السلطان عبد الحميد الثاني وموقفه من الشيعة وإيران
الأربعاء 10 أبريل 2013

 عبد العزيز بن صالح المحمود – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

المشكلة الشيعية احدى التحديات التي واجهتها الدولة العثمانية ولكن لم يسلط الضوء بشكل كافى على منهج الدولة في التعامل معها، نهدف في هذا المقال أن نلقي الضوء على جذور تعامل الدولة العثمانية مع المشكلة الشيعية في نهاية عمرها، وهذه الرؤية كانت بسبب حالة الضعف التي تمر بها الدولة والتكالب الغربي والشرقي عليها، ولا تزال ذيول الرؤية هي المسيطرة على  فكر جماعة الإخوان المسلمين.

فقد ظهرت قبل سنتين وثائق نشرها مركز الناصر للدراسات والبحوث العراقي)[1]( كشفت عن حقائق جديدة لرؤية وسياسة السلطان عبد الحميد تجاه قضية التشيع في العراق، وهذا ملخص ما جاء فيها:

كان الشيعة الذين يقطنون في دولة الخلافة العثمانية لا يعترفون بالخلافة العظمى، وكانت مرجعيتهم إيران، وكان السلطان عبد الحميد يخشى إن هجمت روسيا على بلاد الأناضول أن تستغل إيران ذلك وتحتل العراق، وكانت المؤسسات السنية في العراق تقلل من نشاطاتها في العراق بسبب قلة الموارد المالية للعلماء، وفي ذات الوقت ظهرت "خيرية أودة" وهي مؤسسة وقفية هندية خاصة للشيعة والتي أنقذت مراجع الشيعة مالياً وأنفقت بسخاء لخدمة التشيع ونشره وتفريغ أكبر كم من الدعاة في الحوزة.

أحس السلطان بهذه المشكلة من خلال التقارير المرفوعة له منذ سنة 1880م، والتي بلغت ذروتها سنة 1885م، لذلك استشار السلطان في أواخر سنة 1886م عددا من الشخصيات حول ذلك مثل الشيخ ميرزا حسن الريس – وهو منشق إيراني ومقيم في تركيا- والذي كانت له علاقات جيدة مع اثنين من الأتراك (جودت باس وزير العدل السابق، ويوسف رضا) وطلب منهم تقريرا عن وضع الطائفة الشيعية في السلطنة العثمانية، وكيفية التعامل معهم، والتقرير الذي قدمه ميرزا الريس للسلطان حث على فكرة الوحدة بين السنة والشيعة ورعاية التقريب بينهما لمواجهة الدول المسيحية، وأشار جودت إلى أنه لابد من تقديم بعض المبادرات مثل:

أولا: إصلاح قبور آل البيت في مقبرة البقيع بالمدينة النبوية، والتي تعتبر في غاية من الأهمية للشيعة، وأن ترسل الهدايا لها.

ثانيا: المساواة في أعطيات المجتهدين الشيعة في العتبات الشيعية مع نظرائهم السنة في الإمبراطورية العثمانية.

ثالثا: تنفيذ بعض الأشغال في العتبات العامة في العراق.

أما يوسف رضا فنبّه في تقريره على نفوذ علماء الشيعة داخل الدولة القاجارية وتأثيرهم على الشاه في إيران ومدى قوتهم، وأنهم يستطعون إجبار الدولة الإيرانية على ما يريدون، وأن الروس يدركون هذه الحقيقة، لذلك دائما ما كانوا يرسلون الهدايا لهم ويكرمونهم، ونصح له بالوحدة مع الشيعة وأن السياسة وليس الدين هي سبب الصراع بين العثمانيين والدولة الصفوية، وأنه لابد من الوحدة مع الشيعة لمواجهة الطغيان المسيحي، وأن الشيعة جاهزون للوحدة اليوم وبقيادة السلطان عبد الحميد، وأن السلطان له سمعة عند مراجع الشيعة أكبر من سمعة شاه إيران وأوصاه بهذه المهمة (المقدسة).

لكن السلطان تلقى تقارير أخرى سنة 1890م تحذر من كثرة تواجد الشيعة في الجيش العثماني في العراق؛ لذلك أوفد لجنة عسكرية للتفتيش في هذا الأمر، مما تسبب بإقالة والي بغداد سنة 1891م بسبب تغلغل الإيرانيين داخل بغداد، إضافة إلى كثرة تواجد الشيعة في الجيش العثماني في العراق، لذلك أصدر قراراً بنقل الجنود الشيعة العراقيين على جيوش أخرى للدولة وإبقاء الجنود السنة في بغداد لضمان ولائهم للدولة العثمانية.

وفي نفس السنة (1891م) حدثت في إيران ثورة التنباك عندما أراد شاه إيران أن يعطي احتكار التبغ لشركات بريطانية واعترض المجتهدون على ذلك؛ لأن علاقة المجتهدين مع التجار (البازار) الإيرانيين علاقة وثيقة جداً بفضل أموال الخمس التي يدفعها البازار للمجتهدين لتغطية مصاريفهم.

 وساهم جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) في دفع المجتهد الشيعي الأفغاني ميرزا حسن الشيرازي وهو في سامراء ليصدر فتوى تحريم التنباك المشهورة، هذه الحوادث أظهرت مدى قوة المراجع الشيعية في عين السلطان عبد الحميد، وأنه لابد من استغلال حجم الصدع بين المراجع وشاه إيران؛ لذلك استقدمه السلطان عبد الحميد لهذا الشأن.

وفي سنة 1892 التقى الأفغاني بالسلطان عبد الحميد وكانت غاية السلطان توظيف الأفغاني لعلاج المشكلة الشيعية، وقد ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته السياسية أنه: (يجب علينا أن نقوي الأواصر الإسلامية، بحيث يتساند مسلمو الصين وأفريقيا مع باقي المسلمين في شتى أنحاء الأرض، وإنه لمن دواعي الأسف ألا يقوم تعاون بيننا وبين إيران، وقد كان عليها أن تسعى إلى التقارب معنا كيلا تصبح ألعوبة بيد روسيا وإنكلترا.

قال لي السيد جمال الدين (الأفغاني): (يمكن توحيد السنة والشيعة إذا أظهر كل منهما حسن النية تجاه الآخر) لقد قوى هذا الشيخ أملي بالتقارب، فإذا تحققت هذه الأمنية تحقق إنجاز عظيم للإسلام) ا.هـ([2]).

في نفس السنة (1892) كان السلطان قد وضع خطة لمعالجة قضية التشيع في العراق؛ لتغيير التوغل الشيعي داخل المجتمع العراقي تقوم على فكرة  إرسال مجموعة من طلبة العلم الشيعة في مناطق بغداد والبصرة وكربلاء والنجف للدراسة في الأزهر للتخلي عن العقائد والخرافات الشيعية، واعتقد أنه بهذا يغير عقائدهم الشيعية الخرافية ويجعلهم ينشرون العقيدة السنية في مناطقهم عند عودتهم، وبهذا يكون هؤلاء منافسين للمراجع الشيعة؛ لأن المجتهدين أغروا الناس والقبائل بالخرافات([3])، لكن السلطان رفض ذهابهم إلى مصر؛ لأن مصر كانت يومها مقراً للمعارضة للخلافة العثمانية فأرسلهم إلى مدرسة في اسطنبول تدرس باللغة العربية إلا أن التجربة لم تنجح.

وفي سنة 1894 أحس السلطان أن خطته التعليمية فشلت، وكان السلطان عبد الحميد مدركا أن الحكومة الإيرانية تسعى للسيطرة على مناطق جنوب العراق عبر نشر خرافات وهرطقات الشيعة لتحويل السنة في قبائل الجنوب الجهلة إلى شيعة للسيطرة عليهم، ومن أجل تحييد هذه الجهود  لنشر التشيع في الجنوب أمر السلطان ولاة ومتصرفي المناطق بإرسال الدعاة والعلماء ومساعدتهم.

وكان السلطان يريد أن يشكل لجنة من العلماء الشيعة والسنة لدراسة أساليب تحقيق الوحدة وإلغاء الخلافات الطائفية لأنه كان يفكر تجاه إيران من منظور إسلامي كي لا تقع فريسة بيد الروس والإنكليز، ولكن الأمور لم تنجح كذلك مما دعا السلطان أن يتهم العلماء بعدم فهم السياسة.

في هذه السنة (1894م) برزت مشكلة في سامراء فاندلعت اضطرابات بين السنة والشيعة([4])، وقعت فيها ضحايا بشرية في الطرفين؛ هذا الحادث دفع بالسلطان لتبني التقارب بين السنة والشيعة، خاصة حين علم السلطان أن القناصلة الأجانب لهم يد في تحريك المشاكل وأنهم يريدون استمالة المراجع الشيعة إليهم، فاستشار السلطان سفيره في طهران غالب بك بشأن التشيع والمجتهدين الشيعة في العراق، فقال: إن إيران تريد من خلال حادثة سامراء أن تبرهن للمراجع أنها هي الحامية للطائفة الشيعية وأنها هي الداعمة المالية لهم.

عندها اندفع السلطان لتبني سياسة لاحتواء المجتهدين الشيعة وأسند تنفيذ ذلك لجمال الأفغاني، الذي قام وفريقه بتحرير ما يقرب من خمسمائة رسالة بلغات مختلفة من فارسية وعربية وهندية وتركية وأرسلوها إلى سائر الأقاليم الإسلامية، وبالفعل وصلت ردود جيدة ومشجعة من الشيعة، على كل تلك الرسائل من كافة علماء العالم الإسلامي وغيرهم فقرأها السلطان وسُر منها غاية السرور وهنأ الأفغاني على ما حصل من توفيق على يديه ولكن استولت عليه الحيرة والعجب من نفوذ كلمة الأفغاني ونفاذ أمره في هذا المجال الخطير، وكان السلطان عبد الحميد خلال تلك الفترة راضيا على الأفغاني كل الرضا.

أزعج نجاح السلطان عبد الحميد في التقرب من المراجع إيران، فعملت على فتح جبهة الأرمن ضد الدولة العثمانية ودعمتهم (1894-1896م)، وطالبت أن يكون ثمن إيقاف دعمها للأرمن ترحيل الأفغاني من اسطنبول، ورافق هذا المطلب الإيراني اكتشاف السلطان حقائق مريبة عن الأفغاني، وأنه ليس أفغانيا بل إيراني وأنه شيعي متستر بالسنية وله علاقات بالإنجليز والماسونية، فوضعه السلطان في الإقامة الجبرية ولم يسمح له بالخروج من اسطنبول إلى أن مات سنة 1897م.

وكان الأفغاني قد اقترح  على السلطان عبد الحميد نزع الجزء الخاص بالعتبات المقدسة التي يزورها الشيعة بالعراق وضمها إلى دولة إيران الشيعية  - أي ضم أجزاء من دولة العراق إلى إيران - وذلك لحسم الخلاف الدائر بين الشيعة وأهل السنة، وبرر ذلك بأنه يقرب الشيعة ويضمهم إلى مشروع الجامعة الإسلامية!!

الدروس من قضية السلطان عبد الحميد الثاني والتشيع:

الدرس الأول: من المؤسف أن سياسة السلطان عبد الحميد (1876-1909م) التي دعا فيها إلى الوحدة الإسلامية قد دعمت ومكنت للتبشير الشيعي في العراق بشكل غير مباشر، لأن السلطان لم يفهم العقلية الشيعية ولا التشيع على حقيقته، وقد نقده على ذلك عدد من العلماء([5])، وتبقى مكانة السلطان عبد الحميد الثاني ودوره لا ينكران، لكن السياسيين مهما اجتهدوا فهم بحاجة إلى معرفة دينية وتاريخية.

الدرس الثاني: خطورة دور مستشاري السوء ومنهم إيرانيون، وهم الذين أشاروا عليه بفكرة التقريب بين السنة والشيعة.

الدرس الثالث: جمال الدين الأفغاني ودوره الخبيث وكيف أخفى شيعيته وارتبط بعدة أعداء وعمل لخدمة دينه (التشيع). لذلك فإن الإيرانيين يفتخرون به فهذا علي أكبر ولايتي الأمين العام للمجمع العالمي للصحوة الإسلامية ومستشار مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في مقابلة له مع وكالة أنباء مهر الإيرانية يقول: (طبعا كان لإيران ومصر أثر متبادل، فكما كان للسيد جمال الدين دور في نشوء الصحوة الإسلامية في مصر وبروز شخصيات من قبيل المرحوم الشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا، فكذلك ترك الإخوان المسلمون في وقتهم أثراً على الحركات الإسلامية في إيران... إن سماحة قائد الثورة قام قبل الثورة بترجمة عدد من كتب سيد قطب إلى الفارسية، وبعد الثورة أيضا تمت ترجمة كتاب ولاية الفقيه للإمام الخميني إلى العربية، حيث ترك أثرا مهمًا في الصحوة الإسلامية بالعالم العربي خاصة مصر)([6]). فالأفغاني إيراني وهو نتاج إيراني (شيعي).

وهذا كاتب الإخوان الكبير أنور الجندي رحمه الله يقول: (إنهاء الخلاف الذي أججه الاستعمار بين السنة والشيعة أو بين الأتراك والفرس وقد استخدم لذلك - أي السلطان عبد الحميد-  علامة كبيراً هو السيد جمال الدين الأفغاني وأجرى صلحاً مع شاه فارس وصفى أمر الخلافات كلها)(.([7] وهو توصيف كله خطأ فلا الأفغاني علامة كبير، ولم يجرِ صلحاً، والخلاف موجود في تاريخ الأمة ويمكن أن يوظفه الإستعمار، والخلافات لم تصفّ بين الشاه والسلطان أبدا. وصدق المثل العربي: (أحشفاً وسوء كيلة؟).

الدرس الرابع: أنه بدلا من عدّ هذا الأمر من أخطاء السلطان عبد الحميد الثاني - رحمه الله وأجزل له المثوبة - ويعتذر له أنه جرى بسبب سياسي، اعتبر الخطأ من حسناته وبالأخص عند جماعة الإخوان المسلمين والذين ساروا على خطاهم كما سنبينه في الحلقة القادمة بإذن الله.

كتب د. جمعة أمين عضو مكتب الإرشاد في مذكرة عن موقف الإخوان من قضية التقريب بين الشيعة والسنة فقال: (لقد تنبه المصلحون من المسلمين إلى الأضرار التي تتعرض لها الأمة الإسلامية بسبب هذا الانقسام فراحوا ينادون بوحدة الصف الإسلامي ونبذ أسباب الفرقة بين أبناء الدين الواحد، وقد تزعم هذه الدعوة في بدايتها الإمام جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، ثم أخذت الدعوة شكلا جماعيا بعد ذلك فنشأت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شارك فيها الإمام البنا، ... أن الإخوان المسلمين وهم مشغولون بقضايا الوطن والمنطقة، خاصة قضية فلسطين، وهي قضية محورية، يجب عدم انشغالهم بهذه الأمور الفرعية بالمرة أو إثارتها، بل الكف عن الحديث فيه)، وهذا ما نفصله في مقال تال بإذن الله.   



[1] - السياسة العثمانية تجاه الشيعة في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دراسة مقدمة من مركز الناصر للدراسات والبحوث. وهو بحث مأخوذ من الأرشيف العثماني للوثائق.

 

[2] - السلطان عبد الحميد الثاني: مذكراتي السياسية، مؤسسة الرسالة، ص 175-176.

[3] - هذه الفكرة تأثر بها السلطان من التجربة الأمريكية بإرسال المبشرين النصارى البروتستانت للتأثير على الشباب الأرمن وجذبهم للإيمان بعقيدة البروتستانت.

[4] - شكى الشيخ محمد سعيد النقشبندي – من شيوخ سامراء - إلى والي بغداد حسن باشا من الفتنة الكبرى التي سوف تنشأ من تغيير طابع المدينة الذي يمارسه الشيعة، فأبرق الوالي إلى السلطان عبد الحميد بالخطر الذي يهدد سامراء لكن السلطان لم يشأ الدخول في أزمة مع إيران، فاكتفى بالتوجيه ببناء مدرستين سنيتين في المدينة، وبقي الشيرازي وأصحابه تحت الملاحظة والرقابة سواء من العثمانيين أو من علماء سامراء، فيما كانت ممارساته تحظى بتأييد القنصلين البريطاني والروسي.

 

[5] - مجلة المنار، سنة 1908م عدد (11).

[7] - منشور في موقع الإخوان المسلمين.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق