تشويه الإسلاميين .. المرأة نموذجا
الأربعاء 13 مارس 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

لعلها القضية الأكثر إثارة وجدلا وتشكيكا كلما أرادوا الانتقاص من الإسلام أو المسلمين.. تلك هي قضية المرأة سواء في الفكر الإسلامي أو على مستوى واقع الإسلاميين.

يحدث هذا التشويه على مستويات متعددة بدءا من النخبوي وحتى القاعدة الشعبية العريضة فبين العامة تنطلق الشائعات كالنار في الهشيم أن احذروا هؤلاء الإسلاميين الظلاميين الذين سيحيلون حياتكم جحيما ويتوجهون بخطابهم للمرأة تحديدا: أن احذري أيتها المرأة من هؤلاء الإسلاميين فإنهم سوف يجبرونك على النقاب، وسوف يمنعونك من العمل إن كنت عاملة، وسوف يحرمونك من الدراسة إن كنت طالبة، وسوف يجبرون زوجك على الزواج، وإن طلقك فلا حقوق لك ولا نفقة ولا سكنى ولا حتى حضانة أولادك.

الإسلاميون سيزوجون الطفلة وسوف يبيحون نكاح الزوجة التي توفاها الله سبحانه وتعالى. باختصار سوف يبذلون كل الجهد من أجل إهانة المرأة وتحقيرها والحطّ من كرامتها وتجهيلها وتحويل حياتها إلى ظلام دامس تعود فيه النساء إلى عصر الجواري أو أشد قسوة.

هذا الخطاب يتكرر كثيرا جدا بآليات متعددة كالعمل الدرامي الذي يتغلغل ببساطة في قلوب القاعدة الشعبية وكبرامج التوك شو التي تستمد الطبقة المتوسطة ثقافتها منها، وبالطبع المقالات والبحوث التي توجه للفئة الأكثر ثقافة. ولو أخذنا نموذجا واحدا من سلسلة المقالات التي تنشر على هيئة حملات لتشويه الإسلاميين والتي تتخذ من قضية المرأة محورا وركيزة لها لوجدنا العجب العجاب وهذه فقرات من إحداها: (لا تنتهي فتاوى الإسلاميين التي تتعلق بالمرأة، فمن ختان النساء إلى فتوى ممارسة الجنس مع الطفلة الرضيعة إلى فتوى إرضاع الكبير التي عادت لتتصدر منجزات المؤسسة الدينية الإسلامية.

هذه الفتاوى نتاج عقدة أغلب رجال الدين تجاه المرأة ونتاج العقلية البدوية التي تنظر بهذه الدونية للمرأة وتتعامل معها على هذا الأساس الذي يعبّد الطريق للمجتمع في ترسيخ هذه الصورة عن المرأة  فهي مسلوبة الحقوق ومنتهكة في الدنيا وفي الآخرة ينتظرها عذاب الحريق.

هذه العقلية أفرزت بالتالي فتاوى فردية تستهدف إنسانية المرأة ويسكت عنها أغلب رجال الدين فالإسلام السياسي نتاج الفكر الذكوري - الذي يسبغون عليه الشرعية والقدسية- يصرّ على جعل المرأة أحد الأهداف التي يناصبونها العداء.

متى تنحل عقدة الإسلاميين تجاه المرأة؟ أم سيظل همّهم الأبدي الذي تتوقف عليه المدينة الفاضلة التي يبشرون بها على أرضٍ فيها المرأة منتهكة محتقرة تتساوى مع البهائم في الدنيا، وفي الآخرة ينتظرها عذاب الحريق)([1]).

لو قمنا بتحليل هذا المقال كنموذج لتشويه الإسلاميين سنجد الآتي:

ـ الهدف النهائي من المقال هو تحقير وتشويه الإسلاميين عبر قضية المرأة، وفي هذا المقال تحديدا فإن التحقير قد طال الفقهاء أيضا وتم نعتهم بأسوء النعوت.

ـ الفقهاء (رجال الدين) لديهم عقد نفسية هي الدافع وراء ما يصدرون من فتاوى تخص المرأة.

ـ السخرية من المؤسسة الرسمية الإسلامية.

ـ المرأة هي أحد الأهداف التي يناصبها رجال الدين الذكوريون العداء.

ـ المدينة الفاضلة التي يبشر بها الإسلاميون تتساوي فيها المرأة مع البهائم.. أما في الآخرة فينتظرها عذاب الحريق.

هذا المقال الذي قمنا بعرضه وتحليله ليس بدعا فمع اختلاف الأسلوب بين كاتب وآخر فإن الأفكار تبقى ثابتة، ومع اختلاف الأسلوب بين المقال الصحفي والعمل الفني فإن المضمون يبقى واحدا أيضا، فتجد على موقع يوتيوب مثلا فيلما يضرب فيه رجلا زوجته المنتقبة إثر مشادة بينهما في سيارة الأجرة فيضعون تنويها عن الفيلم بعيدا عن أكاذيب الإسلاميين بشأن المرأة، هذا الفيلم يوضح حقيقة موقف الإسلاميين أي الضرب والإهانة فهذا الرجل هو ممثل الإسلاميين بزعمهم وتجد مثل هذه الأفلام نسبة مشاهدة عالية.

وعي زائف

هذه الأطروحة العلمانية ذائعة الصيت يعكر صفو كذبها وافترائها هذا الكمّ الضخم من النساء الإسلاميات اللاتي لم يجدن في ظلال الإسلام والفكر الإسلامي إلا تحقيق الذات الإنسانية في أعلى صورها وأرقى أشكالها. هؤلاء الإسلاميات الحاصلات على أعلى الدرجات العلمية والمطلعات أيضا على الفكر الغربي بمدارسه المختلفة وعلى جميع الشبهات والافتراءات التي أطلقها المستشرقون أولا ثم تلقفها العلمانيون واللا دينيون وبعض الفنانين ممن لا خلاق لهم، هؤلاء الإسلاميات ممن شهدوا بكذب هذه الافتراءات سواء على مستوى الفكر أو المضمون .. هؤلاء الإسلاميات اللاتي يقفن كحجر عثرة في مشروع التشويه الإعلامي باعتبارهن إناثا أيضا ولم يرين كل هذه الثغرات كان لابد للعلمانيين من إيجاد فلسفة تبرر انضمامهن للمشروع الإسلامي.

تقول عايدة سيف النصر الناشطة في مركز دراسات المرأة الجديدة: (النساء الذين ينجذبون إلى التوجه الإسلامي وينشطن باسمه لا يقمن بذلك من زاوية التحرر وإنما كشكل من أشكال الوعي الزائف)، وتضيف: (النساء المسلمات لا يمكن أن ينسين أجسادهن ويقدمن على طبق من ذهب فكرة للقوالب النمطية الغربية بأن المرأة المسلمة تبحث عن هوية مفقودة)([2])، النساء المسلمات لا ينسين أجسادهن لأنهن يحافظن على الستر والعفاف، أما إبراز الجسد بالحلي والعري فهو نسيان الجسد وبالطبع فالسيدة سيف النصر لا تجد أي غضاضة في وصف الإسلاميات بالوعي الزائف حتى تبرر الانجذاب القوي للنساء للمشروع الإسلامي.

أما جيهان أبو زيد الناشطة والمتحدثة الأساسية في مركز بنت الأرض فتبرر إيمان النساء بالأفكار الإسلامية بقولها: (التوجهات الإسلامية جزء لا يتجزأ من الموجة العامة للنزعة الدينية المحافظة في مجتمعنا ويصعب تحديد من الذي شجع الآخر: الإسلام السياسي أم النزعة الدينية المحافظة؟ كلاهما يعود إلى تعقيد النضال من أجل قضايا المرأة، إذ ينظر كلاهما إلى المرأة نظرة أحادية الجانب .. المرأة هي واجهة أفكارهم وتنجذب بعض النساء إليهم لشعورهن بخيبة الأمل إزاء كل شيء آخر وتجذبهن قدرة بعض قادة الحركة الإسلامية على الكلام والإقناع، إنهم يمدونهن بالإحساس بالهدف)([3])، وهكذا فالنساء خائبات الأمل، هن من ينجذبن للأفكار الإسلامية وهي نظرة سطحية وفارغة المضمون وتنم عن الإفلاس قبل أن تكون نظرة خبيثة للتشويه.

اعتراف وانصاف

الحقيقة أقوى من كل الأكاذيب مهما كانت ملفقة ومنمقة، فكل ما يحتاجه الإنسان كي يصل للحقيقة هو أن يكون صادقا في التعرف عليها وليس له هوى في تجنبها أو تجاهلها، وسوف نختم هذا المقال باعتراف منصف من باحثة أمريكية كانت تقوم ببحث عن النساء في الحركات الإسلامية وكان لديها تصور مسبق عن هؤلاء النساء تم استبداله بالكامل بمجرد لقائها ببعضهن وهي لم تعاند في الحق أو تبحث عن أي حجج واهية للتفسير كما تفعل النسويات من أصحاب الفكر العلماني والشيوعي.

 تقول الدكتورة عزة كرم عن لقائها ببعض النساء الإسلاميات في مصر: (وبقدر ما كانت خبرتي مع هؤلاء النسوة مثيرة للإرباك فقد كانت ثرية، كان ثراؤها ناتجا من إنني دنوت منهن وأنا محملة بالفكرة السائدة (المرتكزة على تصوراتي السابقة) بأنهن يعانين في الأساس من حالة جدية من الوعي الزائف وينبغي أن أعترف أنني دنوت منهن ويلازمني شعور بالشفقة الفوقية المختلطة بالخوف ألسن بالتأكيد متعاطفات مع الإرهابيين؟ لقد تحدثت مع نساء عديدات ينتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين ومع عدد قليل من المنتميات لجماعة الجهاد وبعد انتهاء مقابلاتي معهن شعرت بأنني ذليلة وغاضبة لأنني سمحت لنفسي كباحثة ناشطة أن أحكم عليهن قبل دراستي لهن)([4]).

كلمات بسيطة واضحة تؤكد الحقيقة الناصعة بأن النساء وهن أدرى بما يحقق سعادتهن ومصلحتهن يرين في المشروع الإسلامي النموذج الذي يحقق ذلك ولذلك انخرطن في العمل لأجله مع اختلاف في بعض التفاصيل الصغيرة بين مجموعة إسلامية وأخرى طالما أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما المرجعية الأولى والأساسية للمشروع.

 



[1]  - انظر: آلاء الجبوري، "المرأة المسلمة وفتاوى الإسلاميين" موقع الحوار المتمدن 9/6/2010، بتصرف يسير.

[2]  - دكتورة عزة كرم، نساء في مواجهة نساء، ترجمة الدكتورة شهرت العالم، ص 160.

[3]  - المصدر السابق، ص 164.

[4]  - المصدر السابق، ص 166.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق