الشريعة والمرأة ..دليل الحيران
الأثنين 10 يونيو 2013

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

تعد دراسة "مصر والشريعة الإسلامية: دليل الحيران" للباحث ناثان ج. براون والتي أعدها لمركز كارينجي أثناء النقاشات الحادة في مصر عند صياغة الدستور نموذجا لما تقوم به دوائر صنع القرار في الغرب والتي لا تتحرك إلا وفقا لدراسات وأبحاث دقيقة ومتأنية للداخل الإسلامي حتى أن بعض الباحثين من ذوي التوجه الإسلامي علقوا على هذه الدراسة بقولهم إنهم يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا ..

بالطبع لا أوافق على هذا التعليق ليس بسبب ما يتضمنه من مبالغة فحسب وإنما لما يحمله من مفهوم سلبي عن الذات الحضارية وتضخيم للآخر وما يتبع ذلك من استعداد للهزيمة والاستلاب .. إنما يمكن القول إن دراسة براون هي دراسة جادة للتعرف على ما يدور في عقولنا من أفكار حول الهوية والذات الحضارية ومدى ارتباط ذلك بالشريعة الإسلامية وهي محاولة لفهم ما يعتبره الباحث قضايا وأمورا غامضة والهدف من ذلك بالطبع ليس مجرد المعرفة وإنما هو الرقابة كما يصرح الكاتب نفسه (تشكّل إجاباتي دليل عمل على ما يتعيّن على المراقبين مراقبته، أكثر منها محاولة لتقديم المشورة للمصريين بأي حال من الأحوال بشأن الخيارات التي ينحازون إليها أو لدفع بعض التفسيرات أو المقاربات بوصفها مفضّلة على ما سواها من تفسيرات ومقاربات).

إننا إذن بالفعل تحت مرصد الرقابة الغربية والأمريكية تحديدا بحيث يكون ما نناقشه ونفكر فيه ونطرحه معروف مسبقا ومن ثم فلا مجال للمفاجأة بحال.

والرقابة لابد أن يتبعها التدخل لتعديل المسار وفقا لإرادة الرقيب.. هذا التدخل له مسارات مختلفة متنوعة وهذه الدراسة وإن كانت تعني بالدرجة الأولى تقديم رؤية تفصيلية دقيقة لصانع القرار الغربي فإن الهدف الثاني من هذه الدراسة هو تقديم نصائح ضمنية ورسائل للعلمانيين المصريين باعتبارهم الممثلين الطبيعيين لمبادئ الغرب والامتداد الحيوي له.

التفكيك الناعم

والأمر اللافت للنظر أن الدراسة على الرغم من محاولاتها التظاهر بالموضوعية فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية إلا أنها تحاول تفكيكها بطرق ناعمة أو منح مفاتيح التفكيك للعلمانيين ودعاة حقوق المرأة عن طريق ما تطلق عليه ثغرات كبيرة (مثل ما حدث في عام الرمادة مثلا) يتضح هذا الانحياز ضد الشريعة والرغبة في تفكيكها في هذه الفقرة التي تتحدث عن المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على أن مبادىء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع (والواقع أن قلّة عدد التغييرات التي اقتُرِحَت على هذه المادة أمر مثير للدهشة. فقد يقترح أحدهم أحياناً بتواضع أن يتم إسقاط "الـ التعريف" (أضيفت في تعديل العام 1979)، بحيث تصبح مبادئ الشريعة الإسلامية مجرد مصدر من مصادر التشريع بدل أن تكون مصدر التشريع).

من الرسائل الضمنية التي توجهها هذه الدراسة للعلمانيين وهي رسالة بالغة الأهمية والخطورة وهي إرشادهم لاستخدام آليات الديمقراطية لتفكيك الشريعة من الداخل عن طريق تحديد الجهة المخولة بتفسير أحكام الشريعة كما سيتم التوضيح لاحقا.

المرأة في المقدمة

ومن الأمور التي ينبغي التوقف أمامها طويلا لأهميتها البالغة أن القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة احتلت حيزا كبيرا من الدراسة فعند الحديث عن أحكام الشريعة لم يتناول غير قضيتين اثنتين هما المرأة وغير المسلمين.

واحتل الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية جزءا كبيرا من الدراسة (لكن، حتى لو كان من المفترض أن تكون قوانين الأحوال الشخصية متجذّرة في الشريعة الإسلامية، فليس من الواضح ما هو تفسير الشريعة الذي ينبغي أن تقوم عليه تلك القوانين. فقد ألقيت مسؤولية المهمة على عاتق البرلمان، حيث لا يزال قانون الأحوال الشخصية الحالي في مصر يُسَنّ، حتى ولو كان مُستمَدّاً من المصادر الإسلامية، من جانب هيئة منتخبة شعبياً. وهنا يدور معظم النقاش: ما هي أجزاء التراث القانوني الإسلامي التي ينبغي تدوينها وتنسيقها من خلال التشريعات البرلمانية؟ وما التفسيرات الأكثر ملاءمة لمصر الآن؟) ونلاحظ هنا استخدام آليات الديمقراطية والبرلمان الشعبي المنتخب لعملية انتقاء برجماتية للأحكام الشرعية خاصة ما يتعلق بالمرأة والأسرة.

ما الذي تقوله الشريعة الإسلامية عن حقوق المرأة؟

تحت هذا العنوان جاءت فقرة طويلة في دراسة براون وهي فقرة بالغة الأهمية وتأتي أهميتها من أنها لم تنسق للصورة التقليدية النمطية المشوهة للمرأة والأسرة في ظلال الإسلام والشائعة في الغرب .. ربما لأن هذه الدراسة مقدمة لصانع القرار الغربي وبالتالي فهي تتحرى الدقة بالقدر الذي يفهمه الباحث لأن رؤيته وإن كانت أفضل من الرؤية المشوهة التقليدية إلا أنها ناقصة ومبتسرة إلى حد بعيد (على العموم، الشريعة الإسلامية ليست محايدة بشأن الإشارة إلى الجنوسة (ذكر- أنثى) في مسائل الأحوال الشخصية، ولكنها تضع بدل ذلك شبكة متمايزة من الحقوق والواجبات على الزوج والزوجة والأبناء والبنات. وعموماً، يُتوقَّع من الأزواج توفير دعم مادي وبيئة منزلية صحية (الفشل في تقديم الدعم أو الإساءة يمكن أن يكون أساساً لأن تطلب المرأة الطلاق). ويُتوقَّع من الزوجات قبول سلطة أزواجهن. يمكن للزوج تطليق زوجته من جانب واحد؛ ولا يمكن للزوجة أن تفعل ذلك (في النظام القانوني المصري القائم على الشريعة)، لكن يمكنها تقديم التماس إلى المحكمة كي تأمر بطلاقها في الحالات التي يفشل فيها الزوج في الوفاء بالتزاماته. ويأتي العرف على رأس قائمة القانون القائم على الشريعة. على سبيل المثال، يمكن توقُّع أن يتعهّد عريس مُرتَقب بدفع مبلغ كبير من المال مستحقّ لخطيبته إذا طلّقها، ما يجعل ممارسة حقوق طلاقه، أحياناً، مكلفة للغاية).

ومن الواضح أن الدراسة مستاءة من مسألة موقف الشريعة من الجنوسة أو الجندر كما جاء في الوثائق الأممية ومن المؤكد أن الدراسة اختزلت قضية الحقوق والواجبات بشكل مخل ومنحت قضية الطلاق مساحة ضخمة جدا وكأنها هي مشكلة المرأة المسلمة الأولى.

ليس ذلك فحسب وإنما هناك توجيه من الدراسة للعلمانيين ودعاة حقوق المرأة للمطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية وينتقد العلمانيين لموقفهم المتخاذل من إقرار مثل هذا القانون (بدل التصريح عن أسباب تأييدهم لإقرار قانون مدني أو قانون محايد تماماً بشأن موضوع الجنوسة (ذكر– أنثى)، ركّز دعاة حقوق المرأة – على مزيج من المعتقدات الدينية الحقيقية، وقبول الواقع السياسي، وإدراك أن المساواة القانونية في مجتمع لا يحقّق المساواة يمكن أن تُضعِف في الواقع الأطراف الثانوية (معظم اهتمامهم على تعبئة الدوائر الانتخابية دعماً لتفسيرات للشريعة الإسلامية تمنح المرأة وضعاً أقوى). على سبيل المثال، هم ضغطوا بنجاح لإدخال تعديل على قانون الأحوال الشخصية يسمح للمرأة بتقديم التماس للمحكمة للحصول على الطلاق إذا كانت على استعداد للتخلّي عن معظم حقوقها المادية ومطالباتها في التسوية. فأمكنهم بذلك دعوة بعض علماء الدين إلى دعم موقفهم.

خطة العمل

تأتي الفقرة الأخيرة من الدراسة بعنوان بالغ الاستفزاز وهو (ما الذي ينبغي على الغرب مراقبته في مصر) ولن يكون من المستغرب أن تكون قضايا المرأة والأسرة على رأس الأمور التي ينبغي مراقبتها عن طريق مراقبة ما الذي سيحدث في قانون الأحوال الشخصية ومصير الاتفاقيات الدولية خاصة اتفاقية سيداو ومصير التحفظات التي وضعتها مصر على الوثيقة ألا وهي توافقها مع الشريعة الإسلامية ومراقبة الجهة التي سيعهد إليها تفسير الشريعة الإسلامية وهذه هي العناصر التي اقترح الباحث مراقبتها:

• ما العناصر التي ينبغي تعديلها في قانون الأحوال الشخصية المصري الحالي، وما الذي يجب أن تقوله؟

 

• ما الذي ينبغي أن يكون عليه هيكل المحكمة الدستورية العليا حيث من المرجّح أن تكون لها سلطة تفسير أي اصطلاحات دستورية بشأن الإسلام؟

• كيف يجب أن يُنَظَّم الأزهر؟ وما الذي ينبغي أن تكون عليه طبيعة دوره في الدولة المصرية ومدى نفوذه الاجتماعي؟

• كيف يجب أن يكون هيكل مؤسسات الدولة الدينية الأخرى، مثل دار الإفتاء المصرية (مفتي الجمهورية، مسؤول عن تقديم تفسيرات الشريعة الإسلامية)؟

• ما الأولوية التي يجب أن تُعطى لإصلاح القانون الجنائي (بشأن هذه المسألة، من الصعب تجنّب أحكام الشريعة الإسلامية وهي مَستقطَبة للغاية)؟

• ما الذي ينبغي أن يكون عليه وضع الوثائق الدولية المختلفة لحقوق الإنسان التي وقّعت عليها مصر؟ ومَن يجب أن يكون مسؤولاً عن تفسير التحفّظات القائمة على تلك الوثائق؟ (على سبيل المثال، تصديق مصر على لجنة القضاء على التمييز ضدّ المرأة يشمل التحفّظ التالي في ما يتعلق بالمادة الثانية من الوثيقة: "إن جمهورية مصر العربية على استعداد للامتثال إلى مضمون هذه المادة، شريطة ألا يخالف هذا الامتثال أحكام الشريعة الإسلامية").

هذه الأمور التي ينبغي مراقبتها هي ذاتها خطة العمل التي ينبغي على العلمانيين أن يتحركوا وفقا لها:

ـ فقانون الأحوال الشخصية لا بد من بدء الدعوة للمطالبة بقانون مدني يحل بديلا عنه وهذا القانون لابد أن يشمل مساواة كاملة بين الجنسين.

ـ أن تكون للمحكمة الدستورية العليا القول الفصل فيما يتعلق بأحكام الشريعة وبالطبع يجب أن تكون هذه المحكمة متوافقة فكريا مع هؤلاء العلمانيين وبالتالي يسهل تفكيك الشريعة داخليا وفي المقدمة من ذلك ما يتعلق بحقوق المرأة والأسرة .

ـ  تقليص نفوذ الأزهر الاجتماعي وتحديد صلاحياته.

ـ إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المختلفة للعمل بشكل متناغم لتقديم تفسيرات مرنة لأحكام الشريعة خاصة ما يتعلق بالأحكام الجنائية.

ـ العمل الدؤوب على التصديق على اتفاقية سيداو وإلغاء التحفظات السابقة عليها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق