فاتحة القول\العدد مائة وثمانية عشر - ربيع الثاني 1434 هـ
خيبة نجاد في القاهرة
الثلاثاء 12 فبراير 2013

 شهدت زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للقاهرة للمشاركة في اجتماع قمة منظمة المؤتمر الإسلامي الكثير من الجدل والنقاش، ولكن الجميع متفق على أن هذه الزيارة ليست زيارة بريئة أو زيارة عادية، بل لها أبعاد كثيرة جداً وعلى أصعدة متعددة منها:

* الصعيد الشخصي لنجاد، الذي سيرحل قريباً عن السلطة في طهران ويريد أن يختم مسيرته بإنجاز يسجل له، خاصة أنه الآن يخوض صراعا عنيفا مع المرشد الأعلى علي خامنئي والجيش والعديد من المحافظين الذين يتهمونه بالانحراف ومعاداة الإسلام!!

* الصعيد الإيراني الخاص بتحدي العقوبات والحصار الدولي، ولذلك تحرص إيران على المشاركة في أي اجتماع دولي أو إقليمي.

* الصعيد الإيراني الساعي لاختراق مناطق جديدة لتوسيع نفوذه وعلاقاته، ولذلك حرص نجاد على اللقاء بالجماعات السياسية الإسلامية والليبرالية الحاكمة والمعارضة.

* الصعيد الشيعي الهادف للتمدد والهيمنة في المنطقة، ولذلك حرص نجاد على زيارة الأزهر ومسجد الحسين والالتقاء بالمتشيعين في مصر.

وقد اعترض كثير من الشخصيات والهيئات على أصل الزيارة، ولكن كونها زيارة تخص مؤتمرا عاما ولا يخص مصر، كما يحدث من زيارة نجاد لأمريكا لحضور اجتماعات الأمم المتحدة، أو زياراته لكثير من الدول العربية والخليجية لحضور مؤتمرات رسمية، وأيضاً فإن دولنا تستقبل من قادة الأعداء الكثير كالإسرائيليين والأمريكان والروس والصين وغيرهم، فمن هذا الباب ففقد تفهم الكثير من الناس هذه الزيارة ولكن اعترضوا على تساهل القيادة السياسية مع برنامج نجاد في القاهرة، والذي أظهر وقاحة نجاد وإيران من خلفه بطلب مقابلة رموز المعارضة وزيارة ميدان التحرير ومسجد الحسين والأزهر.

ولكن هناك إيجابيتان جديدتان في هذه الزيارة وهما اللتان يجب أن نركز عليهما ونراكم عليهما وتصبحا منهجاً ثابتاً في التعامل مع نجاد ومع من سيخلفه وبقية قادة إيران، وهما:

1- أن تنفصل مواقف الهيئات الشرعية كالأزهر عن مقتضيات المجاملة الدبلوماسية التي تتورط بها دولنا – بسبب الخور والخبل – وتعلن موقفها الشرعي الصحيح من مشاريع إيران الدينية والساعية لنشر التشيع والتعدي على ثوابت الإسلام بسب الصحابة وأمهات المؤمنين وزعم تحريف القرآن، وكذلك موقفها من المشاريع السياسية الإيرانية التي تضطهد أهل السنة في إيران وأماكن نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، واحتلال الأحواز.

فيجب أن تصبح استقلالية مواقف المؤسسات والشخصيات الشرعية عن مجاملات السياسة منهجا ثابتا لتصدع بالحق وتكشف خيانات وخداعات إيران والشيعة، ويجب تجاوز المرحلة السابقة التي كانت تكبل مواقف هذه المؤسسات والشخصيات الشرعية بسقوف السياسة العلمانية، ومن كان يتجاوز هذه السقوف كان يتم عقابه وتأديبه بدلاً من تكريمه وتقديره!!

2- الإيجابية الثانية في زيارة نجاد ترسيخ قيم حرية التعبير وإعلان الرأي، فحين رُجم نجاد بالأحذية بالقاهرة، سرعان ما أفرجت السلطات المصرية عن الذين قاموا بذلك بكفالة مالية قيمتها 500 جنيه، وهذه سياسة يجب أن تعمم في كل الدول الإسلامية، فللشعوب التي تصرخ إيران وقادتها بأنهم أنصارها والساعون لتمكينها من التعبير عن نفسها بوجه المستكبرين، فلذلك على قادة إيران أن يتقبلوا تعبير الجماهير عن شعورهم تجاههم ولو رجموهم بالأحذية؛ وعلى السلطات في البلاد الإسلامية أن لا تتوتر بسبب ذلك وإنما ترسخ قيمة حرية التعبير للأفراد. 

وإذا انتقلنا لتأمل بعض تفاصيل زيارة نجاد للقاهرة وما انطوت عليه من مكائد وخبث إيراني وشيعي في نموذج فريد يجسد لنا بوضوح كثيرا من معالم سياسات إيران والشيعة المعاصرة على النحو التالي:

1- السياسة الإيرانية تقوم على التواصل دوماً ولو مع ألدّ الأعداء، ولذلك لا تتوقف اجتماعات إيران مع كل خصومها، فإيران تتعامل بواقعية مع وجود خصومها بالسعي للقاء بهم، حيث أن اللقاء بخصومها يحقق لها بعض المكاسب، منها: قد يخفف من حالة العداء بينهما لصالح إيران، أو تفهمه بشكل أفضل لتعرف كيف تتعامل معه، أو تكسبه لصفها بالرشوة المالية أو الجنسية، أو تستفيد من صور اللقاء به عند البسطاء الذين يشاع بينهم أن الخصم قد تراجع عن عدائه لإيران والشيعة!! ومن هنا كان سفر نجاد للقاهرة ودعوة الجميع للقائه حتى دعوا الأحزاب السلفية والتي رفضت اللقاء به.

2- السياسة الإيرانية تقوم على الوقاحة، ولذلك وجدنا نجاد يمسك بيد شيخ الأزهر لمدة طويلة في اللقاء مع ابتسامة برغم ضيق شيخ الأزهر من هذا السلوك، ولكن نجاد كان يخاطب المتفرج البسيط بأن العلاقة بين نجاد وشيخ الأزهر علاقة ودية ووثيقة، وأيضاً في المؤتمر الصحفي قاطع نجاد الشيخ حسن الشافعي وهدد بالمغادرة وأن هذا لم يتفق عليه حين بدأ يذكر اعتراضات الأزهر على سياسة إيران، وكأن نجاد يريد من الأزهر أن يقوم بالدعاية له فقط ولا يعلن عن رفض الأزهر لسياسات إيران الطائفية، فنجاد لا مانع عنده من سماع شكوى شيخ الأزهر في قاعة مغلقة يحضرها عشرات الناس، فالمهم هو المؤتمر الصحفي الدعائي لنجاد وإيران.

3- السياسة الإيرانية تقوم على التقية، فنجاد حين جابهه الأزهر برفض سب الصحابة رد أن هذا مجال بحثَه علماء الدين وأنه ليس كذلك، وأن هذا موقف خاص لبعض الأفراد، وكذلك رد وزير الخارجية الإيراني علي صالحي حين قال أن هناك فتوى بتحريم سب الصحابة.

ولكن الحقيقة أن سب الصحابة هي عقيدة تتبناها إيران ساسة وعامة ولا يوجد أي عقاب لمن يرتكب ذلك، والفتوى بتحريم ذلك هي لذر الرماد في العيون، والدليل على ذلك أن نجاد نفسه قد تهجم وسب بعض الصحابة مثل الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله علناً قبل مدة قليلة، فلذلك الفصل بين السياسة والدين رد مرفوض من نجاد خاصة وأن هذا الفصل يناقض أصل التشيع الذي يقوم على الإمامة في الدين والسياسة.

4- السياسة الإيرانية تقوم على الخداع، ولذلك فإعلان نجاد إلغاء التأشيرات للمصريين الراغبين بزيارة طهران ومطالبة مصر بالقيام بعمل مماثل يعد خدعة كبيرة جداً، فالمصريون الراغبون بزيارة إيران قلة صغيرة جداً وهم من المتشيعين وهؤلاء لا مشكلة عندهم في التأشيرات، بخلاف الإيرانيين الذين يتلهف النظام الإيراني على توريد مئات الآلاف منهم لمصر ليدس بينهم آلاف العناصر من الأجهزة الأمنية.

ومن العجيب أن إيران التي تدعو المصريين لزيارتها وتعلن عن إلغاء التأشيرات تعاملت بشكل أمني مبالغ فيه حتى مع الوفود المصرية التي استضافتها كما روت ذلك الصحفية المصرية نشوى الحوفي.

وفي الختام: لقد كانت زيارة نجاد بشكل عام زيارة خائبة، لكن هناك خطورة من زوال هذه الخيبة بسبب طول نفس المكر الإيراني والشيعي، وهو ما يستدعي دوام اليقظة والانتباه للمكائد الإيرانية والشيعية.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق