التحدي الطائفي في سوريا
الثلاثاء 12 فبراير 2013

 [1]

د. بشير زين العابدين - كاتب سوري

 

تمهيد

 تهدف هذه الدراسة إلى تتبع مهددات التحدي الطائفي في سوريا من خلال ثلاثة أبعاد رئيسة:

البعد التاريخي الذي يتتبع جذور الاختلال المجتمعي في بنية الكيان السياسي ببلاد الشام منذ المراحل المتأخرة من الحكم العثماني، والبعد التنظيمي السياسي الذي يحلل تكون البنية المؤسسية للحكم الطائفي-العشائري في غضون نحو خمسة عقود من حكم البعث، والبعد الإستراتيجي المتمثل في السياسة الغربية الهادفة إلى حماية مصالحها في المنطقة العربية عبر ترسيخ دور الأقليات.

 وبعد استعراض أهم تحديات المسألة الطائفية الكامنة في بنية الكيان الجمهوري منذ ولادته؛ تستنتج الدراسة أن الإدارة الأمريكة قد أعادت إخراج مشروع الانتداب الفرنسي، مع اختلاف في التفاصيل لتتناسب مع متطلبات المرحلة.

 فقد توافق الفرنسيون مع الإنجليز على سياسة تفتيتية طائفية تمنح بمقتضاها فلسطين لليهود، ولبنان للنصارى، وتقسيم ما تبقى من البلاد إلى دويلات طائفية، واستخدام التناقضات المجتمعية لمواجهة المشاعر القومية ضد الاحتلال الفرنسي.

 أما المشروع الأمريكي اليوم فإنه يقوم على إضعاف مؤسسات الحكم المركزي، من خلال توظيف عصابات الشبيحة، وفرق النخبة العلوية، والمؤسسات الأمنية للمحافظة على مصالحها في المنطقة.

 وفي الوقت الذي رأى فيه الفرنسيون أن القضاء على الثورة السورية الأولى ووأد المشاعر القومية لدى غالبية الشعب السوري يكمن في تسليح الأقليات وتسليطهم على الأغلبية؛ ترى أمريكا أن الوسيلة الوحيدة لاحتواء الثورة السورية الثانية هي من خلال رفع شعار "تمكين الأقليات" (minority empowerment) وترسيخ نفوذهم وتعزيز سطوتهم المؤسسية بدلاً من الاستجابة للمطالب الشعبية بضرورة تحقيق التوازن المجتمعي.

أولاً: البعد التاريخي

 1- نظام "الملة" العثماني وأثره على الأقليات (1861-1918)

 اتبعت الدول العثمانية في تعاملها مع الأقليات الدينية نظام "الملة" الذي منح الأقليات الدينية كالأرثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت، والأرمن، واليهود، قضائهم المستقل وحريتهم في العبادة وحفظ حقوقهم المدنية، وكانت إدارتهم المحلية أشبه بالحكم الذاتي، وكانت الحالة شبيهة بالنسبة للطوائف غير السنية حيث كانوا يتمتعون بكامل حقوقهم بالرغم من عدم الاعتراف بهم في نظام الملل[2].

 وكان الفرنسيون قد نجحوا في تأسيس علاقات وثيقة مع مختلف الطوائف في بلاد الشام إبان العقود الستة الأخيرة من الحكم العثماني، وذلك في محاولة للحد من التغلغل البريطاني في بلاد الشام. فقد لجأ الفرنسيون في بداية الأمر إلى طريق توسيع نشاطهم التعليمي، حيث رُبطت جامعة القديس يوسف بجامعة ليون عام 1913، وافتتحت كلية الحقوق في بيروت التابعة لنفس الجامعة وأنيطت مهمة الإدارة والتدريس إلى اليسوعيين، كما افتتحت كلية مدرسة مهنية لتخريج خبراء في مجال الاستثمارات الفرنسي في المنطقة كالحرير والمناجم وسكك الحديد. وفي الوقت الذي بدأت الكتاتيب تفقد دورها التعليمي بين أبناء المسلمين انتشرت مدارس الإرساليات الدينية والتبشيرية التي كانت تدار من قبل الفاتيكان وتحظى بدعم فرنسي كبير.

 وبحلول عام 1938 كان 31 بالمائة من الطلاب في سورية يتمتعون بالتدريس الحكومي في مقابل 58 بالمائة يتلقون تعليمهم في مدارس الإرساليات التي كان معظم طلابها من أبناء الأقليات [3].

أما من الناحية التجارية فقد استفادت الطوائف من سياسة الامتيازات التي تبنتها الدولة العثمانية في تلك الفترة وكان لها أسوأ الأثر على السكان المسلمين، ويشير إلى هذه الأضرار فيليب خوري الذي أشار إلى أن زعماء الأقليات في سورية قد تمكنوا من استخدام مراكزهم في الإدارة المحلية وصلاتهم مع أوروبا لإقامة قاعدة متينة للثروة والنفوذ. وقد تأكدت سلطتهم الفعالة بعد أن أصبحوا الطبقة السائدة في دمشق، ولعبوا، بوصفهم من التجار، دوراً أساسياً في امتصاص اقتصاد الولاية تدريجياً إلى داخل اقتصاد أوروبا، وكانوا -باعتبارهم من المرابين والمصرفيين- يسيطرون على السيولة النقدية[4].

وفي نهاية العهد العثماني استغلت فرنسا مصالحها التجارية في سورية لدعم الأقليات، ففي عام 1911، على سبيل المثال، كان هناك 194 مصنعاً فرنسياً للحرير يعمل فيها 14 ألف من الموارنة والروم الأرثوذكس والكاثوليك وكذلك الدروز[5]. وقد انخرط العديد من أبناء الطوائف بالعمل في المشاريع الفرنسية وتحديداً في مجالات الاستيراد والتصدير وزراعة الحرير، وقام تجارهم بدور الوسيط في حركة التبادل بين السوق المحلي والأسواق الأوروبية.

 وعندما قام الحكم الفيصلي على أنقاض الحكم العثماني في سوريا عام 1918، عارض الكثير من أبناء الأقليات دعوة أقطاب الحكم الجديد من القوميين إلغاء نظام الامتيازات، ووقف الكثير من أبنائهم ضد مشروع الدولة، ولم تكن هذه السلطة الجديدة قادرة على تقديم بديل ناضج عن النظام العثماني على الرغم من مساوئه.

 2- الانتداب الفرنسي ومشروع الدويلات الطائفية (1920-1946)

 وعلى إثر انهيار الحكم الفيصلي عام 1920، اعتمدت فرنسا في سياستها الانتدابية، التي استمرت نحو ربع قرن، على القول بأن بلاد الشام لم تكن تحت حكم الدولة العثمانية إقليماً موحداً بل كانت مجموعة من الولايات، وبالتالي فإن محاولة إنشاء سلطة مركزية من شأنها أن تزيد من التعقيدات المرتبطة بإدارة الإقليم.

وكان مستشار المفوضية العليا: روبير دو كاي، أحد أبرز الداعين لفكرة التقسيم الطائفي لبلاد الشام، وذلك انطلاقاً من رؤيته بضرورة استيعاب الاختلافات الدينية والطائفية في نظام فيدرالي تشرف على تأسيسه فرنسا، وبناء على ذلك فقد اقترح دو كاي فصل لبنان في دولة مستقلة وإنشاء ثمانية أو تسع كانتونات في سورية على النمط السويسري[6].

 ولكن الجنرال هنري غورو قائد جيش الشرق العام والمندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا رأى بأنه يمكن الاكتفاء بأربع حكومات مستقلة لأنه سيكون من الصعب تحمل تكاليف عدد أكبر من أجهزة الحكم كما أن إدارة عدد كبير من هذه الدويلات الصغيرة سيكون أمراً شاقاً بالنسبة لسلطة الانتداب، وانتصر في النهاية رأي غورو فتم تقسيم الإقليم على النحو التالي:

- دولة لبنان الكبير: أعلنت في أول سبتمبر سنة 1920، وألحقت بها أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا وصيدا وصور ومرجعيون وطرابلس الشام وعكار، وعاصمتها بيروت.

 - دولة حلب: أعلنت في الثامن من سبتمبر سنة 1920، بقرار من المفوض السامي الذي نص على فصل ولاية حلب عن سورية وإنشاء دولة مستقلة باسمها.

 - دولة العلويين: أعلنت في الثالث والعشرين من سبتمبر 1920، وتكونت من اللاذقية وجبلة وبانياس وصافيتا وطرطوس ومصياف.

 - دولة جبل الدروز: أعلنت في 20 إبريل سنة 1921، وأنشئت فيها حكومة برئاسة سليم الأطرش، وعاصمتها السويداء.

 - دولة دمشق: التي اتخذت من العاصمة اسماً لها.

 وقد مارست السلطة الفرنسية حكماً مستقلاً لإقليم الجزيرة، وحافظ سنجق الاسكندرون على  استقلاليته المالية والإدارية حتى ضمه لتركيا سنة 1939، كما فشل مشروع الدولة الأرمنية التي كان من المفترض أن تشمل اسكندرونة وأنطاكية وعينتاب ومرعش وأورفا وأدنة، وذلك بسبب التقدم العسكري التركي في تلك المناطق.

وسرعان ما أثبتت تجربة الكانتونات الطائفية فشلها؛ فقد كانت عملية إنشاء خمسة أجهزة إدارية متكاملة من مسؤولين وموظفين وعسكريين، وتأسيس بنية تحتية وخدمات بلدية وصحية وبريدية في كل دولة من هذه الدويلات كانت عملية باهظة التكاليف.

فانهار المشروع الفيدارلي بالتدريج، حيث انضمت دولتي حلب ودمشق في 1924 عندما ظهر لسلطة الانتداب بأن نفقات الدولتين قد بلغت حداً لا تحتمله وارداتهما. واتخذ قرار ضم مناطق الدروز والعلويين للدولة السورية في 1936، ولكن القرار لم ينفذ بصورة فعلية حتى عام 1943، وأخذ الإقليم صورته النهائية بدولة لبنانية مستقلة، وبقيت الجمهورية السورية على الوضع القائم اليوم.

 3- هيمنة الطوائف على قيادة المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال (1946-1963)

 حرصت الفرنسيون خلال مرحلة الانتداب على تأسيس سلطتين رديفتين في آن واحد:

-  سلطة سياسية مدنية لا تتبنى فكراً محدداً، بل تمارس دوراً إدارياً محضاً من خلال نفوذها التجاري والزراعي.

-  سلطة عسكرية تتمثل في القيادة العسكرية التي كان يغلب عليها العنصر الطائفي، حيث تم تجنيد أعداد كبيرة من جبل الأنصارية وجبل العرب وجبل لبنان، وأصبح غالبية المنتمين إلى القوات الخاصة من الفلاحين العلويين والدروز والموارنة بالإضافة إلى تشكيل فرق جديدة من الأقليات الإسماعيلية والأكراد والشراكسة[7]

وعندما انتهت حقبة الانتداب بقيت هذه التركيبة على حالها عقب الاستقلال، فاستحوذ أبناء العوائل على رئاسة الجمهورية ووزارات الحكومة وعضوية البرلمان، في حين مارس الجيش سلطة واسعة وتدخل بقوة في صلاحيات الحكم المدني.

 ونتيجة لذلك الانفصام؛ فقد عانى الكيان الجمهوري منذ استقلاله من حالة التوتر بين السلطتين، وتكرر محاولات العسكريين في الهيمنة على الحكم المدني، حيث شهدت سورية خلال السنوات الخمس الممتدة منذ 1949 وحتى 1954 خمسة انقلابات عسكرية، افتتحها الزعيم حسني الزعيم في 30 مارس، من العام 1949 الذي شهد انقلابين آخرين في 14 أغسطس و19 ديسمبر، ولم تكد تهدأ الأوضاع حتى قام أديب الشيشكلي بانقلابه الثاني في نوفمبر 1951، ثم سقط نظامه بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات في انقلاب خامس وقع في شهر فبراير عام 1954.

وليس من قبيل المصادفة أن يكون جميع زعماء الانقلابات العسكرية وقادة المجالس الحربية التي دعمت هذه الانقلابات في سورية خلال الفترة 1949-1954، من ضباط الأقليات الذين جندتهم سلطة الانتداب الفرنسية قبل مغادرتها سوريا.

فالمزيج الذي صنعته فرنسا من العنصر الطائفي-العسكري كسلطة بديلة للحكم المدني، قد أسهم في تشييد أركان نظام الحكم الطائفي-العسكري الذي آلت إليه سوريا في العقد السادس من القرن العشرين، والذي عمل منذ الأيام الأولى من تأسيسه على شل حركة المؤسسات الدستورية، وتعطيل الحريات، وفرض الرقابة على الصحف وأجهزة الإعلام، وتعزيز دور أجهزة الأمن والاستخبارات في الحياة العامة.

ففي الانقلاب الأول الذي قاده حسني الزعيم في مارس 1949؛ ظهر العنصر الكردي بصورة واضحة في قيادة الجيش حيث كان عدد الضباط من أصول كردية يزيد عن عشرين ضابطاً منهم خمسة في القيادة العامة[8].

وظهر العنصر الطائفي كذلك في عضوية المجلس الحربي الذي شكله سامي الحناوي إثر انقلابه على الزعيم في شهر أغسطس من العام نفسه؛ ومن أبرز أعضائه: الزعيم سامي الحناوي (كردي)، العقيد بهيج كلاس (مسيحي)، العقيد علم الدين قواص (علوي)، المقدم أمين أبو عساف (درزي)، الرئيس محمد معروف (علوي)، الرئيس خالد جادا (شركسي)، الرئيس حسن الحكيم (إسماعيلي)، والرئيس محمد دياب (إسماعيلي)[9].

وفي الفترة الممتدة ما بين 1953 حتى عام 1963؛ استحوذ أبناء الأقليات على أهم المناصب القيادية في الجيش السوري؛ ومن أبرزهم رئيس الأركان اللواء شوكت شقير (1953-1956)، ورئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين (1961-1963)، إضافة إلى العقيد الدرزي نور الدين كنج الذي كان يقود أضخم قطعات الجيش، والضابط العلوي عزيز عبد الكريم الذي تبوأ منصب نائب رئيس الأركان ثم أصبح وزيراً للداخلية في حكومة بشير العظمة سنة 1962، إضافة إلى الضباط النصارى: اللواء وديع المقعبري قائد سلاح الجو، واللواء ألبير عرنوق رئيس هيئة الإمداد والتموين، واللواء ميخائيل بن أندراوس في هيئة التدريب، والضابط الإسماعيلي حسن الحكيم. وكانوا جميعاً أعضاء في مجلس قيادة الجيش.

 أما على صعيد المجندين فقد كانت نسبة العلويين في الجيش السوري وخاصة في سلاح المشاة تصل إلى ثمانين بالمائة، وتشير المصادر إلى أن عبد الحميد السراج قد اندهش في سنة 1955 لدى اكتشافه بأن ما لا يقل عن 65 بالمائة من ضباط الصف كانوا تابعين للطائفة العلوية.

 

 

ثانياً: البعد التنظيمي المؤسسي

 1- حكم البعث وتعزيز الهيمنة الطائفية في مؤسسات الحكم (1963-2000)

 قام حكم البعث من توليه الحكم في سوريا على ترسيخ الإرث الفرنسي المتمثل في نظام حكم مدني ضعيف وأحزاب سياسية لا تملك نظرية سياسية ناضجة، في مواجهة مؤسسة عسكرية تشكل عنصر التوازن الفعلي في الإدارة المحلية والأمن وتبسط نفوذاً كبيراً على جهاز الحكم المدني، وذلك بالاعتماد على الأقليات الطائفية التي استند عليها الفرنسيون للإضعاف من المقاومة التي قامت ضد سلطة الانتداب.

فقد أدرك قادة البعث منذ الأيام الأولى لانقلابهم في مارس 1963؛ بأن الشق الحزبي-المدني هو الحلقة الأضعف بين الفئات المتصارعة على السلطة، فأعطوا لمؤسساته نمطاً شكلياً يقتصر على الإدارة، وعززوا سلطات المؤسسة العسكرية والأمنية في الحكم، وذلك بالاعتماد على العنصر الطائفي-العشائري باعتباره الضامن الأفضل للمحافظة على معادلة توازن الحكم في كيان جمهوري لم يتح للحكم المدني فيه مجال التطور التدريجي والنضج المؤسسي.

 ويمكن ملاحظة تفوق العنصر الطائفي منذ الأيام الأولى لحكم البعث في تشكيلة اللجنة العسكرية التي تزعمت الانقلاب، وعلى رأسهم: الضباط العلويون؛ محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد، وسليمان حداد، وعثمان كنعان، والإسماعيليان: عبد الكريم الجندي وأحمد المير، والدرزيان: سليم حاطوم وحمد عبيد.

وشهدت الفترة التالية انقلابين آخرين في عامي: 1966 و1970، نتج عنهما سلسلة تصفيات دموية استخدمت فيها العصبية العشائرية والطائفية في الصراعات الداخلية بين أقطاب البعث بصورة لم يسبق لها مثيل.

 • وعلى إثر انفراد حافظ أسد في السلطة عام 1970؛ بادر الرئيس الجديد إلى ترسيخ البنية العشائرية- الطائفية في صفوف المؤسستين الأمنية والعسكرية؛ وربط توازن نظام الحكم بمجموعة من الفرق العسكرية والأجهزة الأمنية التي تغلغلت في أجهزة الدولة، وسيطرت على الحياة العامة، وقد تغلب في هذه الأجهزة العنصر العلوي، حيث بلغت نسبة الضباط العلويين في الجيش السوري نحو 80 بالمائة، أما العشرون بالمائة الأخرى فهي مقسومة بين سائر طوائف المجتمع الأخرى[10].

فقد أحاط حافظ أسد نفسه منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة بعدد من الأقارب الذين بقى بعضهم معه في الحكم حتى وفاته، ويمكن ملاحظة تولي أقارب الرئيس وأصهاره وأبناء عشيرته من المتاورة في أعلى المناصب العسكرية وأهم الفعاليات الاقتصادية، وذلك في فرقة "سرايا الدفاع" التي أسسها عام 1971 وأسند قيادتها إلى شقيقه رفعت، و"الحرس الجمهوري" الذي أسسه عام 1976، وأوكل إلى ابن عم زوجته أنيسة مخلوف قيادته، و"القوات الخاصة" التي أسندت قيادتها إلى اللواء العلوي علي حيدر، ومن بعده ابن عشريته اللواء علي حبيب. وكذلك الفرق المدرعة الأولى والثالثة والرابعة التي أسندت قيادتها إلى مقربيه إبراهيم صافي، وشفيق فياض وحكمت إبراهيم تباعاً، إضافة إلى المناصب القيادية الأخرى التي أسندت إلى أقاربه مثل: اللواء علي أصلان (رئيس الأركان)، واللواء علي صالح (قائد قوات الدفاع الجوي) واللواء عدنان بدر الحسن (قائد الفرقة التاسعة)، واللواء محمد إبراهيم العلي (قائد الجيش الشعبي)، وكان أغلبهم أعضاء في القيادة المركزية لحزب البعث.

 وكذلك كان الحال بالنسبة للأجهزة الأمنية التي تكدس عناصرها في دمشق، وتم اختيار منسوبيها على أسس طائفية-عشائرية، وتتراوح نسبة النصيريين فيها ما بين 70 و90 بالمائة[11].

 وتجدر الإشارة إلى أن عملية توظيف العصبية: الطائفية-العشائرية لم تعد تقتصر في عهد حافظ أسد على تشكيلة الأجهزة المعنية بحماية النظام، وإنما تم استخدامها بطريقة ملفتة للانتباه في عضوية حزب البعث وفي الوزارات ومؤسسات الدولة، القطاعات الحزبية والسياسية والاقتصادية في المنشآت الحكومية وفي القطاع الخاص، حيث شكلت صلة القرابة والمصاهرة والانتماء العشائري عنصراً أساسياً في تولي المناصب الهامة في سورية، وقد تتبعت العديد من المصادر الآلية التي يتم بها تعيين الأقارب في الأجهزة العسكرية والمدنية في سورية بصورة دقيقة.

2- ترسيخ البنية المؤسسية للهيمنة الطائفية-العشائرية في عهد بشار (2000-2011)

 وعلى إثر وفاة حافظ أسد عام 2000؛ سار الرئيس الجديد بشار على نهج والده في ترسيخ البنية الطائفية للمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ومن خلال عملية التعيينات التي أجراها بشار خلال الفترة (2000-2011) يمكن رسم صورة واضحة للمجموعة العسكرية والأمنية حول الرئيس الجديد، والتي تضمنت: صهره اللواء آصف شوكت، ومستشاريه للشؤون الأمنية اللوائين إبراهيم حويجة ومحمد ناصيف، ومستشاره للشؤون العسكرية العماد علي أصلان، ورئيس الأركان العماد علي حبيب من عشيرة المتاورة، وكذلك وزيري الداخلية بالتتابع اللوائين علي حمود وغازي كنعان، وهؤلاء جميعاً يرتبطون ببشار من حيث القرابة أو المصاهرة أو العشيرة، بل إن دائرتهم أضيق من دائرة الرئيس السابق الذي كان يعمد إلى الاستفادة من العشائر العلوية الحليفة، بينما عمد بشار إلى الاعتماد بصورة رئيسة على صلة القرابة المباشرة أكثر من والده.

فقد أسند بشار إلى شقيقه ماهر قيادة لواء في الحرس الجمهوري ورقاه إلى رتبة عميد، أما عائلة أنيسة مخلوف (والدة بشار) فقد اتسع نفوذها بصورة ملفتة للانتباه؛ حيث ظهر اسم خال بشار محمد مخلوف، وكذلك رامي وإيهاب مخلوف الذين هينموا على قطاعات ضخمة من الاقتصاد السوري، وخاصة في مجالات البنوك، والتجار الحرة المعفاة من الضرائب، وقطاعات الاتصالات والمواصلات[12].

 لقد كانت فرص الإصلاح متاحة للرئيس الجديد، لكنه اختار ترسيخ نظام عفى عليه الزمن، ولم تعد بنيته قادرة على استيعاب متطلبات المرحلة؛ ففي انتخابات سنة 2007 ترسخ كيان السلطة الشمولية عن طريق زيادة عدد المقاعد المخصصة لحزب البعث على حساب الجبهة الوطنية والمستقلين، كما أعيدت مسرحية الانتخابات الرئاسية التي عملت أجهزة الإعلام والاستخبارات على إظهارها وسط مظاهر ابتهاج زائف بفوز المرشح الأوحد للرئاسة.

 وبات من الواضح أن بشاراً لن يتمكن من إحداث تغيير جذري في بينة نظام شمولي أرسيت قواعده خلال أكثر من خمسة عقود، حيث يتغلغل عناصر حزب البعث في جميع مؤسسات الدولة،  وتهيمن أجهزة الأمن على الحياة العامة، بينما تحافظ الفرق الطائفية على توازن النظام.

وقد شكلت هذه المؤسسات عبئاً كبيراً على المجتمع السوري لأنها فئات غير منتجة، مما أدى إلى تزايد عجز الموازنة واعتمادها على المساعدات الخارجية والديون.

 وقد أدت حالة الإحباط الشعبي من تقلص فرص الإصلاح ونمو مؤسسات القمع، وزيادة الأعباء الاقتصادية إلى إذكاء الثورة التي هدفت إلى هدم البنية المؤسسية لنظام فقد صلاحيته.

 ثالثاً: البعد الإستراتيجي الغربي

 1- مفهوم "تمكين الأقليات" باعتباره جزءاً من الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة العربية، مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي؛ فقد تبنت الإدارة الأمريكية السابقة سياسة "دعم الديمقراطية" في الشرق الأوسط باعتبارها أحد أهم ركائز الأمن القومي للولايات المتحدة، وأفضل وسيلة لمواجهة التشدد الإسلامي، وقد عبر الرئيس الأمريكي السابق عن ذلك في خطاب له عام 2003 بقوله:

"منذ ستين عاماً والدول الغربية تغض الطرف عن غياب الحريات في الشرق الأوسط، ولكن هذا التغاضي لم يجلب لنا الأمن، لأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار على حساب الحرية، وسيكون من غير المقبول بعد الآن القبول بالوضع الحالي في المنطقة".

وسرعان ما أفصحت الإدارة الأمريكية عن رؤيتها لملامح المنطقة في المرحلة المقبلة، فدعت في مطلع 2004 إلى إحداث متغيرات جذرية في بنية الأنظمة العربية وسياساتها الداخلية، من خلال برامج دعم الديمقراطية التي تتضمن: عقد دورات تدريبية، ومحاضرات تثقيفية، وجلسات حوارية تستهدف المعارضة في البلاد العربية بشكل أساسي.

 وبدأت تظهر ملامح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تقوم على الاستفادة من التعددية الإثنية والدينية والطائفية في المنطقة العربية لترسيخ الأمن القومي الأمريكي، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة هي:

 1- تعزيز دور المؤسسات الدولية في مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة وتوظيفها لتحقيق أغراض سياسية

 2- دعم التطور الديمقراطي (Democracy promotion)، الهادف إلى إضعاف مؤسسات الحكم الشمولي الذي ساد أنظمة المنطقة، وأصبح عصياً على الإصلاح.

 3- تمكين الأقليات (Minority empowerment)، باعتبارها أحد أبرز وسائل وقف مد الحركات الإسلامية وتعاظم دورها في السياسة.

 وفي المرحلة التمهيدية لغزو العراق في الفترة 2001-2003؛ نشأت علاقة وطيدة بين زعامات التنظيمات الشيعية في العراق وأجهزة الاستخبارات الغربية من خلال التنسيق الذي نشأ بينهم وبين الاستخبارات الغربية في المراحل التمهيدية للإطاحة بنظام صدام حسين ومن ثم تمكينهم من تولي مؤسسات الحكم.

 ومثّل مؤتمر لندن الذي نظمه زلماي خليل زاد في ديسمبر 2002 نقطة فارقة في التعاون الأمني والسياسي بين كل من: "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"حزب الدعوة" مع الإدارة الأمريكية، ففي أعقاب ذلك المؤتمر عقد أقطاب المعارضة العراقية لقاءات عدة مع الخارجية الأمريكية في شيكاغو، ومارست هذه المنظمات العراقية درواً مهماً في ربط زعامات الأقليات الطائفية في دول عربية أخرى مع أجهزة الاستخبارات الغربية.

وقد أكد ذلك أحد نشطائهم عندما قال:

"لقد أقام الناشطون الشيعة علاقات واسعة في الخارج في محيط العالم العربي، وكذلك في المحيط الغربي، وكانت لهم مراكز نشاط في كل من لندن وواشنطن، تواصلت من خلالها مع الفعاليات الإعلامية والصحفية والسياسية ومنظمات حقوق الإنسان، ومراكز الأبحاث وأعضاء في البرلمانات وغير ذلك".

وقد مثل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول في المنطقة العربية، حيث تم اعتماد نظام سياسي يقوم على تقسيم الحكم بين الأكراد والشيعة والسنة بصورة شبه رسمية، وفي الوقت ذاته أصبح الانقسام العرقي والطائفي في المحافظات العراقية أمراً لا يمكن تجاهله على أرض الواقع.

 ومنذ ذلك الحين ارتبط المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط بترجيح كفة المنظمات الشيعية، والدعوة إلى زيادة تمثيلها في أنظمة الإدارة والحكم، وذلك بعد أن قام الأمريكان بالدور الأكبر في تدمير القدرات العسكرية العراقية والتي كانت تمثل آلة الردع في وجه إيران ومشروعها التوسعي. 

وبعد ثلاث سنوات من النشاط المكثف لبرامج دعم الديمقراطية، لاحظ الباحث الأمريكي ماكسميلان أن الأحزاب السنية التي تعاملت بحذر وريبة مع هذه البرامج قد ضعف دورها، بينما انتعش نشاط المنظمات الشيعية التي تجاوبت مع برامج دعم الديمقراطية وكانت المستفيد الأكبر منها. 

وفي المرحلة الممتدة ما بين عامي 2003 و2007 أخذت تظهر ملامح المشروع الأمريكي للشرق الأوسط من خلال برامج "دعم الديمقراطية" التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بفكرة تمكين الأقليات الطائفية في أنظمة الإدارة والحكم بدول المنطقة، فقد تحدث تقرير نشره معهد "غلوبال ريسيرتش" في شهر نوفمبر 2006؛ عن وجود تنسيق: أمريكي-بريطاني-إسرائيلي يهدف إلى تمكين الأقليات في المنطقة، وتوقع التقرير أن تشهد المرحلة المقبلة بذل جهود استخباراتية لتشجيع الأقليات في المنقطة للمطالبة بكيانات سياسية مستقلة مما يقدم حجة قوية للتدخل الغربي في شؤون هذه الدول لحماية الأقليات فيها.

وما لبث أن اتسعت مظاهر امتداد الحركات الطائفية من خلال النشاط الحقوقي الذي حظي بدعم العديد من المؤسسات الرسمية والأهلية في الغرب؛ والتي بدأت تسوق لفكرة اضطهاد الأقليات في الدول العربية، وأصبحت هذه المجموعات تمارس نشاطاً دبلوماسياً واسعاً في العواصم الغربية، وتتمتع بتمثيل إعلامي كبير، حيث تصدر منشورات في دور نشر غربية، ويشارك منسوبوها في الكتابة الصحفية وفي القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام الخارجي.

وقد صدرت في الولايات المتحدة وبريطانيا مجموعة من الكتب والبحوث التي تحلل ظاهرة اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز موقف الشيعة في العالم العربي، حيث أكدت دراسة لعضو في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن الولايات المتحدة تعزز سياسة تمكين الشيعة في العالم العربي، إذ كان لها الفضل في تأسيس: "أول كيان عربي شيعي في العراق"، وقد فرض ذلك عليها وضع سياسة جديدة للتعامل مع الشيعة في المنطقة الممتدة ما بين لبنان وباكستان، ورأت الدراسة أن مصالح الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتمكين الشيعة في هذه المنطقة، وذلك انطلاقاً من القناعة السائدة في الأروقة الأمنية الأمريكية أن الشيعة لم يشكلوا أي خطر إستراتيجي على الولايات المتحدة كما فعلت الجماعات السنية المتشددة كالقاعدة وطالبان، واعتبرت الدارسة السيستاني أحد أكبر الداعمين للمشروع الديمقراطي الأمريكي في العراق التي أصبحت أول دولة عربية يعين فيها رئيس وزراء شيعي بصفة رسمية، ورأت الدراسة أن المنظمات الشيعية في المنطقة العربية قد أصبحت الحليف الرئيس للولايات المتحدة، ولا شك في أنه سيكون لها دور في تحجيم خطر التطرف السني.

 2- مؤشرات تطبيق مفهوم "تمكين الأقليات" في الأزمة السورية

 في مقابل الجهود الغربية لدعم الأقليات وتمكينها في العالم العربي؛ يشن الإعلام الغربي حملة ضد التوجهات الدينية لدى السنة في سوريا، ويشارك في هذه الحملة أقطاب اللوبي الإيراني في واشنطن، والصحفيون المتعاطفون مع الكيان اليهودي، وبعض مؤسسات اليسار المعادية للحكومات الخليجية الداعمة للثورة السورية.

 وعلى الصعيد نفسه؛ فإن المنظمات الحقوقية الغربية قد تناغمت مع هذه الحملة، حيث نشرت مجموعة تقارير تتهم مقاتلي الجيش الحر بارتكاب المجازر وانتهاك حقوق الإنسان، وتحذر من خطر هذه المجموعات المسلحة على "الأقليات" التي باتت تخشى من: "ممارسات الجيش الحر".

 وقد مثلت هذه الحملة ظاهرة دفعت بمجلة "إكسبرس" الفرنسية إلى نشر دراسة حول نشاط الصحفيين الغربيين المدافعين عن النظام السوري، وحث دولهم على صيانة النظام القائم خوفاً من المجهول، والتحذير من خطر التيارات الدينية المتشددة في سوريا على "الأقليات" وعلى الأمن الإقليمي.

ولم تقتصر الحملة على المؤسسات الإعلامية ومنظمات حقوق الإنسان؛ بل انخرطت مجموعة من مراكز البحث الغربية في التحذير من انتشار التطرف الديني في صفوف الثوار السوريين، ومخاطر تنامي تلك التوجهات على أمن الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، ومن أبرزها: معهد دراسات الحرب في واشنطن، والذي أصدر دراسة تحت عنوان: "الجهاد في سوريا" تناولت فيها الباحثة "إليزابيث أوباغي" العلاقة بين الإسلام والإرهاب، وتتبعت تغلغل عناصر "القاعدة" في صفوف الثوار، ثم خرجت بنتائج لا تعكس أي موضوعية أو استيعاب لطبيعة المجتمع السوري وبنيته.

فقد قسمت الدراسة غالبية أبناء الشعب السوري من حيث مستوى "التشدد" إلى أربعة دوائر تتضمن: "المسلمين"، ثم "الإسلاميين"، ثم "السلفيين"، وأخيراً "الجهاديين"، وتبنت الباحثة مفهوم "العلمانية" باعتباره رديفاً لمفهوم "الاعتدال"، وذلك على الرغم من اعترافها بأن غالبية عناصر الجيش الحر لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي، وبأن كتائبه تدير المناطق المحررة بطريقة تعكس التسامح التقليدي الذي جبلت عليه الشخصية السورية.

 ودللت الباحثة على تنامي التطرف من خلال الحديث عن انتشار سمات التدين المتمثلة في استخدام الكتائب شعارات تحمل معان دينية مثل: "لا إله إلا الله" و"الله أكبر"، وإطلاق أسماء ذات طابع ديني أو مستوحاة من التاريخ الإسلامي على الكتائب المقاتلة، وبروز مظاهر التدين الشخصي لدى المقاتلين كالمحافظة على الصلوات، وإطلاق اللحية التي اعتبرتها الباحثة إرثاً "سلفياً" يعكس التوجهات "الراديكالية" لدى بعض الكتائب.

 يدعونا ذلك للتأكيد على خطورة ربط الإعلام الغربي التدين بالتطرف في خلط متعمد يقصد به الإساءة إلى الغالبية من أبناء المجتمع، ووتقديم المبررت لتدخل القوى الغربية في حماية الأقليات ودعم مشاريع تمكينهم من مؤسسات الحكم بدعوى الخشية على مصيرهم في حال آلت السلطة إلى الغلبية من أبناء المجتمع.

 وكان أحد أبرز مستشاري وزارة الخارجية الأمريكية قد نشر مقالاً يحلل فيه ظاهرة الاصطفاف الطائفي الذي ينذر بانفجار صراع إقليمي يصعب السيطرة عليه، ورأى الكاتب أن المحافظة على بنية النظام، متمثلة في: الجيش وقوى الأمن وهيمنة العنصر العشائري في مفاصل الدولة؛ هي الضامن الوحيد لمنع سوريا ومحيطها الإقليمي من الانزلاق إلى حرب طائفية، كما أنها تمثل نقطة الالتقاء بين الساسة الغربيين والروس في حل وسط ينهي حالة الجمود بمجلس الأمن.

 وأضاف قائلاً: "إن بقاء نظام أسد القمعي العلوي بعد مغادرة بشار هو خيار مر المذاق، لكن البدائل الأخرى على أرض الواقع أسوأ من ذلك، هذا هو الخيار الأقل سوءاً".

وفي إشارة إلى تبني الإدارة الأمريكية لهذا الطرح؛ أكد وزير الدفاع الأمريكي خلال جولته الأخيرة في المنطقة في نهاية شهر سبتمبر 2012؛ على ضرورة المحافظة على بنية الجيش ومؤسسات الأمن في سوريا خلال مرحلة ما بعد الأسد، مشدداً على أهمية الاستفادة من التجربة العراقية في هذا الصدد.

ويظهر من هذه التصريحات ملامح سياسة الإدارة الأمريكية لمرحلة ما بعد بشار أسد؛ والتي تنطلق من محورين رئيسين:

1- تبني السياسية التفتيتية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في العراق، وذلك من خلال تعزيز دور المجموعات خارج إطار الدول، والتي تقوم على أسس إثنية ودينية وطائفية، وتشجيعها للإسهام في العملية السياسية باعتبارها الضامن الأساس لمنع الحركات الإسلامية من الانفراد بالحكم.

 2- المحافظة على البنية التحتية للمؤسسة العسكرية والأمنية (الطائفية-العشائرية) في سوريا، باعتبارها القوة الوحيدة التي أثبتت قدرتها في المحافظة على أمن "إسرائيل" ومنع الأزمة من الانتشار عبر الحدود. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إضعاف الجيش الحر، ومنع إمدادات الأسلحة النوعية عن كتائبه حتى لا تكون قادرة على تدمير البنية التحتية لفرق النظام.

 ومن خلال استقراء المبادرات الدولية التي تقودها كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا؛ يمكن القول أن هذه الدول تسعى إلى احتواء الأزمة من خلال تحقيق التوافق مع روسيا والصين في الإبقاء على النظام، مع تغيير قيادته المتمثلة في بشار أسد وبعض قادته الأمنيين والعسكريين.

ونظراً لأن مبادرات هذه الدول تنطلق من تقدير مصالحها؛ فإنها لم تتكمن من فهم حقيقة أن الثورة قد قامت ضد المنظومة الفكرية والنظام الحاكم على حد سواء، وبأن الاستجابة لهواجس المنطلقات الإيديولوجية لنظام أسد ستؤدي إلى تعميق الأزمة وتفجير الموقف الإقليمي بدلاً من تأمينه.

 ففي دراسة قيمة للمكونات الاعتقادية للنظام، رأى ثيو باندوس أن الخطر الكامن في الأزمة السورية يتمثل في تعامل النخبة السياسية بالقصر الجمهوري مع الثورة وفق خلفياتها الاعتقادية، والتي تزداد تطرفاً وعنفاً مع استمرار الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية.

والحقيقة هي أن نزوع المعارضة إلى التخفيف من حدة الاحتقان الطائفي، ومحاولة احتواء الفتنة الطائفية التي يؤججها النظام قد دفعت بهم إلى تجاهل عنصر خطير من مكونات البنية الاعتقادية لأركان النظام، والقائمة على المغالاة في تأليه القيادة السياسية وازدراء معتقدات الغالبية من أبناء المجتمع، وممارسة ذلك بصورة رسمية ومنهجية منذ مطلع الثمانينيات.

 وتؤكد العديد من الدراسات أن إفراط النظام في توظيف النزعة العشائرية-المذهبية في المؤسسة العسكرية؛ قد أوقعه رهينة مجموعة متطرفة تمارس هذه التعديات عن اعتقاد وسبق إصرار.

النتائج

 تتزايد المخاطر الاجتماعية الكامنة في سوريا بسبب عزوف السياسيين والباحثين عن الخوض في إشكاليات الطائفية ومناقشتها في أجواء علمية بعيدة عن الكبت أو المجاملة أو التجاهل الذي شاب الكتابة التاريخية خلال القرن الماضي.

وفي مقابل هذا العزوف لدى الأغلبية من أبناء المجتمع؛ تهرع بعض الجماعات الطائفية إلى كسب الشرعية والاعتراف الدولي باعتبارها شريكاً مهماً في عملية احتواء الأزمة وإعادة بناء الدولة، وذلك على الرغم من التطرف الذي تتبناه ومستوى العنف الذي تمارسه، متبعة بذلك السير على النسق العراقي الذي أسسته أمريكا؛ حيث تمارس قوات "البيشمركة" الكردية، و"فيلق بدر"، و"جيش المهدي"، وبعض فرق النخبة العسكرية التي تأسست على أسس طائفية دوراً أمنياً بارزاً بعد أن كانت مجرد مجموعات راديكالية خارجة عن القانون.

 وفي الوقت الذي يتولى فيه "حزب الله" إدارة الشؤون الأمنية في جنوب لبنان وفي الضاحية الجنوبية لبيروت؛ تنادي بعض الجهات الغربية إلى الاعتراف بدور سياسي لعصابات الشبيحة، وفرق النخبة العلوية والمؤسسات الأمنية في سوريا بغض النظر عن الجرائم التي لا تزال ترتكبها في حق الشعب السوري.

 وقد عززت مظاهر العولمة والدعم الغربي وتطور وسائل التواصل الاجتماعي تأثير هذه العناصر وقدرتها على التعاون مع منظمات حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام الخارجية، ومؤسسات دعم الديمقراطية الغربية، حيث تبذل مؤسسة "القرن الجديد" من خلال مكاتبها في لندن وبغداد وتل أبيب جهوداً ملحوظة بالتعاون مع ريبال بن رفعت أسد لتعزيز دور الأقليات وتمكينها في مرحلة ما بعد سقوط بشار.

التوصيات

 1- تشجيع الدراسات الجادة لتقصي إشكاليات التطور البنيوي للهيمنة الطائفية منذ نهاية الحكم العثماني وحتى اندلاع الثورة السورية الثانية عام 2011، إذ لا تزال الأنظمة العربية تجرم الخوض في هذه المسائل على الرغم من خطورتها على الأمن الوطني والأمن الإقليمي.

 2- دعم قطاعات البحث العلمي لدراسة سبل تفكيك البنية الطائفية المترسخة في الكيان الجمهوري منذ ولادته عام 1932، وتقصي وسائل استعادة السلم الأهلي وتصحيح العلاقات المجتمعية من وجهة نظر محلية دون أي تدخل خارجي لدعم جهة ضد أخرى.

 3- ضرورة التمييز بين مفاهيم الإصلاح المجتمعي الهادف إلى تحقيق "التجانس" بين مختلف أبناء المجتمع السوري، وبين مشاريع "تمكين الأقليات" التي تتبناها الخارجية الأمريكية والتي تقوم على ترجيح كفة الأقليات ضد الأغلبية، إذ إن المشاريع الغربية لمرحلة ما بعد بشار أسد ترتكز على تعزيز الاختلال المجتمعي، وتقوية الأقليات بهدف ترسيخ نفوذها في المنطقة.

 4- توعية كافة فئات المجتمع بالاستخدام الخطير والفتاك لسلاح الطائفية الذي توظفه بعض الأنظمة الغربية للحد من انتشار المد الإسلامي، وذلك من خلال دعم الجماعات الطائفية العابرة للحدود، والتي تنفذ أجندات خارجية تنبني على أسس اعتقادية تنطلق من فتاوى مرجعيات التيار الخميني والتيار الشيرازي في عدم شرعية الدول العربية الحديثة.

5- استحداث مفهوم "إدارة الأقليات" في المجتمعات العربية، فقد أثبت التاريخ أن تجاهل المشاكل المجتمعية، ومحاولة التغاضي عنها لا يحقق الأمن والاستقرار، بل يتعين الاعتراف بها، والتعامل معها وفق المنظور الشرعي ونظريات الأمن المجتمعي.

 



[1] - ورقة عمل قدمت في مؤتمر تحديات ما بعد الربيع العربي، بليبيا 22/12/2012، ونظمته مجلة البيان.

[2] - Harik I. (1972), ‘The Ethnic Revolution and Political Integration in the Middle East’, International Journal of Middle East Studies, vol. 3, (1972), pp. 303-323.

[3] - يشير لونغريغ إلى أن عدد المدارس الحكومية سنة 1934 كان: 703 مدارس، تضم 75 ألف تلميذ، مقابل: 1214 مدرسة للطوائف تضم 95 ألف تلميذ، بالإضافة إلى 618 مدرسة أجنبية (450 مدرسة فرنسية، 99 = = مدرسة أمريكية، 36 مدرسة بريطانية، 20 مدرسة إيطالية، 9 مدراس هولندية، ومدرستين لكل من سويسرا واليونان). وبالنسبة لمدارس الطوائف فقد توزعت على النحو التالي: 149 مدرسة للروم الكاثوليك، 334 مدرسة للموارنة، 28 مدرسة للروم الكاثوليك، 20 مدرسة للأرمن الكاثوليك، 212 مدرسة للروم الأرثوذكس، 29 مدرسة للسريان الأرثوذكس، 194 مدرسة للأرمن الأرثوذكس، 157 مدرسة للمسلمين، و59 مدرسة للدروز، بالإضافة إلى 32 مدرسة متنوعة. انظر ستيفن لونغريغ (1978)، سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، تعريب بيار عقل، دار الحقيقة، بيروت، ص 361. وانظر كذلك؛ ألبرت حوراني (1946) سورية ولبنان، لندن. ص.ص 93-95، ومسعود ضاهر (1997)، المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي، دمشق. ص 504.

[4] - بحث قدمه فيليب خوري للمؤتمر الدولي الثاني لبلاد الشام في جامعة دمشق بتاريخ 1987، بعنوان "طبيعة السلطة السياسية وتوزعها في دمشق 1860 – 1908".

[5] - وجيه كوثراني (1980)، بلاد الشام: السكان، الاقتصاد والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين، معهد الإنماء العربي، بيروت. ص.ص 108-111.

[6] - Rabinovich. I (1979), ‘The Compact Minorities and the Syrian State 1918 – 45’, in Journal of Contemporary History, vol. 18. No. 4, (October 1979), pp. 693-712.

[7] - جوردون توري (1969)، الجيش والسياسة في سورية، ترجمة محمود فلاحة، بيروت. ص 52.

[8] - مطيع السمان (د.ت.)، وطن وعسكر، بيسان للنشر والتوزيع.ص.ص 321، و331.

[9]-  Drysdale, A. (1982) 'The Syrian Armed Forces in National Politics: The Role of the Geographic and Ethnic Periphery', in R. Kolwicz and A. Korbonski (edits), Soldiers Peasants and Bureaucrats, London, 1982, p. 85. نيقولاوس فان دام (1995) الصراع على السلطة في سورية، مكتبة مدبولي، القاهرة. ص. 53.

 

[10] - يشير فان دام إلى النسب المرتفعة في تمثيل العلويين في بعض الفرق ومنها على سبيل المثال: اللواء 47 المدرع الذي تبلغ نسبة العلويين فيه حوالي 70 بالمائة، وفي اللواء 21 المؤلل تبلغ حوالي 80 بالمائة، وفي القوات الخاصة حوالي 95 بالمائة. وكانت سرايا الدفاع نموذجاً للتمثيل العلوي الكبير في صفوفها حيث بلغت نسبتهم حوالي 90 بالمائة. فان دام (1995)، مرجع سابق، ص. 170.

[11] - Middle East Intelligence Bulletin (2000) 'Syria's Intelligence',vol. 2, no.6, 1 July 2000.

[12] - فلاينت ليفريت (2005) وراثة سورية، اختبار بشار بالنار، الدار العربية للعلوم، بيروت، ص.ص 168-169.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق