جناية الفكر القومي على العراق
الأثنين 12 نوفمبر 2012

 عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

تناولت في العدد السابق مقارنة بين تجربة البعث في العراق وسوريا، وكيف أدت العقيدة اللاطائفية إلى سقوط العراق بيد الشيعة، بينما وفرت السياسة الطائفية الدعم والحماية للحكم البعثي في سوريا ومكنته من الصمود والبقاء في الحكم قرابة نصف قرن من الزمن.

وفي هذا المقال سنلقي الضوء على طريقة البعث العراقي في معالجة التحدي الأكبر الذي واجهه (شيعة العراق) وكيف انتهت به سياسته إلى تسليم العراق إلى الشيعة على طبق من ذهب بعد سقوطه المخزي في نيسان/ أبريل 2003، وذلك خلافاً لما يثيره الغرب والشيعة عن طائفية النظام البعثي وعنصريته ضد الشيعة.

1- لم ينطلق النظام البعثي في معالجته للملف الشيعي من منطلق ديني ولم ير مذهب الشيعة إلا مذهباً إسلامياً أصيلاً اختطفه الأدعياء والفرس والشعوبيون، وقد تعمد الأخذ بهذه الرؤية إعراضاً عن الحقائق التي لم تزل تتأكد بمرور الزمن وبتراكم الأحداث والوقائع والتجارب.

لم تكن حقيقة الشيعة لتخفى على النظام العراقي لا سيما أنه خبرهم في مواطن كثيرة وجربهم وتيقن من استحالة الجمع بين الولاء للوطن والولاء للمذهب لكنه أصرّ على الاعتماد عليهم وتقريبهم.

لقد ادعى صدام أنه يقاتل الفرس الطامعين مع أنه ابتدأ بإعدام الزعيم العربي محمد باقر الصدر وأتباعه من الشيعة العرب، وأعرض عن الاستعانة بالإسلاميين السنة في مواجهة التشيع وضحى بأمن البلاد ومصير الشعب تمسكاً منه بجاهلية الفكر القومي والمذهب العلماني فأسلم العراق إلى الشيعة الخونة.

أيقن النظام السابق أن ولاء الشيعة لمذهبهم دون وطنهم، وأن حبهم للخميني وكربلاء وعاشوراء يفوق حبهم للعراق وبغداد والعرب، ومع ذلك لم يبطش بهم إلا حينما حاولوا الانقلاب عليه أو النيل منه (أثناء الثمانينات، وفي آذار/ مارس 1991) ولم ينتهج سياسة حكيمة تعالج هذا الورم الذي استشرى في جسد الوطن.

فالاستبداد والإعجاب بالرأي منعا صدام من الاستعانة بالسنة واستشارة أهل الخبرة والاختصاص في تدبير شؤون بلد يعاني من وجود شيعي يدين بالولاء للعدو، فلم يستشعر خطراً على نظامه الذي يفتقد إلى الولاء الشعبي والإسناد الداخلي، وبدلاً من سد هذه الثغرة بتقوية البناء السني المتكفل بحفظ الدولة والنظام، عكف على بناء قاعدة حزبية تدين بالولاء لشخصه، ليجد نفسه مخذولاً من حزبه، معزولاً عن مجتمعه الذي أخذ يلعنه ويلومه على المصير الذي جرّهم إليه.

2- لم يكن الاصطدام بين البعث والشيعة إلا ضرورة أملاها الواقع، لبسط السيطرة الأمنية وتحصين النظام الحاكم وفرض هيبة الدولة، فالعراق القوي لا يقوم إلا على عقيدة العداء الدفاعي والهجوم الوقائي ضد إيران ومذهبها، فمن أراد الخير للعراق وأهله فلا بد أن يأخذ بحسبانه خطر المذهب وأن يُعد الخطط للمواجهة مع الإيرانيين (شيعة الخارج) فقيادة المذهب السياسية في إيران تسعى لإلحاق العراق (قبلة المذهب) بها حتى تتفرد بالسيادة الدينية والسياسية وبذلك يتعزز نفوذها الإقليمي وقدرتها على التلاعب بالبلاد الحاوية للأقليات الشيعية، وهو ما تحقق لإيران بعد احتلال العراق (نيسان/ أبريل 2003).

أما شيعة الداخل فلا يلائمهم العراق المستقل سياسياً وثقافياً، المتمتع بالقوة والسيادة والعافية لأن ذلك لن يتم إلا بالتمسك بالقيم العربية السنية وإقصاء الثقافة الشيعية الانتقامية الظلامية الجاهلية، فالرقي الحضاري والازدهار الاقتصادي والقوة العسكرية منوطة بولاء القيادة السياسية لتاريخ العراق وتراثه الإسلامي السني، ولذلك لم يخرج العراق من أيدي العرب السُنة إلا وانتهى أمره إلى الضعف والتبعية والانحدار الحضاري والتردي في ظلمات الجهل والظلم كما هو الحال بعد نيسان 2003.

3- لعل أكبر خطايا النظام السابق هو منع ظهور قيادات سنية (دينية، أو فكرية، أو عشائرية، أو سياسية) فالأنانية والدكتاتورية جعلتا صدام يقصي السنة ومنعته من الاستعانة بهم وتقويتهم مخافة أن ينقلبوا عليه، فلم تكن غاية النظام السابق تأمين العراق وحفظه سياسياً وأمنياً وثقافياً، وإنما الاحتفاظ بالسلطة، ومن أجل ذلك قرّب المنافقين والانتهازيين من الشيعة والسنة، وكان يفضل النفاق الشيعي على الكفاءة السنية التي تُحجّم طغيانه وترشّد سياسته وتقف بوجه غروره.

وفي نفس الوقت، دعم صدام حسين قيام حوزة عربية مستقلة، حتى يكون لشيعة العراق مرجعية لا تتبع النظام الإيراني، وهذه السياسة الحمقاء المشبوهة لم تخل من صوت شيعي همس في أذن صدام ووصاه بها انتصاراً لطائفته.  

وقد ظهرت عاقبة ذلك بعد الاحتلال حيث التفّ الشيعة حول مراجعهم وأحزابهم، فيما ظل السنة حيارى هائمين على وجوههم، مختلفين منقسمين، لا يجتمعون على رأي ولا يتفقون على قضية، وأظهرت المحنة أشباه القيادات والزعامات الإعلامية، والكيانات الهزيلة، والشخصيات الموالية لإيران لا سيما أصحاب ما يسمى المشروع الوطني، وكل هذه القيادات والكيانات تتبرأ من هويتها السنية وتتهرب من دفع الشر عن أهلها بل تعتصم بالخطاب الوطني والعقلانية والتقارب كوسيلة لتحصيل الحقوق ودرء الشرور عن الشعب (وليس أبناء السنة).

4- حارب النظام السابق الدعوات والحركات السنية كالإخوان والسلفيين، وكان التيار الصوفي في الدولة بزعامة عزت إبراهيم الدوري، نائب الرئيس، يدير هذا الأمر ويوجهه، حتى وصل الأمر الى إصدار مجلس قيادة الثورة القرار رقم (201) لعام 2001 والذي يقضي بإعدام كل من ثبت انتماؤه للمذهب الوهابي!

كما وُضعت المساجد والشباب الإسلامي تحت المراقبة والتضييق الأمني ومورس بحق القطاع المتدين إرهاب منظم أدى الى إعدام بعضهم وسجن الكثير من الدعاة والمثقفين الإسلاميين، رغم أن أجهزة الأمن لم ترصد أي نشاط سياسي أو حراك مريب يستوجب الحذر الأمني.

وكان الأولى بالنظام فسح المجال أمام السلفيين، فهم حائط الصد الوحيد القادر على التصدي للتشيع فكرياً وثقافياً، واعتبار ذلك خطوة ضرورية لحفظ الأمن الوطني العراقي، لكن الحمق والغرور استبد بالبعثيين فكان مصرع زعيمهم على يد الشيعة في أجواء طائفية صدمت العالم الإسلامي.  

5- تغافل النظام عن الوجود الشيعي في الأجهزة الأمنية الحساسة (مديرية الأمن العامة، جهاز المخابرات)، وكان لهذا الوجود أثر واضح في محاربة النشاط الديني السني، والتستر والتغطية على النشاط الشيعي التخريبي.

6- تغافل المسؤولون في وزارة الأوقاف والأجهزة الأمنية والحاشية المحيطة بصدام (القصر الجمهوري) عن التقارير المقدمة قبل بعض السنة حول الأنشطة الطائفية للشيعة!

لم يحقق النظام بسياسته الحمقاء إلا تقريب المنافقين والوصوليين من الجانبين (السني والشيعي) ولم يفلح في اجتذاب السنة المستائين من فساد النظام واستبداده واستئثاره، ولا الشيعة الحانقين عليه بسبب بطشه بأئمتهم وأبناء مذهبهم، ولذلك كانت نهايته مخزية وسيتحدث بها التاريخ.

7- لم يُثبت النظام حزمه وقوته وصلابته إلا في موضعين:

- حرب إيران 1980-1988.

- قمع التمرد الشيعي عام 1991.

 وفي هذا دليل على أن قوة القيادة السياسية في العراق تعتمد على مدى عدائها لإيران ومحاربتها لوجودها وامتداداتها في العراق (الشيعة)، فالحروب التي خاضها النظام (اجتياح الكويت، عاصفة الصحراء، الحرب الأخيرة عام 2003) انتهت بهزائم كبيرة، ولم يُثبت فيها أي جدارة أو قدرة على مواجهة العدوان الخارجي والتصدي له.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق