الرادود الحسيني والخطاب العقائدي الشعبوي
الأربعاء 13 فبراير 2013

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 خاص بالراصد

بعد انتقال التشيع من موقف المعارضة السياسية في بداياته الأولى، إلى عقيدة دينية تتمحور حول قضية الإمامة عبر التراكم التاريخي أصبح التشيع يشكل جملة من العقائد المترابطة والمتراصة، ورغم ما يسودها من اختلالات نتيجة تناقضاتها إلا أن الفرد الشيعي المنشأ لا يدركها، خاصة وأنها تستند في ترويج ذلك على قصة استشهاد الحسين رضي الله عنه وما رافقها وسبقها من مواقف سياسية يسهل المناورة بها والارتكاز عليها في نقض كل ما يأتي من الطرف الآخر من تشريعات وعقائد وهو المختلف سياسياً في الأصل، إذ أن النقاش الشيعي في جوهره ينطلق من التشكيك في المعتقد السني وإثبات نفسه بنفي الآخر، وأبرز الأمثلة على ذلك أنه لا يمكن الحديث عن الإمامة وإثباتها دون الطعن في الخلفاء الراشدين، ولكن لحاجة العقائد إلى نصوص دينية فإنهم تأسيسا على ما سبق من مواقف سياسية ألحقوا المعتقدات والاجتهادات الفقهية بنصوص تشير إلى وجود مؤامرة ضد آل البيت، وقد بثوا تلك النصوص المختلقة بخصوص الأئمة الشيعة في المصادر الشيعية ورفدوها بالكثير من الأكاذيب عنهم لتكتمل الحلقة.

إلى جانب هذا تم ابتداع هذه الطقوس والشعائر، وأبرزت حتى أصبحت معبرة عن الهوية الشيعية كمراسم يوم عاشوراء، وصار أي تشكيك فيها أو محاولة لطرحها على طاولة النقاش تمثل تهديدا للوجود الشيعي برمّته، ولو تم التعامل مع النصوص المتعلقة بهذه الشعائر بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع أهل السنة لما بقي للمعتقد الشيعي أي أساس وسيكون مقدمة لنفيها كلها، ولعل هذا ما يفسر رفض النقاش حول هذه المواضيع على محدوديته رغم أنه ظل حبيس الوسط الشيعي، ولكن سياقات العولمة والنقل المباشر جعلت النقاش حول هذه القضايا ضرورة ملحّة من أجل عكس صورة إيجابية عن التشيع بعدما أصبح مقترنا بطقوس بشعة ومقززة كاللطم والزناجيل، في حين كانت هذه الصورة بعيدة عن عموم الأمة، وقدمت لها صورة للتشيع تحمل واجهة المقاومة والعقلانية التي خدعت الكثيرين.

سنحاول في هذا المقال طرق موضوع مهم جدا يتعلق بدور الرادود الحسيني وما يعتري هذا الخطاب من مضامين ربما تكون نافذة أخرى يمكن من خلالها رؤية ما يحمله الشيعة من عقائد وتصورات حول السنة يشحنون بها جمهورهم، وما يمكن أن نتوقعه من هؤلاء بناءً على ذلك.

تطور طقوس عاشوراء

يشير الدكتور إبراهيم الحيدري إلى أن الطقوس الرمزية التي قام بها (التوابون) للأخذ بثارات الحسين، بعد أن شعر أهل الكوفة بالندم المرير لمقتل حفيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي الحركة التي كونت نواة الاحتفال بذكرى عاشوراء، حيث كانوا يذهبون إلى كربلاء ويجتمعون حول قبر الحسين يوم عاشوراء لاستعادة ذكراه ومواساته وطلب المغفرة منه لتقاعسهم عن نصرته في واقعة الطف بكربلاء([1]).  

غير أن الندب والبكاء لم يصبحا طقسين ثابتين وعامين إلا في القرن الثالث للهجرة، حين ظهر اسم "النائح" الذي يرثي الحسين بشعر ملحن في بغداد. وقد تطورت النياحة إلى قراءة كتاب "مقتل الحسين" لابن نباتة ثم لابن طاووس، وأطلق على من يقرأ النياحة في عاشوراء اسم قارئ "المقتل"، الذي هو في الحقيقة وريث المداح العربي القديم و"الروزخون" وقارئ المقامات([2]).

ويعود أول احتفال رسمي بها إلى زمن معز الدولة البويهي في بغداد عام 352هـ/ 963م، حيث أغلقت الأسواق، وسارت النادبات في الشوارع وقد سوّدن وجوههن وحللن شعورهن وهن يلطمن وجوههن ويرددن مرثية حزينة عن الحسين، كما جرت طقوس الحزن والبكاء يوم عاشوراء أيام الإخشيديين في مصر، واتسع نطاقها أيام الفاطميين، وعلى إثر مجيء الصفويين إلى الحكم في إيران في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وإعلانهم المذهب الشيعي الإثني عشري، مذهبا رسميا للبلاد، أقيمت الاحتفالات بيوم عاشوراء في التكايا، ثم تطورت خلال القرن التاسع عشر الميلادي وامتدت إلى أنحاء عديدة من إيران، ومنها انتشرت إلى الهند وأذربيجان التركية، ومن ثم إلى الأناضول وغيرها من الدول الإسلامية([3]).   

وفي منتصف القرن التاسع عشر نشأت مواكب عزاء اللطم في كربلاء والكاظمية والنجف. وقد حاول الوالي التركي للعراق مدحت باشا منعها وهدد بمعاقبة كل من يقيمها، ولكنه اضطر إلى التساهل في إقامتها. ومنذ بداية القرن الماضي انتشرت طقوس عاشوراء في أغلب المدن الشيعية في العراق. بعد أن تطورت مجالس التعزية والمواكب ومسارح عاشوراء الشعبية في المدن المقدسة، واتخذت طابعا شعبيا فلكلوريا. كما أصبحت كربلاء مزارا يؤمه الكثير من المسلمين، خصوصا في شهري محرم وصفر من كل عام([4]). وعقب الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، أصبحت تتم هذه الطقوس تحت رعاية النظام الطائفي الذي بلغ به الحد إلى إصدار كتب رسمية من وزارة التعليم العالي تفرض على الطلبة والموظفين المشاركة في المواكب([5]).

الرادود الحسيني والعولمة

 لم تعد أناشيد الرواديد تقتصر على الطقوس التي تقام في عاشوراء فقط، بل تجاوزتها الى العديد من الأماكن والمناسبات، إذ تحتل أمسيات الرادود الحسيني حيزا واسعا من وقت بث الفضائيات الشيعية وفي مقدمتها قناة الأنوار، وأصبحت مواويل الرادودية مقدمة للمحاضرات أو الدروس لاستقطاب الجمهور الشيعي. كما أنه توجد قناة للإعلانات التجارية تبث أناشيد الرواديد 24 ساعة.

كما عرفت المآتم الحسينية تطورا حيث أضيفت إليها في كل مرحلة طقوس جديدة على غرار التمثيل المسرحي والتطبير الذي يؤرخ له بالمرحلة الصفوية، إذ يذكر المفكر الشيعي الإيراني علي شريعتي أن وزير الشعائر الحسينية في ظل الحكم الصفوي بإيران اقتبس المراسيم والطقوس من المحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهدائها وجاء بها إلى إيران بعد إجراء تعديلات عليها، كما أضاف الشيعة في الهند حديثا طقس المشي على النار، وهو من إيحاءات سوسيولوجيا التدين الهندوسي، وأضيفت أيضا صور للحسين شبيهة بتلك التي توضع للمسيح في الكنائس([6]).

وأصبح هذا التزايد المضطرد للقنوات الفضائية والتي تبث أناشيد الرواديد بكثرة، هدفا تجاريا بذاته من خلال إصدار ألبومات لأبرز الرواديد، وإنتاج كليبات وحتى ما يعرف في هذا المجال بالأوبرا.

محاولات الإصلاح تحت سقف الطائفة

الخلفية التاريخية لهذه الطقوس تعكس عدم وجود أساس فقهي ونصوص عنها وأنها مجرد ابتداع نشأ وتطور في سياق اجتماعي شعبوي، لذلك فإن طقوسه تسير نحو التطرف في السلوك الذي لا يعبر عن تعبد سليم، وما دام الإيذاء للنفس هو معيار حب الحسين والإيمان به كما يعتقد القوم فإن هذه الطقوس ستسير في هذا المنحى باستمرار، وهذا ما دفع بعض الأوساط الشيعية إلى العديد من المحاولات لإصلاح طقوس عاشوراء نظرا لمصادمتها لما هو عقلاني رغم أن الشيعة يعزفون على وتر العقلانية!

إذ صدرت الكثير من الدعوات في هذا الإطار تدق ناقوس الخطر من سلبيات هذه الطقوس، فناهيك عن بشاعة اللطم والزناجيل والتي طالب البعض بتحويلها إلى مناسبة للتبرع بالدم فان للخطباء الحسينيين والرواديد أيضا سهماً في هذا المجال، ويختصر نجاح محمد علي حالهم بقوله: "خطباء المنبر الحسيني، وكثير منهم مقاولون وتجار يعملون وفق (تسعيرة) محددة، ولن يرقوا المنبر إلا إذا حدد سعرهم من قبل، والكثير منهم يأخذ المنبر (قنطرات) ولا يكتفي بمنبر واحد في الليلة أو اليوم، ولهذا تلاحظه لا يغادر ملاحظة ساعة جيبه التي يعلقها تحت لباسه (الديني) لكي لا يتجاوز الوقت الذي حدده لكل منبر، ويسرع الى اللحاق بمنبر آخر ينتظره.

والرواديد: وهؤلاء يرددون أشعارا معظمها، من خيال الشعراء الذين يدفعهم حديث يؤمنون به ويتصرفون وفق "من أبكى وتباكى... وهؤلاء أيضا يعمل الكثير منهم بالتسعيرة، الا من رحم ربي، وبات الكثير منهم يساير )الموضة)، ويقرأ القصائد الشعبية وقليل منها بالفصحى، وكأنه مغنٍ يطرب الاسماع مقلدا ألحانا غناها مطربون ومطربات. والكثير من المراثي صارت كأنها أغنيات، وأضاف بعض الرواديد الموسيقى، وسجلوا المراثي تصويريا لتتحول إلى كليبات مصورة، يتمايل فيها الرادود يمنة ويسرة وهو قريب من كل شيء إلا من الحزن على سيد الشهداء الذي بكتهُ ملائكة السَّماء وهي تحفُّ بمنبره وتقرع به أنوف الطغيان"([7]).

يتصدر مشهد الانتقادات والمراجعات لطقوس عشوراء ومضمون خطاب الخطباء الحسينيين مجموعة ينتمون لطبقة المثقفين من الكتاب والصحفيين بدرجة أكبر وليس المرجعيات الدينية التي محاولاتها تعد على الأصابع، فهذه المظاهر البشعة أثارت انتباه قلة من علماء الدين والمصلحين، الذين دعوا إلى ضرورة تطهير ما دخل العزاء الحسيني من ممارسات ضارة ومؤذية ومستهجنة، وما ارتبط به من أساطير وخرافات لا تلتزم بالحقائق التاريخية التزاما دقيقا([8]). وفي الحقيقة يضيف الدكتور إبراهيم الحيدري فقد أطبق الصمت على مثل هذه الممارسات الضارة مما تركها تقوى وتنتشر، ما عدا بعض المحاولات الجريئة التي تصدت لمثل هذه الممارسات، كما أن استسلام بعض العلماء لهذا التيار الشعبي وتهاونهم في إصدار الفتاوى التي تحسم أمر هذه الطقوس، واتخاذ موقف موحد وصارم منها، أدى لتطويرها بشكل غير سليم. والحال أنه لم يصدر حتى اليوم إجماع على تحريمها ولا على جوازها من قبل المجتهدين، وربما يعود ذلك إلى عدم الوعي بها وعيا عميقا، أو التخوف من إثارة العامة ضدهم([9]).

ونظرا لارتباط الشيعة بهذه الطقوس فان البعض يرى بأن ضياع الشعائر الحسيينة هو ضياع للمذهب الشيعي([10]). وهذا ما يفسر فشل محاولات الإصلاح على ندرتها ومحدوديتها، كمحاولة هبة الله الشهرستاني الذي استمر لسبعة أعوام برعاية حفل عظيم تتلى فيه أسرار نهضة الحسين من قبل أعلام الكتاب والشعراء، والشيخ محمد رضا المضفر عام 1930 لتنقية المنبر الحسيني مما دخل إليه من شوائب، ولكن مشروعه لقي معارضة شديدة من خطباء المجالس الحسينية أنفسهم، وكذلك من بعض العلماء المتزمتين الذين وجدوا فيه تهديدا لمصالحهم الخاصة([11]).

وإضافة إلى ما تعرض له هبة الدين الشهرستاني من مقاومة وتعنت شديدين فإنه لا ينسب إلى المراجع التقليديين لأنه عرف باهتمامه بالمجال العلمي وإصداره مجلة "العلم" 1910، واختص بتدريس مواد الفلك والحساب في الحوزة الدينية كما كان مهتما بالصحافة وتبوأ منصب وزير المعارف([12])، وأهم مرجع انتقدها هو اللبناني محمد حسين فضل الله وهؤلاء حوربوا من طرف المرجعيات وليس العوام. والسؤال الذي يطرح هو: ما سبب سكوت المرجعيات بل ووقوفها ضد محاولات الإصلاح؟

يستبعد تماما أن يكون عدم الوعي سببا في ذلك كما ذهب إليه الدكتور إبراهيم الحيدري لأن ما يحدث يجري أمام أعينها وإذا كان المرجع لا يشاهد الفضائيات فيكفيه إلقاء نظرة من نافذة بيته ليرى ذلك، أم أن لوكلاء جمع الخمس رأي آخر؟

وبما أن رفض محاولات الإصلاح كان مركبا من شقين شعبي ومرجعي (المرجعيات) فان ما يفسر الموقف الشعبي هو رفض المجتمعات في عمومها كل ما هو جديد واعتباره تهديدا لقيمها المتوارثة وعندما يكون للأمر علاقة بالدين فان حجم الرفض يكون أكبر، وعموما فالمسائل العقدية لا يمكن معالجتها بآليات قانونية محضة تهدف إلى إيقافها وهذا ما تجلى في فشل السلطة العراقية السابقة في منع طقوس عاشوراء حيث ووجهت شعبيا بالرفض.

ومبدئيا فالآليات التي تحكم سلوك المرجعيات العلمية تختلف عن الآليات الشعبوية، ولكن يبدو أن الواقع الشيعي على العكس تماما، لأن مراجع الشيعة لم يكتفوا بمسايرة الغوغائية الشعبوية ولا حتى مجرد تحريم هذه الطقوس، بل ولأجل المآرب الخاصة رفدوها بنصوص وفتاوى تتحدث عن الأجر الكبير الذي يناله هؤلاء بخدمتهم للحسين والحزن عليه، والتاريخ الطويل للطقوس لا يقارن بجهود المرجعيات في محاربتها التي تكاد تكون شبه معدومة ما يشي بتواطئها الفقهي، ويمكنها على الأقل رفع الغطاء عنها وغسل الأيدي منها حتى وإذا لم يُستجب شعبيا لذلك.

المنتج الرادودي

محاولة الإصلاح التي يتحدث عنها هؤلاء رغم سقفها الطائفي كون هدفها عدم ترك المجال لفضائيات السنة لإبراز هذه المظاهر والطعن في الشيعة، بمعنى أنها من أجل تحسين الصورة عند الآخر فقط وليس لأنها ليست من الدين، ولكن رغم هذا السقف فإنها فشلت في أقل المطلوب وبقيت في هذا الإطار ولم تطرق موضوع ما تحمله أشعار الرواديد من عقائد ومواقف من الآخر وانعكاسها على وحدة الأمة ومشاريع التقريب التي يدندنون حولها كثيرا أيضا.

فالأشعار جلها تدور حول مآسي آل البيت وخاصة قصة استشهاد الحسين وبنفس "الآلية" من خلال تحميل المسؤولية للآخر السني دون استثناء، فهي مليئة بالحمولات العقدية تجاه السنة وتجييش العوام ضدهم وإشعارهم بالحزن والأسى على ما جرى وتحميلهم المسؤولية على ذلك والتي يكفر عنها بحمل "رسالة الحسين" وثورته ضد الظلم والطغيان "السني" تلميحا وتصريحا حيث يقترن الظلم بهم.

فعلى سبيل المثال نأخذ كنموذج الرادود المشهور باسم الكربلائي ورغم أن كل مواضيعه لا تختلف في المحصلة الأخيرة عن بعضها البعض فمثلا قصة كسر الضلع نجدها تتكرر في القصائد التالية: جف الـلي دفع باب الدار – إن جن ليلي - الواثبين لظلم آل محمد - أخذتي زهرة سنيني - أخاف مِن أعوفك) وكل ما ينتج في هذا المجال لا يختلف كثيرا عن بعضه البعض ومضامينه العقدية الشيعية من الغلو في آل البيت والثأر للحسين وتعجيل فرج المهدي لذلك وتكفير للسنة وغيرها. 

وقصيدة (جف الـلي دفع باب الدار) تشكل لوحدها أنموذجا شاملا عن خطاب هؤلاء ورؤيتهم للآخر فالقصيدة كلها تتحدث عن القصة المزعومة عن كسر ضلع فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ولكنها لا تتوقف هنا فأبيات القصيدة تواصل سرد الأحداث حتى الآن فيقول:

 نفس الـ ظلموا البضعة .. والينا علي ظلموه

 والسم للحسن إبنه .. أصحاب الحقد دسوه

وظامي على الفرات حسين .. نحره من القفا ذبحوه

 وقطع الروس يا الغايب .. من ذاك الزمن سنـّوه

 وعندك خبر هالأيام .. عن هدم دور الإسلام!

 تعجيل أمرك مطلوب .. يا ابن الحسن يا المحجوب ..

ثم يواصل بالقول:

حال المسلمين اليوم .. انته بعينك تنظره

الـ ينهج منهج أجدادك .. أهل التفرقة تكفره

خلق الطائفية تريد .. بهذا الحقد الـ تفجره

وإحنا بلهفة يا لمهدي .. موعد ثارك ننطره

 شيعة علي تترجاك .. تحمل الراية بيمناك !

وعليها ثارك مكتوب .. يا ابن الحسن يا المحجوب ..

هاي أهل العراق وهاي .. ما صارت مصايبها

أيتام وأرامل شوف .. حالتها يا غايبــها

تريدك تفزع عليها .. قوم ولبي مطلبها !

 إلمن تشتكي وغيرك .. من يقدر يجاوبها !

شيعتك ما بين ذياب .. حاطتها زمرة إرهاب !

وخطورة هذا الخطاب أنه مصدر التلقي الأبرز والأسرع لتلقين الجمهور الشيعي عقائده، وبالتالي فإن الحضور القوي والانتشار الواسع للرادود الحسيني يلعب دورا بارزا في الحشد الطائفي([13]) من خلال ما ينتجه من أشعار وطريقة في الإلقاء بشكل مأساوي وحزين تصور ما جرى أو ما يُتصور على ما جرى بتعبير أدق مؤامرة ضد آل البيت قام بها السنة كلهم دون استثناء، فمعلوم أن المتهم بقصة كسر الضلع وإسقاط الجنين هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإلى اليوم في خطابهم يقوم أتباعه بتكفير الشيعة وقتلهم.

وحتى ما يجري في سورية تناولته أشعار الرواديد، فقد كان لهم دور في دعم النظام السوري بالأمسيات التي يخصصونها لمأساة آل البيت في الشام والتي تعكس من جهة موقف المؤسسة التي ينتمي إليها الرادود، ومن جهة ثانية الموقف على المستوى الشعبي وكيفية ترسيخه وربطه بالماضي الأسطوري والتاريخ المزيف.

والأسئلة التي تطرح عن طبيعة الخطاب المتداول والمروّج من طرف الرادود الحسيني للتساؤل عن حقيقة العقائد الشيعية التي تمارس بتقية وإن كانت نجحت في العقود الثلاثة الماضية في استغباء بعض الحركات الإسلامية فإن العولمة بما تفرضه من وقائع وحقائق تكشف ما كان مستورا ومضمورا، فما يجري في كربلاء يشاهده السني والشيعي ولا نستطيع الآن الحديث عن خطاب داخلي لأي اتجاه.

 لذلك فماذا ننتظر على سبيل المثال لا الحصر من أجيال تربى على دمية مغروس فيها سهم وملطخة باللون الأحمر؟ ماذا ننتظر مِمّن تربى على قول الرادود الحسيني بصوت حزين: "وللحسين ثأر هل يضيع ما ذنب الطفل الرضيع"؟

الخلاصة

هناك الكثير من المغالاة في الحسين خصوصا وآل البيت عموما من طرف جمهور الشيعة وخطبائه الحسينيين ورواديده، ولكنها ليست بالأهمية الكبيرة ما دام مراجعهم وفقهاؤهم سبقوهم إلى ابتداع أحاديث في هذا وبالتالي فالأول أهون.

وعدم إصدار المرجعيات ردود فعل حاسمة وحازمة من كل الطقوس وحتى عاشوراء بحد ذاتها التي لا وجود حقيقيا لها بإجماعهم كلهم فالتأريخ لها يبدأ بعد شهادة الحسين والأولى بذلك ليس علي رضي الله عنه وإنما رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وعلى العكس فان العجيب الغريب أنهم يثيرون الشبه حول صيامه صلى الله وسلم عليه له في حين يقومون هم بطقوس لم تظهر إلا بعد ثلاثة قرون من وفاته. ولكن حتى المستحدث في المستحدث لا يجرؤون على تصحيحه ما يعكس شعبوية فكر المرجعيات بمعنى خضوعها للأهواء الشعبية وسيرها وفق ما ترتضيه، وهنا يلعب الخمس والعوائد المالية للمراجع دورا بشكل أو بآخر.

ويستمر بذلك الخطاب الشعبوي المعبأ بحمولة عقدية متطرفة لا تترك أي مجال للتعايش مع الآخر وتتجلى في التاريخ الدموي للشيعة في الأمة الإسلامية عند تمكنهم من وسائل القوة والسيطرة في أي مرحلة.

 



([1])  إبراهيم الحيدري، عاشوراء في العراق: دراسة اجتماعية لطقس العزاء الحسيني، في شيعة العراق المرجعية والأحزاب، ط3، دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، سبتمبر 2011، ص 208.

([2])  المرجع نفسه، ص 209.

([3])  المرجع نفسه، ص 210.

([4]) المرجع نفسه ، سبتمبر 2011، ص 211.

([5]) رشيد الخيّون، العراق الجامعات للعلم لا للطم!، جريدة الاتحاد، 21/11/2012، على الرابط:

  http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=69307

([6]) زياد الدريس، سوسيولوجيا الدماء الدينية: ثنائية المسيح/ الحسين، مجلة الراصد نقلا عن الحياة اللندنية، العدد 80، صفر 1431، ص 44.

([7]) نجاح محمد علي، المنبر الحسيني بالتسعيرة؟!، ميدل إيست أونلاين، 20/11/2012، على الرابط:

 http://www.middle-east-online.com/?id=143670.

([8])  إبراهيم الحيدري، مرجع سابق، ص 230.

([9])  المرجع نفسه، ص 231.

([10]) عماد رسن، لماذا تقتلون الإمام الحسين؟، ميدل إيست أونلاين، 20/11/2012، على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=143662

([11])   إبراهيم الحيدري، مرجع سابق، ص231.

([12])  لتفاصيل أكثر أنظر: رشيد الخيون، النزاع على الدستور بين علماء الشيعة المشروطة والمستبدة، ط2، دبي: دار مدارك للنشر، نوفمبر 2011، ص 294- 309.

([13]) يتم توظيف هذه الرادات حتى في الأفراح الجماعية ففي حفل زواج جماعي لمؤسسة شهيد المحراب نقلته قناة الفرات على الهواء مباشرة بتاريخ 19/10/2012، كان الترويح بالرادات الحسينية وعلى عكس الأناشيد التي تقام في الأفراح السنية والتي تدور في غالبها حول تهنئة العروسين والتمنيات لهم بالحياة السعيدة وما إلى ذلك، فان الشعر الذي كان يردد في ذاك الحفل لم يخلُ من خطاب تعبوي طائفي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق