتخلص من سلطة النص القرآني وفندتها بعبارة واضحة وبسيطة، وأن الغاية من وراء ذلك كله هو جعل آلية فهم النص القرآني من خارجه وليس من داخله، مما يترتب عليه نسف الأصول الاعتقادية الكلية للإسلام، وإلغاء الأحكام الشرعية، والتخلص من التراث الإسلامي، وتشويه التاريخ الإسلامي.

وختمت الفصل الأول باستعراض لشخصية جمال البنا، محور الدراسة، ومكانة جمال البنا لا تأتي من القيمة المعرفية لإنتاجه الشرعي بقدر ما هي ناتجة من سوء هذا الإنتاج ولكن الأهم من هذا أنه صدر من الشقيق الأصغر لحسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وهذا هو سبب الاحتفاء الإعلامي العلماني به، رغم أن جمال البنا لم يقبل فكر أخيه الكبير وكان يصرح بذلك في حياته.

استطاعت الباحثة تكوين صورة جيدة عن اتساع ثقافة جمال البنا وأنه بنى نفسه بنفسه من خلال المطالعة فهو يقرأ كتابا عربيا كل يوم، وكتابا غربيا كل يومين أو ثلاثة عبر سنوات عمره الـ 90! لكن غالب هذه المطالعة للكتابات الغربية أما رصيد الكتب الشرعية فقليل فيها! فنشاطه العام كان في المجال النقابي العمالي بسبب مطالعاته العميقة والكثيرة المبكرة للتجربة الاشتراكية، ولذلك نجح في تقديم جديد ومفيد في ذلك الباب، أما حين ولج القضايا الشرعية فظهر نقصه وعجزه وانحرافه.

كانت أولى كتابات جمال البنا الإسلامية بعد 25 عاما من العمل والتأليف في الفكر النقابي والاشتراكي والليبرالي، دون أي مقدمات، ففي عام 1972م أصدر كتابه (روح الإسلام)، وبعد 10 سنوات أصدر كتاب (الأصلان العظيمان)، ويطرح البعض مبررات هذا التحول بظهور جيل أكاديمي في قطاع العمل النقابي سحب البساط من تحت قدم جمال البنا، وانتشار الفكر الإسلامي وتوسعه في زمن السادات، واستخدامه من الأعداء لضرب المشروع الإسلامي بسبب نسبه العريق في الإخوانية!

في الفصل الثاني تناولت الباحثة منهج جمال البنا في تفسير آيات المرأة، وقد تناولت في البداية النظرة القرآنية للمرأة في النسق الإنساني والاجتماعي، ودورها الوظيفي كما بينه القرآن.

ثم عرضت للمقدمات الفكرية التي يستند إليها البنا في تفسيره ونقضتها، وهي: القول بأثر العوامل التاريخية في تشكيل المفاهيم القرآنية، والدعوة إلى تجاوز كتب التفسير وكتب علوم القرآن، ورفض المنهج اللغوي في التفسير، وواضح أن هذه المقدمات الباطلة ستؤدي إلى نتائج كارثية.

ثم انتقلت الباحثة لعرض ومناقشة أسس البنا في التفسير وهي: أساس اعتماد الفهم الموضوعي وعدم التفسير آية آية، وأساس العقل فيقول البنا: "بل إننا أمام النص القرآني نفسه يجب أن نفكر ولا يجوز أن نخرّ أمامه صماً وعمياناً، فقد تكون العلة التي من أجلها أصدر القرآن حكما قد انتفت، وبالتالي لم يعد من مبرر لإعمالها"!!

وأساس منظومة القيم الحاكمة التى يمكن أن يستنبط منها حكم كقيمة العدل بخلاف قيمة التقوى، وبناء على ذلك يرفض البنا الطلاق إلا أن يكون علانية مثل العقد علانية!

والأساس الرابع هو العرف، ولكنه يجعل العرف حاكماً على النص القرآنى وليس مكملاً له! والأساس الخامس توظيف المعنى الإعجازي، وأخيراً السنة ويقصد بها تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم التي شاهدها الصحابة فقط، أما السنة القولية والتقريرية فهي مردودة عند البنا!

وعلى هذا تقوم رؤية البنا على أن الفقهاء وعلماء التفسير يتحملون بشكل خاص مسؤولية واقع المرأة المسلمة المعاصرة، وأن الحل هو استبعاد آراء الفقهاء والمفسرين والعودة المباشرة للقرآن، وأن أحكام المرأة هي من قسم الشريعة في القرآن القابل للنمو والتطور بخلاف آيات العقيدة الثابتة – والعقيدة عنده تقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر فقط - !

وبعد هذا التأصيل لمنهج البنا المنحرف تبدأ الباحثة في إيراد الأمثلة التطبيقية للفهم الحداثي للبنا على آيات المرأة، وتناقشها وهي:

1 – آيات اللباس والزينة: بحسبه فلا دليل على غطاء الرأس، ويجوز إظهار الزينة، والتبرج هو الابتذال في اللباس، ولذلك المطلوب هو الحشمة وليس الحجاب!

2- آيات الزواج: يعتبر البنا الزواج اختراعا بشريا وجاء القرآن بتأييده، لكنه ينتقد الضوابط الشرعية لعلاقة الرجل والمرأة ويعتبرها سببا رئيسيا لحالات الفشل الزوجية! ويعتقد أن اشتراط الولي للمرأة في الزواج إهانة وتغييب لها عن المجتمع، أما حق القوامة للرجل على المرأة فيرى أنه كان مرتبطا بالإنفاق المالي، والآن وقد أصبحت المرأة منتجة ومستقلة مالياً فلا مكان للقوامة في عالمنا، أما الطلاق فلا يجوز عنده أن يبقى بيد الرجل بل يكون علانية وتحضره المرأة والشهود.

3- آيات تعدد الزوحات: يعتبرها مرحلة مؤقتة لتقييد التعدد المفتوح، أما الآن فقد وصلنا لمرحلة منع التعدد والاقتصار على زوجة واحدة فحسب.

4- آيات المساواة: يرى البنا أن آيات المساواة جاءت بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في خطوة تحررية رائدة، لكن منذ عهد الخلفاء تم النكوص عن ذلك على يد الفقهاء والنظرة السلفية.

5- العلاقة بين الجنسين قبل الزواج: يروج البنا أن الممارسات التي تحدث بين الشباب من الجنسين قبل الزواج – ما دون الزنا- هو من قبيل اللمم الذي تكفره الحسنات.

6- زواج المتعة: يجيز البنا زواج المتعة بحجة ظروف العصر الصعبة على الشباب.

7- ميراث المرأة: يعتبر تقسيم الميراث الثابت في القرآن لا يحقق العدل اليوم بعد أن دخلت المرأة سوق العمل، ولم يعد الإنفاق مسؤولية الرجل، ولذلك لا بد من تعديل النص القرآني ليحقق العدل!

8- إمامة المرأة للرجال: ويستند في ذلك على أن معيار الإمامة هو الكفاءة والتقوى والعلم بالقرآن وليس الجنس!

أما الفصل الثالث من الكتاب فخصصته الباحثة للتقويم المنهجي والأخلاقي لمنهج البنا، وأثبتت ابتعاد البنا عن المنهج العلمي الصحيح لتفسير القرآن، وبدلاً من ذلك جعل الواقع هو الذي يحكم على القرآن والشرع، ولم يكن البنا أمينا في نقل كلام العلماء والوقائع، فهو يطلق تعميمات دون استقراء شامل، ويحكم الهوى في اختياراته.

ولذلك يقع البنا في الاضطراب والتناقض، فمثلا هو لا يرى شعر المرأة من العورة ويجوز كشفه، ثم يعود ويوجب عليها تغطيته في إمامتها للرجال في الصلاة!

والحقيقة أن غالب القضايا التي يثيرها البنا هو مقلد فيها للعلمانيين الذين سبقوه كقاسم أمين ونصر أبو زيد!

أما تقييم رؤية البنا من الناحية الأخلاقية فالباحثة تنبه إلى أن الغرض الحداثي من كل هذا التشويه لآيات المرأة هو ترويج الرؤية العلمانية الغربية المنحلة للمرأة لتكون الرؤية السائدة والقائمة في الواقع، هذه الرؤية التي تقوم على المتعة، والمتعة فقط، ولذلك يتم استغلالها في الأنشطة التجارية بطريقة جنسية بذيئة.

وفي الختام: يمتاز الكتاب بالعمق الفكري والإلمام بأطراف الموضوع مع سهولة العبارة وسلاسة الترتيب للمباحث والفصول، ويعد إضافة حقيقية للمكتبة الإسلامية والعربية. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق