خندق بحر الخليج.. مَصَدَّات مذهبية على تصَدُّعات سياسية (1)
الأثنين 10 يونيو 2013

 

د. عادل علي العبدالله – كاتب وباحث بحريني

 

تحاول هذه الورقة([1]) الاطلاع على جانب من جدلية العلاقة الجيوسياسية على ضفتي بحر الخليج العربي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنظومة مجلس التعاون الخليجي، في ظروف التغيرات الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة الولايات المتحدة إعادة هندسة سياستها تجاه هذه المنطقة من العالم منذ عام 2010، وبروز حالة التغوُّل الإيراني بعد هيمنتها الواضحة على العراق وسوريا ولبنان، وتحوُّلها إلى قلق مستفز لحكومات وشعوب المنطقة.

مدخل                                                                  

تحتاج جدلية العلاقة الجيوسياسية على ضفتي بحر الخليج العربي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنظومة مجلس التعاون الخليجي إلى بيانات وتوضيحات وتعليقات متواصلة لكون العلاقة متحفزة وغير مستقرة منذ إعلان الثورة عام 1979م، فالأولى (إيران) إيجابية متحفزة والثانية (الخليج) سلبية ساكنة، ومع صعوبة الإلمام -توصيفا وتحليلا- بجميع الزوايا الحادة في تلك العلاقة المضطربة طيلة ثلاثين عاما من عمر الجغرافيتين التي يتم تسليط الضوء عليها بشكل كبير في هذه الفترة الحرجة من تاريخ منطقة ما يُعرف بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA).

 والإجابة على التساؤل الحَرِج: كيف نتعامل مع طبوغرافيا السياسة الإيرانية، على أساس أن ضفتي الخليج من المفترض أن تكون من أهدأ مناطق العالم وأكثرها ازدهارا بالنظر إلى حاجة العالم الملحة لتدفق الطاقة المكنوزة تحتها دون تقلبات أو صراعات قد تَصعَد بتكلفة استخراج برميل النفط، وتؤدي إلى تضخم اقتصادي في الغرب يتبعه انهيار حكومات واضطرابات اجتماعية وتقلبات سياسية غير محمودة أو متوقعة النتائج، وهي نظرية عملت بها الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن أعلن الرئيس أيزنهاور مبدأ الدعامتين (Twin Pillar) عام 1957، لتأمين حدود الاصطفاف العالمي ثنائي القطبية ضد الاتحاد السوفييتي.

لكن فرض الانهيار الاقتصادي نهاية 2008 مجموعة مُغايرة من التحديات الخطرة أمام دوائر التفكير وصناعة القرار في العقلية الحاكمة على زمام أمور العالم المعاصر، فشهدت منطقة الشرق الأوسط تغييرا على المستوى الجيوستراتيجي، وبمحاولة الولايات المتحدة إعادة هندسة سياستها تجاه هذه المنطقة من العالم منذ عام 2010 على أساس أنه:

1-  لم تعد مصر والأردن الدول الرئيسة لصياغة السياسات الإقليمية، بل سرعان ما سيخرجان من النظام الجديد الذي يتولَّد حديثا في الشرق الأوسط.

2-  وتحولت المملكة العربية السعودية إلى عبء أكثر من كونها رصيدا بالنسبة للولايات المتحدة، بسبب الهوية الوهابية التي هي سبب ضعفها، في حين يبقى أمنها واستقرارها على قمة الأولويات.

3-  ما زالت إسرائيل القوة الإقليمية الأبرز، رغم ضعفها النسبي، بسبب ظهور بيئة إستراتيجية غير متكافئة في المنطقة.

4-  كانت إيران نائمة نسبيا من 1979 إلى 2004، لكنها منذ 2005 أخذت تلعب دورا إقليميا لا يُستهان به، ومشاريع نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومناطق أخرى من العالم.

5-  كانت تركيا طيلة عقود العلمانية تُيَمم وجهتها إلى أوروبا (مع كونها حليفا قويا لإسرائيل)، إلا أنها غَيَّرت وجهتها في السنوات الأخيرة إستراتيجيا بالتركيز على منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بدلا من أوروبا، كما أنها استعادت هويتها الإسلامية وجعلتها أساسا لإستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، وبرهنت على أنها لاعب إقليمي جديد فاعل ومستقل.

6-  توثيق العلاقات الإيرانية التركية سرعان ما يجعل من البلدين مفتاح صناعة الرأي العام والقوة للمسلمين (شيعة وسنة) في المنطقة.

7-  للصين طموحات عالية، وقد تصبح القوة العظمى على المدى البعيد بحيث تنافس الولايات المتحدة بطرق لم يتمكن الاتحاد السوفييتي من بلوغها في ذروة مجده، وهي تسعى بقوة لتأمين اتفاقيات النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط التي يسيطر عليها المسلمون إضافة إلى وسط آسيا([2]).

إن الولايات المتحدة الأمريكية مقتنعة أن وجودها العسكري المُكلِفَ في منطقة الشرق الأوسط لا بد له من نهاية قبل مرحلة الاستنزاف، كما أن بروز قوى إقليمية كإيران وتركيا إلى جانب إسرائيل، وتغيُّر معادلات التوازن الإقليمية بسبب الثورات العربية نهاية عام 2010، كان المسمار الأخير في نعش «الشرق الأوسط القديم»، وبدء مخاض ولادة «الشرق الأوسط الجديد»، ما يعني أن عرَّاب السياسة الدولية سيفعل كل ما في إمكانه للحفاظ على مصالحه الحيوية والإستراتيجية في المنطقة.

على هذا تنحصر برامج مستقبل «الشرق الأوسط الجديد» بين دوائر نفوذ ثلاث هي: إسرائيل وتركيا وإيران، وهذه الورقة معنيَّة بالأخيرة (=إيران) وعلاقتها بالشريك المقابل على الجهة الغربية من بحر الخليج، الذي لم يهدأ منذ قيام الثورة المذهبية، ولعلها السبب الأرجح لميلاد منظومة التعاون الخليجية على الصيغة التي ولد عليها، وربما –بصورة نسبية- سببا منطقيا لتغليب الصفة الأمنية على التنموية لتلك المنظومة.

التاريخ كمقدمة

لم يشهد الخليج العربي حالة استقرار تنموي مستمرة بسبب موقعه الإستراتيجي وموارده الطبيعية، التي كانت مجالا للتنافس والصراع عبر تاريخه الطويل، وفي كل تلك المراحل كانت إيران حاضرة في مشهد «الصراع» وليس «الاستقرار»، وبخاصة في التاريخ الحديث منذ مجيء المستعمرين البرتغاليين بعد الكشوفات الجغرافية، وصراعهم مع الأتراك والقوى المحلية، ثم توجه الإمبراطورية الصَّفَوية إلى المنطقة ودخول القوى الأوربية بعد الثورة الصناعية، كالبرتغاليين والهولنديين ومن ثم انفراد بريطانيا بالهيمنة على بحر الخليج وجزره وموانئه.

سجلت الأحداث التي كانت تجري على مياه الخليج وشواطئه صعودا وهبوطا وتقدما وتأخرا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وفي كل صورة من صوره توجد «نافذة إيرانية» تُطِلُّ من هنا أو هناك بسبب الجوار الجيوسياسي، وتَفَحُّص أحداث الماضي وتجاربه يعكس مدى تأثيرها في الحاضر، وهي دروس لابد منها للمستقبل([3]).

ففي الجانب الاقتصادي لعب التجار المحليون دورا مهما في نقل التجارة قبل النفط عبر بحر الخليج العربي، الذي يعد مجالا حيويا للنشاط التجاري، وأحد ذراعي المحيط الهندي، الذي حملت مياهه موارد البلاد العربية وشرق أفريقيا وشبه القارة الهندية إلى العالم والعكس، فكانت فترة صعود ونهوض عندما لعب قطاع مهم من سكان المنطقة دورا في التجارة العالمية آنذاك.

ومع وصول الشركات الأوربية التجارية، وعملها على منافسة واحتكار أنشطة المنطقة أدى إلى تهميش دور التجار، فأخذ دورهم في التدهور بفعل تخلُّف الوسائل ومحدودية التمويل مُقارنةً بمنتجات الثورة الصناعية على وسائل النقل البحري والرساميل الأوربية للمتطفل الجديد، إلى جانب مصادرته -تحت حماية البارجات الحربية- لدورهم، فكانت المحطة الأولى لتمركز تلك القوى الأجنبية جزر الإمبراطورية الصفوية على باب مضيق هرمز، التي منحها "عباس شاه" الامتيازات التجارية، ومكَّن لها التحكم في المضائق والممرات المائية في بحر الخليج؛ تدعيما لوضعه السياسي، وقطعا لطريق الأسطول العثماني في بحر الخليج، لكن التحركات الصفوية أثرت على الصناعات الحرفية المحلية أمام المنتجات الصناعية للدول المتقدمة، فسجلت هبوطا لم يقابله نهوض في مجالات اقتصادية أخرى، فتحوَّل سكان الخليج إلى سوقٍ استهلاكيةٍ مفتوحة لمنتجات الآخرين الصناعية.

أما العصر النفطي فقد شهد نهوضا وهبوطا اقتصاديا في آن واحد؛ كان النهوض في استخدام جزء من عائدات النفط في البنية التحتية والمدنية، وارتفاع مستوى معيشة الفرد، وبروز صناعات لمشتقات النفط، لكن الضريبة كانت اتساع الهوة بين ثلاث طبقات مجتمعية: الأغنياء والوسطى والفقراء، مع تدنّي جودة الصناعات الوطنية وعدم حمايتها، إلى جانب هدر الثروات الوطنية والموارد الطبيعية، وعدم وجود إستراتيجية اقتصادية على مستوى البلد الواحد وعلى مستوى المنطقة، والدور الثانوي لطبقة التجار في عجلة الاقتصاد الذي لا يتعدى دورهم كوكلاء للشركات والمصنوعات المستوردة، فضلا عن حلم السوق الخليجية المشتركة الذي لم يتحقق طيلة ثلاثة عقود بعد قيام تعاونية الخليج، وأيضا كانت «إيران الشاه» حاضرة في المشهد بمنافستها النفطية الشديدة، ومحاولة عرقلة قيام اتحاد سوق نفطي لدول الخليج، عبر استخدام نفوذها كشرطي للخليج آنذاك، والممثل للرأسمالية الأمريكية، ومحاولة إقصاء المملكة العربية السعودية –التي دخلت بقوة وثقل- لتكون هي شريكا للشاه للمصالح الأمريكية في المنطقة.

أما الجانب السياسي فقد تعرضت منطقة الخليج العربي عبر تاريخها إلى موجات استعمارية استهدفت ثرواتها وموقعها الإستراتيجي، فجاء الأوربيون ليتنافسوا ويتصارعوا على مياهه وأرضه منذ القرن السادس عشر بدءا بالبرتغاليين ومرورا باحتكار الإنجليز -وهذه كلها كانت تنطلق من مقر المعتمد/ الوكيل التجاري المقيم في بوشهر أو بندر عباس- وانتهاء بالأمريكان الذين فضَّلوا الساحل الغربي من الخليج بعد المرحلة البهلوية.

فعلى المستوى السياسي كانت تلك الفترات مراحل تدهور وهبوط في أوضاعهم السياسية، بيد أن القوى المحلية من يَعاربة وبوسعيديين والقواسم والخليفة قد لعبوا دورا في مواجهة تلك القوى، وكانت فترات المقاومة العربية في المنطقة فترات نهوض وصعود مثلتها تلك المقاومة، على الرغم من إمكاناتها المحدودة وغير المتكافئة مع إمكانات القوى الاستعمارية.

وتجدر الإشارة إلى أن ذلك النهوض والصعود قد شابه الكثير من النكوص والتشويه عندما قام الصراع بين تلك القوى المحلية؛ مما فتح الباب لتسلل القوى الأجنبية واستغلالها للأوضاع وتأليب طرف ضد الآخر، وكان لـ «نادر شاه» نصيب الأسد في تلك الفترة من الهجمات بالسفن الهولندية على الجزر وشبه الجزر العربية بقصد الاحتلال والهيمنة، ومن ثم الانتداب والهيمنة الإنجليزية على ضفتي الخليج، أعقبتها تدخلات الحماية الأمريكية، ودخول المنطقة بأسرها مرحلة «الفوضى الخلاّقة».

وبدخول العصر النفطي في الربع الأول من القرن العشرين تهيأت لها الظروف لتتحول المشيخات الكلاسيكية إلى دول عصرية، ومن مقومات الكيان السياسي السيطرة على مصادر الثروة في كل بلد من بلدان المنطقة، وتوجيه عائداتها نحو التنمية، وأن ذلك قد شهد أيضا نموا وهبوطا، فقد ظلت العقلية العَشائرية تسحب نفسها على الأوضاع بعد قيام الدول، لكن المنطقة شهدت تفاعلا سياسيا إيجابيا فيما بعد قيام الدولة والاستقلال بالانتقال من الإمارة إلى الدولة، ومن المجتمع القبلي التقليدي إلى المجتمع المدني المعاصر القائم على المؤسسات، وشهدت هذه الدول الناشئة في المنطقة صعودا وهبوطا في نهجها وممارستها السياسية.  

لقد كانت إيران في عمق المشهد السياسي في المنطقة بعد مرحلة الثورة الخمينية، فقد عاشت القوى السياسية الخليجية مشكلات فكرية وأيديولوجية شكلت ترددات هبوط مزمن، بل لم تنضج بعد إلى الحد الذي يمكنها من أن تساهم في التطور السياسي في المنطقة، ودون أن ننفي الوعي السياسي الشعبي الذي يمثل ظاهرة إيجابية، فقد عملت القوى السياسية اليسارية التي يغلب عليها التوجه الماركسي أو التشيُّع على الاندغام والتواؤم مع حركة الثورة الخمينية بداية، فعملت على نشر الفتنة في نسيج المجتمعات الخليجية باسم المذهبية والطائفية، والمظلومية التقليدية للعقل الجمعي الشيعي.

وأما الجانب الاجتماعي، فأساسه في منطقة الخليج العربي -عبر التاريخ- «القبيلة» وأدواتها السياسية، وهي مؤسسة اجتماعية لعبت دورا محوريا في المحافظة على كيانها ومصالحها، لكن منطق الواقع المُتَبَدِّل فرض عليها التحوُّل المتثاقل من «مبدأ القبيلة» والحكم العشائري إلى «مبدأ الدولة» ومؤسساتها القانونية، والابتعاد التدريجي عن كثير من القيم والعادات والسلوك القبلي على أساس فردي (العصبية القبلية، والفكر القبلي التقليدي)، حتى قُبيل مرحلة النفط، فكانت تتجه نحو المجتمع المدني المؤسسي الحديث في مجال التجارة البحرية والبرية، والعمل الجماعي التطوعي في مواجهة الأزمات والكوارث، كما كانت النخب المتعلمة المثقفة في هذا المجتمع تؤطِّر نفسَها في مؤسسات أهلية تطوعية، مثل المدارس والجمعيات والنوادي، إلى أن جاءت عائدات النفط الوفيرة لتتحمل الحكومات مسؤولية الإنفاق على مجالات البنية التحتية، فنشأت المؤسسات الحكومية أو الأهلية المدعومة من الحكومة، ومرة أخرى كانت النافذة الإيرانية مفتوحة على النسيج المجتمعي، من خلال المحاضن الدينية والتربوية، والأعمال الخيرية والتطوعية، فحفر خطباء ووكلاء «ولاية الفقيه» الخندق الطائفي في جسد المجتمع الواحد، فلم تَعُد البحرين والكويت وشرقية العربية السعودية، فضلا عن العراق، يَنعَمُ بالانسجام المجتمعي الذي كان واقعا ملموسا قبيل الثورة الخمينية نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأخذت المجاميع الشيعية تفصِل نفسها عن المجتمع السُّنِّي بمؤسسات مُجتمعٍ مَدنيٍّ خاصة بها، في عملية «إحلال» رابطة الطائفة مَحَلَّ رابطة الوطن، و«إبدال» رابطة المَذهَب مكان رابطة الأُمَّة أو القبيلة.

جاءت عملية «الإحلال والإبدال» في وقت تواجه الوحدة المجتمعية الخليجية خللا ديموغرافيا أفرزته حقبة النفط، فالخليج يواجه انفجارا في السكان الوافدين من غير العرب؛ إذ الأصل أن التكوين السكاني لمنطقة الخليج العربي معظمه من المهاجرين من المناطق المجاورة عبر فترات زمنية متفاوتة وطويلة نسبيا، أحدث اندماجا سكانيا فرضته ظروف الحياة التي عاشتها شعوب المنطقة، وقد كان عدد السكان قبل النفط مناسبا في حدود الموارد المتاحة حينها، والمعتمدة على بيئتي البحر والصحراء.

أما في العصر النفطي فالأمر اختلف بعد أن شهدت المنطقة نهضة شمولية؛ إذ قفز حجم السكان إلى أرقام مرعبة، بسبب فائض العمالة الرخيصة مؤهلة كانت أو غير مؤهلة، حتى زاد عدد الوافدين على المواطنين، وأصبحت المشكلة السكانية تؤرق صناع القرار السياسي والاجتماعي في المنطقة، ولم تنس إيران هذه المشكلة التي كان لها ضلع في توجيهها واستثمار الأقليات الإيرانية الشيعية -أو الزُرُدَشتية المستترة بالتشيع- التي استوطنت الخليج لأغراض تجارية ومعيشية صرفة، فعمدت إلى تحويلها إلى جماعات يتم توظيفها لصالح مشاريع شعوبية إبَّان البهلوية الشاهنشاهية أو مذهبية مرحلة تصدير الثورة الخمينية، إلى جانب الموالين الشيعة من عرب الخليج، الذين تعتبرهم إيران من الطبقة الثانية في التصنيف العِرقي والطبقي.

أما على المستوى الثقافي فقد تأثر بعوامل داخلية وخارجية مباشرة وغير مباشرة، ففي مجتمع الخليج العربي حدثت تطورات مهمة طيلة القرن العشرين والحادي والعشرين، كان لها تأثيرها الثنائي في هذا المجتمع، ففي بداية النهضة في المنطقة التي صاحبت دخول التعليم الحديث، ومع تصدير النفط كان المتعلمون يمثلون النخبة المثقفة في المجتمع، وكانت طموحاتهم في تطوير مجتمعهم كبيرة، ربما فاقت إمكاناتهم، وتفوق حتى إمكان تحقيق حدها الأدنى، وهي بحكم طبيعة المرحلة وفكرها وظروفها كانت تطمح للنهوض والتطور لاختصار الزمن، وتعويض فترات التأخر.

والتقويم الموضوعي لمستوى الثقافة ودورها في نهضة مجتمع الخليج العربي يفرض علينا أن نقف على إيجابيات وسلبيات هذه القضية وهي مهمة وأساسية في نهضة الشعوب، وكانت النافذة الإيرانية المطلة على المشهد الثقافي تعمد إلى ترسيخ مفهوم آخر خارج عن أسوار المواطنة أو الهوية العربية، بفرض أيديولوجيا التشيع بنسختها الصفوية، وإحلال ثقافة التمايز والمُغايرة الشاملة لأتباع الولي الفقيه عن غيرهم، واصطناع نماذج ثقافية لم تكن معروفة قبل الثورة الخمينية بين شرائح المثقفين العرب.

ولابد من الاعتراف بأن التحرك الثقافي الإيراني قد ملأ فراغا مُميتا أحدثه تحوُّل المجتمع الخليجي السريع إلى مجتمع استهلاكي مُترهّل، وتوافر ثروة وكماليات شغلت الجيل الناشئ عن التأصيل الثقافي، وجعلت اهتمامه يتركز على مادية الحياة واللذة العاجلة، مع تسطيح ثقافي وضعف معرفي أسهمت فيه الحكومات الخليجية نفسها، ومن ثم تهميش لدور الثقافة في تنمية الفرد، ماعدا قِلَّة من المثقفين الذين استطاعوا أن يحفروا طريقهم -وفي الأغلب بجهودهم الذاتية- ليكونوا مثقفين حقيقيين، يبذلون جهودا غير عادية في التنوير وسط واقع لا يَعِي أهمية الثقافة وخطورتها في بناء المجتمعات وتطورها.

لقد نجحت إيران فعلا في خلق ثقافة موازية جديرة بالتبنّي من الشباب المنتمي إلى التَّشيُّع الولاياتي (=من الولاية)؛ لأنها جعلت من الثقافة تِرسًا أصيلا في عملية النهضة الشيعية الشاملة، تحت مظلة الولي الفقيه وقيادته، فكانت الثقافة طريق إعادة صياغة الشباب الخليجي الشيعي، وكانت صناعة «الهوية الشيعية» هي القضية التي يحيا عليها الشباب ويموت، فسقطت بهذا «الهوية القومية» ومعها «الهوية الوطنية» التي كابدت حكومات الخليج لزرعها في النشء منذ استقلالها مطلع السبعينيات. 

 

دفع قهري لا اختياري

عند فحص حركات التعاون والتنسيق الخليجي يُكتشف أن المحرك الفعلي لمختلف مستوياته (تنسيقي، تعاوني، تكاملي، اتحادي) يَصدر عن تهديد أمني وجودي مُوجَّه ضد الأنظمة الحاكمة وليس تنمويا متمركزا على المواطن الخليجي، وهذه حقيقة لابد من جعلها نُصب العين لتصحيح القراءات الوصفية أو التحليلية المنتقدة لمسيرة التعاون الخليجي، وهي الخلاصة التي يخرج بها كل متابع لمسطرة تاريخ قيام دول مجلس التعاون الخليجي.

ففي 26 مايو 1981 أعلن د. عبدالله بشارة للمجتمع الدولي من أبوظبي عن ولادة منظومة تعاونية جديدة في منطقة الشرق الأوسط عُرفت باسم (دول مجلس التعاون الخليجي)، والهدف المعلن لهذا المشروع هو "تطوير التعاون بين هذه الدول، وتنمية علاقاتها، وتحقيق التنسيق والتكامل والترابط، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، وإنشاء المشاريع المشتركة، ووضع أنظمة متماثلة في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والتشريعية، بما يخدم مصالحها ويُقوي قدرتها على التمسك بعقيدتها وقيمها"، ولم يكن خافيا في البيان التاريخي آنذاك الهاجس الأمني جراء الوضع الإقليمي المتفجر بحُزَم من المفاجآت على ضفتي الجزيرة العربية.

فعلى ضفاف البحر الأحمر غربا تفجرت الخلافات مع جمهورية مصر العربية -زعيمة الأيديولوجية القومية- إثر اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل (17 سبتمبر 1978) وما أفرزته الاتفاقية من تصدُّع الجبهة العربية بتعليق عضوية مصر من الجامعة العربية لعشر سنوات (1979-1989)، ومن ثم اغتيال الرئيس المصري أنور السادات بعد فترة وجيزة من إعلان مجلس التعاون الخليجي، وعلى ضفاف بحر الخليج شرقا في الفترة نفسها تهاوت المملكة الإيرانية بثورة شعبية أدت إلى الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي وإعلان قيام دولة ثيوقراطية بزعامة مُلاّ يميني هو روح الله الخُمَيني (24 أكتوبر 1979)([4])، ومن ثم اشتعال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (سبتمبر 1980- أغسطس 1988).

فالعامل الأمني الإقليمي والمحلي هو المحرك الفعلي للعقلية الجماعية الحاكمة لتلك الدول الست، والتي تحولت اليوم إلى منظومة شبه أمنية، وغاب عنها -إلى حد كبير- أي شكل آخر من أشكال الاستقرار السياسي على الرغم من الحاجة الدولية المتزايدة لاستمرار واستقرار تدفق نفط الخليج (أداة استقرار الدولار الأمريكي وهيمنته السوقية) ودعمه المالي الذي يفوق الخمسة تريليونات دولار عن طريق صناديقه السيادية في دول المركز (أمريكا وغرب أوروبا/ بريطانيا وفرنسا وألمانيا) إلى جانب صفقات الأسلحة الضخمة التي تبقي مصانع الأسلحة الغربية عاملة ومتفوقة.

الواقع أن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي محكومة بوعاء زماني ممتد لأكثر من ثلاثة عقود، في ظروف إقليمية معقدة ومرتبكة، هيمنت عليها سياسة التطويق والتصدُّع من الشرق والغرب، حيث اندلعت الحرب العراقية الإيرانية شرقا، والاجتياح الإسرائيلي للبنان بعد تحييد مصر غربا، وقد استمرت الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات، تبعتها مباشرة صدمة اجتياح النظام العراقي لدولة الكويت (2 أغسطس 1990) والتدخل العسكري الأمريكي المباشر في الخليج لأول مرة في التاريخ في عملية عاصفة الصحراء (16 يناير 1991)، وكان إفرازا عمليا لنتائج تصدع وانهيار جدار برلين الذي أنهى عمليا مرحلة الحرب الباردة بين قطبي القوى العالمية (أمريكا - السوفييت) ونقل العالم إلى مرحلة القرن الأمريكي الجديد المعروف دوليا بالنظام العالمي الجديد (New World Order) وتغيُّر موازين القوى لصالح أمريكا ودخول منطقة الخليج الغنية بالطاقة الحيوية للعالم تحت الوصاية الأمريكية الشاملة تحت ما يُعرف بدبلوماسية البوارج (Gunboat diplomacy).

وقد استمرت السيادة العسكرية الأمريكية على الخليج في ابتزاز القرار السيادي واستنزاف ميزانياته عبر حزمة عقود التسليح العسكرية طويلة الأجل، إلى جانب الضغط باتجاه الاندغام الاقتصادي التام عبر اتفاقية التجارة الحرة التي أعادت إنتاج المنظومة القانونية الخليجية لتتماشى والقوانين الأمريكية، فاختلت الرغبة الخليجية للتكامل الاقتصادي فيما بينها لتغير الأولويات بين أحاد الدول الخليجية، وانسحب هذا على المنظومة الأمنية والقضائية والتعليمية والإعلامية، وما أن انتصف عقد التسعينيات حتى انفجر الفضاء الإعلامي بتقنيات البث الفضائي الحي وولادة العالم الافتراضي عبر الشبكة العالمية العنكبوتية، وتحول وسائل الاتصال والإعلام الخليجية إلى الفناء الخلفي للإعلام والاتصال الأمريكي.

وما إن انتهت الألفية حتى صدمت المنطقة –كباقي العالم- بحادثة برجي التجارة العالمية (11 سبتمبر 2001)، وأصبح الخليج العربي -والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص- مسرحا متفردا لمحاربة ما عُرف في الإعلام السياسي والعلاقات والقانون الدولي بـ«الإرهاب»، الذي تحول فيما بعد إلى إسلاموفوبيا (=رُهاب الإسلام) فافتُتِحَت الألفية بالهجوم على أفغانستان طالبان بذريعة ضرب القاعدة (7 أكتوبر 2001)، تبعه الإجهاز على النظام العراقي بقيادة صدام حسين (20 مارس 2003)، وكان للخليج العربي إضافة إلى إيران دورٌ مساندٌ ومُدارٍ للأمريكان في عملياتهم العسكرية على بلد إسلامي وآخر عربي من أعضاء الجامعة العربية، وهي الحادثة الأولى التي تبعتها تَصَدُّعَات وانهيارات في بنية وفلسفة وجود الجامعة العربية ودورها القومي.

وما إن تحطَّم السُّورُ العراقي بقيادة صدام حسين حتى افتُتِحَ فصلٌ جديدٌ من المخاوف الأمنية الحقيقية على حاضر ومستقبل منظومة دول مجلس التعاون، لكن هذه المَرَّة لم تكن إسرائيل هي نقطة الارتكاز فقد تراجعت إلى الدرجة الثانية بعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة اليمين الإيراني المتطرف الذي يُمثله التيار المحافظ المقرب من المرشد الأعلى (الإمام) علي خامنئي. 

ومع اشتعال الشرارات الأولى لما يُعرف بالربيع العربي/ الثورات العربية التي انطلقت نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، جاءت كلمة وزير الخارجية الكويتي السابق د. محمد بن سالم الصباح أمام ورشة الإعداد لمنتدى وحدة الخليج الجزيرة العربية (24 يناير 2011) في العاصمة الكويتية، كإعلان موقف وتعبير واضح عن قناعة صُنَّاع القرار في المنظومة الخليجية حول المتغيرات الهيكلية والعملية لمفاعيل وآليات التأثير على واقع ومستقبل منظومة الخليج العربي، حيث صرَّح دونما تحفظ بأن قيادات الخليج تَعتَرف أن عالم اليوم يواجه تحديات كبرى غيرت طريقة صناعة القرار الدولي، وعبَّرَ عن ذلك بتأكيده أن حكام الخليج يعلمون المتغيرات الكونية الأهم، وهي ثلاثة كبرى تؤثر على واقع ومستقبل الخليج العربي وعلاقاته الجيوسياسية، ولم تكن موجودة وقت ولادة المنظومة الخليجية قبل ثلاثة عقود خلت:

أولها: تَغَيُّر محورية القوى الدولية من أحادية القطبية (يعني التفرد الأمريكي بالقرار) إلى تعددية المراكز.

وثانيها: تغيُر مفهوم الأمن القومي والخطر الوجودي.

وثالثها: التغير الديموغرافي والخطر على الهوية والانتماء.

لقد هيمنت السياسة الإيرانية المتحفزة للعب دور إقليمي بارز في منطقة الشرق الأوسط على أجندة التحركات الخليجية منذ تأسيس المنظومة التعاونية عام 1981، فبقراءة سريعة لـ 32 بيان قمة خليجية، وعدة مئات من بيانات الدبلوماسية والأمن الخليجية على موقع الأمانة العامة لدول مجلس التعاون، سيلاحظ أن إيران كانت عاملا مُقلقا، بل مستفزا للسلطات الحاكمة في الجزيرة العربية، وتحولت العلاقات إلى "حرب باردة" وتَخَندُّقٍ فِعلي تعَزز رسميا وشعبيا بالخطاب الطائفي المتكرر من جميع الأجهزة الإيرانية الدينية والسياسية وأذرعتها الإعلامية، برصيد مشاهد القتل على الهوية في عراق ما بعد صدام حسين على يد ميليشيات محسوبة على إيران انتسابا مذهبيا وتمويلا لوجستيا وغطاء سياسيا يتعدى الجغرافيا العراقية إلى الجارة إيران.

وقد انكشفت المنظومة الخليجية أمام إيران مرارا وتكرارا بسبب اختلاف وجهات النظر والتطبيقات السياسية بين قيادات دول المجلس لطبيعة العلاقة مع إيران بين ممانع (السعودية والإمارات والبحرين) ومُساير (قطر والكويت وعُمان)، فكانت قطر بدبلوماسيتها المثيرة للجدل تتصدر تيار المسايرة عَلَنا بتبنيها الإعلامي عبر قناة الجزيرة لقضايا اعتُبرت "دوائر رمادية" لا يجوز اقترابها دون اتفاق إطاري خليجي، كقضايا دعم حزب الله إعلاميا وتطوير علاقات التعاون مع إيران استخباراتيا إلى جانب تطوير أدوات التقارب والتفاهم مع الخليج والعالم العربي (كاحتضان جامعة قطر لمؤتمر مركز دراسات الوحدة العربية عام 1995 للتقارب مع إيران)([5])، ودعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى قمة مجلس التعاون في الدوحة في ديسمبر 2007، والذي أظهرت دعوته وجود اختلافات في وجهات النظر في التعامل مع إيران، فيما يوصف بأنه "إستراتيجية التوتر الإيجابي"، كما أن إيران كشف بدورها عن نفسها مرارا وتكرارا بإضاعتها فرصا ثمينة لإعادة تأسيس علاقات عربية إيرانية وفق منطلقات جديدة، على اعتبار أن منظومة الخليج البوابة العربية الأمثل لاندغام إيران وتطبيع علاقاتها المتوترة مع العالم العربي.

هذه الخلافات الخليجية الخليجية، وبروز حالة من التململ بين شعوب الخليج، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة متشابكة خطرة، جعل البعض يعتقد أن منظومة الخليج التعاونية أصبحت في حكم الماضي بالنظر إلى أنها تعاني شيخوخة في حكامها وأمراضا هيكلية مزمنة في آحاد المنظومة، ومتلازمة الأعراض السلبية للنفط والاستهلاكية، لكن هؤلاء يغفلون عن غريزة البقاء والحساسية المفرطة لمَشيَخات الخليج التي يزيد عمر بعضها على مائتين وخمسين عاما في الحكم، فأحدثها سِنًّا هم آل ثاني([6])، فهي تملك قابلية للصراع من أجل البقاء أكثر من غيرها الشعوبية المُؤَدلَجة (=إيران) أو الاستعلائية الطفيلية (=إسرائيل)، ولعلها المحركَ الحقيقي لدعوة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في القمة الخليجية الثانية والثلاثين (19 ديسمبر 2011) إلى الانتقال بالمنظومة التعاونية الخليجية من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، وهو الحدث الأبرز منذ الربيع العربي نهاية 2010.

يأتي هذا الإعلان بعد ثلاثة عقود من قيام مجلس التعاون الخليجي، الذي لم تنجح قياداته وأجهزته التنفيذية في تحقيق الأهداف الأساسية التي صيغت حين قيام المجلس، إذ تنص المادة الرابعة من النظام الأساسي لدول المجلس أنه شُكِّل "لتحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، مع وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية، والشؤون التجارية والجمارك والمواصلات، والشؤون التعليمية والثقافية، والشؤون الاجتماعية والصحية، والشؤون الإعلامية والسياحية، والشؤون التشريعية والإدارية، مع دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعـة والتعدين والزراعـة والثروات المائيــة والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية، وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص بما يعود بالخير على شعوبها".

فعلى الرغم من وضوح الأهداف وتوافر القرار السياسي على أعلى المستويات لكن الإخفاقات المتلاحقة في البنية الإدارية الخليجية، وسيرورة اتخاذ القرار كانت الخلطة الجيدة لإفساد طموح المشيخات وتكسر آمال الشعوب على واقع عدم الكفاءة الإدارية وتفشي الفساد المالي والإداري بين الإدارة الوسطى، وتحالف إقليمي بين طبقتي التنفيذيين الإداريين والتجار، مما انعكس على أداء الأمانة العامة لدول المجلس التي تحولت تلقائيا إلى سكرتارية تنفيذية ومراسل برتبة وظيفية عالية، بلا تفويض تنفيذي قادر على إحداث إضافة نوعية لا للقرار السيادي الأعلى لقيادات المجلس ولا لتمرير القرارات في صيغة آليات عمل تنفذ بشكل سيروري سلس منذ اليوم الأول لاعتماد قيادات الخليج للتوصيات السيادية العليا في القمم الخليجية.

هذا في البيت الخليجي من الناحية السياسية والإدارية للمجلس، في وقت تغير فيه إيقاع العالم اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وطرأت متغيرات أعادت صياغة العقلية الخليجية التي ترعرعت على الاستهلاكية والاعتماد شبه الكلي على صيغة دولة الرَّفَاهية (welfare state)، التي أحالت المجتمع الخليجي إلى شعوب استهلاكية اتكاليةٍ مُتَرهِّلةٍ، تعيش على هامش الفعل السياسي، تاركة القرار والتصرف برُمَّتهِ للمشيخات لتُقرِّرَ عنها وتتصرف في كل ما يتصل بحاضرها ومستقبلها، إلا أن الأحداث المتلاحقة على العالم العربي والإسلامي، وخاصة صدمَتي الحرب الأمريكية على الإرهاب ومشاركة حكومات الخليج فيها محليا ودوليا، وسقوط صدام حسين وما تبعه من تغوُّل إيراني ظهر في شكل مذابحَ جماعية وتهجير قسري وقتل على الهوية في العراق، واستعداء متحفز للمجتمع السني على طول الشريط النفطي (=الكويت، المنطقة الشرقية للسعودية، البحرين) وفي غرب الجزيرة العربية (=المدينة المنورة)، وجنوبها (=الحوثيين في اليمن)، بمقابل ما يعتبره الخليجيون ركودا أمنيا مستفزا، وازدواجية معايير حين تكون المعالجة الأمنية مختلفة بين تعامل أجهزة الأمن مع التيارات الإسلامية السُّنية ومثيلاتها الشيعية، حيث اتضح أن الضغط الأمريكي عبر أجهزة الاستخبارات (CIA) والدبلوماسية الأمريكية (السفارات/ الخارجية) تتدخل بشكل سافر في القرار السيادي والأمني لتشديد العقوبة والإجراءات الاحترازية ضد من يوصفون بالمتشددين الإسلاميين، في الوقت الذي تتغير شدة القبضة الأمريكية فيما يتعلق بمتشددين شيعة.

وتحولت هذه الازدواجية إلى مِعوَل تَصَدُّعٍ غير مسبوق بين مشيخات الخليج وشعوبها (تُستثنى إلى حدٍّ ما السياسة القطرية والكويتية لأسباب العقليات الحاكمة) على مستوى الثقة باستقلالية القرار السيادي للخليج بعيدا عن الإرادة الأمريكية وتدخلاتها المكشوفة؛ لقد تَغيَّر الوِعَاء الزمني وتماشت الشعوب مع هذا التغيير وتبدلت قناعاتها، لكن آليات الفعل والعمل في حكومات المشيخات لم تُحدث تغييرا يُذكر لترميم تصدعات الثقة في استقلالية المشيخات التي بدأت تتسع يوما بعد يوم منذ دخول القواعد الأمريكية بحر الخليج، وتطبيق دبلوماسية البوارج بالتراضي بين الأمريكان والمشيخات الحاكمة مطلع تسعينيات القرن الماضي.

من جهة يُحسب هذا التراضي للرغبة الأمريكية في الحد من طموحات أو أطماع إيران فيما يَخُص الأقطار العربية الحليفة لأمريكا، أو هكذا يَرغب طرفٌ الاقتناع، إلا أن أطرافا أخرى تربط بين ما يجري على الساحة بهذا الخصوص وبين مخططات طويلة الأمد تُعِدُّها واشنطن لإبقاء البلبلة الموجَّهة في المنطقة والتحضير لنزاع مسلح تقع في بؤرته حتما إيران وجيرانها العرب، بحسب مقتضيات الفلسفة العسكرية الأمريكية بإدارة الصراعات منخفضة الحدة (Low intensity conflict)([7]).

لقد عبر وزير الدبلوماسية السعودية سعود الفيصل عن الحاجة المُلحة والظرف القاهر الذي يحتم على دول الخليج أن تتكتل في صيغة اتحاديه، تقفز فوق مرحلة التكامل في مصفوفة النظام الأساسي (التعاون- التكامل- الاتحاد)، وأن "جلّ اهتمام القادة وصناع القرار والمفكرين هو البحث في كيفية مواجهة التحديات الراهنة والمستجدات على الصُّعُد السياسية والاجتماعية والاقتصادية  وتأثيراتها على دولنا وشعوبنا.."، وواضح أن إيران في المشهد مرة أخرى فـ "تصعيد المواجهة بين إيران والمجتمع الدولي حول برنامجها النووي، واستفزازها المستمر لدول مجلس التعاون على نحو خاص، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني، إضافة إلى تداعيات ما تمر فيه العديد من دول المنطقة من تغييرات سياسية واسعة في إطار ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كل هذه المستجدات تستدعي منا وقفة للتأمل وإرادة صلبة للتعامل معها حفاظا على مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي، ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، والسلم المدني واستقرارها ونموها.."

وربما من الملفت في كلمته استخدام تعبير "وحدة أراضيه" التي لم يسبق لمسؤول خليجي رفيع المستوى تطرق إليها من قبل، لكن بالعودة إلى تصريح وزير الخارجية الكويتي السالفة نفهم التعبير في سياقه الذي يُهيمن على العقلية الجمعية للأنظمة الخليجية، وقناعتهم أن اختلاف الوعاء الزمني أدى إلى اختلاف نوعية التهديدات التي وصلت إلى التهديد الوجودي لمنظومة التعاون الخليجي.



[1]  - أصل الفكرة ورقة قدمت في ورشة حول «المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية»، بالقاهرة في 14-15 أكتوبر 2012 بدعوة من مركز أمية للدراسات الإستراتيجية.

([2]) لخصت مجموعة الاتصال الدولية [www.capcomgroup.com] في مقالين النظرة الأمريكية وطريقة تفكيرها تجاه القضايا المفصلية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أولهما بعنوان: The Real New Middle East Order، وثانيهما بعنوان: Oil Security at Risk- بقلم أكرم إلياس، أكتوبر 2010.

([3]) يراجع: عبدالمالك التميمي: النهوض والهبوط في تاريخ منطقة الخليج العربي، مجلة العربي (العدد 458، مايو 2010).

([4]) يؤرخ له الإيرانيون بثلاثة تواريخ: الهجري الشمسي 12 فروردين 1358، والهجري القمري 3 من ذي الحجة 1399، إضافة للميلادي المشار إليه. ‏

([5]) عقد مركز دراسات الوحدة العربية الندوة في الجامعة القطرية تحت عنوان: العلاقات العربية-الإيرانية: الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل، قُدِّمَت فيها 27 ورقة مناصفة بين باحثين إيرانيين وعرب، شملت مختلف القضايا العالقة عُرضت في 13 محورا توزعت على قسمين هما: الإرث التاريخي للعلاقات الثنائية، والأوضاع الراهنة وآفاق المستقبل، كما عَلَّق على أطروحات الورقات 31 معلقا إيرانيا وعربيا، وصدرت وثيقة ضخمة عن مركز دراسات الوحدة العربية في 1006 صفحات، وطبعت مرتين: الأولى في يوليو 1996، والثانية: أغسطس 2001.. والحقيقة أن هذا المؤتمر يعد الأول من نوعه والأخير في سلسلة المحاولات الأهلية للتقارب والتحاور، ولا أعتبر مشروع التقارب المذهبي الذي قاده الشيخ القرضاوي مناصفة مع الشيخ التسخيري محاولة مثمرة أو ناجحة بحكم أن نتائجها كانت محدودة في الفترة الخاتمية، ومن ثم انكشاف الأهداف الإيرانية من وراء مشروع التقارب المذهبي التي انتهت بإعلان الشيخ القرضاوي نفسه أن الجانب الإيراني لم يكن جادا في عملية التقارب، وهو ما جعل القرضاوي محط تندر وهجوم شخصي من قبل الشيخ التسخيري نفسه ومن لف لفه من الإيرانيين والمتأيرنين.

([6]) تواريخ ظهور مشيخات الخليج على المسرح السياسي، دون الخوض في التفاصيل: لأبوظبي آل نهيان 1729م، للدرعية آل سعود 1744م، للكويت آل صباح 1752م، للبحرين آل خليفة 1765م، لعُمان آل بوسعيد 1782م، لقطر آل ثاني 1848م.

([7]) بحسب موقع GlobalSecurity.org يعرف دليل العمليات العسكرية الأمريكية (Field Manual 100-20: Military Operations) الصراع منخفض الحدة بأنه مواجهة سياسية وعسكرية بين دول متنازعة أو مجموعات تتحارب حربا تقليدية أو غير تقليدية (حرب باردة)، وتنطوي في كثير من الأحيان على صراعات طويلة بين المبادئ والأيديولوجيات المتنافسة، وتتراوح أدوات الصراع منخفض الحدة من التخريب إلى استخدام القوات المسلحة، والتدخل بمجموعة من الوسائل، وتوظيف الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، لتأمين الآثار الأمنية الإقليمية والعالمية. ننصح بمراجعة مقال على مجلة الدفاع الأمريكية تحت عنوان Blood Boarders- 2006

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق