خصوبة المرأة المسلمة وصراع المستقبل
الثلاثاء 13 نوفمبر 2012

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

ثمة فارق كبير بين الحقيقة الواقعية وبين المفترض أو المثالي أو ما ينبغي أن يكون وعندما نكون بصدد تحليل حدث ما للوقوف على أبعاده وقراءة تداعياته واستخلاص أسسه وقواعده ومن ثم استراتيجية التعامل معه فينبغي النظر إليه بمنظار الحقيقة الواقعية.

يتأكد هذا المنظار عندما نبحث قضية الولاء والبراء، مع من تكون وضد من تحارب، من هو صديقك وحليفك ومن هو عدوك، ومن يقف على الحياد منك ومن يحاول خداعك، كم هي جميلة شعارات السلام والإخاء والعدالة وحرية المعتقد، ولكن إلى أي مدى تتفاعل وتتعايش هذه الشعارات على الساحة العالمية؟ بمعنى أين هي من منظار الحقيقة الواقعية؟ 

حرية الاعتقاد واحدة من القضايا الكبرى في العالم .. الإسلام كان واضحا وصريحا ومحددا ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )( البقرة: 256).

ولم يحدث على مدار التاريخ الإسلامي أن تم إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وتركت حرية العقيدة مكفولة لجميع المواطنين الخاضعين للحكم الإسلامي بدليل وجود أقليات دينية متنوعة في الدول الإسلامية تمارس شعائرها بحرية كاملة وفي هذا الصدد لن أقارن هذه الحرية بما مارسته أوربا في القرون الوسطى وما قامت به من محاكم تفتيش أجهزت على الوجود الإسلامي ولم تعتذر عنها حتى اللحظة.

ولكن المقارنة هي مقارنة بالواقع الحالي بنظامه العالمي الجديد ومؤتمرات الحوار بين الأديان التي تنعقد فيه والتي لم تستطع أن تغير من العقل المسيحي لتجعله يقبل بفكرة حرية المعتقد فهم يسعون بوسائل ملتوية لتنصير أكبر عدد ممكن من سكان الأرض.

 

ففي المؤتمر الأخير للأساقفة الذي انتهت أعماله في الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي تم تقديم ثمانية وخمسين مقترحا من أجل تنصير العالم إلى البابا بنديكت السادس عشر يتم فيها استغلال المرضى والفقراء ومدارس التعليم وكان مما جاء في الوثيقة المقدمة:

" ـ إن التعليم بُعد أساسى وبنّاء فى التبشير، وضرورة تربية الإنسان فى المدارس والجامعات الكاثوليكية التى يقوم بالتدريس فيها آلاف المعلمين رجالا ونساء فى القارات الخمس. لذلك يجب أن تكون المدارس حرة فيما تقوم به من تبشير وهذا حق لا تنازل فيه. ويجب أن تكون مؤسساتنا التعليمية عوامل للتبشير وتسهيل مهمة المدنيين المساهمين فى التبشير الجديد.

ـ الفقر والفقراء والأزمة الإقتصادية وما تفرضه من فاقة مجال واسع للتبشير وعلى من يمارسونه إقناع تلك الفئة بأن الكنيسة هى ملاذهم الآمن وتحويلهم إلى مبشرين ))[1]( .

ولكن في الوقت الذي يسعون فيه لتنصير العالم يفاجئهم  كاردينال من الروم الكاثوليك  بعرض فيلم على موقع يوتيوب يحمل توقعات مثيرة بشأن انتشار الإسلام في أوربا وهو مقطع فيديو مدته 7 دقائق يحمل اسم (التركيبة السكانية للمسلمين) وقد رفعه منصّرون أمريكيون عام 2009  وجاء في الفيلم أن الإسلام سيصبح الديانة الأولى في العالم في غضون سنوات قليلة وأشار أنه وفقا لإحصاءات المواليد يتضمن هذا الشريط أرقامًا ويقدم تقريرا عن التغيرات في الديموجرافيا العالمية طُرحت فيه نسبة الخصوبة المتدنية جدًا في البلدان الأوروبية بالمقارنة مع نسبة الخصوبة المرتفعة جداً لدى العائلات المسلمة.

حتى أنه تنبأ أن دولا أوربية مختلفة مثل فرنسا ستصبح في غضون 39 عاما جمهورية إسلامية مما أثار مناقشات ساخنة وحادة داخل جلسات المجمع الكنسي لدرجة أن فكرة انتشار الإسلام وضعت على قمة جدول أعمال المجمع الكنسي الذي حضره 262 من الأساقفة.

وهو ما أثار الذعر بين صفوف الجالية الإسلامية في أوربا خوفا من اندلاع حرب أديان أو بمعنى أدق حرب صليبية جديدة لمنع هذا الانتشار الإسلامي.

ما الذي يعنينا حقا من ذعر القساوسة من انتشار الإسلام وارتفاع معدل الخصوبة عند النساء المسلمات؟ وكيف نقرؤه بمنظار الحقيقة الواقعية؟

ببساطة شديدة: أوربا والعالم الغربي بكنيسته وعلمانييه يرفضون الإسلام رغم كل دعاوى الحوار الحضاري وحوارات الأديان، فحرية الرأي والمعتقد أن تكون مسيحيا أو تكون علمانيا ملحدا ولا خيار آخر أما اختيار الإسلام فهو اختيار خطير يدفعهم لرفع حالة التأهب القصوى.

هم ينظرون إلينا حقيقة باعتبارنا عدوا وإلا فما معنى الخوف من الزيادة الكبيرة في ارتفاع معدلات مواليد المسلمين؟ لماذا ترهب هذه الزيادة لو كان البشر متساوين حقا على الرغم من اختلاف ألوانهم أو أديانهم؟

الشعارات المتسامحة إذن غلاف خارجي براق لا يعكس الحقيقة الواقعية لدرجة أن الأساقفة الذين يوصفون بأنهم متسامحون ودعاة لحوار الأديان شككوا في حقيقة الأرقام وقالوا إنها لا تعكس الواقع ولكنهم لم يرفضوا الذعر الناتج عن حقيقة أن الإسلام ينتشر حتى في قلب أوربا ولم يقولوا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

قد يقول قائل: ولكننا كثير كغثاء السيل لا نؤثر في صناعة القرار العالمي بل نحن مضطهدون ولدينا معدلات فقر وبطالة عالية، وفي حال تخلف علمي وتقني، فماذا تحقق لنا معدلات الخصوبة العالية إلا المزيد من تكريس حالة الضعف والهوان.

ولو كان الأمر كذلك فلماذا فزع الأساقفة في مؤتمرهم من هذه الخصوبة العالية وما ذاك إلا لأنهم قرؤوها بصورة جد مختلفة عن هذه القراءة السلبية الانهزامية التي يقرأ بها البعض المشهد الحضاري.

للأسف الشديد البعض دائم التقليل من الذات الحضارية للأمة لا يرى إلا العيوب والنقائص والأزمات ويتجاهل عناصر الفتوة والحيوية والنجاح وفي الوقت ذاته ينظر هذا البعض إلى الآخر نظرة متسامحة إلى حد البلاهة ويغفل عن كثير من الإشارات الواضحة التي تؤكد سوء النوايا فهم يجلدون الذات بينما يلتمسون العذر من الآخر وهي رؤية تعكس أزمة نفسية وهزيمة حضارية كبرى فأنت لن تنهض أبدا وأنت لا ترى نقاط قوتك حتى تستطيع البناء عليها.

 والخصوبة التي تتمتع بها المرأة المسلمة هي واحدة من هذه النقاط المهمة والحاسمة فبينما تضع دولة كفرنسا إعلانات ضخمة في الشوارع تقول فيها: (فرنسا تحتاج إلى أطفال) ولا تستطيع المرأة الفرنسية الاستجابة لهذا النداء الوطني لأنها ابنة الحضارة المادية التي تجعل عمل المرأة المأجور مقياسا لتحقيق ذاتها والأطفال لا شك يعطلونها عن الارتقاء في السلم الوظيفي.

 ولو افترضنا جدلا أنها  قررت أن تتفرغ لتربية أبنائها فإنها لن تجد من ينفق عليها لأن الرجل الفرنسي ينهي علاقته بها بلحظات المتعة ومن الممكن جدا بل من الشائع أنه سيتركها تربي الطفل وحيدة ماديا واجتماعيا فكيف تستطيع إن أرادت أن تنجب المزيد في هذا الواقع الاجتماعي الذي يراه بعض المخدوعين أو المضللين منارة نسعى للوصول إليها ..

معنى وجود طفل أن يكون هناك عطاء وإنكار للذات وتضحية وأب يدعم ويعاون فإذا كانت ثمة حضارة تقوم على الفردية والمادية وتكاد تلفظ فيها مؤسسة الزواج أنفاسها الأخيرة)[2]( فكيف ترتفع فيها معدلات الخصوبة؟ إن نسبة الـ 1.2 التي يتكاثر بها الفرنسيون هي نتيجة حتمية لواقع حضاري هم من صنعه وتباهى به وحاول تصديره للعالم وهي تلك النسبة التي تتضح نتائجها السيئة بعد مرور جيل واحد أي خمسة وعشرين عاما.

على الجانب الآخر تستطيع المرأة المسلمة الاستجابة لهذا التحدي لأن المنظومة القيمية الحضارية تمنحها الفرصة لتحقيق ذلك على الرغم من الهجوم الذي تعرضت له هذه المنظومة وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها المرأة المسلمة في كثير من البيئات فالمرأة الفلسطينية هي أعلى امرأة على مستوى الخصوبة في العالم وذلك لأنها تواجه تحديا صعبا فهي تتحدى الاحتلال والقتل والتهجير والتعذيب والاعتقال بهؤلاء الأبناء فلذات الأكباد فكل ابن هو مشروع شهيد وكل ابن هو حجر في بناء المقاومة وكل ابن هو عقبة جديدة في وجه الاستيطان وكل ابن هو رسالة للصهاينة أن حلمكم وهم بعيد ولن تفرغ الأرض من أبنائها .. كل ابن قد يكون قائدا عظيما أو جنديا باسلا أو مرابطا صامدا .. كل ابن هو فرصة جديدة للنجاح والانتصار فكيف تضيع المرأة الفلسطينية فرصة وهي الواعية حتى لو لم تحصل إلا على تعليم بسيط.

هذا هو الفارق بين المرأة الفرنسية أو الهولندية التي تتدثر بالمادية وبين المرأة الفلسطينية المبدعة حقا فهي تدير منزلا ضخما بأبسط التكاليف تصنع خبزها وتخزن طعامها وتحكي لأولادها حكايات لا تنضب تنتصر فيها على الميديا العالمية .. تنجب وتنجب بروح العطاء فهي لا تشكو ولا تتذمر حتى لو استشهد الزوج أو اعتقل لسنوات طويلة فهي قادرة على الصمود.. فهل تدرك المرأة المسلمة أنها تمتلك أدوات كثيرة في معادلة الصراع الحضاري التي لا يراها البلهاء.



[1]  - لمزيد من التفاصيل عن وقائع هذا المؤتمر والمقترحات التي قدمت فيه راجع مقال الدكتورة زينب عبد العزيز، "المقترحات الثمانية والخمسين لتنصير العالم".

 

[2] - تبدو علاقة الفيلسوف الفرنسي الوجودي الشهير جان بول سارتر مع الرائدة النسوية سيمون دي بفوار نموذجا على تدمير مؤسسة الزواج حيث أنهم رفضوا الزواج على الرغم من علاقتهم المشروعة ومنح كل منهم صاحبه حرية إقامة علاقات جنسية متنوعة لا تتعارض في زعمهم مع علاقتهم الخاصة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق