كتاب الشهر\العدد مائة وعشرون - جمادى الأخرة 1434 هـ
التجربة النهضوية التركية
الأربعاء 10 أبريل 2013

كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم؟

أسامة شحادة

 

 

خاص بالراصد

هذا كتاب جديد للباحث التركي محمد زاهد جول، صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات بالرياض مطلع هذا العام (2013م) في 240 صفحة من القطع المتوسط، وجاء في أربعة فصول. ويمتاز المؤلف بإجادته للغة العربية ولذلك جاء كتابه شيق العبارة سلس الأفكار ولم يكن بحاجة لجسر الترجمة الذي يضع في الغالب من قيمة الكتاب الأصلي بسبب فرق الترجمة إذا جاز التعبير!

ومن المهم فهم الصعود التركي الإسلامي السني لأنه يكسر حدة الصعود الإيراني الشيعي، ولقد كانت إيران ولا زالت تقدم نفسها بوصفها النموذج للحكم الذي يجب أن يحتذيه الإسلاميون، ولكن صعود تركيا شكل تحديا سنياً كبيراً بقوته وإنجازاته.

الكتاب يشد القارئ فهو يمتاز بالوضوح والبساطة في عرض الأفكار ويمتاز بتقديم حقائق رقمية عن النتائج التي قدمها حزب العدالة والتنمية في تجربته في الحكم منذ سنة 2002م ولليوم في مختلف المجالات وكافة الأصعدة الاقتصادية والصحية والتعليمية والعسكرية والعمرانية وحقوق العمال والمرأة والأسرة وهكذا.

انطلق جول في كتابه من أهمية توافق الأمة مع هويتها وخطر قيام السلطة بالتصادم مع هوية الأمة، لأن الخاسر دوماً في هذا الصدام هو السلطة، فقد أثبتت وقائع التاريخ أن العلمانيين هم من يخسرون كلما صادموا هوية الأمة وهي الهوية الإسلامية.

ولذلك يرى جول أن أصل نجاح حزب العدالة والتنمية هو من "اكتشاف الذات بقناعاتها الفلسفية والدينية معا ودون تعارض، واكتشاف الذات بماضيها التاريخي والمعاصر ودون تناقض، واكتشاف الذات بمقدراتها الاقتصادية والسياسية بترابط ودون تباغض، واكتشاف الذات بمميزاتها الحضارية الحوارية ودون تصادم".

ويرى جول أيضا أن الإصلاح كان عملية عثمانية داخلية بدأت بمبادرة من السلطنة بصدور الفرمان الكلخاني الأول من السلطان عبد المجيد خان بتاريخ 4/11/1839م، وكان الهدف منها معالجة الخلل والضعف الناشئ في الدولة وإعادة حالة القوة والإعمار والراحة بمقتضى القوانين الشرعية، ولكن حصل نزاع بين طرفين في العثمانيين هما الإصلاحيون والمحافظون، وكان يقابلهم جماعة من المتغربين الساعين لعلمنة الدولة العثمانية والذين نجحوا بإقامة الجمهورية بعد إالغاء الخلافة العثمانية.

وهنا يسرد جول سريعا المحطات التي تقلبت فيها تركيا منذ إلغاء الخلافة وحتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وأن تركيا لم تتقدم أحوالها في ظل العلمنة المتشددة بل تدهورت أحوالها السياسية والاقتصادية فتعاقبت الانقلابات العسكرية فيها وتدنّت قيمة الليرة التركية ولم يعد لها مكانة مرموقة لا في الشرق ولا في الغرب.

وهنا يرصد جول أن تركيا - شعباً ودولة- ظلت تتقلب وتقترب من التصالح مع هويتها طيلة هذه السنوات تدريجياً وهو ما لا يدركه الكثيرون، فقد عَدّل الدستور في سنة 1961م صفة الدولة من "تركيا جمهورية علمانية" إلى "تركيا دولة علمانية ديمقراطية"، وهذا التعديل أنتج نجاح الإسلاميين بتأسيس حزب ذي مرجعية إسلامية هو حزب "النظام الوطني" بقيادة المهندس نجم الدين أربكان سنة 1970م، وذلك بعد مسيرة شاقة من محاولة الإسلاميين الأتراك ممارسة السياسة وإنشاء أحزاب سياسية تعرضت للحل عدة مرات مثل حزب "حماية الإسلام" 1946، حزب "المحافظين"، حزب "الأمة" 1948م والذي ألغي سنة 1953م.

ويجب هنا أن نتنبه للفارق الزمني بين تأسيس أول حزب إسلامي في تركيا سنة 1970م وبين تأسيس أول حزب إسلامي في العالم العربي وهو حزب التجمع اليمني للإصلاح سنة 1990م، أي أن التجربة الحزبية التركية تتفوق على مثيلاتها العربية بفارق 20 سنة على الأقل!!  

ومن أهم معالم التجربة الحزبية الإسلامية التركية عند أربكان والتي لم تلتفت إليها الأحزاب الإسلامية في عالمنا العربي التركيز على اقتصاد الصناعة، يقول أربكان: "لا يمكن التقدم من خلال السياحة والزراعة، من يقول ذلك غافلاً عن الحقيقة. إن ما يلزمنا هو ثورة صناعية لتطوير الصناعات الثقيلة، فإذا لم نصنع نحن محركاتنا، ولم نصنع مصانعنا فلن نتمكن من مقارعة الغرب"، وهذا ما سار عليه أربكان في حياته المهنية فهو بصفته مهندسا تخرج من ألمانيا سنة 1956م، وكان أثناءها يعمل رئيساً لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز - هومبولدت - دويتز" وقام بعدة ابتكارات لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود، ولما رجع إلى تركيا ساهم في تأسيس مصنع "المحرك الفضي" لتصنيع محركات الديزل وكان في الثلاثين من عمره ، وبدأ إنتاج المصنع عام 1960، وهو ينتج اليوم نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا.

وكان من سياسة أربكان التي لا يزال ينتهجها حزب العدالة والتنمية التركيز على الأفكار والمشاريع وليس الشعارات التي تجلب عليه التبعات دون نتائج، وإن كان في آخر حياته قد تورط في إطلاق بعض الشعارات التي استغلها خصومه فأقصوه من اللعبة السياسية.

ومن هنا كانت انطلاقة حزب العدالة والتنمية تستند لتاريخ عريق من العمل الحزبي الإسلامي أو المحافظ، والحزب إنما قام بتطوير خطابه ومراعاة ظروفه، فقد قدم نفسه على أنه حزب نصف ليبرالي وإسلامي معتدل ولكنه ديمقراطي بالكامل، ولذلك تعامل مع العلمانية من منظور جديد فهو رفض المفهوم الأوروبي للعلمانية وقدم رؤيته للعلمانية على أنها "الدعوة للعلم وتحرير تفكير الإنسان وعقله، ورفض الأفكار التي تلغي حرية الإنسان وتحرمه من عقله وتمنعه من اتباع العلم واكتشاف الحياة وتسخيرها لمصلحة الإنسان والناس والبشرية جمعاء".

وبناء على ذلك فقد عمل حزب العدالة والتنمية على أن تكون أهدافه هي أهداف كل الشعب التركي حيث قام منطقه على العمل مع الشعب التركي بكافة قومياته وتياراته الفكرية وتقاسيمه السياسية، ولذلك يحصل الحزب بسبب هذه الأهداف المشتركة والأداء والنتائج القوية على أصوات تفوق عدد مؤيديه الملتزمين ولذلك يبقى في السلطة لعدة دورات انتخابية.

ويصعب جداً أن أسرد الأرقام التي أوردها الكاتب لنتائج أداء حزب العدالة في الحكم من سنة 2002، ولكن أعتقد أن على كل السياسيين الإصلاحيين الحقيقيين أن يطّلعوا على هذه النتائج والأهداف ويعملوا على تطبيقها في بلدانهم بدلاً من الشعارات الجوفاء والتي لم تمنع فساداً ولم تحقق إصلاحاً فليكن لك بعض الإنجازات.

يختم جول كتابه بفصل مهم عن كيفية الاستفادة العربية من تجربة حزب العدالة في تركيا، ويبدأ من الديمقراطية فينبه على أن الديمقراطية لم تعد قضية عابرة بل أصبحت هي الأيديولوجية التي يحملها الغرب ويحارب من أجلها، وينقل هانتجتون صاحب نظرية صدام الحضارات أن الغرب يربط بين الديمقراطية وبين تسع قضايا هي: الفردية، الليبرالية، الدستورية، حقوق الإنسان، المساواة، الحرية، حكم القانون، السوق الحرة، فصل الكنيسة عن الدولة. 

ولذلك فإن العالم العربي في مرحلة الربيع العربي سيواجه قضية الديمقراطية وصويحباتها ولكن بالمفهوم والأيديولوجية الغربية والذي ستحاسب الدول العربية القديمة والحديثة عليه!

وهنا يطرح المؤلف تجربة تركيا في استيراد الديمقراطية بالمفهوم الغربي وكيف أن الشعب التركي لم يسعد بها، لأنها تقوم على مبادئ تتصادم مع هوية الأمة الإسلامية، ولكن حين تمكنت تركيا من المزاوجة بين الهوية الإسلامية والديمقراطية حصل لها الاستقرار والتقدم.

يختم جول كتابه بخمسة شروط للاستفادة من التجربة التركية هي:

1-  تجديد الدماء السياسية وإشراك الشباب، والثقة بالمجتمع وأفراده، فما فائدة التعليم إذا كان المتعلمون لا يفهمون ولا يمكن الثقة بآرائهم!!

2-  ترسيخ مفهوم أن السلطة هي خدمة للشعب وليست مغنما واقعاً في سلوك الدولة والمعارضة.

3-  سؤال الإنجاز هو الفيصل في تقويم المسؤولين، ولا يكفي الفصل، بل يجب التحقيق والعقوبة في حالة التقصير الضار.

4-  العمل المؤسسي وفق خطط مدروسة وواضحة.

5-  وصول نتائج النهضة لكل مواطن ولكل بيت. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق