كتاب الشهر\العدد مائة وخمسة عشر - محرم 1434 هـ
إيران والمجتمع الدولي القصة الكاملة للمناورات السياسية وحقائق المفاوضات حول الملف النووي الإيراني
الأحد 11 نوفمبر 2012

 أسامة شحادة

خاص بالراصد

هذا هو الكتاب الجديد لتريتا بارزي، مؤسس ورئيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي الذي تأسس في عام 1997، وهو يهدف لتحسين الحوار بين الدولتين، وتوضيح المصالح المشتركة بينهما، وكان للمجلس دور في عرض إيران ما عرف باسم الصفقة الكبرى عام 2003، ونسقت لقاءات للرئيس الإيراني أحمدي نجاد مع عدد من الأكاديميين وقادة الأعمال وممثلي وسائل الإعلام الأمريكيين عام 2007.

وتريتا بارزي أمريكي من أصل إيراني، وقد عمل باحثاً في مركز وودرو ويلسون الدولي، وهو مستشار في شؤون السياسة الخارجية.

ويأتي هذا الكتاب بعد كتابه "حلف المصالح المشتركة، التعاملات السريّة لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة"، حيث يكمل فيه سرد قصة المفاوضات بين إيران وأمريكا في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما 2008 - 2012.

يقع الكتاب في 315 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت ترجمته العربية عن الدار العربية للعلوم في نفس سنة صدوره 2012، وميزة الكتاب أنه يستند في سرد القصة إلى مقابلات مباشرة لغرض تأليف الكتاب مع ما يزيد عن 70 شخصية لها علاقة بهذه المفاوضات من الإيرانيين والأمريكيين وبعض الأوروبيين والعرب.

والكتاب هو نوع من الدعوة المباشرة لصناع القرار والباحثين للّجوء لخيار التفاوض مع إيران بدلاً من الحرب، وذلك لأن الكاتب يرى أن المفاوضات هي الخيار الصحيح بشرط أن تدار بطريقة صحيحة "لأن الفرصة الدبلوماسية تبقى موجودة إن توفرت الإرادة السياسية لمتابعتها" (ص 8).

ودافع بارزي في ذلك الحرص على المصلحة الإيرانية (وليس نظام الملالي) والمصلحة الأمريكية، والتي قد تتعارض مع المصلحة الإسرائيلية من وجهة نظره كما بين ذلك في كتابه "حلف المصالح المشتركة".

والكتاب يزود القارئ قبل سرد تفاصيل المفاوضات المستمرة لليوم بحسب التسريبات الإعلامية مؤخراً، بسرد سريع للصفقة الكبرى التي عرضتها إيران على أمريكا عام 2003 والتي تشمل: وقف دعم حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين، والضغط عليهما لوقف الهجمات على إسرائيل، ونزع سلاح حزب الله وتحويله لحزب سياسي، وإخضاع برنامجها النووي للتفتيش الدولي، والتعاون في حرب الإرهاب، وقبول المبادرة العربية 2002 للسلام مع إسرائيل.

وهي الصفقة التي لم تقبلها أمريكا لشكّها بإيران، لكن الإيرانيين نفذوا بعض بنودها في تعاونهم مع الأمريكان في غزو أفغانستان والعراق.

يعد الكتاب نموذجاً عملياً لكيفية إدارة السياسة الدولية بتعقيداتها وانتهازيتها وتناقضاتها، وهو ما يجب أن يدركه كل طامح للعمل السياسي، فمثلا رغم كل الضغوط التي مارسها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على أوباما لإيقاف المفاوضات والقيام بعمل عسكري ضد إيران إلا أنه لم ينجح في ذلك بل تسبب في خلاف شخصي بينه وبين أوباما، لكن هذا لم يصب في مصلحة إيران تلقائياً كما قد يتصور البعض إذ بحسب تريتا "في النهاية لم تكن جميع ضغوط إسرائيل ضد الدبلوماسية التي كانت تخشاها ذات أهمية، إذ تبين أن الإيرانيين سيلحقون بالدبلوماسية ضرراً أكبر بكثير مما يمكن لإسرائيل أن تفعل" (ص112).

ومثال آخر على تعقيد المشهد السياسي وضرورة مراعاة كافة العوامل الأساسية والفرعية المتعلقة بالقرار السياسي، ففي أثناء المفاوضات جرى تزوير الانتخابات الرئاسية في إيران عام 2009 لصالح نجاد ضد زعيم الحركة الخضراء مير موسوي، ولكن كان قرار أمريكا عدم إدانة ما جرى علناً لأنه سيخدم نجاد بإلصاق تهمة العمالة بقادة الحركة الخضراء، وهو الأمر الذي تفهمته القيادات وغضبت منه القواعد الشعبية واتهمت أمريكا بخيانة الديمقراطية.

ومن الأمثلة أيضاً تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف حول سبب دعم روسيا لإيران في الملف النووي: "تعتبر إيران شريكاً لم يلحق الضرر بروسيا قط بأي شكل من الأشكال" (ص 166)، وهذا التصريح يكشف عن حقيقة خداع شعارات إيران بنصرة المستضعفين، فإذا كانت إيران لم تلحق الضرر يوماً بروسيا التي احتلت أفغانستان ودمرتها، واضطهدت المسلمين في الجمهوريات الإسلامية قريباً من 80 سنة، وحمت الصرب الذين استباحوا البوسنة والهرسك وأقاموا فيها المجازر الوحشية، فمتى تكون نصرة المستضعفين؟! ولعل هذا يفسر سبب تحالف إيران وروسيا بالوقوف خلف بشار الأسد في حربه ضد الشعب السوري.

في الكتاب تفاصيل المحاولة التركية والبرازيلية للمشاركة في حل عقدة المفاوضات حول ملف إيران النووي، وهي تبين آلية صعود القوى الوسيطة للعب دور في السياسات الدولية، وأن هذا لن يتم إلا بقوة ذاتية وقدرة على المناورة لرفض القوى الكبرى.

في ختام كتابه يشير تريتا بارزي إلى تناقض الموقف الإسرائيلي من ضرب إيران فيقول: "في حين كان الإسرائيليون يقولون لإدارة أوباما إن على أمريكا مهاجمة إيران وإلا فلن يكون لإسرائيل الخيار سوى فعل ذلك بنفسها، إلا أنهم كانوا يطمئنون الروس أنه ما من مخططات لشن هجوم"!! (ص 302).

وينقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في 2/2012 قوله: "لا أعتقد أن الإيرانيين في حال حيازتهم القنبلة، سيسقطونها في الجوار، فهم يفهمون تماماً ما قد يستتبعه ذلك، صحيح أنهم راديكاليون، ولكنهم ليسوا مجانين تماماً... إيران لا تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل" (ص 303).

وفي الفقرة الأخيرة من كتابه يوصى بارزي الإدارة الأمريكية أن عليها: "أن تلعب لعبة طويلة الأمد مع التركيز على الفوائد طويلة الأمد لإشراك إيران، كما عليها أن تكون أيضاً على استعداد لتقديم الاستثمار السياسي اللازم من أجل إعطاء العملية الفرصة للنجاح" (ص 315).

وهذه التوصية هي التي يجب أن تقلق منها دول الخليج بخاصة والدول العربية بعامة، فهي تطالب بعقد صفقة بين الطرفين أمريكا وإيران، وطبعاً سنكون نحن العرب من يدفع الثمن، كانت البحرين مرشحة لدفع الثمن في أحداث دوار اللؤلؤة لكن تحرك قوات درع الجزيرة عطل ذلك فيما يبدو، وقد تكون الثورة السورية اليوم هي من سيدفع الثمن لهكذا صفقة.

ومن هنا فالواجب على دول الخليج والدول العربية الوصول لمرحلة الاعتماد على الذات في مواجهة الأطماع الإيرانية والأمريكية، لأن صراعهما صراع مطامع مع بعضهما البعض، أما صراعنا معهما فهو صراع وجودي.  

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق