زيارة نجاد لمصر.. ماذا وراء الستار؟
الأربعاء 13 فبراير 2013

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

لا تخطئ عين أي مراقب ذلك القدر الهائل من الجدل السياسي والديني الذي أثارته زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى مصر حول مدلولها وأهميتها وشرعيتها فالزيارة تعد الأولى من نوعها لرئيس إيراني منذ نحو 34 عاما، أي منذ نجحت ثورة الخميني في أن تزيح الشاه من حكم إيران وتستولي على الحكم عام 1979م وهو نفس تاريخ قطع العلاقات المصرية الإيرانية حيث كان الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات الزعيم الوحيد الذي قبِل باستضافة الشاه على الأرض المصرية بعد أن لفظته أغلب بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي كان الشاه أحد رجالها.

كذلك لم تكن لتمر كل هذه السنوات من القطيعة بين الدولتين استنادا إلى حدث تاريخي هو في أساسه مجرد خلاف سياسي كانت الأيام كفيلة بإذابة حدوده لكن الواقع أن هذه العقود شهدت من الأحداث والمواقف السياسية والأيدلوجية ما هو جدير بأن يعمق من الخلاف والقطيعة بينهما فقد أكدت سياسات إيران الخمينية يوما بعد يوم انحيازها للمشروع الفارسي التوسعي في المنطقة ولو كان ذلك باستخدام عباءة الإسلام لتؤكد مبدأ تاريخيا يمكن استقراؤه بيسر في تاريخ كل الدول الشيعية في المنطقة والتي كانت رغباتها التوسعية دائما ما تأتي على حساب البلدان الإسلامية السنية ولم تكن لتتطلع أبدا إلى توسيع رقعتها عبر الفتوحات الإسلامية للبلدان غير الإسلامية.

كان ذلك الطموح الإيراني (أو الفارسي) بشكل أدق هو العنوان العريض الذي تندرج تحته كل العناوين الفرعية للقضايا والإشكاليات التي فجرتها إيران وكانت سببا مباشرا في توتر العلاقة بينها وبين البلدان العربية السنية سواء في الخليج العربي أو في غيرها من المناطق والتي أقامت أيضا حاجزا نفسيا فيما بينها وبين قطاعات شعبية كبيرة من المسلمين السنة الذين تنامى لديهم شعور تؤكده المواقف بأن إيران تمثل خطرا حقيقيا لا يجب الاستهانة به، بل يجب مواجهته والصمود ضده لأنه في النهاية يشكل جزءا من مخطط عالمي يستهدف تفتيت الأمة الإسلامية وتشتيتها خاصة وأن الدولة الإيرانية الخمينية ومنذ تم الإعلان عنها لم تُضف لبنة واحدة في بناء هذه الأمة واسترداد عافيتها، بل على العكس من ذلك كانت ولا زالت معول هدم في بنيان جسدها الضعيف عبر محاولات تشييع السنة أو احتلال أراض عربية أو إثارة القلاقل في بعض البلدان.

وفي هذا السياق أدركت قطاعات السنة أن الصراع الظاهري الدائر بين الدولة الإيرانية وغيرها من قوى الإمبريالية العالمية (أمريكا وأوروبا) ليس إلا شكل من أشكال الصراع على المصالح وأن الدولة الإيرانية لا تدافع عن مصالح الأمة الإسلامية بجملتها – كما تروج وتدعي- وإن بدا هذا في ظاهر الأمور كما هو حادث مع المسألة الفلسطينية إذ أن ذلك ليس إلا محاولة من محاولات استعطاف الشعوب العربية وضمان انحيازها لإيران في صراعها مع الغرب أما حقيقة الأمر فإن إيران لا تنشغل إلا بما يحقق أهدافها وهو ما أبرز الكثير من تناقضاتها التي لم تعد خافية على كل ذي بصر وبصيرة، ففي حين تبدو داعمة لأطراف فلسطينية محسوبة على المقاومة تقتل في الوقت ذاته وتشرد الفلسطينيين في العراق.

نجاد في القاهرة

في هذا الإطار لا يمكن تفسير زيارة نجاد لمصر إلا باعتبارها محاولة منه أن يقنع أمته الفارسية خلال سنوات ولايته الأخيرة بأنه تمكن من تحقيق إنجاز كبير على صعيد العلاقات الخارجية وذلك بإنهاء القطيعة بين بلده ومصر ومن ثم فإن هذا يعد ضربة قوية للغرب الذي يحاول أن يعزل إيران عن محيطها العربي والإسلامي خاصة وأن مجرد الحديث عن تبادل الزيارات بين رئيس إيراني ورئيس مصري كان قبل ثلاث سنوات فقط هو حديث شبه مستحيل.

ويعني هذا أن جل تركيز نجاد هو أن ينهي حالة الفتور في العلاقات بين القاهرة وطهران وأن يخطو خطوات جادة وفعلية في اتجاه تحسينها بشرط أن يحقق المعادلة الصعبة والتي تعني أن لا تقدم إيران أية تنازلات فيما يخص ملفاتها الإستراتيجية والتي يعلم جيدا أن الحوار حولها سيثير موجة من الغضب الشعبي الإيراني الشديد ضده، ليس من قبل المعارضة التقليدية له فحسب ولكن أيضا من قبل القطاعات المؤيدة والداعمة له وهو أمر لا يمكن أن يتحمله نجاد في ظل الظروف السياسية التي تعيشها إيران الآن.

وقد يفسر لنا ذلك اللغة الحميمية التي تحدث بها نجاد عن مصر ودورها وحضارتها وثقافتها ورغبة الشعب الإيراني في أن يتقارب مع مصر والمصريين ومن ذلك تأكيده على حرص إيران على توطيد أواصر التعاون مع مصر فى مختلف المجالات قائلا: "إن التقدم والقدرة والعزة لمصر هي قدرة وعزة لإيران وكل شعوب المنطقة". وقوله أيضا: "إن توسيع العلاقات مع مصر هو قرار وطني فى إيران قبل أن يكون قرار رئيس فى إيران. وإنه يكن كل الاحترام لمصر ولشعبها ويتطلع إلى علاقات أفضل معها".

وانعكس هذا أيضا في القرار الذي اتخذه وأعلنه نجاد والخاص بإلغاء التأشيرة الإيرانية للسياح والتجار المصريين فضلا عن محاولات التودد للأزهر ورجاله ودعوته للكثيرين من قيادات العمل السياسي في المعارضة سواء من الإسلاميين أو من غيرهم أو حتى من قادة الإئتلافات السياسية الإسلامية بمن فيهم من ينتمون للتيار السلفي الذي يفترض أنه على غير وئام مع الشيعة أو الدولة الإيرانية بل ويرفض من الأساس زيارة نجاد لمصر.

ولم يفت إيران أن تعلن عن تقديم خدماتها الاقتصادية التي تدرك جيدا مدى حاجة مصر إليها بعد تردي أوضاعها الاقتصادية بشكل خطير حيث أعلن وزير النفط الإيراني رستم قاسمي أنه عقد مباحثات مع المسئولين المصريين بوزارة النفط بشأن أمن الطاقة فى البلدين وأن بلاده اقترحت الاستثمار فى قطاع صناعة النفط والغاز وبناء الوحدات البتروكيماوية كما عرضت تجربتها فى إصلاح الدعم واستعدادها لوضع هذه التجربة تحت تصرف مصر فضلا عن أنها أبدت استعدادها للعمل فى حقل الإنتاج والتصدير ونقل الغاز إلى مدن مصر المختلفة.

لكن بالطبع لم تنطلِ قرارت نجاد وسلوكه على المتيقظين لسلوك الشيعة، فالحديث مثلا عن إلغاء تأشيرة دخول التجار والسائحين المصريين لإيران هو محاولة التفافية المقصود منها أن تقوم مصر باتخاذ خطوة مماثلة بما يفتح الباب على مصراعيه أمام الإيرانيين سائحين وغير سائحين لدخول البلاد ونشر الثقافة الإيرانية والمذهب الشيعي وتكوين ظهير سياسي داعم ومؤيد لإيران وسياساتها.

ولا يعد ذلك استنتاجا بل هو تحليل يستند إلى ما ذيل به نجاد نفسه قرار إلغاء التأشيرات إذ قال بالحرف الواحد: "ننتظر ردا مماثلا من الجانب المصري". وعليه فإنه إذا لم تتخذ مصر نفس الموقف الذي يهفو إليه نجاد والإدارة الإيرانية فإن أمر التراجع عن القرار السابق والذي سيدخل حيز التنفيذ بعد شهر وارد وبقوة، خاصة وأن ثمة أصواتا إيرانية أبدت امتعاضها من هذا القرار وقالت إن نجاد كان يجب أن يعود إلى البرلمان قبل اتخاذه، إذ أن ذلك تجاوز لصلاحياته بل إن بعض البرلمانيين لم يتردد في أن ينتقد القرار حتى أن أحدهم وصفه بأنه "قرار دبلوماسي غير عقلاني".

مرسي وملامح التغيير

ليس من شك في أن طريقة تعاطي الإدارة المصرية الجديدة مع العديد من القضايا وخاصة الملفات الخارجية يأتي من قبيل المغايرة مع ما كان يتبعه النظام المصري السابق بقيادة حسني مبارك الذي كان يدور في فلك ما تمليه عليه الإدارة الأمريكية على وجه الخصوص.

وتأتي مسألة العلاقات المصرية – الإيرانية كواحدة من بين هذه القضايا ولهذا فقد حرص الرئيس المصري محمد مرسي ومن قبل توليه لموقع رئاسة الجمهورية على أن يؤكد أن إعادة العلاقة مع إيران إحدى الخطوات التي يجب أن تحرص عليها مصر خلال المرحلة المقبلة وهو نفس ما أكده المرشحون آنذاك لموقع الرئاسة المصرية.

غير أن الطرح النظري يختلف كثيرا أحيانا عن الواقع فالتجربة العملية تفرض أحيانا على أصحابها ما لم يكن في مخيلاتهم، ولهذا فقد اصطدم الدكتور مرسي بواقع وظروف سياسية ترتهن لاعتبارات أخرى يجب مراعاتها، ومن ثم فإن مجرد الحديث عن عودة العلاقات المصرية – الإيرانية ليس حديثا مجردا أو في الفراغ دون النظر إلى محددات لهذه العلاقة وشروط استئنافها.

وقد اضطرت هذه الاعتبارات إلى أن لا يبالغ مرسي في اتخاذ خطوات للتقارب مع الإيرانيين ففضلا عن أن هذا يعد تجاوزا لهذه الاعتبارات هو أيضا قفز فوق الموقف العام للأغلبية الشعبية المصرية التي استشعرت في الآونة الأخيرة بالذات مدى البون الشاسع الذي يفصل بينها وبين الدولة الإيرانية التي بدا أنها تصر على إجهاض حلم التغيير في الشقيقة سوريا بدعمها اللامتناهي لنظام بشار الأسد وهو ما أكده استطلاع لمركز بيو نشرته مؤخرا صحيفة واشنطن بوست الأمريكية والذي قال إن 76% من المصريين لديهم وجهات نظر سلبية عن إيران مقابل  68% من الأمريكيين.

يضاف إلى ذلك أن حلفاء مرسي من الأحزاب الإسلامية التي تنتمي أغلبها للتيار السلفي تنظر إلى إيران بشكل مريب وتتهمها بلا مواربة بأنها تسعى إلى نشر المذهب الشيعي في المنطقة وأن التقارب معها يسهل عليها مهمتها.

وعليه فلا يمكن النظر بأهمية قصوى للاحتفاء الذي أبداه مرسي عند استقبال نجاد فذلك ربما جاء ردا على ذلك الاحتفاء الذي قوبل به - من قبل - الرئيس مرسي في طهران وقت زيارته لها خاصة وأن نجاد أحد الزعماء القلة الذين حضروا بأنفسهم للمشاركة في القمة الإسلامية إذ اكتفت أغلبية البلدان الإسلامية بإرسال من يمثل قادتها.

كذلك لا يمكن أن نتجاهل موقف مرسي الذي حظي بإشادة أغلب الأطراف السنية خلال تواجده في شهر أغسطس الماضي بطهران حيث الترضي على الخلفاء الراشدين الأربعة (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) في كلمته التي ألقاها في مؤتمر قمة عدم الانحياز في حضور المسئولين والمراجع الشيعة وهو ما مثل رسالة أراد مرسي أن يبعث بها للإدارة الإيرانية مفادها أن التقارب بين الدولتين ممكن غير أن هذا يجب أن يكون وفق شروط دينية وسياسية.

وليس مستبعدا أيضا أن تكون مسألة التقارب مع الدولة الإيرانية براجماتية سياسية ينتهجها النظام المصري، وأن الحديث عن التقارب والاتجاه نحوه ربما يكون أحد أشكال الضغط على بلدان الخليج من أجل زيادة دعم الاقتصاد المصري خاصة وأنه لم يرق حتى الآن للمستوى المطلوب أو الذي كان متوقعا.

وتتحرك الإدارة المصرية في هذا الاتجاه وهي حريصة تمام الحرص على أن لا تفقد علاقتها بدول الخليج فالمكاسب التي يمكن لمصر أن تحققها من إيران لا تقارن مطلقا بما تحققه من العلاقة مع الخليج ولكنها مع ذلك تريد أن تحقق أقصى ما يمكن من مكاسب ولهذا نجد أن وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو وبالتزامن مع زيارة نجاد للقاهرة يسعى إلى طمأنة دول الخليج بأن التقارب بين القاهرة وطهران لن يجري على حساب أمنها مؤكدا أن "علاقات مصر بأي دولة لن تكون أبداً على حساب أمن دول أخرى". ومضيفا أن "أمن دول الخليج بالتحديد هو خط أحمر لمصر ولن تسمح بالمساس به أبداً فأمن دول الخليج هو أمن مصر".

الأزهر دور حاضر

في ظل المعطيات السابقة يبدو أن الأزهر الشريف قدر الموقف السياسي الصعب الذي تعيشه مؤسسة الرئاسة ولذلك فقد حرص قدر الاستطاعة على تحقيق المعادلة الصعبة والتي من شأنها أن تخفف العبء عن كاهل الرئيس مرسي وتحقق بعضا من طموحات وتطلعات الشارع خاصة وقد تصاعدت حدة الاحتجاجات الرافضة لزيارة الرئيس نجاد للدرجة التي تعرض فيها لموقفين لهما دلالتهما الهامة أحدهما بعد أدائه لصلاة العشاء بمسجد الحسين بوسط القاهرة حيث قامت مجموعة من المحتجين منهم شاب سوري بإلقاء الأحذية باتجاهه.

والثاني قيام شاب مصري بترديد هتافات معادية له ولبلاده ولبشار الأسد بعد اللقاء الذي عقده مع مجموعة من قيادات الأحزاب السياسية المصرية في منزل القائم بأعمال السفارة الإيرانية في القاهرة فضلا عن تنظيم ناشطين سياسيين مصريين وسوريين وعراقيين لوقفات احتجاجية ضد الزيارة ما دفع الأمن المصري لإلقاء القبض على بعضهم ثم الإفراج عنهم بكفالة مالية.

وقد كان كل ذلك وغيره حاضرا في ذهن ووعي الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر عند لقائه بالرئيس الإيراني ومن ثم لم يشأ شيخ الأزهر أن تكون الزيارة مجرد مكسب سياسي يحققه الرئيس الإيراني الذي لم يترك فرصة أمام الكاميرات إلا ولوّح بأصبعيه بعلامة النصر وكأنه يقول للآخرين المختلفين مع إيران: ها أنا قد انتصرت عليكم والدليل زيارتي للقاهرة وقد تم استقبالي بحفاوة وها هي زيارتي لمؤسسة الأزهر ولقائي بشيخه وعلمائه وهكذا.

وقرر شيخ الأزهر أن لا يكون اللقاء مجرد بروتوكول دبلوماسي دون أن يطرح فضيلته بعضا من القضايا التي تنغّص على نجاد وإيران حلاوة فرحتهم بما اعتقدوه انتصارا فطالبه وفق البيان الصادر عن الأزهر بـ "عدم التدخل في شؤون دول الخليج وباحترام البحرين كدولة عربية شقيقة ورفض المد الشيعي في بلاد أهل السنة والجماعة واستصدار فتاوى من المراجع الدينية تجرم وتحرم سب السيدة عائشة وأبي بكر وعمر وعثمان والبخاري حتى يمكن لمسيرة التفاهم أن تنطلق".

كما طالب الطيب بـ "ضرورة العمل على إعطاء أهل السنة والجماعة في إيران وخاصة في إقليم الأهواز حقوقهم الكاملة كمواطنين كما تنص على ذلك الشريعة الإسلامية وكل القوانين والأعراف الدولية والعمل على وقف النزيف الدموي في سوريا الشقيقة والخروج بها إلى بر الأمان".  

وإلى حد كبير حقق موقف شيخ الأزهر الهدف منه فهو من جهة حظي بترحيب وإشادة من قبل دول الخليج حيث أبدى الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف بن راشد الزياني ترحيبه بهذه المواقف قائلا: إن "موقف فضيلة الإمام الأكبر إزاء تدخلات إيران فى شئون دول المجلس ليس جديدا ولا غريبا بل هو موقف ثابت طالما أكده وعبر عنه بكل صراحة ووضوح وهو ما يعكس حرصه على مصالح الأمة الإسلامية وعلى كل ما يجمعها ويجنبها حالات الخلاف والفرقة والانقسام ونابع من دور الأزهر الشريف فى توحيد صفوف الأمة الإسلامية وجمع كلمتها ودرء المخاطر التى تهدد أمنها ومصالح شعوبها".

وأعرب الزيانى عن أمله فى أن تلقى دعوة الطيب استجابة من القيادة الإيرانية انطلاقًا مما يربط دول المجلس وإيران من روابط العقيدة والجوار والتاريخ الحضاري المشترك والمصالح المتبادلة.

ومن ناحية أخرى فقد أثار بيان الأزهر الذي ألقاه الدكتور حسن الشافعي نيابة عن الدكتور الطيب في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس الإيراني وتغيب عنه الطيب استياء الرئيس الإيراني الذي هدد بالانسحاب من المؤتمر عندما تطرّق بيان الأزهر إلى أن الجانبين اتفقا على وقف الإساءة للصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

وبشأن النقطة السالفة فإن البعض يحلو له أن يقارن بين هذا الموقف وموقف الدكتور مرسي في طهران عندما ترضى على الخلفاء الراشدين معتبرين أن نجاد أراد أن يرد على مرسي والحقيقة أنها مقارنة ظالمة فالموقف الحادث في الأزهر وضع نجاد في موقف حرج وربما أسقط الكثير من أوراق التوت التي حاول أن يتستر بها أمام المسلمين السنة وبالتالي فقد كان انتقاصا مما كان يسعى له.

نجاح جزئي

لكن هذا لا ينفي أن زيارة نجاد وبكل أسف حققت شيئا من النجاح تمثل في مظهرين مهمين:

الأول: في التمكين لبعض من يروجون لإيران ويدافعون عن سياساتها ومن ثم تمهيد الأرضية الشعبية لتقبل الدولة الشيعية باعتبارها دولة صديقة تحرص على المصالح العليا لمصر وتعمل جاهدة على التعاون معها.

وقد كان الإخوان المسلمون وحزب الحرية والعدالة – جناحها السياسي - من حيث يدرون أو لا يدرون جزءا من تحقيق هذا الهدف سواء بالاحتفاء بنجاد أو بقيام الداخلية المصرية باعتقال بعض الإسلاميين المحتجين على زيارته أو بحرصهم على إدانة حادث إلقاء الأحذية حيث صرح الدكتور أحمد عارف المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين بأنهم يرفضون إلقاء "الجِزَم" فى وجه الرئيس الإيراني.

الثاني: كسر الحاجز النفسي بين إيران وبعض العناصر من النخبة السياسية إذ حرصت السفارة الإيرانية على أن توجه الدعوة الخاصة باحتفالية الذكرى 34 على الثورة الخمينية والتي حضرها نجاد في منزل السفير مجتبى أماني بالقاهرة إلى عناصر وشخصيات يفترض أنها محسوبة على تيارات فكرية وسياسية على غير وفاق مع إيران وسياساتها.

كما كان من بين هؤلاء المرحبين بالزيارة، بل والذين قبلوا بدعوة المشاركة في حفل ذكرى الثورة  بعض قادة جماعة الجهاد وحزبها (الحزب الإسلامي) الذين ذاق بعض زملائهم ويلات السجون والمعتقلات الإيرانية زمن استضافتهم في طهران بعد هروبهم من مصر في الثمانينات والتسعينات من القرن الميلادي الماضي نتيجة الحملات الأمنية المضادة لهم آنذاك.

ومن نماذج هؤلاء: محمد أبو سمرة، أمين الحزب الإسلامي، الذراع السياسية لتنظيم "الجهاد" الذي قال: "إن زيارة نجاد لا مشكلة فيها على الإطلاق ولهذا أتعجب من موقف بعض الأحزاب السياسية الرافضة لزيارته".

وأضاف أبو سمرة: "نريد أن يكون لنا علاقات سياسية مع إيران بوصفها أكبر دولة إسلامية وتمثل ركنا قويا ضد الصهيونية العالمية وضد الكيان الإسرائيلي".

وقال: "سنطالب الرئيس الإيراني بالكشف عن حجم المساعدات التى عرضتها إيران على مصر سواء كانت مساعدات عسكرية أو نووية أو تكنولوجية مؤكداً أن مصر فى أحوج ما يكون للمساعدات الإيرانية على صعيد الاستخدام النووي السلمي للطاقة".

ويبقى في الختام كلمة لابد من أن نوجهها للرئيس مرسي ولجماعة الإخوان المسلمين تتعلق بموقف إيران من الواقع السياسي في البلاد ومدى التزامها بعدم التدخل في الشأن المصري في ظل بعض المعطيات التي ربما تحمل إجابة ضمنية نافية حيادية إيران مما يحدث في مصر.

فقد شملت الدعوة التي وجهتها السفارة الإيرانية للقاء نجاد أعضاء ما يسمى بجهبة الإنقاذ الوطني والذين من بينهم الدكتور محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى والسيد البدوي وهي الدعوة التي كان يمكن قبولها في ظروف مغايرة لما تعيشه مصر وسط إصرار غريب من قبل هذه العناصر على إفشال الحكم الإسلامي وإسقاط الدكتور مرسي.  

كذلك فإن ثمة أمرا في غاية الخطورة تمثل في تصريحين صدر أحدهما عن وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي  في معرض ردّه على سؤال بشأن ما يمنع عودة العلاقات الكاملة بين ايران ومصر خاصة عقب تغيير النظام فى مصر؟ حيث قال: "عندما تأتي الحكومات من إرادة الشعب يستتب الصلح والسلام والترابط بين الشعوب" في حين كان التصريح الآخر ضمن مقال في صحيفة جمهوري إسلامي الإيرانية والتي قالت في معرض تعليقها على عودة العلاقات بين البلدين: "إن موقف حكومة الدكتور مرسى غير منطقي مشيرة إلى أن العلاقات بين إيران ومصر ستستأنف عندما تمتلك مصر حكومة ذات موقف حازم وواضح وشعبي وثوري لكن هذه المواقف لا ترى فى حكومة الدكتور محمد مرسي". 

والواضح أن كلا التصريحين يعتبران أن حكومة الدكتور مرسي ليست ثورية ولا تعبر عن الثورة وبالتالي إذا ما تم قراءة التصريحين في ظل دعوة قادة جبهة الإنقاذ للقاء نجاد فضلا عن المعلومات المتواترة عن دعم إيران للمرشح الرئاسي الخاسر حمدين صباحي فإن ما يمكن أن نستنتجه هو أن إيران لاعب كبير جدا في الحياة السياسية المصرية وأنها غير قابلة ببقاء الإخوان في الحكم ومن ثم ستعمل على إسقاطهم أيضا وهو ما يطرح السؤال المحير دائما.. لماذا يتعاطى الإخوان مع إيران من منطلق التقارب في الوقت الذي تتعاطى فيه إيران مع الإخوان وفق سياسات المصلحة الخاصة بها فقط؟

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق