الحراك السُني ... ثمرة العقد الأول من محنة العراق
الأربعاء 13 مارس 2013

 

 بقلم: صباح العجاج – كاتب عراقي

 

مقدمات واقعية وشرعية:

يعيشُ العراق عامة، وأهل السنة خاصة، أياماً عصيبة وحرجة، تتحدد بها ملامح مستقبل هذا البلد الذي أبتلي منذ سنة 2003 باحتلال أمريكي أفضى بالبلاد إلى تسلّط إيراني، وقبل الشروع في الكلام لابد من بيان قاعدة شرعية مهمة وهي: (أنّ تسلط الأعداء على بلاد الإسلام لا يكون إلا إذا كان أهل الدين في دينهم فساد، وأهل الدنيا من الحكام عندهم ظلم وفجور) حتى صدق القول فينا (إنّ الطغاة  كانوا دائماً جسر الغزاة). وقديما قال ابن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك               وأحبار سوء ورهبانها

 لم يكن احتلال العراق هو البداية بل هو النتيجة الحتمية لمجموعة من المقدمات؛ من أهمها حرب الخليج الثانية (دخول العراق الكويت سنة 1990م)، التي أوقعت العالم الإسلامي في اضطراب واختلال، وتعرّض العراق لفوضى وحصار أوهنه ومهَّد الشعوب العربية للقبول بوضع جديد للمنطقة، في حين كان الغرب وتحت شعار إنقاذ الشعوب والأقليات ومحاربة الإرهاب من جانب، وكانت إسرائيل وتربصها بالعراق وتحينها الفرص للانقضاض عليه حتى تتخلص من كابوس السبي البابلي من جانب آخر، متعاونة مع الشيعة (مؤسسات وأحزاب) وإيران([1]) من جهة ثالثة، لينتهي الأمر بسقوط العراق،على يد أجنحة المكر الثلاث، وتجتمع الأمم على القصعة الإسلامية كما اجتمعت على فلسطين بالأمس، وجاء اليوم دور العراق وأفغانستان في العالم الإسلامي، ولكنه اليوم يتزامن مع صعود وسطوع نجم إيران والشيعة من جديد([2]). وشاركهم وسهل لهم الفعل غفلة العرب والمسلمين حيناً والتآمر أحيانا على العراق من قبل بعض الحكام.

وأمة العرب والإسلام في غفلة عمّا يحاك لها، ولسان حالها اليوم يردد المثل العربي (أكلت يوم أكل الثور الأسود).

  عشر سنوات مرّت بالعراق وبها انقضى الاحتلال وغادر البلاد، مسلّماً مقاليد البلاد ورقاب العباد إلى يد لا ترحم؛ قوى شيعية دينية مهدت لإيران كي تتسلط وتدخل في أغلب مفاصله، ومن ثم يتولى فيها حاكم شيعي مُستبد حتى على أبناء جلدته، يملك زمام الأمور لوحده ولحزبه (حزب الدعوة)، وكانت أهم نتائج هذه المرحلة هي ظهور معالم خطة ممنهجة لإقصاء السُنة من كل ميادين الحياة، وخلق احتمالات ثلاثة لهم:

·        إما الخروج من البلاد ؛ بتهجير من منطقة إلى منطقة، أو مغادرة العراق بالكلية.

·        أو القتل والذبح والسجن التعذيب والاغتصاب. ليشبعوا غرائز نفوسهم المريضة المتعطشة للثأر والانتقام، وليشردوا بهؤلاء من خلفهم.

·        أو التحول عن الدين بترك السنة إلى ربقة التشيع، أو بقائهم في العراق عبيداً أذلاء وخدما للشيعة.

وفعلهم هذا من جنس فعل الكفار برسول الله : (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين)[ الأنفال:30].

وكان الهدف الأول والأغلى للشيعة هو مدينة بغداد وما حولها من البلاد، ثم تلتها خطط التشيع والتقسيم  في محافظات سنية: نينوى وديالى وصلاح الدين والأنبار وكركوك.

وكل ذلك حصل، وعقلاء البلاد من السُنة وغيرهم حيارى في إيجاد مخرج مما هم فيه، مخرج للعراق مما دهاه من البلايا والرزايا؛ فمرّة يفكّرون بالمحتل كيف يخرجوه؛ لأنه أُس المصائب في العراق وأساسها، وصدقوا لكنهم تناسوا أن في العراق قوى متكالبة مشتركة ومختلفة، وتم ذلك لأهل السنة فدفعوا المحتل الغاشم وأخرجوه من العراق. لكن الثمار كانت لغيرهم، بل لعدو العراق التقليدي إيران وذراعه الأحزاب الشيعية، ولا أريد الزعم بأن العراقيين ترحموا على المحتل عندما شاهدوا ممارسات وأفعال إيران ومن شايعها من الشيعة، لكن هذه الحقيقة أصبحت من مسلّمات أهل العراق.  

ثم توالى البحث عن حلول من قبل أهل السُنة للخروج من المأزق الجديد المتمثل بسيطرة القوى الشيعية وإيران؛ فكان أحد الحلول تشكيل القائمة العراقية (الوطنية) سنة 2010م لتحظى بأعلى الأصوات في الانتخابات (91 صوتا)، لكن الأمور بقيت كما هي، ولم تتسلم هذه القائمة الحكم بفضل التعاون الأمريكي الإيراني.

يئس أهل السُنة والشرفاء من أهل العراق بالخروج مما حل بالبلاد، حاكم شيعي (نوري المالكي) يمسك بزمام كل القرارات في البلاد بيد من حديد، وعمليات تغيير ديمغرافي وفكري وثقافي، وإفقار لأهل السنة، وأصبح السنة كالأيتام على موائد اللئام، عرضة للاضطهاد والقتل والتشريد والسجن للرجال والنساء، فإذا كان لفرعون ذرة حياء فيقتل الرجال ويستحيي النساء، فإن هؤلاء الشيعة سقطت منهم كل ذلك، فسجنوا النساء واغتصبوهنَّ وحملنَ في السجون لا شهوة بل إمعانا في إذلال أهل السُنة. وظهرت عند أهل السنة – كما هو متوقع- ظاهرة جديدة؛ وهي التملق والنفاق والتقية للشيعة، وهذا أول الذوبان ونسيان الدين والهوية. وبمثل هذا السلوك تحولت إيران من سنية إلى شيعية قبل خمسة قرون، أي بعد احتلال الصفويين لها). ودب اليأس في نفوس أهل السنة؛ ولا أثر للضوء  في آخر النفق.

لا أريد أن أصف الحال بما لا يراه بعض أهل السنة؛ لأن بعضهم رأى أموالا كثيرة، وفساداً مالياً غير مسبوق، كما وجدوا شيئا من السعة في الرزق والمناصب بعد طول حصار وفقر (1990-2003)، وليست العبرة الشرعية بأمثال هؤلاء- وما أكثرهم- فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، لكن النظرة الشرعية لمستقبل العراق المسلم السني، ودار الخلافة العباسية لخمسة قرون غير ما يرجو السفهاء من بعض أبنائه؛ إن فساد دين (السنة) أهل العراق؛ إما بتركهم الالتزام الديني أو التحول إلى التشيع هو في عرف الشرع أكبر من فساد المحتل؛ لأن الله تعالى يقرر أن (الفتنة أشد من القتل) [التوبة: 191] وصرف الناس عن دينهم أعظم الفتن؛ وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 28/232): ( .. ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء (أعداء الإسلام من الغرب) إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك (أهل التشيع وإيران) فهم يفسدون القلوب ابتداء).

إن العدو الأمريكي جاء يريد دنيا أهل العراق ونفطه وأموالهم وثرواتهم، بينما يريد التشيّع وإيران دين أهل السُنة بأن يدمّروه ويغيروه، ولا قيمة للعراق بغير أهل السُنة، كما لا قيمة لإيران في العالم الإسلامي بعد أن أصبحت شيعية؛ بل إن العراق غدا وهو بيد الشيعة معول هدم لبقية الدول الإسلامية، ومصدر مال لإيران تغطي به حصارها وتستعمله القوى الشيعية لمحاربة بقية الدول العربية السنية. وفقدت الأمة بوابتها الشرقية.

لا بد للناس من مُتنفسات:

كلمة قالها الحسن البصري عندما يئس أهل العراق من التخلص من ظلم الحجاج وبطشه([3])، فالله سبحانه قضى أنه يُنفِّسَ عن عباده وقتاً مَّا ويكشفُ البلاءَ عنهم حِيناً، وإن كانوا غير مستحقين لذلك؛ لأن رحمته سبقت غضبه، وجاء الضوء من آخر النفق، وظهر الربيع العربي كبارقة أمل جديدة لأهل السُنة، طريق جديد يسقط الطغاة من حكّام بلدان أهل السُنة فسقط الطغاة واحدا تلو الآخر: بن علي في تونس، ثم حسني مبارك بمصر، ثم الجبار المعتوه القذافي، وثعلب اليمن الفاسد علي عبد الله صالح، وكان المراقبون يرتقبون كرة الثلج للربيع أن تمتد فتكبر لكنهم لم يراهنوا أن يكون ربيعا بالعراق؛ لأن الشعوب المتجانسة تثور على أهل الظلم، لكن في العراق سنة (أكرادا وعربا) وشيعة عربا وقليلا من أكراد وتركمان، والشيعة يرضون بالمذهب وإن تعرضوا للظلم، هكذا يقول واقع حالهم، والأكراد لا زالوا في سكرة ونشوة القومية الكردية (كما انتشى العرب بتلك السكرة بعد ذهاب الخلافة العثمانية ردحاً من الزمن).

وتغيّرت المعادلة بظهور ربيع عربي في سوريا، فكانت هذه أول بركة أهل الشام على الإسلام بعامة وعلى أهل العراق بخاصة، ففي وضع أهل الشام شبه بظرف العراق، فحاكِمهم نصيري غاشم استأثر بأرض الشام أكثر من 40 سنة هو وأبوه، وطائفته الشيعية النصيرية، والتي كونت مع إيران وشيعة لبنان لوبيا في المنطقة في غفلة من العرب (وما أكثر غفلات العرب)، حتى غدت أرض الشام سليبة لإيران بل بلدا يهدد الأمن القومي العربي والإسلامي، فطائفة النصيرية (العلوية) سرقت البلاد، سرقت بلاد المسلمين السُنة، فكانت هذه الثورة المباركة هي المحرك الأول لسُنة العراق فقام حراكهم منذ أكثر من 80 يوماً، وذلك في محافظاتهم الست. 

التحركات السنية بعد ظهور الثورة السورية وقبيل الحراك:

تحرك أهل الدين والغيارى من أهل العراق فرادى ومجتمعين بعد فشل القائمة العراقية من تحقيق شيء لأهل السنة، وفشلها تتحمله هي؛ بسبب انقسامها وتشتتها وظهور شخصيات وكيانات قامت على أساس تحصيل المناصب والمكاسب المالية، وبسببٍ آخر خارج عن إرادتها وهو تزاوج  المصالح الأمريكية مع الإيرانية لتلد لنا حكومة المالكي وبتعاون الكرد (السنة) مع الشيعة. 

كان هذا الوضع البائس نذيرا لأهل السنة؛ لأن حكومة المالكي الشيعية شرعت تؤسس وتثبت أوتادها بقوة اقتصادية هائلة فميزانية العراق لسنة 2010 بلغت أكثر من 80 مليار دولار، وفي سنة 2011 كانت 100 مليار، وفي سنة 2013 بلغت 118 مليار دولار، بينما افتقد العراق لكل مقومات الحياة الحضارية، وذهبت أمواله ما بين الفساد المالي، وبين دعم نظام بشار الأسد، وقبل ذلك دعما لإيران وفكاً لأزمتها الاقتصادية، والعراق الشيعي يؤسس اليوم لجيش من الميليشيات الشيعية، ويؤسس فكريا فالبعثات الدراسية هي للشيعة، وتُنشأ المدارس الشيعية والجامعات والمنتديات الثقافية، حتى غدت للأحزاب الشيعية مراكز في مدن أهل السنة كالأنبار، وشرع السنة يمارسون التقية لاسيما في العاصمة بغداد وبعض المدن المختلطة، وبعضهم نافق حتى يكون مكوناً سنياً داعما للمالكي، إما تزلفا للشيعة على لعاعة من الدنيا، أو هم شخصيات قلقة في الأصل ليس لها صلة لا في دينها ولا عروبتها.

في هذه الأجواء لا بد للقلوب والضمائر الحية والسليمة سواء من أهل الدين أو سواهم أن يُعملوا التفكير في إنقاذ البلاد والعباد والدين والقيم والمبادئ؛ فكانت هناك اجتماعات للمقاومة العراقية السنية بمختلف فصائلها للخروج من هذا المأزق وطرحت عدة مشاريع منها كان المواجة العسكرية للحكومة العراقية الشيعية، ولكن كان هناك من يقدم رجلا ويؤخر أخرى، فلا غطاء شعبيا ولا دوليا يعطي شرعية لمثل هذه الأعمال ولا يمكن أن يفهم أحد من العالم كي يشرّع قتل فرد عراقي آخر مثله، لأسباب من الصعب أن تبرر، فالحاكمون للعراق هم عراقيون من جلدتنا، وإن أفسدوا في البلاد.  

وتحرك فصيل آخر من السُنة لتجميع السنة فقط دون الآخرين، وحصل خلاف هل يدخل الأكراد أم بالسنة العرب لتكوين مرجعية سنية، واختلفوا هل المرجعية السنية دينية أم سياسية، وترجح أن المرجعية سياسية، ولكن لابد من مرجعية دينية كذلك.

رفض بعض أهل العراق فكرة التجمع السني إذ الشعب العراقي - لاسيما السنة- لا زال قسم كبير منه يعيش بتربية قومية وطنية عاشها لأكثر من قرن من الزمان، ترسخت في كياناتهم وجذورهم وطال عليها الأمد، وهم يفسرون التغول الشيعي على أنه تغول قومي إيراني (وهم صادقون  في جانب).

بينما ظهرت أصوات مسموعة لطلب فيدرالية المناطق والمحافظات السنية أسوة بإقليم كردستان، ورفضها آخرون وخونوا من يقول بها.

وبين هذا وذاك كان قليل من السنة من التيار الديني المتطرف قد سُحب عالميا للعمل لصالح إيران وهو تيار القاعدة، الذي يفجر ويقتل وفق رؤية إيرانية تصب لصالح تنظيم القاعدة العالمي.

ودخل أكثر أهل السنة في العملية السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورفض القليل منهم هذا الدخول مثل هيئة علماء المسلمين، ورفض حزب البعث الدخول ظاهرا وشارك واقعا.

أما السياسيون السنة فأكثر تصرفاتهم غير متزنة وتصب لمصالح ذاتية، وقلة قليلة هم الشرفاء، ومع كل ذلك فقد كان مخطط المالكي وإيران بتصفيتهم واحداً واحداً ؛ بدءاً من طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الذي اتهم بالإرهاب وحُكم عليه بالإعدام وفرَّ خارج البلاد، ثم توالت التهم على أكثر من شخصية، لكن حدثا ما وبقدر الله وقع، كانت الدومينو الشيعية تسير بالتدريج نحو الشخصيات السنية، وكان الدور على وزير المالية السني الدكتور رافع العيساوي، ولكن أمورا حدثت وانطلق الحراك السني قبل أكثر من شهرين من تاريخ كتابة هذه السطور.          

  الحراك السُني: 

كما كانت أحداث أطفال درعا هي المحرك الأساسي للثورة السورية المباركة والتي خلخلت أوجه المنطقة، وكانت أكبر موقف يظهر يقف بوجه التمدد الشيعي وكسراً لهلاله، ولكن شأن الله أعظم وأمره غالب، وليقضي الله أمراً كان مفعولا، واليوم أحداث الحراك السني من هذا الجنس بدأت بأحداث بسيطة تتكرر على أهل السنة ولكن شاء الله أن تحركهم أحداث معينة وتكبر، ولا أريد أن أتكلم على الحراك ولكن عن موقف أهل السنة بكل أطيافهم والواجب الشرعي المفروض عليهم في هذه المرحلة.

كان أهل السنة في العراق منقسمين منذ أن ظهر الاحتلال على عدة أمور، ومن أسباب الانقسام عدم وجود أهل حل وعقد ووجهاء يرجع لهم؛ لأن عصر الدكتاتورية السابق دكتاتورية حزب البعث وصدام، أقصت كثيرا من الفضلاء عن الظهور خوفا من قصم الظهور وإبادتهم، لذلك كانوا في شتات وضياع بعد الاحتلال.

 كثر التناحر والاختلاف عند كل الفصائل الدينية والدنيوية، وولّد هذا الحال تفرق الكلمة وذهاب الريح، كما قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 46] وحصل ما قرره المولى سبحانه فذهبت الريح وحصل الفشل لأهل السنة، واليوم حصل في الحراك نوع من الانسجام والتآلف بين أهل السنة، اجتماع نتيجة توحد المعاناة والمصائب وفي ذلك يقول الشاعر:

إِنّ المصائبَ يجمعْنَ المُصابينا.

 فحصل توحّد حول مصيبة وكان هذا من جنس قوله تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[الأنفال: 63] وقوله: (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا) [آل عمران: 4].

رؤية شرعية للحراك:

الحراك السني قدر من الله توافق عليه كل أهل السنة باختلاف مشاربهم إلا من شذَ منهم، وهذا تجمّع قدري ما كان له أن يكون لولا أقدار الله ولطفه ورحمته بعباده، وعسى أن يكون هذا من جنس قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [ يوسف: 110] ومن أسباب النصر ونجاح الحراك التوحد في الأهداف وتناسي المشاكل والاختلافات السابقة، وأن التوحد على رأي مرجوح خير من الاختلاف على رأي راجح، وهذه هي الشورى، فقد كان النبي يرى يوم أحد أن يقاتل المشركين وهم متحصنون في المدينة بينما رأى الشباب الخروج، ورغم مرجوحية الرأي لكن الرسول r قالها بوضوح: « لاَ يَنْبَغِي لِنَبِي يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ »([4]). 

-        ومطلوب من القنوات الفضائية المدافعة عن شؤون السنة في العراق وغيره مثل صفا ووصال وغيرهما من القنوات الفاضلة أن تفهم المطالب الحقيقية للسنة في العراق، وتعتمد عن أخبار من داخل العراق ومن في الحراك وتفهم الواقع العراقي عن كثب؛ ولا تحصر علاقاتها على شخصيات ليس لها كبير صلة بالواقع العراقي، ولا معرفة بالحل الشرعي للواقع العراقي.

-        في الحراك كان هناك توضيح لمظلومية أهل السنة وإقصاء مكون كبير في العراق، ولكن ليس فيه توجيه التهم لكل الشيعة ولا مراجعهم بل للحكومة الشيعية وإيران وهذه حكمة تجمع أهل السنة وتوصيف الأمر بحقيقته، ومآل الأمر واحد وصدق الشاعر حين يقول :

تقـول: هذا مجاج النحل، تمدحه                وإن ذممت فقـل: قيء الزنابير

مدحا وذما، وما جاوزت وصفهما       حسن البيان يري الظلماء كالنور

 

-        الطروحات المطالب بها في الحراك واقعية تعبر عن مظالم مشتركة إنسانية لجميع العراقيين؛ منها الاجتثاث، وفك الأسرى من النساء والرجال، وعدم تهميش جزء من الشعب العراقي وهي مطالب عالميا مقبولة تُحرج الحكومة وإيران وأمريكا، وهكذا هي المطالب الصحيحة ينبغي أن تركز على شؤون إنسانية كي تلقى قبولا دوليا؛ لأن مطالب السنة كسنة لا تلقى بالا من الغرب، فالغرب يسمُ أهل السنة بأنهم يقصون الأقليات غير السنية، وأنهم نازية في مواقفهم من الشيعة والأقليات؛ لذلك كان لا بد من طرح مقبول لدى عقول نخبهم يتوافق مع تحرك الربيع العربي في بقية البلدان؛ من ثورة على الظلم والإقصاء والدكتاتورية وتدويل الحراك السني أو قل الربيع العراقي دولياً كي يكون كالثورة السورية وينتقل من طور الحراك إلى الانتفاضة ثم الثورة، لكن بتدرج مقبول ومعقول.

-        ظهور أصوات كانت نائمة لسنين، أو أصوات كانت غير مسموعة وأصبحت تتسيد الساحة العراقية مثل الشيخ الدكتور عبد الملك السعدي أو مفتي العراق الدكتور رافع الرافعي، وبروز هيئة علماء المسلمين بعد ضمور، ورغم كل ذلك فإن الواجب على عاتقنا أن لا يجعلنا نكرر كلمات الملامة وإعادة مواقف لهؤلاء ضد الإسلاميين في عصر صدام حسين. فظهور أي صوت يوحّد ويجمع أهل السنة أمر مطلوب في هذا الوقت وهو واجب الوقت. كما قيل: 

لا يصلح الناس فوْضَى لا سرَاة لهم.

-        كما أن بروز بعض الأصوات لحزب البعث قد يكون مزعجاً للكثير من الإسلاميين وغيرهم لأسباب شتى، لكن ليس هذا وقت النظر والالتفات إلى الماضي ونبشه وخلق صراعات جديدة، فالعراق مريض في قسم طوارئ بحاجة لإسعاف، وليس المهم معرفة هوية الطبيب ولا أهدافه، فإسعاف المريض وتعافيه هو الأصل الشرعي وفي مثل هذا جاء الحديث المتفق عليه: ( إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) وأهل السنة هم من أصّل فكرة أن الحاجة في أيام الضعف للقوي الفاجر مع وجود التقي الضعيف أرجح بل قل أوجب، وأهل العراق بحاجة للقوي وإن كان فاجراً.

-        يحاول بعض أهل السنة سحب بعض الشيعة للحراك وهو أمر جيد إنْ حصل، فمطلوب سحب التيار الوطني الشيعي (على قلّته) ضد إيران ودكتاتورية المالكي، لأن إبراز هؤلاء كممثلين للشيعة في المستقبل هو خير من بقاء التيار الديني الشيعي، وكذا الخط العروبي الشيعي الذي ضاع صوته وخفت، بحاجة لإبراز مرة أخرى .

وأرجو أن لا تهمل هذه التوجهات، وإن هناك أصواتا نشازا بين أهل السنة لا تعرف مصالح البلاد والعباد، تريد مرادات خيالية غير واقعية؛ تريد وتحلم بإقصاء الشيعة من البلاد ومن بغداد، والشيعة اليوم قرابة نصف سكان العراق أو أقل بقليل، ونصف سكان بغداد إن لم يزيدوا (نتيجة هجرة أهل السنة)، ولا يسمح لهذه الأصوات - التي لا تعي مصالح أهل السنة أن تبرز- لأنها تعكر صفو المشروع المنقذ للعراق وخذوا على يد سفهائكم يا أهل السنة كما قال المولى عزوجل (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [ النساء: 13] والأوطان أثمن من الأموال.

-        بروز التيار العلمائي الصوفي على رأس أهل الدين اليوم أمر واضح ولا بد من قبوله؛ بالرغم من تأخر كلامه لأكثر من عشر سنين من الاحتلال، وقد ظهرت التيارات السلفية للمقاومة وقدمت الكثير، وتقدم الإخوان للسياسة وفعلوا الكثير، وكلاهما فعل واجتهد ووقع في أخطاء بل قل خطايا، إلا أن الشعب العراقي لا ينسى أن كبار أهل الدين فيه هو لهذا التيار، رغم قلة جماهيره ورغم تزلفه للحكومات السابقة ووقوفه ضد أهل الدين من إخوان وسلفية، لكن في جمع هؤلاء ضد التيار الشيعي الديني وإيران مكسب عام لأهل السنة أكثر من  خسارة حركات الإصلاح في العراق، إن كان هناك خسارة أصلا.

-        يريد بعض أهل العراق السنة كهيئة علماء المسلمين وبعض البعثيين وغيرهم أن يعيدوا العراق للمعادلة الصفرية ويلغوا كل شيء، من ذلك إلغاء الدستور ورحيل حكومات الاحتلال، وهذا مطلوب جميل في الحقيقة لكنه خيالي ولا وجود له في الواقع، ولكنه يصلح كشرط للمفاوضة بتصعيد سقف المطالب، كي ينال أهل السنة أكبر قسط من مطالبهم. وإن إسقاط المالكي مطلب مهم لأهل السنة ويمكن إقناع بعض الشيعة به، وهو وإن كان مطلبا جزئيا، إلا أن التخلص من هيمنة شخص شيعي آيدلوجي يمسك بزمام الجيش والأمن العراقي والقضاء مكسب مهم، ولكن ليس هو المكسب الأخير.

-        السياسيون من القائمة العراقية، لهم مثالب كثيرة وعليهم الكثير، وعلينا أن لا نسمح لهم في جر الحراك لمآربهم، ولكن في ذات الوقت لا يهمل دورهم؛ ولا يطرحون بالكلية كما يرمي بعض أهل الحراك، بل يستفاد منهم مع مراقبة شديدة وشأنهم شأن الحزب الإسلامي وحزب البعث وأتباع الهيئة، وبعض المقاومة، فكل هؤلاء له رغبة التغلب، وهي شأن الجميع وإن أظهروا خلافها ونزعة التنافس على الصدارة ليس هذا أوانها. وعلى الجميع أن يتنازل بالقدر الذي يساعد على الكمال في المجموع لأن الكمال في الآحاد متعذر. والسياسة الشرعية تنظر للمصالح الكلية وتنظر في الضرورات أكثر من الحاجيات والتحسينات، والعراق في حالة الضرورة.

-        على المقاومة أن تعي أن دورها لم ينتهِ، وأن دورها ليس في التحول للسياسة لأنه لا نجاح للمقاومة بذلك، والاستفادة من أفكار ضباط الجيش السابق أمر مطلوب بعد فترة من الزهد بهم؛ لأن شباب المقاومة الإسلامية مندفع ذاتيا، وقد أهمل قدرات وطاقات الجيش السابق وهم طاقات وظيفية قوية، وأن تشكيل جيش المختار الشيعي (على يد واثق البطاط) ودخول قوات الباسيج الإيرانية بوفرة للعراق، تعطي نذرا أن حربا قادمة تظهر في الأفق، ولا بد من قوة سنية ضاربة تمنع إيران والحكومة العراقية من استعمال القوة، وترد عليها بحزم وتجعلها تحسب ألف حساب وحساب، بعد سقوط بشار الأسد بإذن الله. 

 

اللهم أبرم لأهل العراق أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيها أهل المعصية والبدعة والكفر.

 

 



[1] - التحالفات الغربية والشيعية مع أعداء الأمة تاريخيا قديمة.

[2] - ظهر نجم  الشيعة في التاريخ مرتين وهذه الثالثة:

 أما الأولى: فبعد ذهاب القرون الثلاثة المفضلة، فسقطت الدولة العباسية وبلاد إيران(السنية) بيد البويهيين (وهم شيعة زيدية جارودية) ، والمغرب العربي بيد الفاطميين (العبيديين)، وشمال الشام  بيد الدولة الحمدانية الشيعية، وظهر القرامطة في الجزيرة العربية.

وأما الثانية: فكانت بظهور الدولة الصفوية وتوسعها وتحول إيران إلى دولة شيعية في مطلع القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

والثالثة: في أيامنا هذه.

[3] - مؤسف أن ترى بعض أهل السنة - وكردة فعل من التشيع- يدافعون عن الحجاج، صحيح أن هناك أمورا عديدة افتريت عليه، لكن أهل السنة أهل علم وعدل، يعتقدون أن الحجاج مبير مسرف في الدماء كما وصفه الرسول r ( يخرج من ثقيف كذاب ومبير) فكان المختار الثقفي هو الكذاب، والحجاج هو المبير كما ذكرت ذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق.

[4] - رواه أحمد (3/351) بسند صحيح وبوّب له البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق