كتاب الشهر\العدد مائة وسبعة عشر - ربيع الأول 1434 هـ
المد الشيعي حول العالم
الجمعة 11 يناير 2013

 

 خلل الرؤية .. يضلل الموقف والقرار

عرض ونقد: أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

خاص بالراصد

"المد الشيعي حول العالم" هو الإصدار العاشر من سلسلة (قضايا إيرانية) التي يصدرها مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، والذي يشرف عليه أ.د جمال عبد السميع الشاذلي، أما هذا التقرير الذي صدر في 2011م فكان بإشراف أ.د محمد نور الدين عبد المنعم.

وبحسب صفحة المركز على شبكة الإنترنت فهو "وحدة ذات طابع خاص تابعة لجامعة القاهرة، ويزاول نشاطه منذ مطلع عام 1991م، ويعتمد عمل المركز على مكتبة جامعة لكافة تخصصات الدراسات الشرقية والدراسات الأخرى المساعدة".

أما الأهداف العامة له، فمنها: إعداد الدراسات والبحوث الهادفة إلى خدمة المجتمع الجامعي وتحقيق المصلحة القومية للوطن، وإعداد الدراسات فى مجال الدراسات الشرقية مثل مؤتمرات الاستشراق والأديان ودعم التواجد المصري فى هذه المحافل العلمية للمساعدة فى تقديم التصور السليم للقضايا المعروضة من وجهة النظر العربية والإسلامية.

ومن أهداف المركز أيضاً: إعداد البحوث والدراسات التى تطلبها الجهات الرسمية المعنية بقضايا ترتبط بالدراسات الشرقية، وفى مقدمة هذه الجهات: وزارات الخارجية والإعلام والثقافة والتعليم والأوقاف، وكذلك المراكز البحثية المتخصصة، وتوحيد الجهود العلمية المشتتة فى مجال الدراسات الشرقية، وتنظيمها، ووضع فلسفة عامة موجهة لها، وتوحيد الرؤية الفكرية العامة للمتخصصين حول الأهداف القومية لتحقيق فائدة مصر والوطن العربي والإسلامي.

وما أجملها من أهداف وغايات لو أنها فعلاً تتوفر في نتاجات المركز، ولكن أستطيع أن أقول بخصوص هذا الكتاب "المد الشيعي حول العالم" أنه كتاب مهم في بابه ومن الجهة التي أصدرته ولكنه قليل الجودة إن لم يكن مضرا ومضللا لقارئه وخاصة إذا كان من أصحاب وصناع القرار والرأي، وهو عكس ما يتوجب أن تكون الغاية من إصداره!!

الكتاب يقع في 180 صفحة من القطع الكبير، وهو يتضمن دراسة تمهيدية بعنوان: المد الشيعي الإيراني بين الثورية والقومية للدكتور محمد العيد عبد المؤمن، ثم الفصل الأول الذي يتناول التشيع في أفريقيا، والفصل الثاني عن التشيع في آسيا، والفصل الثالث عن التشيع في أمريكا وأوربا، ويختم الكتاب بتعداد الشيعة في العالم.

أهم ما جاء في بحث د. عبد المؤمن إقراره بوجود مشروع شيعي إيراني يسعى لمد نفوذه في الدول المجاورة عبر استغلالهم للتجمعات الشيعية في الدول الأخرى.

لكن من جهة أخرى هذه الدراسة التمهيدية تشكل نموذجا لخلل الرؤية للتشيع ولإيران، فرغم أن د. عبد المؤمن متخصص في الشؤون الإيرانية إلا أنه لا يفهم التشيع ولا يفهم تأثيره على السياسة الإيرانية، وهذا أيضاً حال المشرف العام د.محمد عبد المنعم.

فمثلاً د. عبد المؤمن يعتبر أن الفكر الشيعي يتميز بالتجديد، وأن نظرية ولاية الفقيه ألصق بها تهمة الميل للعنف!! وأن الشيعة حريصون على الوحدة الإسلامية والشاهد على ذلك تأكيد هاشمي رفسنجاني على ذلك في لقائه مع القرضاوى على شاشة قناة العربية!!

وهذه التخبطات في فهم التشيع سببها ضعف الثقافة الشرعية الصحيحة التي تحاكم الفرق والمذاهب لأصولها، وهذا الضعف في مصر لا يقتصر على الأكاديميين غير الشرعيين بل إن كثيرا من الأزهريين لا يفهمون حقيقة التشيع، ومما يدلل على هذا الصحوة الجديدة في الأزهر للخطر الشيعي والمتمثلة في إصدارات مجلة الأزهر والمحاضرات التي يقيمها الأزهر وخاصة د. محمد عمارة لكشف حقيقة التشيع وخطورته، بعد أن كان د. عمارة نفسه مخدوعا بالتشيع ويؤمن بخرافة التقريب بين السنة والشيعة.

وهذا الخلل في فهم العقيدة الشيعية يجعل من تحليلات د.عبد المؤمن وغيره لسياسات الشيعة وإيران غير سديدة إلا ما ندر لأنهم يحللونها بمقاييس علمانية (ليبرالية، ماركسية، حداثية) لا تجدي لفهم تناقضات سياسات التشيع.

وبسبب هذا الخلل في الرؤية عند هؤلاء الأكاديميين المتخصصين بإيران، تقوم إيران اليوم باستقطابهم ليكونوا مدخلها لهذه الدول والمجتمعات وخاصة بعد توتر علاقاتها بالجماعات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين الرافضين لتأييد إيران لبشار الأسد في حربه الوحشية ضد الشعب السوري الأعزل.

فعقب الثورة المصرية سارعت إيران لدعوة كثير من شرائح المجتمع المصري لزيارتها وخاصة الإعلاميين والأكاديميين، ومن آخر هذه الزيارات زيارة في شهر 5/2012 شارك بها د. عبد المؤمن ود. عبد المنعم وهي خاصة بالأساتذة المصريين المتخصصين فى اللغة الفارسية وقد بلغ عدد المشاركين 60 أستاذا جامعيا وأكاديميا!!

وقد كتب عن هذه الرحلة د. عبد المؤمن في مجلة مختارات إيرانية عدد .....، وكتب د. عبد المنعم عنها كذلك فقال: "واليوم وبعد قيام الثورة المصرية المباركة فى الخامس والعشرين من يناير عام 2011 بدأت قلوب المصريين تهفو إلى عودة العلاقات مرة أخرى مع إيران، بل إن بعض المرشحين لمنصب الرئاسة فى مصر وأثناء الدعاية الانتخابية صرحوا بأن من ضمن أولوياتهم عودة العلاقات الطبيعية مع إيران، لأن مصر دولة كبرى وإيران أيضا دولة كبرى، والتعاون بينهما لا شك سوف يصبّ فى صالح الدولتين وفي صالح العالم الإسلامى"([1]).

وفي مقال تالٍ كتب يقول: "في يوم السبت الموافق 16 ارديبهشت عام 1391ش (5-5-2012) دعي وفد أساتذة اللغة الفارسية بالجامعات المصرية لزيارة جامعة المذاهب الإسلامية (دانشـگـاه مذاهب إسلامي) ... وتعدّ هذه الجامعة من أكبر الجامعات الإيرانية في مجال دراسة الفقه والقانون في المذاهب الإسلامية. وتقوم الجامعة بإتاحة الفرصة المناسبة للدراسة في مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه،... وتشتمل هذه الجامعة على ثلاث كليات هي: كلية فقه وقانون المذاهب الإسلامية (الإمامية والشافعية والحنفية) وكلية علوم القرآن والحديث، وكلية الكلام والفلسفة والأديان .... وفي لقاء الأساتذة المصريين مع رئيس الجامعة ألقى سيادته كلمة رحب فيها بالأساتذة المصريين، وألقى كاتب هذه المقالة كلمةً شكَر فيها المسئولين عن الجامعة على دعوتهم الكريمة لزيارة هذه الجامعة، وأعرب عن دهشته لوجود مثل هذه الجامعة في إيران، حيث تدرس المذاهب الإسلامية المختلفة بها دون تفرقة أو تعصب لمذهب معين، وأن مثل هذه الدراسة ومثل هذه المؤسسات التعليمية تساعد على التقريب بين المذاهب تحت لواء الاسلام الحنيف"([2]).

وإنني أتعجب من انخداع د. عبدالمنعم بهذه الجامعة التي لم نشهد لها أثرا في التقريب ونشر السنة بين الإيرانيين الشيعة على غرار جهود دعاة التقريب السنة من الأزهر وغيره في أوساط السنة!!

وإيران لما أدركت أن هناك فرصة سانحة للتغلغل في الدول السنية من خلال الأكاديميين قامت بعقد مؤتمر خاص بعنوان "مؤتمر أساتذة الجامعات والصحوة الاسلامية" بطهران في 10/12/2012، ومن هنا تأتي خطورة مثل هذه الأبحاث الأكاديمية التي يفترض أنها بمثابة النور والمصباح لصناع الرأي والقرار، ولكنها في الحقيقة تضليل وترويج للأجندة والدعاية الإيرانية، وهو ما سيتضح أكثر في فصول الكتاب التالية.

تناول الفصل الأول محور التشيع في أفريقيا، وفيما عدا البحث الأول عن التشيع في شرق أفريقيا والذي تناول فيه د. يحيى داود عباس تاريخ العلاقات الفارسية بشرق أفريقيا من قبل الإسلام وقبل الميلاد حتى، فإن باقي دراسات هذا الفصل وسائر الفصول التالية هي أبحاث شيعية مترجمة  تعرض الرؤية الشيعية لتغلغلها في أفريقيا وتهاجم أعداء المد الشيعي في أفريقيا وفي أوساط المسلمين وبخاصة السلفيين الذين ينبزونهم باسم الوهابية!!

فالبحث الثاني من ترجمة د. عبد المنعم وهو لم يبين مصدر البحث الذي تناول التشيع في عدة دول هي: جزر القمر، نيجيريا، السودان، مصر، أثيوبيا، تنزانيا، تونس.

وكل المعلومات الواردة في الترجمة هي معلومات شيعية دون أي مناقشة أو تفنيد أو تحليل، ولذلك فالقارئ العادي - ولو كان مسؤولا - سوف يصدق أن التمدد الشيعي شيء عادي وطبيعي ولا يسبب أي اضطرابات وهو وجود قديم وكبير ولا يرتبط بإيران كما عرض في البحث!

البحث الثالث ترجمه أيضاَ د. عبد المنعم وكان عن طقوس عاشوراء في أفريقيا، وهو مترجم من موقع وكالة أهل البيت للأنباء (أبنا) الشيعي، وطبعا المقال هو دعاية شيعية خالصة!!

أما الفصل الثاني والخاص بالتشيع في آسيا فهو عبارة عن ترجمة لعدة أبحاث شيعية دعائية تناولت عدة دول هي:

بحث عن أذربيجان هو بالأصل بحث من كتاب "الهوية القومية في جمهورية أذربيجان" وأخذ عن موقع "أبنا" الشيعي!!

بحث مترجم دون مصدر عن التشيع في أذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

بحث د. أحمد السيد محمد أبو الجود عن المواطنين الشيعة في خليج فارس، وبداية هذه سقطة كبيرة أن يسمى الخليج العربي بخليج فارس في تقرير علمي من مركز أبحاث عربي مصري جامعي!! ونفس الباحث مؤيد للشيعة بشكل ظاهر، فهو يجعل الشيعة هم سكان ضفتي الخليج وهي مغالطة كبرى فالعرب هم سكان ضفتي الخليج ولكن التهجير القسري للعرب من قبل الفرس غيّر ديمغرافية السكان حالياً، كما أن الباحث يروج لخرافة أكثرية الشيعة في البحرين وأن نسبتهم في الكويت هي 40%، بينما هم لا يتجاوزون 20%!!

 ثم يختم بحثه بقوله: ومما يبعث على الأسى أنه في الدنيا التي يتمتع فيها حتى الحيوانات بحقوقهم وحرياتهم ويثير أقل تعد عليها اعتراض البعض، يحدث الإجحاف في حق الشيعة!! ولا تدري هل هذا الباحث يتحدث عن شيعة الخليج الذين لا تقْدر الأنظمة على ردعهم عن تجاوزاتهم أم يتحدث عن خيالات وأوهام، أم أنه صاحب أجندة وغرض إيراني ينفذه في مثل هذا التقرير الأكاديمي من أعرق الجامعات العربية!!

والبحث الثالث هو أيضاً للدكتور أبو الجود عن جغرافية شيعة أفغانستان وهو من 4 صفحات وقد نقل من مواقع شيعية فيما يبدو.

والبحث الرابع عن شيعة فلسطين، وقد ترجمه صالح شبل دون ذكر المصدر، ولكن يبدو أنه مترجم من الإنجليزية، فأول فكرة فيه هي: "تعد تعبئة الجماهير من أحد مؤشرات التيار الإسلامي، والتي تتمثل في فرعين رئيسيين هما الوهابية والشيعة التقدمية، وبالقدر التي تنبعث من السلفية رائحة العنف والدم، فإن التشيع يفوح بعطر التقارب والتعامل"!! وبقية البحث محاولة لإيجاد جذور شيعية قديمة في فلسطين، وأن التشيع اليوم ينتشر بهدوء وقوة ويتجاوز ضيق أفق السلفية!!

البحث الخامس (من صفحتين) عن شيعة البحرين لنفس المترجم دون ذكر مصدر، وهو يرصد سياسة "الأمير" حمد تجاه الشيعة وأنها تتسم بالانفتاح لكن هل ستستمر؟ وهذا لا علاقة له بعنوان البحث، ويشي بأنه قديم جداً إذ الأمير حمد استلم الإمارة سنة 1999م ومن ثم أصبح الملك حمد سنة 2002م، وهذا التقرير صدر سنة 2011م فعن أي موضوعية ومهنية نتحدث؟؟

الفصل الثالث تناول الشيعة في الغرب، وفيه ثلاثة أبحاث، هي:

شيعة أمريكا للدكتور محمد حسن الزيبق ويبدو أنه إيراني، وبحثه أشبه بتقرير وصفي عن انقسامات الشيعة هناك، فهو يجعلهم قسمين: قسما شيعيا أصيلا من أصل إيراني وعراقي غالبا ويلحقهم لبنانيون وباكستانيون، والقسم الآخر هو الشيعة الأمريكان من السود والبيض، والذين تشيعوا من خلال بوابة التصوف على يد جماعة نعمت الله الدكتور نور بخش وجماعة الشيخ فضل الله حائري العراقي، والغالب على الشيعة الانقسام بحسب اللغة والعرقية.

بحث عن شيعة فرنسا لنفس الباحث، وهو أيضاً تقرير وصفي سريع لعددهم وجنسياتهم ووظائفهم، ومؤسساتهم، ومثله بحث عن شيعة إيطاليا، برغم تهجمه على معارضي التشيع. وهذا الفصل على قلة حجمه ودقته إلا أنه أفضل ما في الكتاب.

وجاءت خاتمة الكتاب بمقال عن تعداد الشيعة في العالم من إعداد د. صالح شبل، ولعل المعلومة الصحيحة من عشرات الأرقام التي ذكرها هي أن نسب الشيعة في العالم 10% من المسلمين، أما بقية المعلومات فهي غير صحيحة على غرار أن غالبية العراق واليمن شيعة!! وأنهم في سوريا وأفغانستان كثيرون!!

أما حين يورد نسب الشيعة فنجد العجب مثل: أن نسبة الشيعة في البحرين 61.3%، ونسبتهم في إيران 94% والبقية مذاهب وأديان أخرى، وهكذا يكون شطب السنة في إيران الذين يمثلون على أقل التقديرات 25%!! وفي العراق يجعل الشيعة 62.5% والسنة 34.5%، فإذا كان الأكراد معروف أنهم حوالى 17% فإن العرب السنة يكونون مثلهم في النسبة وهذه مغالطة مكشوفة!! أما الكويت فيجعل الشيعة فيها 30% والسنة 45 % والباقي مذاهب أخرى، وحاول أن تعرف بقية مذاهب 25 % من سكان الكويت إذا لم يكونوا سنة ولا شيعة؟

ومع هكذا أرقام مغلوطة عن نسبة الشيعة في الدول من تقرير علمي أكاديمي لا نتعجب أن الرئيس المخلوع حسني مبارك يصرح في إحدى كلماته عام 2006 أن نسبة شيعة العراق 65 % فبالتأكيد كان يعتمد على مثل هذه الدراسات المغلوطة.

وختاماً: لقد أطلْت النفس في عرض ونقد هذه الدراسة بسبب خطورة بقاء الوضع هكذا في مراكزنا العلمية والبحثية في الجامعات العربية ونحن نخوض معركة البناء والخروج من الهيمنة الغربية ولا نريد أن نقع في فخ الهيمنة الإيرانية بواسطة أكاديميين مخترقين إيرانياً.



[1]  -  مقال بعنوان (لقاء مع وزير خارجية إيران) 1/6/2012، منشور على صفحة الأهرام الرقمي.

[2]  - مقال بعنوان (زيارة لبعض معالم طهران وجامعاتها ومؤسساتها الثقافية) منشور على بوابة الأهرام الرقمية في 1/10/2012.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق