هل هو حقا عالم جدير بالأطفال؟
الجمعة 9 أغسطس 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

الطفل هو أجمل وأنقى ما في الكون لا يختلف على ذلك أحد وتهيئة الحياة لاستقباله وتنشئته ووضع الخطط لتربيته ونموه همٌّ إنساني لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات ولِم لا وهذا الطفل سيصبح باني حضارة الغد.

ونحن في ظلال حضارة الإسلام نجد أن للطفل حزمة كبيرة من الحقوق ولأجل تهيئته لامتلاك مستقبل آمن ومشرق جاءت الكثير من التشريعات والتوجيهات الإسلامية.

فالإسلام يوجه الشاب والشابة لحسن الاختيار في الزواج .. فالزواج وتكوين الأسرة في الإسلام نقطة محورية في حياة الفرد وليس مجرد إطفاء لشهوة أو غريزة ومن ثم كان الدين هو المعيار الأول والأساسي الذي يمكن على أساسه قيام الأسرة .. هذا الاختيار هو الضمانة الأولى لحقوق الطفل، وفي هذا السياق تتضح لنا جناية الفلسفة الغربية على الطفل عندما أصبحت الرذيلة أسلوب حياة وأصبح أبناء الزنا أكثر عددا من أبناء الزواج. وعندما أصبحت الرذيلة أسلوب حياة أصبح الهدف الأعلى هو المتعة ولم يعد سؤال: هل يصلح هذا الرجل كأب لطفلي أو هل تصلح هذه المرأة كأم لطفلي؟ سؤالا له قيمة.

وأصبح وجود طفل مع أمه فقط أمرا طبيعيا بمعنى أن شكل الأسرة الفطري أصبح في طريقه للاندثار فهل هذا هو العالم الجدير بالطفل الذي تريد الأمم المتحدة تصديره للعالم؟!

حقوق فعالة

ليتهم يعرفون شريعة الإسلام بتكاملها وشموليتها وما كفلته من حقوق حقيقية وفعالة  للجميع وخاصة الفئات الضعيفة كالأطفال، فمنذ اللحظة التي يقترب فيها الزوجان ثمة دعاء يقال (بسم الله اللهم جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا) إنها علاقة نظيفة تبدأ بالبسملة وتهدف لطفل نقي زكي بعيد عن الشيطان.

وهذا الطفل الجنين له حقوقه أيضا، فليس من حق أحد الاعتداء على حياته بل وتكفل له حاجاته من خلال النفقة على الأم الحامل حتى لو تم إنهاء رابطة الزوجية .. فهل ثمة قانون في الغرب ومؤتمراته الأممية يكفل حقوق المرأة الحامل رفقا بها ورفقا بجنين لا يزال يتشكل .. أقصى ما لديهم منحها عطلة عن العمل بضعة أشهر مدفوعة الأجر وهذا ما يجعل الجشعين يرفضون توظيفها وهو ما يجعلها خائفة من الحمل حتى تضمن لقمة عيشها ولا تفصل، أما شريكها فهو ليس مسئولا عن شيء. لقد أمضى وقتا لطيفا ومضى!!

وفي شريعتنا أن الطفل إذا ما ولد فإن أول ما تسمعه أذناه: الأذان والإقامة .. لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى حتى ينشأ على الفطرة وليس على الجشع والأنانية.

والطفل في شريعتنا رزق من الله يُستقبل بالاستبشار وإطعام الطعام من خلال العقيقة .. والحب والحنان والمداعبة والرحمة به هي توجيهات عملية مارسها النبي صلى الله عليه وسلم وعلّمها لأمته.

فتقبيل الطفل رحمة وحمله تشبه بالنبي وإحضاره للمسجد سنة والكذب عليه محرم مهما كانت الأسباب، والسخرية والاستهزاء به أشد حرمة، وتعليمه القيم العليا واجب.

وعندما يبلغ الطفل سن التمييز نبدأ في تعليمه العبادات وربطه بمصدرها حتى ندعم فيه الضمير والفطرة ويأنس بالعبادات ويألفها، وهي أمور يغفل عنها واضعو الوثائق الأممية التي يصدرونها بناء عن تصور مادي للكون.

البلوغ والتكليف

مع وصول الطفل لمرحلة البلوغ الجنسي لا يعتبر من وجهة النظر الإسلامية طفلا وهو بالفعل ليس طفلا سواء من الناحية الجسدية أو من الناحية النفسية. يطلق علماء النفس على هذه المرحلة مرحلة المراهقة وهي مرحلة مختلفة تماما عن مرحلة الطفولة ومن أهم ملامحها أن النمو  العقلي يصل لأقصى مداه في هذه المرحلة.

ربما تكون مشكلة هذه المرحلة العمرية متعلقة بالنمو الانفعالي فبينما يصل النمو الجسدي والعقلي لقمّته فإن النمو والنضج الانفعالي لا يكون كذلك بالنسبة للغالبية ربما بسبب التربية وربما بسرعة التغيرات وشدتها وعنفوانها ولكن هذه الانفعالات لا تجعلنا - كما تريد الوثائق والمنظمات الأممية - أن نجعل الشاب والشابة أطفالا.

إن النضج الانفعالي الكامل قد لا يتحقق إلا عندما يبلغ الإنسان العام الأربعين من عمره ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [الأحقاف: 15]. فهل يظل الإنسان طفلا حتى عمر الأربعين.

إن أسامة بن زيد نموذج نشأ في ظلال حضارة الإسلام فإذا به يقود الجيش الإسلامي العظيم وهو لم يكمل بعد عامه العشرين، وأسامة ليس بدعا ولا شاذا، فعلى مدار التاريخ الإسلامي برز قادة عظام وعلماء رائعون لم يكملوا بعد عامهم العشرين .. ولكن حضارة الغرب أمرها عجيب فهي حضارة المترفين التي تهدر الإنسان وتضيعه .. تهدره طفلا بإفقاده معنى الأسرة وتضيعه بالغا باعتباره طفلا لا يتحمل مسئولية أفعاله.

الزواج المبكر

فإذا كان المراهق ليس طفلا وإنما هو إنسان مكلف فإن فلسفة الإسلام تحث على تزويجه مبكرا سواء كان فتى أو فتاة([1])، والله سبحانه وتعالى يقول: ( وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً ) [النساء :6]

والشاهد هنا قوله تعالى (بلغوا النكاح) ففي ظلال الإسلام لا يوجد انفصام نكد كالذي نعيشه حاليا بين مشاعر الإنسان وأحاسيسه من ناحية، وبين واقعه من ناحية ثانية.

وإذا كان العلم الحديث قد أثبت أن أعلى معدل للهرمونات الجنسية يكون أثناء فترة البلوغ فإنه من الواجب أن نيسر للشاب والشابة الطريق الحلال الطيب، أما النفاق عينه فهو رفض الزواج المبكر باعتبار أن المراهق لم يزل طفلا وفي الوقت ذاته نعلّمه مفاهيم الصحة الإنجابية والثقافة الجنسية - ونحثه على التجربة الجنسية بدون حقوق وواجبات شرعية- حتى يصبح العالم جديرا به!!

العناوين الساحرة

النفاق الخالص أن تأتي عناوين الوثائق الأممية بعناوين رائعة تسحر العقل وتجعل القلب متعلقا بأحلام مثالية أما ما يحويه مضمون الوثيقة فهو السم الزعاف فعندما نطالع عنوان وثيقة (نحو عالم جدير بالأطفال) نتصور أو نتخيل أن تلك الوثيقة هي لدعم الأسرة (المحضن الطبيعي للطفل) وتقديم برامج تربوية نفسية للوالدين وسنتصور أن الوثيقة تدعو المجتمع لدعم الأسرة على كافة الأصعدة ولكننا سنجد أن الأمر جد مختلف.

فالوثيقة تتحدث عن المراهقين باعتبارهم أطفالا فتستخدم مصطلح "خدمات الصحة الجنسية والإنجابية" والتي تشمل كما هو معلوم  خدمة الإجهاض وتأمين الحرية الجنسية للمراهقات.

وليت الأمر توقف على نشر الرذيلة بين الأطفال وهو أمر جلل بل تعدى الأمر ذلك بالإصرار على استخدام مصطلح الجندر الذي تم صكه بعنايه في الأروقة الأممية والذي يعني إلغاء كافة الفروق بين الجنسين فتحدد الطفلة الأنثى مثلا متى وكيف تصبح ناشطة جنسيا فإذا كانت (متى) مفهومة فما الذي تعنيه (كيف)؟

أمر مفهوم في سياق الجندر فهي تختار هل تصبح أنثى أم ذكرا أم كائنا مزدوج الطبيعة الجنسية؟ وفي هذا السياق لا يمكن أن ننسى وثيقة بكين التي تعد أحد الأركان التي تقوم عليها الفلسفة الغربية لتدشين العالم الذي تريد والذي يبدأ من الطفولة (أخطر هذه البنود فى تلك الوثيقة ما ورد فى الفقرة 115 من تقرير "خبراء الأمم المتحدة" الذى ينص على "حق الطفلة (أقل من 18 سنة) فى تحديد متى وكيف تصبح "ناشطة جنسيا sexually active" حسب تعبير التقرير، بخلاف التوصية في الفقرات 27، 82، 130 على توفير "معلومات الصحة الجنسية sexual health" للطفلة، وتوفير "احتياجات الصحة الإنجابية للمراهقين reproductive health" لتعليمهم ما أسماه التقرير فى الفقرة 124 "ممارسة الجنس الآمن to promote safe sex"، مما يصب في صالح تشجيع الممارسات الجنسية خارج الإطار الشرعي "الزواج")([2]).

خلاصة القول إن عالمهم الذي يريدون غير جدير بالأطفال بل وغير جدير بالبشر. إنهم يقودون العالم لمهلكة كبرى يريدون أن يفرضوها علينا وللأسف البعض يصدقهم ويروج لشعاراتهم الجذابة .. نترك ديننا وتشريعاته الرحيمة .. نترك الزواج المبكر ونعقّده ونزعم أن في تأخيره مصلحة للفرد والمجتمع ونترك الباب للصحة الإنجابية التي يزعمون حتى تفسد فتياننا وفتياتنا وتنتقل إلينا آفاتها.

(إن نظرة متأنية لمفهوم الصحة الإنجابية كما ورد في وثيقة بكين وخدمات الصحة الإنجابية (البند: 94، 95، 106، 206، 281) وكما جاء في تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (الفصل الثاني، الثالث، الرابع، السادس) على سبيل المثال يشير إلى أن (الصحة الإنجابية تعني قدرة الناس على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة، وقدرتهم على الإنجاب، وحريتهم في تقرير الإنجاب وموعده وتواتره) ويوضح بند 95 في وثيقة بكين أن (الناس) هم (جميع الأفراد والرفقاء couples). أما بند 7-8 من وثيقة القاهرة للسكان فيخص تلك الخدمات (الصبية والمراهقين بدعم وإرشاد من آبائهم، وبما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل عن طريق المدارس ومنظمات الشباب..).

وبما أن الصحة الإنجابية وخدماتها متاحة (لجميع الأفراد والرفقاء) بما فيهم (الصبية والمراهقون) فقد لزم من وجهة نظر الثقافة الغربية إتاحة فرص واسعة للتثقيف الجنسي لهذه الفئة بالذات تفادياً للحمل والأمراض الجنسية، كما سمحت بالإجهاض، وتيسير وسائل منع الحمل، فيما يسمى بـ: (التثقيف الجنسي).

إن نظرة الغرب للجانب الجنسي في حياة الفرد لا تخرج عن كونها: حرية شخصية، فكل إنسان يفعل ما يحلو له، ومن واجب المجتمع حمايته وتثقيفه أيضاً كما ورد في بند 95 من وثيقة بكين (الاهتمام بوجه خاص بتلبية الحاجات التثقيفية والخدمية للمراهقين كي يتمكنوا من معالجة الجانب الجنسي من حياتهم معالجة إيجابية ومسئولة).

وتحض مواثيق الأمم المتحدة مثل (بكين- القاهرة للسكان) ووثيقة عالم جدير بالأطفال على التثقيف الجنسي، خاصة للمراهقات، وتيسير حصولهن على وسائل منع الحمل وإباحة تقنين الإجهاض تحت مسمى: (الإجهاض الآمن)، وتؤكد على حق المرأة (في أن تتحكم وأن تبت بحرية ومسئولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية بما في ذلك صحتها الجنسية والإنجابية، وذلك دون إكراه أو تمييز أو عنف- بكين: بند 96).

وفي بند 108 من هذه الاتفاقية هناك مطلب بإدراج تعليم الجنس الآمن safe sex في المناهج التعليمية بالنسبة للأطفال (تصميم برامج محددة موجهة للمراهقين والرجال من جميع الأعمار مع مراعاة أدوار الوالدين المشار إليها في الفقرة 107هـ تهدف إلى توفير معلومات كاملة ودقيقة عن السلوك الجنسي والإنجابي المأمون والمسئول بما في ذلك الاستخدام الطوعي لوسائل الوقاية الذكرية المناسبة والفعالة بغية الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز)([3]) .

من الأهمية البالغة أن ندرك هذه المخططات الجهنمية ونرفضها ولكن الأكثر أهمية أن ننشر ديننا وشريعتنا وننصرها في بلادنا قبل غيرها، فتحت ظلالها فقط ننعم بالأمن والسلام الداخلي والسعادة.



[1] - انظر: الزواج المبكر هو الحل، لكاتبة هذه السطور على شبكة الإنترنت.

[2] - الجنس الآمن في الدستور الجديد .. محمد جمال عرفة.

[3] - الثقافة الجنسية بين المواثيق الدولية والتصور الإسلامي، منى صبحي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق