الملحدون في مصر .. من الفيسبوك إلى السياسة!
الأثنين 12 نوفمبر 2012

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

ليس حديثنا هنا عن أتباع فرقة ضالة حادت عن طريق الحق واتبعت أهواءها، فضلّت عن سواء السبيل، فمعظم هؤلاء ورغم عقائدهم المشوهة وأفكارهم الغريبة يعترفون بوجود إله واحد، خلق الكون بكل ما فيه، ويقرّون بالحياة بعد الموت والحساب والجنة والنار.

أما ما نحن بصدد التطرق إليه والتوغل في دهاليزه فهو حال الذين وُلدوا من آباء وأمهات مسلمين لكنهم أصبحوا لا يعترفون بوجود الخالق، وإنما ُوجد الإنسان من وجهة نظرهم بالصدفة، فلا يعترفون سوى بالمادة، أما الغيبيات فهي بالنسبة لهم ليست سوى خرافات تتنافى مع العقل والمنطق!!

يعتقد الملحدون بعدم وجود أي أدلة أو براهين موضوعية على وجود الله تعالى، وبأن الدين أداة للسيطرة على إرادة الشعوب. وفي عصر الإنترنت والسماوات المفتوحة باتوا يشكلون خطرا حقيقيا على الأمة الإسلامية، ففي مصر مثلا تزايد عدد الملحدين بشكل خطير، وباتوا ينشرون أفكارهم بمنتهى السهولة على مواقع التواصل، وأصدروا مجلة إلكترونية ما لبثت أن تحولت إلى أخرى ورقية، ودشنوا العشرات من المواقع الإلكترونية، بل وصل الأمر إلى حد الإعلان عن إذاعة للملحدين، الأخطر من ذلك أنهم بدؤوا يمارسون نشاطا سياسيا بالانضمام إلى أحزاب علمانية ذائعة الصيت.

حالهم بعد الثورة

وفي واقع الأمر فقد تبدل حال الملحدين في مصر بعد الثورة وتعددت أنشطتهم، ظنا منهم بأن الوقت قد حان للظهور إلى العلن وطي صفحة الاختباء في الجحور، فكانت لهم مطالب لعل أبرزها هو أن ينص الدستور على حق إيجاد قانون مدني للأحوال الشخصية للملحدين وأن يتم تفعيل الزواج المدني للملحدين المصريين.

ومع الإعلان عن الانتخابات الرئاسية سارع هؤلاء إلى الإعلان عن تأييد أحمد شفيق المحسوب على نظام مبارك فقد أعلن كريم عامر - رئيس "اتحاد الملحدين المصريين" والمسجون السابق بتهمة سب الإسلام – تأييد شفيق في انتخابات الإعادة، وأكد أنه الوحيد القادر على التصدي لمن أسماهم بـ"الإخوان الظلاميين".

ونشر عامر على صفحته الشخصية على الفيسبوك صورة لبطاقة التصويت البريدي في السفارة المصرية في بولندا، ويظهر فيها تصويته لشفيق وكتب فيها: "صوتي لشفيق حتى أمنع تحويل مصر إلى دولة "إرهابية متخلفة" على يد "الإخوان المجرمين"، وساهمت بصوتي في محاولة مضنية لمنع تحويل مصر إلى أفغانستان جديدة.

لكن وصول رئيس إسلامي للحكم ممثلا في الدكتور محمد مرسي شكل صدمة عنيفة لهؤلاء، فتضاءلت أحلامهم في الصعود من القاع، وراحوا يشنون حملة شرسة على الإسلاميين مجندين كافة طاقاتهم لتشويه صورتهم.

إحصائية ملفقة

ليست هناك إحصائية دقيقة عن عدد الملحدين في مصر نظرا لتخفيهم وعدم الجهر بتوجههم لكن موقع "الحوار المتمدن" الذي يعتبر المنبر الأكبر للملحدين واللادينيين العرب زعم أن دراسة مبنية على استطلاع رأى بين شرائح مختلفة من المصريين، أظهرت أن نسبة الذين لا يؤمنون بإله فى مصر تصل إلى 3 بالمائة، وهو ما يعني أنهم لا يقلون عن مليونين ونصف المليون شخص، هذا بخلاف اللادينيين، وقال الموقع إن الدراسة مشتركة بين اثنين من الأساتذة الإيرانيين، الأول هو منصور معادل أستاذ الاجتماع بجامعة ميتشجن، والثاني هو تقي أزدار مكي، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة طهران، غير أن الموقع لم يذكر مصدر تلك الدراسة المزعومة.

جراد على الفيسبوك

وقد انتشرت المجموعات على موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) مؤخراً والتى لا تحمل فقط دعوة للإلحاد .. بل بعضها يقوم بدعوة الأشخاص الملحدين لإعلان إلحادهم وأسمائهم علانيةً، ومن أشهرها  مجموعة "ملحد وأفتخر" ويقترب عدد أعضائها من الـ 7 آلاف عضو من بينهم عدد من الأجانب ينشرون مشاركاتهم بالإنجليزية مثل "ستيفن" وهو من إنجلترا، و"داف هيرد" وجميعهم يعملون بجد على نشر الإلحاد بين الشباب العربي المثقف". يقول مشرف الصفحة: "ارفض ما لا يتقبله عقلك فلا يوجد شيء اسمه معجزات، إنها خرافات أشخاص مختلين عقليا قالوا على أنفسهم رسل، وأتباعهم صنعوا منهم آلهة". فيما يقول آخر ويدعى "جوبا بندرياس": "المؤمن بالله يؤمن به بناءً على كلام أشخاص ادعوا أن الله كلمهم خصيصاً من دون باقي الناس ليبلغهم رسالته، هؤلاء الأشخاص ليس لديهم أي شهود على دعواهم، ولا أحد سواهم يُسمح له بتلقي الوحي أو حتى رؤيته".

وهناك أيضا مجموعة "أصحاب العقول النيّرة" والتي يبلغ عدد أعضائها 79184 شخصا، وجاء في تعريفها: "صفحة تتناول وتناقش عيوب الفكر البشري بوجهة نظر حيادية بغية الوصول إلى الحقيقة وإلى تحرير البشر من كل ضروب الوهم والرجعية"، وكذلك صفحة "أنا ملحد" وعدد أعضائها 3040 والتي يقول صاحبها: "أنا لا أؤمن بالله ولكن أؤمن بقدرات الإنسان والأخلاق، ورغم خوفي من التعرض لمضايقات من أهلي وزملائي والمجتمع ككل، كنت بالتأكيد أعلنت عن إلحادي، ولكنني الآن أكتفي بالدعوة للإلحاد عبر الفيس بوك من خلال صفحتي الشخصية أو مجموعات الملحدين بالفيس بوك والمدونات الإلحادية، وكل أملي أن تتحقق مطالب الملحدين بمصر وهي الزواج المدني وأن تعترف الدولة بالملحدين وأن تُحذف خانة الديانة ويصبح لدى الجميع الحق في نقد الأديان والدعوة للإلحاد، وأعلم أن الطريق مازال طويلا خصوصا بعد وصول الإسلاميين للحكم".

ويضيف "سعينا جميعا كشباب للنزول في أحداث ثورة 25 يناير مطالبين بالتحرر من النظام السابق، فقد كنا مهددين بالسجن إذا أعلنا عن إلحادنا بتهمة ازدراء الأديان والحبس ما لا يقل عن 4 سنوات، وللأسف نحن الآن مهددون بالقتل من قبل المتشددين والمتطرفين الدينيين".

لكن هناك من الملحدين على الفيسبوك من تجرأ على الكشف عن نفسه بشكل علني وهو "ملحد مصري" والذي يلقبه الملحدون بـ "أسد الإلحاد" وله العديد من الفيديوهات المتداولة على موقع "اليوتيوب" تشرح في أجزاء منها "لماذا ألحد" كما يعلن على صفحته أنه يناقش التابوهات الدينية بلا خوف وجرائم الشيوخ وما يسميها الجماعات التكفيرية، وهو أيضا يحاول انتقاد الآيات القرآنية ويزعم بجهل أن هناك أخطاء نحوية في القرآن، فيعرض مثلا للآية الكريمة "لا ينال عهدي الظالمين" زاعما أن الظالمين فاعل وجاء منصوبا!!

كذلك صفحات "جماعة الإخوان الملحدين" وأعضاؤها 400 عضو و"ملحدون بلا حدود"، و"مجموعة اللادينيين" وتهدف لشرح الإلحاد والدعوة له وترفع شعار "أنت ملحد.. أذن أنت وحيد.. فانضم إلينا" وشبكة "الملحدون المصريون" وهي مغلقة وأعضاؤها 500 عضو و"ملحدون ضد الأديان" وهى تدعو لمبدأ "لا إله إلا العقل ولا رسول إلا الإنسانية" و"ليس لنا رب لكن لدينا ضمير وأخلاق وعقل".

وهناك بعض المجموعات الإلحادية التي يقبل عليها الملحدون مثل "تخاريف الشيوخ" و"الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم" و"الأديان من صنع الإنسان" و"أبشع جرائم الأديان".

كذلك مجموعة "اتحاد الملحدين المصريين" وتضم 1956 عضوا، ويأتي تعريفها على النحو التالي: "لأن الحقيقة أهم من كل الآلهة والأديان، لأن الخير أهم من كل الشرائع والوصايا، لأن سعادتي أهم من كل الوعود المؤجلة والتحريمات غير المبررة .. اخترت أن أكون ملحدا".

كذلك هناك العديد من المدونات وأشهرها مدونة علياء المهدي التي نشرت صورها عارية، ومدونة صديقها/ عشيقها "كريم عامر" رئيس "اتحاد الملحدين المصريين"، ومدونة "أنا إنسان" و"أنا أفكر" و"أنا ملحد فخور" وغيرها.

أهداف صهيونية

ومن خلال تتبعنا لهذه الصفحات والمجموعات تبين أن هناك هدفاً رئيسيا يتبناه الداعون إلى الإلحاد ويتلخص في أنه في حال عدم النجاح في تجنيد الشباب وإقناعهم بالفكر الإلحادي، فإنهم يدخلون في عملية غسيل دماغ صهيونية متعددة الخطوات تبدأ بتمييع ثقافتهم وتشويه هويتهم العربية والإسلامية كخطوة أولى، فمثلا نرى "رمضان خليفة" على إحدى المجموعات يقول: "بني فلسطين هل قال الله في القرآن: بني فلسطين أم بني إسرائيل؟ فكّروا في القرآن إذا كنتم مؤمنين به"، ونرى آخر يزعم أن المسجد الاقصى عندما نزل القرآن لم يكن موجودا في الأساس ولم يكن هناك سوى المسجد الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فيما يقول آخر: "هدم المساجد والكنائس هو الحل، أفضل من أن تقاتل الناس بعضها البعض من أجل "شوية" حجارة، أن تكون إنسانا صالحا لست بحاجة لتلك الحجارة تحتاج ضميرا فقط".

ويقول: "عزيز عقل": "سبب نزول مصر للحضيض هو فرض الهوية العربية وثقافتها البدوية عليها .. الهوية العربية هي علة مصر الكبرى .. الهوية العربية في خصومة شديدة مع الحداثة والعدالة وحقوق الإنسان والمرأة، والثقافة البدوية فى خصومة شديدة مع العقل والخير والجمال".

فيما يقول "ملحد وأفتخر": هل حقا مشهد مجموعة شباب في سهرة يحتسون فيها النبيذ مشهد يغضب الله ويجلب لعناته، بينما مشهد مجموعه شباب آخرين يخططون لتفجير منطقة كفار يرضيه ويعجبه؟"

ويقول أحد الملحدين منتقدا فريضة الجهاد: "ليس هناك ما هو أكثر جحيمية من أن يقتل إنسان إنسانا آخر لا لشيء إلا لكي يدخل الجنة".

وهذا كله إضافة إلى عشرات المقالات والمشاركات عن ضرورة تحرر المرأة العربية من قيود الشرف وغشاء البكارة ودعوتها إلى الإباحية والانحلال.

الإسلام فقط!

اللافت أن جلّ هجوم هؤلاء الملحدين موجه ضد الإسلام فقط في حين أنهم لا يؤمنون باليهودية ولا النصرانية ومع ذلك فهم لا يهاجمون سوى الإسلام بل إن أحد كبارهم ويدعى "عساف حسن" أرسل برقية تهنئة لأقباط مصر لاختيار البابا الجديد!! وهو ما يدفع للتساؤل حول الجهة التي تقف خلف نشر هذا الفكر الدوني بين أبناء المسلمين.

مجلة وإذاعة

لكن التطور الأبرز في نشاط الملحدين كان في إصدار مجلة تحمل اسم "أنا أفكر" وهي مجلة إلكترونية بالأساس، وإن كان يصدر منها نسخة ورقية غير مجانية يتم إرسالها لمن يرغب، مقابل عشرة دولارات للعدد، وهى تصدر منذ حوالي عام بشكل دوري كل شهر، وصدر منها إثنا عشر عددا حتى الآن.

المجلة تنطق، كما تقول افتتاحية العدد الأول منها باسم العدد الكبير من "الملحدين، اللادينيين، والعلمانيين" في العالم العربى والعالم ويرأس تحريرها شخص يحمل اسما مستعارا "أيمن جوجل" هو كاتب افتتاحياتها والمحرر الرئيسي لأعدادها. ورغم أن الكثيرين من كتابها يستخدمون أسماء مستعارة مثل "الحكيم الليبي"، و"الغراب الحكيم"، إلا أن هناك مقالات كثيرة تحمل أسماء حقيقية لكتاب معروفين مثل رندا قسيس، فراس السواح، زكريا أوزون وغيرهم.

 ومعظم الكتابات تحاول الإقناع بفكرة الإلحاد ووجود الإنسان في العالم بالصدفة وشرح نظرية "داروين"، إضافة إلى مقالات أخرى تهاجم الإسلام ونبيّه صلى الله عليه وسلم بشكل مهين، ففي العدد الثاني مثلا نص سيناريو لفيلم وثائقي عن "تحقير الأنثى فى الإسلام" لا يختلف كثيرا عن مضمون الفيلم الأمريكي المسيء للإسلام.

يحدث ذلك كله في ظل انشغال المصريين ورجال السياسة في مصر بالأزمات السياسية المتلاحقة كالدستور والأوضاع الداخلية المتردية. الجديد هو إطلاق إذاعة تحمل اسم" إذاعة الملحدين العرب" تنشر حلقاتها كل أسبوعين يوم الجمعة الساعة التاسعة مساء بتوقيت القاهرة على عدد من المواقع، ويتم تحميل برامجها على موقع "يوتيوب".

الملحدون والسياسة

كان من الطبيعي أمام هذا الانتشار غير المسبوق للملحدين في مصر- والذين تقدر بعض الإحصائيات المحايدة عددهم بما لا يقل عن نصف مليون شخص – أن يجدوا موطئ قدم في عالم السياسة، وهو ما كشفته حادثة القبض على ألبير صابر، المنسق الجماهيري لحملة المرشح الرئاسي السابق الدكتور محمد البرادعي والذي تبين أنه مدير صفحة "الملحدين المصريين" إحدى أكبر صفحات نشر الإلحاد على الفيسبوك، إضافة إلى فضيحة الكشف عن أن عددا من أعضاء حزب الدستور الذي يتزعمه البرادعي ملحدون، مثل خالد الشبراوي العضو بالحزب الذي اعترف على موقع "تويتر" بإلحاده وسخريته من الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وما خفي كان أعظم.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق