هل بدأ طور جديد من التشيع؟
الأربعاء 13 مارس 2013

بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 

خاص بالراصد

شهدت السنتان الأخيرتان حراكا تبشيريا شيعيا كبيرا في مصر والمنطقة المغاربية ترافق مع نشاط كبير للساسة الإيرانيين تركّز بشكل خاص على مصر التي زارها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مؤخرا، وقد أثارت الزيارة جدلا واسعا بما عرف بالأزمة مع الأزهر الذي وضع النقاط على الحروف مع الإيرانيين بطرحه القضايا الخلافية على طاولة النقاش علنا، الأمر الذي لم يعهده الإيرانيون سابقا وأحرجهم كثيرا.

تمثل النشاط الشيعي في الدول التي شهدت تحولات سياسية جذرية (تونس ومصر وليبيا) في محاولة المتشيعين استغلال تلك التحولات للتموضع اجتماعيا وسياسيا من خلال السعي لتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات خيرية وثقافية على غرار جمعية "المودة الثقافية الشيعية" في تونس، وتأسيس حزب سياسي في مصر، أما في ليبيا فلعدم وجود رموز شيعية محلية فيها تقدم الإيرانيون بأنفسهم المشهد لنشر التشيع من خلال توزيعهم الكتب وإقامة معارض أو من خلال خلاياهم العربية واللبنانية تحديدا، وهذا ما تنبهت له السلطات الليبية فقامت بإجراء احترازي بمنع الوافدين الذين سبق لهم زيارة إيران من دخول البلاد.

أما في الجزائر فقد أصبح مألوفا أن يطفو من حين لآخر موضوع التشيع إلى السطح، وكان آخرها ما تم تداوله مؤخرا عن نشاط شيعي داخل أفواج للكشافة الإسلامية الجزائرية في ولاية "باتنة"، والتي على إثرها دقت المؤسسة ناقوس الخطر منبهة في التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق في الموضوع إلى أن التشيع منتشر بين عائلات وليس وسط تلاميذ ومرتادي الأفواج الكشفية فقط، ودعت إلى تفعيل منظومة دفاع اجتماعية وقيمية مشتركة لحماية الهوية الوطنية([1]).

هذا النشاط والحراك السياسي يتناقض مع ما يفترض أنه انحصار لإيران ومشروعها في المنطقة، وتحديدا بعد موقفها من الثورة السورية وتورط وكيلها اللبناني حزب الله في الدم السوري، إذ كشف دوره حقيقة وطبيعة المشروع الطائفي الإيراني للرأي العام العربي، وأدى إلى تدني شعبية الحزب وراعيه، ونظرا لأن التشيع الحديث اعتمد في إستراتيجيته على السياسة فكان يفترض أنه سيخرج من البوابة التي دخل منها، ولكن ما يجري على الواقع معاكس إلى حد ما لهذا الافتراض. فهل هذا مؤشر على ولوج التشيع مرحلة جديدة في بنيته وتشكله؟

عوامل الثبات في ظل الهزات السياسية

استمرار المتشيعة في تمسكهم بعقائدهم وثباتهم عليها والعمل على نشر التشيع بدلاً من الانكسار والتراجع تقف خلفه جملة من العوامل لعل أبرزها ما يلي:

* الارتباط بين التشيع والسياسة يختلف من مرحلة ما قبل التشيع عمّا بعده، ففي حين كانت هذه العقيدة ملحقة بالسياسة فإنها تتحول بعد التشيع إلى العكس حيث تصبح السياسة ملحقة بالعقيدة. بالتالي فإن الموقف السياسي يرتبط بموقف المرجعية الدينية الجديدة، لذلك لا يستغرب أن يتبنى المتشيعون المواقف السياسية الإيرانية ويدافعون عنها ويروجون لها، ولا يتأثرون بالهزات السياسية التي تعرضت لها إيران داخليا وخارجيا. فمثلا حدث احتلال العراق من قبل أمريكيا بمعونة إيران وحدث إعدام صدام حسين على يد الشيعة برغم قوة تأثير هذين الحدثين إلا أنه من خلال القراءة الأولية لمجريات الأحداث فإنه يتضح أن المتشيعين لم يتأثروا بذلك ورؤيتهم لهما كانت رؤية إيرانية خالصة، ورغم كل سياساتها السلبية هناك مع عملائها إلا أنهم يرون في المالكي محررا للعراق، وأنه استطاع بدهائه السياسي إخراج الاحتلال وهو الذي أتى على ظهر الدبابة الأمريكية.

وهذا الموقف للمتشيعة مما جرى في العراق لم يختلف عنه في سورية، حيث يرون ما يجري مؤامرة أمريكية على إيران وسوريا وحزب الله ولذلك لم يتأثروا بكل ما يجري هناك من مجازر وإرهاب واغتصاب للسوريين والسوريات، واستمروا في نشاطهم التبشيري.

إضافة إلى ذلك فإنه كما عملت حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل على طي صفحة احتلال العراق أو التعتيم عليها على الأقل ورفع أسهم إيران مجددا، يقوم الحزب حاليا بنفس الدور للتعتيم على نهجه ضد الشعب السوري وتبييض وجه إيران  بخطابات زعيمه حسن نصر الله الكثيرة والتي يحاول من خلالها جاهدا ترسيخ هذا التصور لدى جمهوره وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الرأي العام العربي، وقيامه ببعض السلوكيات الشكلية كإرساله طائرة بدون طيار فوق إسرائيل وإعلان طهران أنها من صنع إيراني، وإن كانت لم تؤدِّ الغرض المطلوب إلا أن المتشيعة تلقفوها لتطمئنهم وتثبت قلوبهم على التشيع وتمنحهم بعض الحجج لتبرير الموقف على الجبهة السورية.

 وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى وجود إعلام قوي يُشحن به المتشيعون بمواد إعلامية بشكل مستمر، إذ تمثل وسائل الإعلام الشيعية بأشكالها المختلفة منظومة متكاملة، والمتشيعون داخل هذه الفضاءات المتعددة منغلقون على ما يوافقهم أيديولوجيا، وتأتي قناة الميادين الجديدة في مقدمة الفضائيات التي يتابعونها إلى جانب قناة المنار بعد القطيعة مع الجزيرة، ناهيك عن المواقع الالكترونية لهذه الفضائيات وغيرها من المواقع الصديقة.

 تبعا لذلك تشكل الأزمات السياسية والاقتصادية والاضطرابات الأمنية التي تمر بها هذه الدول التي حصل بها التغيير مادة إعلامية يستثمر فيها الإعلام الإيراني، وهنا يجب التنبيه لملاحظة هامة، وهي اشتراك الإعلام "الممانعاتي" واندماجه في الخطاب السلبي تجاه الثورات الشعبية، ففي سبيل الدفاع عن نظام الأسد تحول هذا الإعلام إلى رافد لإعلام الفلول ضد الإخوان المسلمين والرئيس مرسي في مصر على سبيل المثال لا الحصر، وهو الذي ابتهج بالثورة المصرية ودافع عنها في الأيام الأولى بل وحاول أن يسوقها كثمرة من ثمرات الخميني والجمهورية الإسلامية.

* غرابة التشيع عن جسم المجتمعات المغاربية أو السنية عموما تجعل هذه المجموعة الدينية منغلقة على ذاتها أكثر من أي مجموعة أخرى حيث تتعطل لدى المتشيع كل أجهزة التفكير والعقلانية ولا تنفتح إلا داخل المجموعة وانفتاحها يكون في اتجاه واحد وهو استهلاك كل ما يمكنه تأكيد القناعات السابقة. كما أن الانبهار الأيديولوجي يساهم في كبح عقول المتشيعة ويسهل ابتلاعهم كل ما يوجه لهم، مع العلم أن هؤلاء يتشيعون في فترات المراهقة التي لم يكتمل نضجهم فيها بعد، وهنا تتشكل علاقة أبوية بينهم وبين من يشيعهم، خاصة عندما يكون هؤلاء من هواة المطالعة وهذا ما يلتمس عند الكثير منهم حيث يميلون إلى الجانب الفكري والفلسفي في قراءاتهم.  

يشكل الخطاب الشيعي المأساوي للرواديد الحسينيين بالنسبة للمتشيعين نوعا من المواساة الداخلية، فبحكم الرفض المجتمعي والعائلي لهذا التحول الديني وما يرافقه من تضييق معنوي على الأقل إلى جانب المشاكل المادية التي يعاني منها هؤلاء (خاصة عندما تقترن بتشيعهم. لنأخذ على سبيل المثال المتشيعين الذين حولوا من التعليم إلى مناصب إدارية) فانه يَتَمثلُ للمتشيع أن ما يجري له وما يعاني منه هو نفسه ما عانى منه آل البيت "تراجيديا كربلاء"، ولما يستمع للرادود الحسيني وما يبعثه من خطاب مأساوي حزين يحفزه على الصبر على ما هو عليه وإلى غير ذلك من التصورات. والطابع الحزين لهذا الخطاب سواء في مضمون الأشعار أو طريقة الإلقاء تتناغم مع الحالة النفسية للمتشيعين خاصة أمام الضغط الذي يواجهونه في محيطهم الاجتماعي.

كما يشكل الاحتفال بعاشوراء وسيلة للتواصل الاجتماعي والتآزر، وتجديد الولاء بصيغة ما، وما تخلقه من شعور تضامني وجرعات (إيمانية جديدة).

الانفصال الجزئي

شبهت في مقالة سابقة المشروع الإيراني بفيروس نقص المناعة المكتسبة HIV وخاصة في التحورات والتغيرات التي يجريها على تركيبته الجينية حيث يستطيع أن يراوغ الآليات الدفاعية للجسم الهادفة إلى التخلص من الخلايا المصابة بالعدوى وأن يشتت شملها([2]). ولعل هذا ما يحصل داخل بنية التشيع حاليا، فالحركية التبشيرية تؤشر إلى تحول يحصل في بنية التشيع وربما نكون أمام مرحلة إعادة صياغة المتشيعين لعلاقتهم بإيران، وليس معنى ذلك الانفصال التام لأن هذا مستحيل ويتعلق بعلاقة وطيدة تربط المتشيع بالمرجعية، ولكن ما نعنيه هنا الانفصال على مستوى من المستويات، أو الانشطار الجزئي في طريقة الانتشار والاستقطاب والتي باتت لا تعتمد على الأحداث السياسية التي لم تعد تخدم التشيع بل على العكس تؤثر عليه سلبا لذلك انتقلت إلى الدعوة للتشيع دينيا مباشرة دون المرور على المرحلة السياسية كما كان يحصل سابقا وهو من جهة أخرى نوع من الاعتماد الذاتي بدل الاتكال على المنجزات الخارجية، ولعل من المؤشرات التي تدلل على هذا ما يلي:

- بروز أسماء شيعية تمثل رموزا محلية وإن لم تتدرج في دراستها إلى مستوى المرجعيات إلا أن قضاء الكثير منهم سنوات عديدة  في الحوزة على الأقل أكثر من سبع سنوات كفيلة بمرتبة السيد لا يمكن التقليل من أهميتها، وأعداد هؤلاء بالعشرات. فمثلا تحدثت جريدة الشروق الجزائرية قبل قرابة ثلاث سنوات عن وجود خمسين جزائريا يدرسون في حوزة قم([3])، ولا شك أن عددهم الآن أكثر مع الأخذ بعين الاعتبار حوزات أخرى أبرزها تلك التي في سوريا ولبنان. ولنا أن نتساءل عن دورهم عندما يعودون إلى وطنهم، هذا فضلا عن علاقاتهم الحالية مع المتشيعين خاصة في الولايات التي ينحدرون منها. وفي دول أخرى على غرار تونس ومصر والمغرب هناك أسماء شيعية لها تأثير قوي تخوض نقاشات دينية يسهل عليها مهمتها جهل المجتمعات بمثل تلك النقاشات.

- دندنة المتشيعة كثيرا حول البعد التاريخي ومحاولتهم التأكيد على أصالة التشيع في شمال إفريقيا من خلال الدولة الفاطمية مؤشر أيضا للانفصال عن السياسة والاعتماد في نشر التشيع على البعد الديني والأحقية التاريخية.

 - استهداف الأشراف المغاربة ودغدغة مشاعرهم لانتسابهم للمصطفى صلى الله عليه وسلم وجعلهم ذلك شكلا من أشكال التميز الذي يفترض أن يكون دينيا أيضا بإيهامهم بمخالفة منهج أجدادهم آل البيت الذين ينتسبون إليهم وضرورة عودتهم إليه.

- التركيز على الطرق الصوفية التي يجمعها بالتشيع الكثير من الطقوس والمعتقدات المتعلقة بالأولياء والأضرحة، كما يجري حاليا في صعيد مصر الذي أصبحت محافظاته المأوى الأكبر لشيعة مصر، بسبب انتشار الطرق الصوفية في الصعيد، بالإضافة إلى بساطة السواد الأعظم من مواطني هذه المحافظات والذين يتم التأثير عليهم بسهولة، إلى جانب هجرة عدد كبير من الإيرانيين قبل الثورة الإيرانية عام 1979 إلى مصر خاصة محافظات الصعيد النائية مثل الأقصر وأسوان وأيضًا النوبة، واستطاعوا نشر التشيع في هذه الأماكن بطريقة كبيرة([4]). ومحافظات الصعيد من حيث ضعف مناعتها من التشيع ربما تكون نموذجا عن المجتمعات المغاربية التي تسودها قابلية للتشيع.

 - ما يتداول من أخبار عن ممارسات المعلمين وحديثهم بطريقة ساخرة عن الصحابة رضوان الله عليهم وطرح الشبهات كلما سنحت الفرصة لذلك، إضافة إلى أنه أسلوب ديني مباشر في نشر التشيع فانه يحدث خلخلة كبيرة وزعزعة لمعتقدات الأطفال والمراهقين ويجعلهم في حالة تشكيك مستمرة، ومحاولة البعض منهم الخوض في تلك النقاشات دون دراية واطلاع على عكس المتشيعين كثيرا ما تحقق أهداف الأخيرين.

الخلاصة

دون شك فإن طرق نشر التشيع التي أوردناها أعلاه ليست جديدة كليا مثل الترويج للكتب الشيعية أو تشكيل جمعيات وأحزاب سياسية أو اختراقها، ولكن الخطورة تكمن في أن القراءة الأولية للتشيع والذي ارتبط بالجمهورية الإسلامية والخمينية أي بمدخله السياسي وازدهاره في ظل بروبغاندا حزب الله حتى الثورة السورية التي كشفت القناع عنه مما افترض انحصار الظاهرة أو انكماشها أو تراجعها بالتراجع السياسي لإيران وهذا ما لم يحصل. لذا وجب التنبيه والتحذير من عدم التعويل على البعد السياسي في قراءة ظاهرة التشيع.

ولعل أهم ما نخلص إليه على ضوء نشاط الساسة الإيرانيين: أنه لا يتوقع من النظام الإيراني تغيير خياراته التي تأسس عليها، ونشر التشيع جزء ثابت منها، وحتى إن حصل ذلك منه، فإن الحوزات الشيعية في قم والنجف وغيرها لن تتوقف عن نشر التشيع، كما لا يتوقع أن يتوقف المتشيعون عن نشاطهم التبشيري.  

وربما تكون حركة التشيع في دول مثل تونس ومصر - والتي لا شك أن الظاهرة متقدمة فيها سواء في حجم النشاط أو أشكاله والقدرة على صناعة الرموز - مثال لما يمكن أن يؤول إليه الوضع في دول أخرى.



([1])  الكشافة الإسلامية تحذّر من المدّ الشيعي، الشروق الجزائرية، 2013/02/08، على الرابط: http://www.echoroukonline.com/ara/articles/156319.html

([2])  بوزيدي يحيى، فيروس الممانعة الإيراني، مجلة الراصد، العدد 110، على الرابط: http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5726

([3])  50  طالبا جزائريا يتشيعون ويعتكفون في قم الإيرانية، جريدة الشروق، 10/05/2010، على الرابط: http://www.echoroukonline.com/ara/?news=51845

([4]) عبر الطرق الصوفية خلايا شيعية تغزو صعيد مصر، 05/02/2013. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق