عبر البوابة الصوفية.. صعيد مصر بين فكّي إيران
الأربعاء 13 مارس 2013

معتز بالله محمد - كاتب مصري

خاص بالراصد

في جنوب الجنوب، بعيدا عن أعين العاصمة التي لا تنام، وحيث يعيش بسطاء القوم على قليل من الخبز والعلم أيضا، تتسلل خلسةً العمامة السوداء، بين أناس عُرفوا بطبيعة الحال بعشقهم لآل البيت، تتدحرج من قرية إلى أخرى ومن نجع إلى آخر، فتتسع رقعة التابعين، ويتحول صعيد مصر - بحسب محللين – إلى قاعدة ضخمة للتشيع في البلاد.

كان نشر التشيع في مصر بلا شك من أولويات النظام الإيراني، الذي تمكن عبر تمويل ضخم واستقدام عدد من الطلاب المصريين للدراسة في الحوزات الإيرانية في جعل هذه المنطقة التي تعج بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية بوابة لالتهام مناطق أخرى من الصعيد، لاسيما بعد الثورة المصرية والفوضى الأمنية التي تعم البلاد وغياب الرقابة عن مؤسسات الدولة الغارقة بطبيعة الحال في مشكلاتها، وقد وصل هذا الخطر إلى حد التحذير من تحويل مدينة قوص بمحافظة قنا إلى عاصمة شيعية.

 

بوابة الصوفية

وجد الفكر الشيعي في جنوب الصعيد تربة خصبة للانتشار والتمدد انطلاقا من عدة أسباب محورية أهمها انتشار الكيانات الصوفية، فمن يجيد قراءة تاريخ تسلل الشيعة للبلدان السنية يجد أنهم يستخدمون التقية- التي تمثل تسعة أعشار عقيدتهم-  للبحث عن عائل أو بيئة حاضنة يذوبون فيها ظاهرا، ويستخدمونها في التوغل داخل المجتمع سرا، وهي فترة الإعداد التي قد تستغرق عقودا طويلة، حتى ينجحوا في تكوين قاعدة عريضة من المؤيدين لفكرهم، تؤهلهم عندما تتوافر الظروف للظهور بشكل علني، وتحدي سلطة الدولة وإملاء شروطهم، أو حتى إعلان الانفصال عن الدولة.

هذا ما يحدث تماما في جنوب صعيد مصر حيث وجد الفكر الشيعي ضالته في الطرق الصوفية التي تنتشر بغزارة في هذه المنطقة، ومعروف بالطبع الصلات التاريخية والتقارب العقدي بين الصوفية والروافض بل ويجزم البعض أن حركة التصوف وليدة التشيع.

يقول الكاتب والقيادي الشيعي المصري المثير للجدل صالح الورداني في كتابه "الشيعة في مصر": " وعلى الرغم من أن صوفية مصر يرفعون شعار الخلفاء الأربعة الذي تقوم على أساسه عقيدة أهل السنة - ذلك الشعار الذي اخترع خصيصا لضرب آل البيت - رغم ذلك هناك اتجاهات صوفية لديها قدر من الوعي يؤهلها لفهم حقيقة المؤامرة التي حيكت ضد آل البيت ويخرجها من دائرة التصوف إلى دائرة التشيع..."، (ص 71).

كذلك يقول الورداني الذي تشيع عام 1985م: "هناك عدد من المدن في مصر برز التشيع فيها وارتبط بها دون غيرها من مدن مصر، ولعل السبب في ذلك يعود إلى هجرات الطالبيين أو العلويين إلى هذه المدن، أو يعود إلى وجود عدد من دعاة التشيع الذين استقروا بها، وجنوب مصر بمدنه أسوان واسنا وادفو وأرمنت وقفط كان مركزا للتشيع حتى فترة قريبة ولا تزال به بقايا تشيع حتى اليوم". ( ص 74).

وفي حوار أجراه معه موقع "صدى البلد" في 8/10/2012م يقول الورداني الذي أعلن بعد إحدى زياراته لإيران عن إنشاء جمعية آل البيت: "الشيعة فى مصر أربعة قطاعات، الأشراف الطالبيين نسبة لـ"على بن أبى طالب"، والطرق الصوفية وهي أقرب للتشيع، والإيرانيين "المتمصرين" وهم إيرانيون شيعة وفدوا إلى مصر فى هجرات القرن الـ18 وهم سكنوا القاهرة واشتغلوا بالتجارة ومن أشهرهم زوجة أحد الرؤساء السابقين([1]) وأسرة الدكتورة فرخندة حسن رئيس المجلس القومي للمرأة السابقة، والقطاع الجديد هو الشباب المتحول من التيارات الإسلامية، وهذا التيار قد دخلت "التشيع" عن طريقه".

وتعد الطريقة الرفاعية بالصعيد نسبة لأحمد الرفاعي من الطرق ذائعة الصيت في صعيد مصر، كذلك فإن الرحيمية القنائية تعتبر من أشهر الطرق الصوفية هناك‏، والتي تأسست قبل أكثر من 60 عاما‏ علي يد الشيخ عبدالرحيم القنائي الذي يروي أتباعه أن نسبه ينتهي إلى الحسين رضي الله عنه‏.

كذلك تعتبر "السناجق" فى محافظة أسوان ودشنا من الطرق المشهورة أيضا وتعود للشيخ أحمد محمود السنجق وكان من علماء الأزهر، توفي عام 1826م ليدفن بمقامه المعروف بصعايدة ادفو.

 

مقامات أم حسينيات!

وتنتشر مقامات وأضرحة الصوفية بمحافظات الصعيد بشكل غريب فهناك أكثر من 5 آلاف مقام، نجحت إيران في تحويل بعضها سرا إلى حسينيات، وهو ما كشفت عنه صحيفة         "المصريون" في 1/3/2013 حيث قالت: "وبالفعل نجحت الحوزات العلمية الشيعية فى إيران والعراق فى دعم العشرات من أئمة ومشايخ الطرق الصوفية لإقامة حسينيات شيعية داخل مراقد ومقامات الأولياء والصالحين والمنتسبين لآل البيت عليهم السلام".

وتتابع الصحيفة كاشفة عن خارطة الحسينيات في مصر: "وفي محافظة أسوان على وجه التحديد نجحت إيران فى إنشاء عشر حسينيات شيعية داخل أضرحة ومراقد بعض الأولياء المنتسبين لآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام وهذه المراقد الصوفية الشيعية ترفرف فوقها الأعلام الحسينية الشيعية الخضراء".

وكانت تحذيرات أطلقها مؤخرا زيدان القنائي مدير منظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان بقنا من خطورة المد الشيعي في جنوب الصعيد مؤكدا وجود خلايا شيعية إيرانية في محافظتي أسوان والأقصر تخترق الكيانات الصوفية المنتشرة هناك وتختفي وسطها.

وبتاريخ 15/2/2013 نقل موقع "مفكرة الإسلام" عن القنائي ضرورة تصدي التيارات الإسلامية للمد الشيعي في صعيد مصر، مبديا تخوفه من تحويل مدينة قوص إلى عاصمة شيعية، ومن استعداد قادة الفكر الشيعي في مصر لتحويل المقامات والأضرحة الصوفية إلى حسينيات.

وباعتراف أحدة قادة الشيعة فإن الصعيد هو المأوى الأكبر لشيعة مصر، ويرى محمد غنيم مؤسس التيار الشيعي المصري أن هناك عدة أسباب تقف وراء ذلك أهمها انتشار الطرق الصوفية في الصعيد، إضافة إلى بساطة السواد الأعظم من مواطني هذه المحافظات الذين يتم التأثير عليهم بسهولة، ويضيف أن هجرة عدد كبير من الإيرانيين قبل الثورة الإيرانية عام 1979 إلى محافظات صعيد مصر خاصة كالأقصر وأسوان، لعبت دورا كبيرا في نشر التشيع في هذه المناطق.

 

الأشراف

ويرى متابعون أن قبائل الأشراف لعبت دورا كبيرا في نشر الفكر الشيعي في جنوب الصعيد، عبر استغلالها لتكون عائلا آخر للطفيل الشيعي تحت شعارات "حب آل البيت"، يقول الورداني في كتابه سالف الذكر: "ينتشر الأشراف اليوم في صعيد مصر وهناك بلدة في الجنوب تتبع محافظة قنا تسمى "الأشراف" ومعظم أهلها ينتسبون إلى أهل البيت مما يشير إلى الهجرات الطالبية والشيعية لجنوب مصر".

ويواصل الورداني حديثه فيقول: "والأشراف في الأصل هم من شيعة أهل البيت الذين وفدوا إلى مصر وقد انصهروا في المجتمع المصري السني بفعل ضغوط سياسية واجتماعية إلا أنه لا زال هناك القليل منهم متمسكا بعقيدته الشيعة ... ويبدو هذا عند قبائل الجعافرة التي تسكن جنوب مصر حول محافظة أسوان والتي تدعي الانتساب للإمام جعفر الصادق. فهذه القبائل غالبيتها من المنتسبين للطرق الصوفية والقلة القليلة منها تلتزم بعقيدة الشيعة الإمامية" (ص 73).

ويؤكد علاء السعيد، أمين عام "ائتلاف المسلمين للدفاع عن الصحب والآل" في حوار أجرته معه صحيفة "الوطن" المصرية 9/7/2012م على الدور الذي تلعبه قبائل الأشراف في تسهيل مهمة نشر التشيع لافتا إلى أن الحسنيين أو الحسينيين المنحدرين من نسل الحسن والحسين رضي الله عنهما يتركزون خصوصاً فى محافظتي قنا وأسوان، ويتابع السعيد قائلاً: "وبالإضافة إلى قبائل الأشراف، سواء الحسنيون أو الحسينيون، فهناك قبائل العقيلات التى تتركز في هذه المنطقة. ومن خلال هذه التركيبة القبلية التى درسها الشيعة باقتدار فإن دعاتهم يرددون الشعارات الجاذبة لهذه القبائل، مثل الدعوة إلى إقامة دولة آل البيت، محاولين ترغيب الجماهير في فكرة الحكم والتمكين لهذه الجموع، كنوع من التعزيز الإيجابي، ومن خلال جلب الاستعطاف بسرد روايات مدسوسة ومبالغ فيها، ليس لها أسانيد صحيحة عن الاضطهاد الذى تعرض له آل البيت على يد أعدائهم، كنوع من الدعاية بالاستجداء".

 

لماذا الصعيد؟

قد يتساءل البعض حول الأسباب التي دفعت إيران إلى التركيز على صعيد مصر، وبرغم وجود أسباب مقنعة تتلخص في البعد عن دائرة الضوء، ووجود القبائل التي تنتمي إلى الأشراف والحركات الصوفية والتي يسهل التأثير على بعضها، إضافة إلى بساطة العامة وتعلقهم بآل البيت فإن هناك سببا أو بالأحرى هدفا استراتيجيا قد يكون بعيدا كل البعد عن تفكير البعض وهو السيطرة على أهم المضائق المائية في المنطقة، الأمر الذي يكشفه السعيد بالقول: "ولكن جنوب الصعيد بشكل عام يحتل مكانة استراتيجية مهمة للشيعة، لأنه بوابة السودان، ومنابع النيل سواء الاستوائية منها أو الحبشية".

ويردف أمين عام "ائتلاف المسلمين للدفاع عن الصحب والآل" بالقول: "كما أن السودان بحكم متاخمته لإريتريا وامتداده لمسافة طويلة على ساحل البحر الأحمر من السهل أن يسيطر ويتحكم بالاشتراك مع اليمن في حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وبالتالي في حركة ملاحة البحر الأحمر، وإذا تمت سيطرة الشيعة على هذا المضيق مع سيطرتهم على مضيق هرمز، وجزء كبير من الخليج العربي، فيمكنهم بذلك أن يتحكموا في حركة التجارة العالمية بصورة كبيرة ومفزعة".

 

وكلاء إيران

غير أن هذه العملية ما كانت لتتم دون وجود من ينوب عن إيران في نشر أسس المذهب الشيعي، حيث تتحدث معلومات غير مؤكدة عن تخريج دفعة جديدة تضم 50 متشيعا مصريا سافروا إلى إيران بطريقة سرية عبر سوريا والعراق، وحصلوا على دراسات عليا بالحوزات العلمية الإيرانية بمدينة قم بعد حصولهم على العلوم الشرعية الشيعية الإثني عشرية.

وبحسب صحيفة "المصريون" فقد أكد محمود حامد المتحدث باسم التيار الشيعي أن هناك عددا كبيرا من المصريين تقلدوا العمامة على يد مراجع إيرانية - وهي درجة تخول لصاحبها تدريس مبادئ المذهب الشيعي – مضيفا إنها درجة عالية جدا قد تستغرق من طالبها وقتا طويلا قد يمتد إلى 10 سنوات.

 

السياحة الإيرانية

من هنا تأتي الخطورة المضاعفة لمشروع السياحة الدينية لمصر والذي تسعى له إيران من سنوات طويلة، فبحسب تطمينات وزير السياحة المصري فإن السياح الإيرانيين لن يمكثوا في القاهرة بجوار مقامات آل البيت إلا وقتا قصيرا، وإن غالبية وقت الزيارة ستكون في مدينتي الأقصر وأسوان، فهذا في الحقيقة هو مكر خطير وخداع رهيب.

فإن تركيز إيران على نقل السياح لهذه المناطق هو تقوية ضخمة للوجود الشيعي اقتصادياً وشيعياً من خلال تدفق عشرات الآلاف من الإيرانيين للتواصل مع المتشيعين في هذه المناطق، فهل ندرك اللعبة قبل فوات الآوان؟

 

خاتمة

وفي النهاية فإن حملات التوعية من خطر الشيعة في صعيد مصر والتي قادها مؤخرا حزب النور السلفي بمحافظة قنا إضافة إلى الجماعة الإسلامية على أهميتها وضرورتها لا تكفي لدرء هذا الخطر المحدق بأكبر دولة سنية في العالم العربي، فعلى الدولة المصرية التنبه إلى خطورة الموقف، وفتح أعينها الأمنية في صعيد البلاد، لاسيما بعد الإعلان عن إنشاء ما يسمى الحرس الثوري المصري، الذي قال عنه أمينه العام محمد الحضري، بأنه يمثل حركة مقاومة، وإنهم سيحققون أهدافهم، حتى لو استلزم الأمر تحقيق ذلك بامتلاك السلاح ورفعه فى وجه من يقف فى طريق أهدافهم!



[1] - يقصد تحية كاظم، زوجة جمال عبد الناصر، والبعض ينسبها للبهائية. الراصد. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق