التصوف والتشيع
الجمعة 16 نوفمبر 2012

 الشيخ عبد القادر الجيلاني نموذجا

عبد العزيز بن صالح المحمود – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

يخطئ من يظن أن التصوف على مدى العصور كان على شاكلة واحدة، بل هو تيار عريض ومتنوع، وما أريد أن أتحدث عنه في هذا المقال هو علاقة التشيع بالتصوف تحديداً، وقد دفعني لهذه الدراسة اطلاعي على عدد من الردود لأعلام من الصوفية على الشيعة طبع بعضها، وأكثرها مخطوط لم يطبع بعد، وسأتناول في هذا المقال موقف الشيخ عبد القادر الجيلاني (الكيلاني) رحمه الله من التصوف كنموذج لتلك الردود الصوفية على الشيعة.

لم يكن الشيخ عبد القادر الجيلاني رجلا صالحاً وعارفاً وحسب، بل كان من أهل العلم الدُعاة لمنهج الحقِّ، ممن ربَّوا أتباعهم ومريديهم على العقائد الصحيحة وذم البدع العقائدية وفرق السوء، والتحذير من الوقوع فيها، وكان من جملة ما حذّر منه: التشيّع بكل تفرعاته وفرقه؛ وهو ما ذكره في كتابه ((الغُنية لطالبي طريقِ الحقِّ عزَّ وجلَّ)))[1](؛ لكن هذا الأمر نُسي وأصبح مجهولاً؛ لأن مُحبي الشيخ عبد القادر - لا سيما الصوفية - عمّتهم الغَفْلة بهذا الشأن، وأصبح حبُهم للشيخ حبّاً عاماً منْ غير اقتداء بعلومه ومعارفه التي ربّى عليها تلامذته، والمعلوم أن للشيخ مكانة كبيرة عند جميع الصوفية؛ لكن يبقى السؤال: هل انتفع الصوفية من علومه وكتبه؟

والكلام موجّه أولاً لأصحاب الطريقة القادرية وتفرّعاتها في العالم الإسلامي والتي يعد أتباعها اليوم بالملايين)[2])، كما أن الكلام موجه لبقيّة الطرق الصوفية الأخرى؛ فللشيخ منزلة كبيرة عند هؤلاء كذلك([3])، لكن وللأسف لم تَعد كتب الشيخ هي المرجع لمريديه ومتبعيه، كما أن المشايخ وطرقهم لم يعودوا يعرفون العقائد الحقّة التي يَجب على طالب الغُنية وسالك الطريق إلى الآخرة أن يعلمها.

 

التصوف والتشيع:

لو كان وعي الشيخ عبد القادر وغيره بخطر التشيع موجودا عند الصوفية اليوم لما سَمِعنا أنّ  فلانا من الصوفية تأثّر بالتشيع([4])، أو أن بعض أهل التصوف يدافع عن الرافــضة، بل ويخفى على كثير منهم أنّ الرافضــة أصبحت تَستَغلهم لمصالحها، ولا عذر لأي صوفي  في حسن الظن بمن يطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين.

وقد وصل الحال ببعضهم أن تعاون مع الشيعة ضد أهل السُنة، كما فعل الصوفي حسن السقاف في الأردن والتي كُشفتْ علاقاته مع علماء قُم في إيران ضد أهل السُنة([5]).

هذا على مستوى الأفراد، أما على مستوى الجماعات والطرق الصوفية؛ فأصبحنا نسمع أنّ الطريقة الفُلانية لها صِلة بالتشيّع، فهذه الطريقة العزمية([6]) في مصر وانحرافها الواضح الجلي عن طريق السُنة، واقترابها من التشيّع، ومنافحتها عنه دينيا وسياسيا؛ حتى بلغ بهم الحد أن أَفتوا بكفر بني أمية، وقالوا إنّ أبا سفيان وولده معاوية ليسا صحابيين، وأن الصحابة من بني أمية لا يستحقون شرفَ الصُحبة، هذا فضلاً عن ظاهرة التشيّع السياسي المنتشر بين الصوفية، وقد شرعوا في مصر بتأسيس حزب سياسي بعد الثورة المصرية (25 يناير) بدعمٍ إيرانيٍ، وطالبوا بتدريس فقه آل البيت في الأزهر، وكأن أهل السُنة لا يعترفون بأهل البيت!

أما في اليمن فموقف الصوفية تجاه الحركة الحوثية الشيعية([7]) غير محمود([8]).

 وهذا الشأن لم يكن وليد قرننا الحالي، فبداية وجود علاقات مشتركة بين التصوف والتشيع تعود لعهود متقدمة، ففي القرن السادس الهجري بدأ التصوف يؤثر في التشيع بدخول أفكار صوفية فيه([9])، بينما في القرن الثامن الهجري صار العكس؛ إذ بدأ التشيع يؤثر في التصوف، فظهرت الطريقة البكتاشية([10])، والتي كانت خليطاً بين التشيع والتصوف، وانتقلت للجيش الإنكشاري العثماني فأفسدته، كما ظهرت طرق عرفانية شيعية؛ مثل الطريقة (الحيدرية) نسبة إلى حيدر بن علي الآملي (ت: 794هـ) مؤلف ((جامع الأسرار))، وبهاء الدين العاملي الصوفي الشامي، مؤلف ((الكشكول)) والذي أصبح شيخاً للإسلام عند الشيعة في إيران أثناء حكم الدول  الصفوية.

 لقد ساهمت العلاقات بين التصوف والتشيع للتمهيد للتشيع في إيران قبل ظهور الصفويين([11]). إلى أن بدأ عهد ظهور إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية.

 والجميع يعلم أن الطريقة الصفوية الصوفية السُنية([12]) هي التي تحولت فيما بعد إلى  الصفويين الشيعة، الذين اعتنقوا التشيّع والرفض الغالي وفرضوه بالسيف على إيران، وإسماعيل استخدم التصوف بين أتباعه لتنشيط وترسيخ الدعوة الشيعية عندهم حتى وصِفت حركته بأنها: (كانت شيعية الإطار صوفية الجوهر)([13]) وصدقوا.

ولولا أن شيخ الدولة الصفوية الرافضي محمد باقر المجلسي (1037-1111هـ) فصل التصوف عن التشيع لبقيت هذه الصلة ليومنا هذا. وكانت النتيجة المرة؛ أنّ إيران ومنذ ذلك الحين أصبحت عدوا للأمة لا ظهيراً لها.

ولا نريد أن نعمم هذه الظاهرة ونخرجها عن حجمها الطبيعي - كما يفعل بعض الناس - لأننا نحرص على إخواننا الصوفية من السنة في أن يبقوا مفاتيح للخير مغاليق للشرّ؛ فقد رفض المجلس الصوفي الأعلى وعدد من فضلاء الصوفية أن يوصف كلّ الصوفية بهذا، أو أن تُعمم هذه الظاهرة على الجميع، وأن يكون التصوف بوابة التشيع أو جسراً له إلى عالمنا السني الذي هو قوام الأمة وعمودها الفِقري، وطلب بعضهم تصحيح مسار التصوّف وأن توضع مناهج لهذا الغرض من ضمنها ما كتبه الشيخ عبد القادر الجيلاني في ((الغنية)).

أقول هذا لأني أعلم أنّ للتصوف في تاريخ أمتنا المجيد دوراً في جهاد أعداء الأمة([14])؛ فقد قاوم الأكراد السُنة بمن فيهم الصوفية محاولات الشاه عباس الصفوي لنشر التشيّع في مناطق الأكراد (كردستان) ورفضوا ترك دينهم إلى مذهب التشيع؛ وعندما عجز الشاه عباس عن تشييعهم لجأ إلى معاقبتهم؛ فقتلهم وشرَّدهم، فقد قتل في عدة أيام (70 ألف كردي)، ورحَّل (15000) عائلة كردية من موطنهم كردستان إلى غرب إيران إلى بلاد خراسان ليكونوا حاجزاً بينه وبين الأوزبك السُنة وبين الفرس الشيعة، لكن الأكراد أبوا إلا أن يبقوا على مذهبهم الحق، سُنة شافعية ليومنا هذا([15]).

وعلماء الدولة العثمانية - وجلّهم صوفية- كانوا من أشد الناس محاربة ومنافحة  للتشيع.

وليعلم السادة الصوفية وكل أصحاب الطرق؛ أن كبار وعلماء ومقدمي الصوفية كالشيخ عبد القادر الجيلاني والحكيم الترمذي([16]) وغيرهما، كانوا من أشد الناس محاربة ومقاومة للتشيع.

وكيف ننسى الصلحاء والزهاد والصوفية في المغرب العربي وبالأخص بلاد تونس ودورهم في مقاومة العبيديين الفاطميين، مقاومين بناء دولة الشيعة هناك بشتى الوسائل؛ تارة بالمناظرة وتارة بالمقاطعة والحث على قتال الفاطميين تارة أخرى، ونذكر أمثلة:

- الفقيه أبو بكر بن الهذيل الزاهد العبد المتقشف (299هـ) قتله الشيعة لأنه صمد وناظر على الثبات على السنة([17]).

- الزاهد الشذوني (309هـ) كان يجهر بتفضيل الخلفاء على علي رضي الله عنه، فقتله عبيد الله المهدي العبيدي.

- بل كان الزاهد أبو إسحاق السبائي يقول في رقيته بعد قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين: ((وببغضي في عبيد الله وذريته، وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته، واشف كل من رقيته))([18]).

هذا قديما أما حديثاً فقد كان للتصوف دورٌ كبيرٌ في إرجاع تركيا إلى حظيرة الإسلام بعد أن أسقط الكماليون الخلافة العثمانية، والفضل بعد الله يعود لبديع الزمان سعيد النورسي          (ت: 1960م) والأستاذ فتح الله كولن([19]).

واليوم آن الأوان ليكون للصوفية دورٌ رائدٌ في الدفاع عن العقيدة الإسلامية والذبِّ عن الصحابة وأمهات المؤمنين وقادتها وأعلامها([20]).

 

موقف الشيخ عبد القادر الجيلاني من التشيع في كتابه ((الغنية))

الشيخ عبد القادر الجيلاني عالم من علماء أهل السنة، وهو حنبلي المذهب، وجميع عقيدته توافق عقائد أهل السنة والجماعة، وما يخصنا هو بيان موقفه من التشيع في كتابه ((الغنية))، وسنعرض رؤيته للتشيع من خلال المسائل التالية:

- معتقده في الصحابة([21]): ذكر عقيدة أهل السنة في الصحابة وفي أفضلية الصحابة وعدالتهم، وفي ترتيب الخلافة على منهج أهل السنة، ثم يورد نصوصا في مدح علي رضي الله عنه لأبي بكر، وعندما وصل لخلافة عثمان قال: (فكان إماماً حقاً إلى أن مات، ولم يوجد فيه أمر يوجب الطعنَ فيه ولا فسقه ولا قتله، خلاف ما قالت الروافضُ تبّاً لهم). ثم تكلم عن نزاع الصحابة والقتال بين علي ومعاوية وأن كلا الفريقين ذهب إلى تأويل صحيح، ثم ذكر خلافة معاوية وقال: (فوجبت إمامته بعقد الحسن له، فسُمّي عامُه عام الجماعة، لارتفاع الخلاف بين الجميع، واتّباع الكلّ لمعاوية رضي الله عنه؛ لأنه لم يكن هناك منازع ثالث في الخلافة) ثم تكلم عن أمهات المؤمنين وآل البيت وأورد أحاديث في فضل الصحابة، وأحاديث في التشنيع على من سبهم، وعندما ذكر أهل البدع وعلاماتهم ذكر الشيعة: (وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر ناصبة).

 -  بيان مقالة الفرق الضالة عن طريق الهدى([22]): بين أن الفرق ثلاثة وسبعون فرقة، وأن أهل السنة فرقة واحدة، والرافضة اثنتان وثلاثون فرقة، واعتبر الشيعة فرقة ضالة منحرفة.

ذكر فرق الشيعة([23]): ولم يكتف بالذكر المجمل بل فصل فرق الشيعة فرقة فرقة، من الغلاة والزيدية والرافضة وكل فرقة بصفتها ومن أسسها، وحدد مواطن تواجد الشيعة الجغرافي قائلا: (وأكثر ما يكونون في بلاد: قُمْ، وقاشان، وبلاد إدريس (المغرب العربي)، والكوفة)، وعنما ذكر بعض اعتقادات الغالية عقبه بقوله: (وهو الكفر الذي لا يشوبه شيء).

 - بيان مشابهة الرافضة لليهود([24]): ثم تكلم عن مشابهة الرافضة لليهود موردا أثر الشعبي المشهور([25])، ويختمها بوصفهم: (كذبوا تَبّاً لهم إلى آخر الدهر).

وقد انتقد الشيعة في مواطن من كتابه كما سيمر بنا في نقده لما يفعله الشيعة في عاشوراء.   

 

الشيعة والشيخ عبد القادر الجيلاني:

عندما أراد الشاه إسماعيل الصفوي احتلال بغداد أرسل قائده (حسين بك لاله) وأمره بتهديم مدينة بغداد وقتل أهل السُنة والصُلحاء (الصوفية)، حتى توجّه إلى مقابر أهل السُنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم.

وبدأ يعذّب أهل السُنة ويذيقهم سوء العذاب بأيدي الجنود أو يسلمهم للشيعة ليسلبوا أموالهم ثم يقتلونهم، محاولا تحويلهم للتشيّع كما فعل في إيران، ثم هدم مسجد أبي حنيفة النعمان في مدينة الأعظمية، ونكّل ونبش قبره، وهدم المدارس العلمية للحنفية، وهدم كثيراً من المساجد([26]).

وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة حتى قال ابن شدقم - أحد مؤرخي الشيعة- في كتابه «تحفة الأزهار وزلال الأنهار»([27]) : (فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور).

وقد فرّ كثير من سنة بغداد من المدينة للنجاة؛ وممن هرب الأسرة الجيلانية (آل الكيلاني) بعد أن خرّب الشاه إسماعيل قبر عبد القادر ومدرسته، فرّ هؤلاء إلى الشام ومصر([28]) وأخبروا العالم الإسلامي بما فعل الصفويون الشيعة ببغداد وأهلها([29]).

وبعد تحرير بغداد من أيدي الصفوية جاء السلطان العثماني سليمان القانوني فعمر مسجد ومدرسة الشيخ عبد القادر وذلك سنة 941هـ.

ثم جاء عهد الشاه عباس الصفوي، وفي سنة 1033هـ دخل بغداد مرة أخرى، وخدع أهل بغداد عندما وعدهم بالأمان إن سلموا أسلحتهم، فلما فعلوا ذلك أخذ يقتّل ويعذب الآلاف، ورفض كثير من أهل بغداد تغيير عقيدته، وفضلوا الموت على التشيّع ولو بالظاهر، فأخذ أطفالهم ونساءهم فباعهم كعبيد داخل إيران ولم يعرف لهم خُبر فيما بعد، وكان ينوي إبادة أهل السُنة في بغداد، لذا طلب من سادن وخادم كربلاء إعداد قوائم بأهل السُنة والشيعة كي يبيد أهل السُنة، وحوّل المدارس الدينية إلى اصطبلات لخيله، وهدم جامع أبي حنيفة وجامع ومدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكان هذا هو الهدم الثاني لهم.

لكن العثمانيين حرروا مدينة بغداد وكل العراق، وعمّروا مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني من جديد في عهد السلطان مراد الرابع وذلك سنة 1048هـ.

والشيعة في كلِّ العصور لم يحبوا الشيخ عبد القادر الجيلاني ولا الصوفية([30])؛ لأنه كان يحاورهم ويجادلهم إذ كان الشيعة يقصدون مجالسه([31])، بل وصل بهم الحد أن رموا الشيخ عبد القادر الجيلاني بالنصب وأن كلامه فيه مخادعة، هذه هي حقيقة الشيعة مع الشيخ عبد القادر الجيلاني والصوفية؛ فهذا آية الله السيد علي الحسيني الميلاني يذكر في أحد مؤلفاته، وفي موقعه على الشبكة العنكبوتية: (ومن دلائل نصب هؤلاء([32])  وعدائهم ما ذكره غوثهم الأعظم من ذكر يوم عاشوراء وهذا نصه: «فصلٌ: وقد طعنَ قومٌ على من صام هذا اليوم العظيم وما ورد فيه من التعظيم، وزعموا أنه لا يجوز صيامه لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، وقالوا: ينبغي أن تكون المصيبة فيه عامة لجميع الناس لفقده فيه، وأنتم تتخذونه يوم فرح وسرور، وتأمرون فيه بالتوسعة على العيال والنفقة الكثيرة والصدقة على الفقراء والضعفاء والمساكين، وليس هذا من حق الحسين رضي الله عنه على جماعة المسلمين.

وهذا القائل خاطئ ومذهبه قبيح فاسد([33])، لأن الله تعالى اختار لسبط نبيّه صلى الله عليه وسلم الشهادة في أشرف الأيام وأعظمها وأجلها وأرفعها عنده، ليزيده بذلك رفعة في درجاته وكراماته مضافة إلى كرامته، وبلّغه منازل الخلفاء الراشدين الشهداء بالشهادة، ولو جاز أن نتخذ يوم موته يوم مصيبة لكان يوم الاثنين أولى بذلك، إذْ قبض الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فيه،...

وقد اتفق الناس على شرف  يوم الاثنين، وفضيلة صومه وأنه تُعرض أعمال العباد فيه، وفي يوم الخميس ترفع أعمال العباد.

وكذلك يوم عاشوراء لا يتخذ يوم مُصيبة؛ ولأن يوم عاشوراء إنْ اتخذ يوم مصيبة ليس بأولى من أن يتخذ يوم فرح وسرور، لما قدمنا ذكره وفضله، من أنه يوم نجّى الله تعالى فيه أنبياءه من أعدائهم، وأهلك فيه أعداءهم الكفار من فرعون وقومه وغيرهم، وأنه تعالى خلق السماوات والأرض والأشياء الشريفة فيه وآدم عليه السّلام وغير ذلك، وما أعدّ الله تعالى لمن صامه من الثواب الجزيل والعطاء الوافر وتكفير الذنوب وتمحيص السيئات، فصار عاشوراء بمثابة بقية الأيام الشريفة، كالعيدين والجمعة وعرفة وغيرهما.

ثم لو جاز أن يتخذ هذا اليوم مصيبة لاتّخذته الصحابة والتابعون رضي الله عنهم؛ لأنهم أقرب إليه منا وأخص به،... فدلّ على بطلان ما ذهب إليه هذا القائل. والله أعلم».([34]).

وهذا مؤرخهم الكبير ومرجعهم في التراجم والسير الخوانساري يترجم للشيخ عبد القادر فيقول: (وضعته العامة العميا في أرفع مكان، وفتحوا له في سوق التصنّع والمخادعة للعوام دكاناً فوق دكان، بل جعلوا مكمن جسده كصنم من الأصنام العظام، وأن الرجل عدل عن دائرة العدل، وغفل عن قاعدة الشرع)([35]).

ثم جعل يطعن فيه ويشتم إلى ما هنالك من السباب والشتائم، وأنكر كراماته وطعن في نسبه.

وهذا شارح نهج البلاغة المحقق حبيب الله الهاشمي الخوئي يقول: (وقد تبين وتحقق لك مما أوردناه في شرح هذا الكلام لأمير المؤمنين عليه السلام أن مذاهب الصوفية بحذافيرها مخالفة لمذهب المتشرعة الإمامية الحقة، ... كما ظهر لك أن الآيات والأخبار في لعنهم وطعنهم والتعريض والإزراء عليهم - لعنهم الله تعالى- متظافرة، وأن الأخبار التي تمسكت بها هذه الفئة الضالة المبتدعة المطرودة الملعونة ... فويل لقوم اتخذوا سلفهم الذين مهدوا لهم البدعات، وموهوا لهم الضلالات أربابا، فرضوا بالشبلي والغزالي وابن العربي وجنيد البغدادي أئمة ... خذلهم الله تعالى في الدنيا، وضاعف عليهم العذاب في العقبى)([36]). 

أيها الصوفية، أيها المشايخ الأفاضل، إن تقرب بعض الصوفية إلى الشيعة بحجة محبة آل البيت، أو أن سلسلة التصوف ترتبط بمشايخ آل البيت وغير ذلك خدعة كبرى، فجميع أهل السُنة يحبون آل البيت ويجلونهم وهذا من صلب عقائدهم، ومهما أحببتم الشيعة فلن يحبونكم، واستمعوا إلى قوله تعالى حين يقول في من هم من جنسهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [آل عمران:118-119] .

ونحذركم يوم الدين الذي قال فيه المولى: ( هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [ المائدة: 119].



[1] - وقد  رأيت من المناسب أن أنشرها مستقلة، وستصدر قريبا عن مكتبة الإمام البخاري بمصر.

[2] - تنتشر الطريقة القادرية من بغداد إلى إفريقيا وتركيا وشرق آسيا.

[3] - يعتبر بعض الدارسين أن الشيخ عبد القادر الكيلاني أعظم شخصية صوفية ظهرت بعد الحسن البصري.

[4] - نضرب لذلك أمثلة: حسين رجا من أكابر أصحاب الطريقة القادرية في دير الزور في سورية أصبح  من دعاة الشيعة، وكذا حسن شحاتة المصري كان صوفيا وتشيّع، ومُفتي سوريا أحمد بدر الدين الحسون الصوفي أصبح بوقا للتشيع بل للنصيرية، والنيل أبو قرون الصوفي السوداني المعروف أصبح يشتم الصحابة جهارا نهارا.

[5] - ((عودة الصفويين)) (85) للمحقق طبعة مكتبة الإمام البخاري، 2007م. وهو في الأصل مقال في مجلة الراصد، بارك الله في هذه المجلة الرائدة، التي قدمت الكثير الكثير.

[6] - هي من الطرق المعاصرة نسبة إلى ماضي أبو العزائم، أسسها سنة 1934م، ثم انتقلت إلى ولده أحمد ثم ابنه عز الدين ثم أخيه علاء الدين.

[7] - هم زيدية من الفرقة الجارودية؛ لكن لهم صلة قوية بإيران، وأصبحوا أقرب إلى الشيعة الإمامية.

[8] - مؤسف أن نرى داعية صوفياً هو الحبيب الجفري يترحّم على الخميني في موقعه، وأن تصبح دار المصطفى في مدينة تريم برئاسة ابن حفيظ الصوفي المعروف مدخلا لتشيع الكثير من أهل اليمن.

ولا بد من أن نذكر أنه ظهرت في اليمن في بداية القرن الماضي مدرسة صوفية تميل إلى الرفض، وكان من أكبر دعاتها شخص يعرف باسم ابن عقيل الحضرمي صاحب كتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل)، وقد شنَّع في كتابه على المحدثين لعدم قبولهم أحاديث الرافضة، وظهرت في كتبه معالم التشيع الصريح. وردَّ عليه علامة الشام جمال الدين القاسمي رحمه الله.

[9] - الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، د. كامل الشيبي (106، 127). وضرب لذلك أمثلة منها العالم الشيعي  كمال الدين هيثم البحراني (ت: 679هـ). وكيف أن الشيعة أخذوا العلم على علماء السنة؛ وتعليل ذلك عندي أنه زمن انتصار (السلجوقيين/ السنة) على (البويهيين/ الشيعة) وطبيعة الشيعة القائمة على التلون.

[10] - أسسها محمد بكتاش (ت: 738هـ) في عهد السلطان العثماني أورخان، ثاني سلاطين آل عثمان، بعد أن انتقل من خراسان إلى تركيا، وخير من فصّل في تشيع هذه الطريقة الدكتور طالب محسن حسن الوائلي في كتابه ((الصفويون من الطريقة الصوفية حتى تأسيس الدولة))، دار تموز، سورية، 2012م. ((في التصوف الإسلامي)) (ص 85-87 ) للدكتور حسن الشافعي، والدكتور أبو اليزيد العجمي، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1996م.

ولم تكتف الطريقة البكتاشية بالتأثيرات الشيعية، بل أدخلت التأثيرات المسيحية وأعلنت الثالوث المعروف (الله، محمد، علي) كثالوث إسلامي، ومَنْ مِنْ أهل العراق لا يعرف هذا الثالوث الذي دخل في أمثال السنة والشيعة!

[11] - أي أن التصوف هو الأرضية التي مهّدت للصفويين للتشيع قبل ظهورهم، ولم يكن التشيع  ليفرض بالسيف وحده، بل كان قطفا لثمار زرعت سلفا. ولا أقول – ظلما- إن التصوف وحده أثر في تشيّع إيران فقد ساهم الصراع الحنفي الشافعي على ذلك، فقد وصل الحد إلى أن استعان الحنفية بالشيعة على محاربة الشافعية، وذلك في القرن الخامس الهجري، انظر ((معجم البلدان)) ياقوت الحموي (3/117) وما نقله رسول جعفريان في كتابه ((الشيعة في إيران)) (229) عن كتاب ((مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض)) لعبد الجليل القزويني.

[12] - تنتسب الأسرة الصفوية إلى الشيخ صفي الدين الأردبيلي (650هـ - 735هـ)، الذي كان في بداية عهده من مريدي الشيخ تاج الدين الزاهد الكيلاني، والذي كان واعظاً صوفياً في مدينة أردبيل (أذربيجان)، ثم أسس فرقة صوفية تسمى الإخوان أو الطريقة الصفوية وقد كثرت هذه الفرقة في إقليم أذربيجان.

[13] - ((الصلة بين التشيع والتصوف)) لمصطفى كامل الشيبي (2/373).

[14] - وسبب ذلك أن هذا التصوف يصاحبه أشياء جيدة من مذهب فقهي كالشافعي مثلاً وما شابه، أو يصحبه أصل عقدي جيد يبقى تأثيره فيه واضحا، أما من كان صوفيا صرفاً كالحلاج وابن عربي والسهروردي ، فلم يكن لهم دور فعال، بل كانوا سبباً في هزيمة المسلمين الفكرية والعسكرية وكانوا يهدمون حصون الإسلام من الداخل. 

[15] - ((خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقـدم العصور التاريخية حتى الآن)) محمد أمين زكي، ترجمة محمد علي عوني، 1936م، (207، 208، 211). وفي ذلك عبرة للأكراد وخاصة أكراد العراق، فقد صمد أجدادهم على المذهب، وفعل الشاه عباس ما فعل، فقد حاربهم من أجل المذهب وليس لأنهم أكراد، واليوم تعاون قادة أكراد العراق مع الشيعة واطمئنوا لإيران، ولن ترحمهم إيران إذا انتهت من سُنة العراق العرب، فالأكراد على أية حال سُنة، والعاقل من اتعظ بغيره.

[16] - للحكيم الترمذي (ت: 318هـ) كلام كثير في ثنايا كتبه رداً على الشيعة وله رسالة مستقلة في ((الرد على الرافضة)) مخطوط في تركيا في مكتبة ولي الدين رقم (770)، ناقصة الآخر، وسمعت أن أحد المستشرقين نشرها.

[17] - ((جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة)) (217) للدكتور إبراهيم التهامي، مؤسسة الرسالة ناشرون.

[18] - ((معالم الإيمان في حب أهل القيروان)) ( 3/71) لعبد الرحمن بن محمد الدباغ، تحقيق إبراهيم سبوح، مكتبة الخانجي بمصر، 1968.

[19] - وكلاهما من الصوفية العلمية المعتدلة.

[20] - لم يكتف الشيعة بذم الصحابة وأمهات المؤمنين، بل كل قادة الأمة وأبطالها؛ فهم يسبون خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وصلاح الدين الأيوبي، وهارون الرشيد، ومحمد الفاتح وغيرهم كثير، إن تاريخنا منذ 14 قرنا هو تاريخ سُني ولن يعترف به الشيعة ولا برجالاته. 

[21] - ((الغنية )) (  1/352- 369).

[22] - المصدر السابق (1/386-395).

[23] - المصدر السابق (1/407- 428).

[24] - هذا  الموضوع  حذف في الطبعة العراقية في موضع (1/428) ، بتعمد إما من المحقق الدكتور فرج توفيق وليد رحمه الله، أو من رقابة المطبوعات لأن الكتاب طبع محققا في العراق سنة 1984 إبان الحرب العراقية الإيرانية، فعلوا ذلك مجاملة للشيعة فحرفوا نص الشيخ عبد القادر الجيلاني. 

[25] - وهو أثر عن الشعبي طويل بدايته: "ما رأيت أحمق من الخشبية (الشيعة) لو كانوا من الطير لكانوا رخًا، ...".

[26] - انظر ((تاريخ الأعظمية))، وليد الأعظمي (113)، والشيعة في كل أوقاتهم يكرهون السنة ويكفرونهم ويلعنون بشكل خاص الإمام أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه، فالأحناف كانوا من أشد المذاهب عداء للشيعة، وكثير من الصدامات في باكستان بين السنة والشيعة هي مع الأحناف.

[27] - طبع في طهران في أربعة مجلدات.

[28] - من ذرية الذين غادروا العراق إلى الشام: علامة الشام جمال الدين القاسمي، والعلامة محب الدين الخطيب رحمهما الله.

[29] - أخبار أفعال الشاه إسماعيل ببغداد منثورة في كتب التاريخ السُني والشيعي، وانظر: "العراق بين احتلالين" للمؤرخ عباس العزاوي، و"أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث"، ستيفن لونكريك وغيرهما.

[30] -  حتى ألف  عالمهم الحر العاملي كتاب ((الرسالة الإثني عشرية في الرد على الصوفية)) فقال في (13-16): (روى شيخنا الجليل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي في كتاب ((الكشكول))، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ()لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من أمتي اسمهم صوفية ليسوا مني وإنهم يهود أمتي وهم أضل من الكفار وهم أهل النار)).

[31] - ((قلائد الجواهر في مناقب عبد القادر)) (ص 30) للتادفي، القاهرة، 1956م.

[32] - جعل الميلاني الشيعيُ الشيخَ عبد القادر ناصبيا، حاشاه.

[33] - هكذا يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني بوضوح في مذهب الشيعة: (مذهبه قبيح فاسد) بوضوح أيها السادة الصوفية إن مذهب الشيعة مذهب قبيح فاسد.

[34] - (( نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار)) (4/246).

أما في موقعه فنقل الكلام ولكن في أوله: ((ولبعض مشايخ القوم في التصوّف والسلوك إلى الله!! أُسلوب آخر، ظاهره أنيق، وباطنه إغراء وتخديـع...)) ثم ذكر كلام  الشيخ عبد القادر انظر:

  http://www.al-milani.com/eref/lib-pg.php?booid=39&mid=218&pgid=1332

)) - [35]روضات الجنان)) للخوانساري (5/85 - 89).

[36] - ((منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة)) لحبيب الله الهاشمي الخوئي (14/21).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق